— Bagian 27 · ناة بن كنانة. —
Bagian 27
ناة بن كنانة. روى الحاكم عنه: قال كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع. قال أبو عمر: ولكنهما يعني أبا نجيح وأبا ذرّ رجعا إلى بلاد قومهما. وأنيس أخو أبو ذر كما سيأتي.
الباب الرابع في قصة إسلام أبي ذرّ وأخيه أنيس- رضي اللَّه تعالى عنهما - روى أبو داود الطيالسي والإمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن الصامت، والبخاري عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، كلاهما عن أبي ذر، قال ابن الصامت عنه: قد صلّيت يا ابن أخي قبل أن ألقى النبي ﷺ ثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال للَّه. قلت فأين توجّه؟ قال: حيث يوجّهني ربي ﷿ أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت نفسي كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. قال فقال لي أنيس أخي: إن لي حاجة بمكة فاكفني، فانطلق. ثم جاء. وقال ابن عباس عنه: كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل فكلّمه وائتني بخبره فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث عليّ ثم جاء فقلت: ما عندك؟ فقال: واللَّه لقد رأيت رجلا يأمر بخير وينهى عن الشر. وفي رواية لقد رأيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن اللَّه أرسله ورأيته يأمر بمكارم الأخلاق. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر كاهن ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، واللَّه إنه لصادق وإنهم لكاذبون، قال: فقلت: لم تشفني من الخبر فاكفني حتى أذهب فأنظر. قال: نعم وكن على حذر من أهل مكة فإنهم قد شنفوا له وتجهّموه. قال: فحملت شنّة لي فيها ماء. وفي رواية: فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فأتيت المسجد ألتمس رسول اللَّه ﷺ ولا أعرفه وأكره أن أسأل عنه. وفي رواية ابن الصامت: فتضعّفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الرجال الذي تدعونه الصابئي؟ فأشار إلى: فقال: الصابئي الصابئي فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا عليّ.
فتضعّفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الرجال الذي تدعونه الصابئي؟ فأشار إلى: فقال: الصابئي الصابئي فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا عليّ. قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم فغسلت عن الدماء وشربت من مائها، ولقد لبثت ثلاثين بين ليلة ويوم وما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع. فدخلت بين الكعبة وأستارها فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أصمختهم فما يطوف بالبيت أحد وامرأتان منهم تدعوان إحافا ونائلة فأتتا عليّ في طوافهما فقلت: أنكحوا إحداهما الأخرى. فما تناهتا عن قولهما، فأتتا عليّ فقلت: هنّ مثل الخشبة. غير أنى لا أكنّي. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا. فاستقبلهما رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وهما هابطتان قالا: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قالا: ما قال؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم. وجاء رسول اللَّه ﷺ حتى استلم الحجر وطاف بالبيت وهو وصاحبه، ثم صلّى، فلما
قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته أتيت فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فرأيت الاستبشار في وجه رسول اللَّه ﷺ. قال أبو ذر: فكنت أول من حيّاه بتحية الإسلام فقال: وعليك السلام ورحمة اللَّه. ثم قال: ممن الرجل؟ قلت: من غفار، فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار. فذهبت آخذ بيده فقدعني صاحبي وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه فقال: متى كنت هاهنا؟ قلت: كنت من ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني وما أجد على بطني سخفة جوع. قال: مباركة، إنها طعام طعم وشفاء سقم. وفي رواية ابن عباس عن أبي ذر قال: أقبلت حتى أتيت مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد، واضطجعت. قال: فمر بي على فقال: كأنّ الرجل غريب؟ قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل. قال فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره فلما أصبحت احتملت قربتي وزادي إلى المسجد أسأل عن رسول اللَّه ﷺ وليس أحد يخبرني عنه بشيء، فظللت ذلك اليوم حتى أمسيت فعدت إلى مضجعي فمر بي على فقال: أما نال للرجل أن يعرف منزله بعد؟ قلت: لا. قال: انطلق معي. فذهبت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره عن شيء، فلما كان اليوم الثالث فعل ذلك، فأقامه فذهب معه ثم قال له: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ فقلت له: إن كتمت عليّ أخبرتك. وفي رواية: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنّي فعلت. ففعل فأخبرته فقال: أما إنك قد رشدت إنه حقّ وإنه رسول اللَّه، فإذا أصبحت فاتبعني فإن رأيت شيئا أخافه عليك قمت كأني أريق ماء. وفي رواية: قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامضي أنت، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي ﷺ فقلت له: اعرض عليّ الإسلام، فعرض فأسلمت مكاني فقال: يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك فأخبرهم بأمري، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل فقلت: والذي بعثك بالحق- وفي رواية: والذي نفسي بيده- لأصرخن بها بين ظهرانيهم.
ا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك فأخبرهم بأمري، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل فقلت: والذي بعثك بالحق- وفي رواية: والذي نفسي بيده- لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرجت حتى أتى المسجد وقريش فيه فناديت بأعلى صوتي: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمد رسول اللَّه. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فثار القوم فضربت لأموت. وفي رواية حتى أضجعوني فأدركني العباس فأكبّ عليّ ثم قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأنه طريق تجارتكم عليهم؟! فأقلعوا عنّي. فلما أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئي فصنع بي ما صنع بالأمس، وأدركني العباس فأكبّ عليّ وقال مثل مقالته بالأمس.
وفي حديث ابن الصامت فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه ايذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول اللَّه ﷺ وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف وكان ذلك أول طعام أكلت بها. ثم أتيت رسول اللَّه ﷺ فقال: إني وجّهت لي أرض ذات نخل ولا أراها إلا يثرب فهل أنت مبلّغ عني قومك عسى اللَّه أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ قال: فأتيت أنيسا فقال ما صنعت؟ قلت: قد أسلمت وصدّقت. فقال: ما لي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمّنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وقال نصفهم: إذا قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة أسلمنا. فقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وأسلم نصفهم الباقي وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه. فأسلموا. فقال رسول اللَّه ﷺ: «غفار غفر اللَّه لها وأسلم سالمها اللَّه» .
الباقي وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه. فأسلموا. فقال رسول اللَّه ﷺ: «غفار غفر اللَّه لها وأسلم سالمها اللَّه» .
تنبيهات الأول: قال الحافظ: قول أبي ذرّ لأخيه: ما شفيتني مغاير في الظاهر لما في حديث ابن الصامت. ويمكن الجمع بأنه أراد منه أن يأتيه بتفاصيل من كلامه وأخباره فلم يأته إلا بمجمل. وفي حديث ابن عباس أن لقياه لرسول اللَّه ﷺ كان بدلالة عليّ، وفي حديث ابن الصامت أن أبا ذر لقي النبي ﷺ وأبا بكر في الطواف بالليل، كما هو مذكور في القصة، وأكثره يغاير ما في حديث ابن عباس هذا عن أبي ذر، ويمكن التوافق بينهما بأنه لقيه أولا مع علي ثم لقيه في الطواف، أو بالعكس، وحفظ كلّ منهما ما لم يحفظ الآخر. الثاني: قال في المفهم: في التوفيق بين الروايتين تكلّف شديد لا سيما أن في حديث عبد الله بن الصامت أن أبا ذر أقام ثلاثين لا زاد له. وفي حديث ابن عباس أنه كان معه زاد وقربة ماء إلى غير ذلك. قال الحافظ: ويحتمل الجمع بأن المراد بالزاد في حديث ابن عباس ما تزوّده لمّا خرج من أرض قومه. ففرغ لما أقام بمكة. والقربة التي كانت معه كان فيها الماء حال السفر، فلما أقام بمكة لم يحتج إلى ملئها ولم يطرحها. ويؤيده أنه وقع في رواية أبي قتيبة عند البخاري: فجعلت لا أعرفه- يعني النبي ﷺ وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد. الثالث: في بيان غريب ما سبق
الخفاء- بخاء معجمة وفاء- وزن كتاب: الكساء، أو رداء تلبسه المرأة أو العروس فوق ثيابها. فأين كنت توجّه: بفتح التاء والجيم، وفي رواية توجّه بضم التاء وكسر الجيم- وكلاهما صحيح. راث يريث بالمثلثة: أبطأ. أقراء الشعر، بالقاف والراء وبالمد: طرقه وأنواعه. شنفوا له، بشين معجمة مفتوحة فنون مكسورة ففاء، أي أبغضوه يقال شنف له شنفا إذا أبغضه. تجهموه- بالجيم: أي تلقوه بالغلظة والوجه الكريه. الشّنّة. بفتح الشين المعجمة والنون المشددة: القربة البالية. تضعّفت رجلا: أي نظرت إلى أضعفهم فسألته، لأن الضعيف مأمون الغائلة غالبا. الصّابئ: من صبأ يصبأ، إذا انتقل من شيء إلى شيء وكانوا يسمون من أسلم صابئا. مال عليه أهل الوادي: تحاملوا. المدرة: القطعة من الطين. النّصب- بضم الصاد المهملة وبسكونها: حجر نصب فعد من دون اللَّه وجمع أنصاب، كانوا يذبحون عليه فيحمرّ بالدم. تكسّرت: تثنّت لكثرة السّمن وانطوت. عكن [ (١) ] بطني: بضم العين المهملة وفتح الكاف وأعكانه جمع عكنة وهي الطيّ الذي في البطن من السّمن. السّخفة- بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة: ما يعتري الإنسان من الخفّة عند الجوع. وبضم السين: الخفّة في العقل. قمراء: مقمرة ليس فيها غيم. إضحيان- بكسر الهمزة والحاء المهملة وإسكان الضاد المعجمة بينهما: أي مضيئة. أصمخة- بالسين وبالصاد أيضا فخاء معجمة جمع صماخ وهي ثقب الأذن المتصل بالدماغ والمراد بالضرب هنا: النوم المانع من نفوذ الكلام إلى الأذن. إساف- بكسر الهمزة ونائلة بالنون والمثناة التحتية المكسورة: صنمان كانا لهم في الجاهلية. فما تناهيتا عن قولهما: أي ما انتهتا عن قولهما بل دامتا عليه.
إساف- بكسر الهمزة ونائلة بالنون والمثناة التحتية المكسورة: صنمان كانا لهم في الجاهلية. فما تناهيتا عن قولهما: أي ما انتهتا عن قولهما بل دامتا عليه.
الهن. والهنة- بفتح الهاء وتخفيف النون: كناية عن كل شيء وأكثر ما يستعمل كناية على الفرج والذّكر أي قال لهما: ذكر كالخشة في الفرج. وأراد بذلك سبّ إساف ونائلة وغيظ الكفار بذلك. الولولة [ (١) ] : الدعاء بالويل. الأنفار: جمع نفر أو نفير وهو الذي ينفر عند الاستغاثة أي لو كان هنا أحد من أنفارنا لانتصر لنا. كلمة تملأ الفم: أي لا يمكن ذكرها وحكايتها كأنها تسدّ فم حاكيها وتملأه، لاستعظامها. أما نال للرجل: يقال نال له إذا آن له كما في رواية بمد الهمزة، ويروى: أما أنى بالقصر وبفتح النون. وفي رواية مسلم: أما آن أن يعلم بمنزله. ويروى بدون همزة الاستفهام في اللفظ أي ما جاء الوقت الذي يعرف به منزل الرجل بأن يكون له مسكن معيّن. قد رشدت: من رشد يرشد من باب علم يعلم رشدا بفتحتين. ورشد يرشد من باب نصر ينصر رشدا- بضم الراء وسكون الشين. والرشد: خلاف الغيّ. بين ظهرانيهم- بفتح النون وبين أظهرهم أي وسطهم. فثار القوم- بثاء مثلثة فراء أي نهضوا. فضربت: بالبناء للمفعول. لأموت: أي لأن أموت، يعني ضربوه ضرب الموت. فأكبّ عليّ: أي رمى نفسه علي. فأقلعوا عني: أي كفّوا عني. قدعني [ (٢) ]- بقاف فدال مهملتين أي كفني، يقال قدعه وأقدعه إذا كفّه. طعم- بضم الطاء وإسكان العين أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام. وجّهت لي أرض: أي رأيت جهتها. لا أراها- بضم الهمزة وفتحها. إلا يثرب- هذا كان قبل نهى النبي ﷺ عن تسمية المدينة بذلك. احتملنا: أي احتملنا أنفسنا ومتاعنا على إبلنا وسرنا. ما بي رغبة عن دينك: أي لا أكرهه بل أدخل فيه.
ثرب- هذا كان قبل نهى النبي ﷺ عن تسمية المدينة بذلك. احتملنا: أي احتملنا أنفسنا ومتاعنا على إبلنا وسرنا. ما بي رغبة عن دينك: أي لا أكرهه بل أدخل فيه.
الباب الخامس في سبب دخول النبي ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم واستخفاء المسلمين حال عبادتهم ربّهم ﵎ دخل النبي ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم يعبد اللَّه تعالى فيها سرّا من قومه، ودخل معه جماعة حتى تكامل المسلمون أربعين رجلا وكان آخرهم عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه، فلما تكاملوا أربعين رجلا خرجوا فلما أسلم عمر قال: يا رسول اللَّه علام نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ فقال: يا عمر إنا قليل. فقال عمر: فو الذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان. وسيأتي بسط ذلك في إسلام عمر رضي اللَّه تعالى عنه. روى الحافظ أبو الحسن سليمان بن خيثمة الأطرابلسي عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: لمّا اجتمع أصحاب النبي ﷺ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألحّ أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه على رسول اللَّه ﷺ في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل.
ا قالت: لمّا اجتمع أصحاب النبي ﷺ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألحّ أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه على رسول اللَّه ﷺ في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل. فلم يزل أبو بكر يلحّ حتى ظهر رسول اللَّه ﷺ وتفرّق المسلمون في نواحي المسجد كلّ رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول اللَّه ﷺ، جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرّقهما لوجهه من على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكّون في موته ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: واللَّه لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة. فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلّمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم في آخر النهار فقال: ما فعل رسول اللَّه ﷺ؟ فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه وقالوا لأمه أم الخير انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه. فلما خلت به ألحّت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول اللَّه ﷺ؟ فقالت: واللَّه ما لي علم بصاحبك فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه. فخرجت حتى جاءت أمّ جميل فقالت: أن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله. فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. فقالت: نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا فدنت أمّ جميل وأعلنت بالصياح وقالت: واللَّه إنّ قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر وإني لأرجو أن ينتقم اللَّه منهم. قال: فما فعل رسول اللَّه ﷺ؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك
منها. قالت: سالم صالح. قال: فأين هو؟ قالت: في دار الأرقم. قال: فإن للَّه على أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو أتى رسول اللَّه ﷺ. فأمهلنا حتى إذا هدأت الرّجل وسكن الناس خرجنا به يتكئ عليّ حتى أدخلناه على رسول اللَّه ﷺ فأكبّ عليه رسول اللَّه ﷺ يقبّله وأكبّ عليه المسلمون ورقّ له رسول اللَّه ﷺ رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول اللَّه ليس بي بأس إلا ما نال الناس من وجهي وهذه أمي برّة بولدها وأنت مبارك، فعسى اللَّه أن يستنقذها بك من النار. فدعا لها رسول اللَّه ﷺ ودعاها إلى اللَّه فأسلمت. وأقاموا مع رسول اللَّه ﷺ في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر. ودعا رسول اللَّه ﷺ لعمر بن الخطاب أو لأبي جهل بن هشام، فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس فكبّر رسول اللَّه ﷺ وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة، فقام عمر فقال: يا رسول اللَّه علام نخفي ديننا فذكر نحو ما سبق. وذكر إسلام عمر هنا غريب والصحيح أنه أسلم بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة. قال ابن إسحاق: ودخل الناس أرسالا الرجال والنساء في دين اللَّه، حتى فشا الإسلام بمكة وتحدّث به. وكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا صلّوا ذهبوا في الشّعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحيي بعير فشجّه وكان أول دم أهريق في الإسلام.
تنبيهان الأول: دار الأرقم هي الدار المعروفة الآن بدار الخيزران عند الصفا. الثاني: في بيان غريب ما سبق. ألحّ: ألحف في المسألة. نعلين مخصوفين [ (١) ] : مطبقتين. فمسّوا منه بألسنتهم: أي عنّفوه ونالوا منه.
الخيزران عند الصفا. الثاني: في بيان غريب ما سبق. ألحّ: ألحف في المسألة. نعلين مخصوفين [ (١) ] : مطبقتين. فمسّوا منه بألسنتهم: أي عنّفوه ونالوا منه.
الدّنف: ملازمة المرض. أمهلنا: صبرنا. هدأت الرّجل: سكنت. أرسالا: بفتح الهمزة: جمع رسول بفتح الراء والسين، أي أفواجا وفرقا. فشا، بغير همز: أي ظهر وذاع. تحدّث: بالبناء للمفعول. الشّعاب: جمع شعب. بلحيي بعير: هو تثنية لحي وهو العظم الذي عليه الخدّ وهو من الإنسان: العظم الذي تنبت عليه الأسنان. فشجّه: جرحه.
الباب السادس في أمر الله ﷾ رسوله محمدا ﷺ بإظهار الإسلام قال اللَّه ﷾: فَاصْدَعْ فأظهر بِما تُؤْمَرُ بالقرآن وما فيه من الأحكام. وأصل الصدع: الشق والبينونة أو أصله الشق في الشيء الصّلب كالزجاج ثم استعير لغيرها. أي اكشف الحقّ وأبنه عن غيره وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر ٩٤] اكفف عنهم ولا تبال بهم والكف عنهم. نسخ بآية السيف. وقال تعالى: وَأَنْذِرْ خوّف عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء ٢١٤] وهم بنو هاشم وبنو المطّلب وقد أنذرهم جهارا. روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: أمر رسول اللَّه ﷺ إن يصدع بما جاء به من عند اللَّه وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعو إلى اللَّه تعالى، فدعا في أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بظهور الدعاء. وروى البلاذري عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: دعا رسول اللَّه ﷺ سرّا أربع سنين.
ل ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بظهور الدعاء. وروى البلاذري عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: دعا رسول اللَّه ﷺ سرّا أربع سنين. وروي أيضاً عن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم قال: لما نزلت على النبي: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ اشتد ذلك على النبي ﷺ وضاق به ذرعا، فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته حتى ظن عماته أنه شاك فدخلن عليه عائدات فقال: ما اشتكيت شيئا لكن اللَّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فأردت جمع بني عبد المطلب لأدعوهم إلى اللَّه تعالى قلن: فادعهم ولا تجعل عبد العزّى فيهم- يعنى أبا لهب، فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه. وخرجن من عنده فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ بعث إلى بني عبد المطلب فحضروا ومعهم عدة من بني عبد مناف وجميعهم خمسة وأربعون رجلا وسارع إليه أبو لهب وهو يظن أنه يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبّون، فلما اجتمعوا قال أبو لهب: هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكّلم بما تريد ودع الصلاة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة وإن أحبّ من أخذك فحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدّها العرب، فما رأيت يا ابن أخي أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بشرّ مما جئتهم به. فأسكت رسول اللَّه ﷺ فلم يتكلم في ذلك المجلس ومكث أياما وكثر عليه كلام أبي لهب، فنزل عليه جبريل ﵇ فأمره بإمضاء ما أمره اللَّه به وشجّعه عليه، فجمعهم رسول اللَّه ﷺ ثانية فقال: الحمد اللَّه أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله واللَّه لو كذبت الناس جميعا
ما كذبتكم ولو غررت الناس ما غررتكم، واللَّه الذي لا إله إلا هو إني لرسول اللَّه إليكم خاصة وإلى الناس كافة، واللَّه لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا، وإنكم لأول من أنذر، ومثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف يا صباحاه. فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك ومرافدتك وأقبلنا لنصحك وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم، غير أني واللَّه أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به فو اللَّه لا أزال أحوطك وأمنعك، غير إني لا أجد نفسي تطوّع إلى فراق دين عبد المطلب حتى أموت على ما مات عليه. وتكلم القوم كلاما ليّنا غير أبي لهب فإنه قال: يا بني عبد المطلب هذه واللَّه السّوءة خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيركم فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم وإن منعتموه قتلتم. فقال أبو طالب: واللَّه لنمنعنّه ما بقينا. وقالت صفية بنت عبد المطلب لأبي لهب: أي أخي أيحسن بك خذلان ابن أخيك وإسلامه؟ فواللَّه ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئ عبد المطلب نبيّ فهو هو. فقال: هذا واللَّه الباطل والأماني وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش كلها وقامت معها العرب فما قوّتنا بهم؟ فو اللَّه ما نحن عندهم إلا إكلة رأس. وروى الشيخان والبلاذري عن ابن عباس، والشيخان عن أبي هريرة، ومسلم عن قبيصة ابن المخارق ﵃، إن رسول اللَّه ﷺ لما أنزل عليه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قام على الصّفا فعلا أعلاها حجرا ثم نادى: يا صباحاه. فقالوا من هذا؟ وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فاجتمعوا إليه، فقال رسول اللَّه ﷺ: أن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا.
أبو لهب وقريش فاجتمعوا إليه، فقال رسول اللَّه ﷺ: أن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من اللَّه شيئاً، يا عباس عم رسول اللَّه ﷺ أنقذ نفسك من النار فإني لا أغني عنك من اللَّه شيئاً، يا صفية عمة محمد، ويا فاطمة بنت محمد أنقذا أنفسكما من النار فإني لا أملك لكما من اللَّه شيئاً، غير أن لكما رحما سأبلّها ببلالها، إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد.
فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ إلى آخرها [ (١) ] . ثم قال رسول اللَّه ﷺ: يا بني عبد المطلب إني واللَّه ما أعلم شابّا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به أني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة. وروى ابن سعد والبيهقي وأبو نعيم عن علي وأبو نعيم عن البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهم قال: لما نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ على رسول اللَّه ﷺ قال: يا علي اصنع لنا رجل شاة على صاع من طعام. وفي رواية: مدّ. وأعدّ لنا عسّ لبن ثم اجمع بني عبد المطلب. قال عليّ: ففعلت، فاجتمعوا له وهو يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، منهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فقدّمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول اللَّه ﷺ منها حذية فشقّها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال: كلوا باسم اللَّه. فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم، واللَّه إن كان الرجل الواحد ليأكل مثل ما قدّمت لجميعهم. ثم قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العسّ فشربوا حتى رووا جميعا، واللَّه إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله. وفي رواية من يأكل المسنّة ويشرب العسّ. فلما أراد رسول اللَّه ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلّمهم رسول اللَّه ﷺ.
من يأكل المسنّة ويشرب العسّ. فلما أراد رسول اللَّه ﷺ أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلّمهم رسول اللَّه ﷺ. فلما كان الغد قال يا علي عد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ففعلت ثم جمعتهم إليه فصنع رسول اللَّه ﷺ كما صنع بالأمس فأكلوا وشربوا حتى نهلوا، ثم قال رسول اللَّه ﷺ: يا بني عبد المطلب، واللَّه ما أعلم شابّا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، أني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة. ثم قال: من يؤازرني على ما أنا عليه؟ قال علي: فقلت: أنا يا رسول اللَّه وإني أحدثهم سنّا وسكت القوم. ثم قالوا: يا أبا طالب ألا ترى ابنك. قال: دعوه فلن يألوا ابن عمه خيرا [ (٢) ] .
تنبيه في بيان غريب ما سبق يبادي: قال في النور: الظاهر أنه بالموحدة أي يجاهر.
ضاق به ذرعا: يقال ضاق بالأمر ذرعا أي عجز عن احتماله، وذرع الإنسان: طاقته التي يبلغها. أسرة الرجل: وزان غرفة: رهطه. يربأ أهله، بمثناة تحتية فراء فباء موحدة فهمزة، يقال ربأت القوم أربؤهم ربأ: كنت طليعة لهم فوق شرف خوفا أن يكبسهم العدوّ على غرّة. الحذيّة [ (١) ] : تصغير حذوة بضم الحاء المهملة وكسرها وسكون الذال المعجمة: القطعة من اللحم. وقيل: إذا كسرت الحاء كانت بمعنى أن يقطع اللحم طولا. المسنة: الشاة التي سقطت ثناياها. العسّ [ (٢) ] : بضم العين وبالسين المهملة المشددة: القدح الكبير. نهلوا: بنون: أي شربوا حتى رووا. لهدّ [ (٣) ] : بفتح اللام والهاء والدال المشددة: كلمة يتعجب بها، فيقال: لهدّ الرجل أي ما أجلده، ويقال إنه لهدّ الرجل، أي لنعم الرجل وذلك إذا أثني عليه لجلده وشدة بأسه. واللام فيه للتأكيد والمعنى هنا: لنعم ما سحركم به.
الباب السابع في مشي قريش إلى أبي طالب ليكفّ عنهم رسول الله ﷺ قال الزّهري وابن إسحاق: فلما بادى رسول اللَّه ﷺ قومه بالإسلام وصدع به كما أمره اللَّه لم يبعد منه قومه ولم يردّوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها. قال العتقي: وكان ذلك سنة أربع. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا لخلافه وعداوته إلا من عصم اللَّه تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون. وحدب على رسول اللَّه ﷺ أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول اللَّه ﷺ على أمر اللَّه مظهرا لأمره لا يردّه عنه شيء. فلما رأت قريش إن رسول اللَّه ﷺ لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه ولم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا فإما أن تكفّه وإما أن تخلّي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردّهم ردّا جميلا. فانصرفوا عنه. ومضى رسول اللَّه ﷺ على ما هو عليه يظهر دين اللَّه ويدعو إليه ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش من ذكر رسول اللَّه ﷺ بينها فتذامروا فيه وحضّ بعضهم بعضا عليه.
هر دين اللَّه ويدعو إليه ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش من ذكر رسول اللَّه ﷺ بينها فتذامروا فيه وحضّ بعضهم بعضا عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سنّا وإن لك شرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا وإنا واللَّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. أو كما قالوا له. ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بإسلام رسول اللَّه ﷺ ولا خذلانه، فأرسل خلقه فقال: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا. للذي كانوا قالوا له. فأبق على نفسك وعليّ ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن أن رسول اللَّه ﷺ قد بدا لعمّه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن
نصرته والقيام معه. فقال له رسول اللَّه ﷺ: يا عمّ واللَّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول اللَّه ﷺ. فلما ولّى ناداه أبو طالب: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو اللَّه لا أسلمك لشيء أبدا. ثم قال أبو طالب: واللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسّد في التّراب دفينا فامضي لأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقرّ بذاك منك عيونا ودعوتني وزعمت أنّك ناصحي ... فلقد صدقت وكنت ثمّ أمينا لولا الملامة أو حذاري سبّة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا [ (١) ] قال في الروض: خص رسول اللَّه ﷺ الشمس باليمين لأنه الآية المبصرة وخصّ القمر بالشمال لأنه الآية الممحوّة. وخص ﷺ النيّرين حين ضرب المثل بهما لأن نورهما محسوس، فالنور الذي جاء به من عند اللَّه تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة ٣٢] فاقتضت بلاغة النبوّة لمّا أرادوه على ترك النور الأعلى أن يقابله بالنور الأدنى وأن يخص أعلى النيرين وهي الآية المبصرة بأشرف اليدين وهي اليمين، بلاغة لا مثلها وحكمة لا يجهل اللبيب فضلها. انتهى.
لنور الأعلى أن يقابله بالنور الأدنى وأن يخص أعلى النيرين وهي الآية المبصرة بأشرف اليدين وهي اليمين، بلاغة لا مثلها وحكمة لا يجهل اللبيب فضلها. انتهى. قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللَّه ﷺ وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف ديننا ودين آبائك وفرّق جماعة من قومك وسفّه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل. قال: واللَّه لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا واللَّه ما لا يكون أبدا، أرأيتم ناقة تحنّ إلى غير فصيلها؟ فقال المطعم بن عدي بن نوفل: واللَّه يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلّص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا. فقال أبو طالب للمطعم: واللَّه ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك أو كما قال. فحقب الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادر بعضهم بعضا. فقال أبو طالب يعرّض بالمطعم بن عديّ يعمّ من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه
من قبائل قريش ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم: ألا قل لعمر والوليد ومطعم ... ألا ليت حظّي من حياطتكم بكر من الخور خبخاب كثير رغاؤه ... رشّ على السّاقين من بوله قطر تخلّف خلف الورد ليس بلاحق ... إذا ما علا الفيفاء قيل: له وبر أرى أخوينا من أبينا وأمّنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر بلى لهما ولكن تجرجما ... كما جرجمت من رأس ذي علق صخر أخصّ خصوصا عبد شمس ونوفلا ... هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما ... فقد أصبحا منهم أكفّهما صفر هما أشركا في المجد من لا أبا له ... من الناس إلا أن يرسّ له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم ... وكانوا لنا مولى إذا بغي النّصر فو اللَّه لا تنفكّ منّا عداوة ... ولا منهم ما كان من نسلنا شفر [ (١) ] قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول اللَّه ﷺ الذين أسلموا، فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع اللَّه تعالى رسوله ﷺ بعمه أبي طالب. وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول اللَّه ﷺ والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب عدوّ اللَّه الملعون. فلما رأى أبو طالب من قومه ما سرّه في جدّهم معه وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر فضل رسول اللَّه ﷺ فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره فقال: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرّها وصميمها وإن حصّلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإنّ محمّدا ... هو المصطفى من سرّها وكريمها تداعت قريش غثّها وسمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنّا قديما لا نقرّ ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
ونحمي حماها كلّ يوم كريهة ... ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العود الذّواء وإنّما ... بأكتافنا تندى وتنمى أرومها [ (١) ]
وا صعر الخدود نقيمها
ونحمي حماها كلّ يوم كريهة ... ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العود الذّواء وإنّما ... بأكتافنا تندى وتنمى أرومها [ (١) ]
تفسير الغريب حدب عليه، بفتح الهاء وكسر الدال المهملتين فموحدة: أي عطف عليه ومنعه، وأصل الحدب انحناء في الظهر، ثم استعير فيمن عطف على غيره ورقّ له. لا يعتبهم: بضم أوله وكسر المثناة فوق: أي لا يرضيهم. سفّه أحلامنا: بتشديد الفاء وبالهاء، وهو فعل ماض، أحلامنا مفعوله أي قال إنا قليلو العقل. رفيقا: براء ففاء فمثناة تحتية فقاف. ثم شري الأمر بينه وبينهم: بفتح الشين المعجمة فراء مكسورة فمثناة تحتية مفتوحة أي كثر وتزايد، يقال شرى البرق يشرى إذا كثر لمعانه ويقال أشرى الرجل أيضا إذا غضب. تضاغنوا: تعادوا، والضّغن: العداوة والحقد. فتذامروا [ (٢) ] : بالذال المعجمة: أي حضّ بعضهم بعضا على حربه وعداوته. استنهيناك: أي طلبنا منك أن تنهاه. أو ننازله وإياك: أي نحاربه وإياك. يهلك: بكسر اللام. فأبق: بقطع الهمزة فموحدة ساكنة: فعل أمر. بدا: يغير همز أي ظهر. بداء: بفتح الموحدة ممدودا: أي نشأ له فيه رأى. استعبر: أي دمعت عيناه. أوسّد: أوضع. غضاضة: أوضع. غضاضة: نقصان. الملامة: العذل. السّبّة بالضم: العار.
. بداء: بفتح الموحدة ممدودا: أي نشأ له فيه رأى. استعبر: أي دمعت عيناه. أوسّد: أوضع. غضاضة: أوضع. غضاضة: نقصان. الملامة: العذل. السّبّة بالضم: العار.
خذلانه: أي تركه ونصرته. إجماعه: عزمه. بعمارة: بضم العين وتخفيف الميم: كان من أجمل الناس وله قصة مع النجاشي. أنهد فتى [ (١) ] : بنون فهاء فدال مهملة: أي أشدّه وأقواه. عقله بعين مهملة مفتوحة: أي ديته، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلا جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول أي شدها في عقلها ليسلمها إليهم. تسومونني: تكلّفونني.. أغذوه- بالغين والذال المعجمتين. المطعم، بكسر العين، هلك كافرا قبل وقعة بدر. المظاهرة: بالظاء المعجمة المشالة: المعاونة. ما بدا لك: بغير همز أي ظهر. فحقب الأمر: بحاء مهملة فقاف مكسورة فموحدة: أي زاد واشتد. وتنابذ القوم بموحدة مفتوحة فذال معجمة أي تركوا ما كان بينهم من عهد. قول أبي طالب: ألا ليت حظي من حفاظكم: بكسر الحاء، الحفاظ والحفيظة: الغضب. وقال بعضهم: لا يكون الحفاظ إلا في الحرب خاصة. قال أبو ذر: والقول الأول هو الصحيح. ويروى: من حياطتكم وهي الحفظ. البكر: الفتيّ من الإبل أي أنّ بكرا من الإبل أنفع لي منكم، فليته لي بدلا من حياطتكم. الخور: بضم الخاء المعجمة: جمع أخور وهو الضعيف. خبخاب [ (٢) ] : يروى الخاء المعجمة وبالحاء المهملة وبالجيم. قال ابن السرّاج: الجبجاب بالجيم: الكثيرة الكلام فاستعاره هنا للرغاء، والحبحاب- بالحاء المهملة: القصير. وبالخاء المعجمة: الضعيف. الفيفاء: القفر. الورد بكسر الواو: الماء الذي ترده الإبل. والوبر: دويّبة قدر الهر، أي يشبّه بالوبر لصغره. ويحتمل أن يكون أراد يصغر في العين. لعلوّ المكان وبعده.
تجرجما [ (١) ] : بمثناة فوقية فجيم مفتوحتين فراء ساكنة فجيم: أي سقط وانحدر. يقال: تجرجم الشيء إذا سقط. ذو علق: بعين مهملة فلام مفتوحتين فقاف: جبل في ديار بني أسد، ترك صرف علق إما لأنه جعله اسم بقعة، وإما لأنه تركه لضرورة الشّعر. أغمزا للقوم: أي سبّبا لهم الطعن فيهم، يقال: غمزت الرجل إذا طعنت فيه. الصّفر بكسر الصاد: الخالي. إلا أن يرسّ له ذكر [ (٢) ] : أي يذكر ذلك خفيّا، يقال رسست الحديث إذا حدّثت به في خفاء،. شفر بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء: أي أحد. سرّها وصميمها: أي خالصها وكريمها. غثّها وسمينها: أصل الغث: اللحم الضعيف، فاستعاره هنا لمن ليس نسبه هناك. طاشت: ذهبت. حلومها: عقولها. ثنوا: عطفوا. صعر الخدود: بالعين المهملة: أي مائلة، يقال صعّر خدّه إذا أماله إلى جهة، فعل المتكبّر. ونضرب عن أحجارها: بحاء مهملة فجيم: أي ندفع عن حصونها ومعاقلها، يريد عن مواضعها المانعة. ومن رواه بالجيم والحاء أراد عن منازلها وبيوتها. والحجر هنا مستعار. انتعش: حيّ وظهرت فيه الخضرة، وأصل نعش: رفع، يقال نعشه اللَّه أي رفعه وبه سمى النّعش نعشا. العود الذّواء [ (٣) ] : بذال معجمة مشدّدة وبالهمز: الذي جفّت رطوبته ولم ينته إلى حد اليبس. الأكناف: النواحي. أرومها: جمع أرومة وهي الأصل.
نّعش نعشا. العود الذّواء [ (٣) ] : بذال معجمة مشدّدة وبالهمز: الذي جفّت رطوبته ولم ينته إلى حد اليبس. الأكناف: النواحي. أرومها: جمع أرومة وهي الأصل.
الباب الثامن في إسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ روى ابن أبي حاتم عن الأجلح [ (١) ] قال: كان حمزة بن عبد المطلب رجلا حسن الشعر حسن الهيئة صاحب صيد، وأن رسول اللَّه ﷺ مر على أبي جهل فولع به أبو جهل وآذاه، فرجع حمزة من الصيد وامرأتان تمشيان خلفه فقالت إحداهما: لو علم ذا ما صنع أبو جهل بابن أخيه أقصر عن مشيته. فالتفت إليهما فقال: وما ذاك؟ قالت: أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا. فدخلته الحميّة فجاء حتى دخل المسجد وفيه أبو جهل فعلا رأسه بقوسه ثم قال: ديني دين محمد، إن كنتم صادقين فامنعوني. ووثبت إليه قريش فقالوا: يا أبا يعلى. يا أبا يعلى فانزل اللَّه تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ إلى قوله: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [الفتح ٢٦.] قال الأجلح: أراد حمزة بن عبد المطلب. وروى ابن إسحاق قال: حدثني رجل من أسلم وكان واعية، والطبراني برجال ثقات، عن يعقوب عن عتبة بن المغيرة والطبراني برجال ثقات عن محمد بن كعب القرظي ﵏، إن أبا جهل مر برسول اللَّه ﷺ عند الصّفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره فلم يكلّمه رسول اللَّه ﷺ، ومولاة لعبد اللَّه بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشّحا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، فكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على نادي قريش إلا وقف وسلّم وتحدث معهم، وكان أعزّ فتى في قريش وأشدّه شكيمة فلمّا مرّ بالمولاة وقد رجع رسول اللَّه ﷺ إلى بيته قالت له: يا أبا عمارة: لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم ابن هشام، وجده هنا جالسا فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلّمه محمد.
له: يا أبا عمارة: لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم ابن هشام، وجده هنا جالسا فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلّمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد اللَّه تعالى به من كرامته، فخرج يسعى لم يقف على أحد معدّا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل
نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجّه بها شجة منكرة وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فردّ على ذلك أن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني واللَّه قد سببت ابن أخيه سبّا قبيحا. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم رجع حمزة إلى بيته فقال: أنت سيّد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك؟ للموت خير لك مما صنعت. وقال: اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا. فبات بليلة لم يبت مثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول اللَّه ﷺ فقال: يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد أم هو غيّ شديد فحدّثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدّثني. فأقبل رسول اللَّه ﷺ فذكّره ووعظه وخوّفه وبشّره، فألقى اللَّه تعالى في قلبه الإيمان بما قال رسول اللَّه ﷺ فقال: أشهد إنّكم لصادق فأظهر يا ابن أخي دينك فو اللَّه ما أحب أن لي ما أظلّته المساء وأني على ديني الأول. وتمّ حمزة على إسلامه وعلى ما بايع عليه رسول اللَّه ﷺ من قوله. فلما أسلم حمزة عرفت قريش إن رسول اللَّه ﷺ عزّ وامتنع، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. وقال حمزة حين أسلم: حمدت اللَّه حين هدى فؤادي ... إلى الإسلام والدّين الحنيف لدين جاء من ربّ عزيز ... خبير بالعباد بهم لطيف إذا تليت رسائله علينا ... تحدّر دمعه ذي اللّبّ الحصيف رسائل جاء أحمد من هداها ... بآيات مبيّنة الحروف وأحمد مصطفى فينا مطاع ... فلا تغسوه بالقول الضّعيف فلا واللَّه نسلمه لقوم ... ولمّا نقض فيهم بالسّيوف ونترك منهم قتلى بقاع ... عليها الطّير كالورد العكوف وقد خبّرت ما صنعت ثقيف ... به فجزى القبائل من ثقيف
واللَّه نسلمه لقوم ... ولمّا نقض فيهم بالسّيوف ونترك منهم قتلى بقاع ... عليها الطّير كالورد العكوف وقد خبّرت ما صنعت ثقيف ... به فجزى القبائل من ثقيف إليه النّاس شرّ جزاء قوم ... ولا أسقاهم صوب الخريف [ (١) ]
تفسير الغريب داعية: حافظا لما يسمع. ابن جدعان: بضم الجيم وإسكان الدال، ثم عين مهملتين: هلك على كفره. فعمد: بفتح الميم في الماضي وكسرها في المستقبل. إلى ناد من قريش: أي أهل ناد من قريش. القنص: بفتح القاف والنون وبالصاد المهملة: الصيد. الشّكيمة [ (١) ] : بفتح الشين المعجمة وكسر الكاف فمثناة تحتية ساكنة فميم مفتوحة فهاء تأنيث، يقال فلان شديد الشكيمة إذا كان عزيز النفس أبيّا قويا وأصله من شكيمة اللجام وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس. آنفا: بمد الهمزة وقصرها أي الآن والساعة. فاحتمل حمزة: مفعول مقدّم والغضب: فاعل مؤخر. فشجّه أي أثّر في رأسه أثرا. أتشتمه: بكسر المثناة الثانية ويجوز ضمها. حكاه ابن دريد. وعلى ما تابع: بالمثناة الفوقية وبعد الألف باء موحدة. وفي بعض النسخ الصحيحة: بايع بالموحدة وبالمثناة بعد الألف، من المبايعة، والأول أظهر من سياق القصة. واللَّه تعالى أعلم.
الباب التاسع في إرسال قريش عتبة بن أبي ربيعة لرسول الله ﷺ يعرض عليه أشياء ليكف عنهم روى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله والبيهقي وابن عساكر عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهم قالا: اجتمع نفر من قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسّحر والكهانة والشّعر فليأت هذا الرجل الذي فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا وعاب ديننا، فليكلّمه ولينظر ماذا يردّ عليه. فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. وعند ابن إسحاق وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي: أن عتبة بن ربيعة قال يوما، وكان جالسا في نادي قريش، والنبي ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكفّ عنا. وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول اللَّه ﷺ يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلّمه.
ا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكفّ عنا. وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول اللَّه ﷺ يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلّمه. وروى أبو يعلى [ (١) ] بسند جيد عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال: اجتمعت قريش للنبي ﷺ يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشّعر فليأت هذا الرجل الذي فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا وعاب ديننا فيكلّمه ولينظر ما يرد عليه فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة فقالوا: أنت أبا الوليد. انتهى. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه ﷺ فقال يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السّطة في العشيرة والمكان في النّسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم وسفّهت أحلامهم وعبت آلهتهم ودينهم وكفّرت من مضى من آبائهم، يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ. قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلّم نسمع قولك، إنا واللَّه ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرّقت جماعتنا وأشتّت أمرنا وعبت ديننا وفضحتنا في العرب، حتى طار فيهم أن في قريش ساحرا وأن في قريش كاهنا واللَّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا بعضا إليك بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها.
واللَّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا بعضا إليك بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها.
فقال له رسول اللَّه ﷺ: قل أبا الوليد أسمع. قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعناه لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به الشّرف سّودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللَّه ﷺ يسمعه منه قال له: أقد فرغت أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع مني قال: أفعل. قال رسول اللَّه ﷺ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم حم اللَّه أعلم بمراده به. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مبتدأ كِتابٌ خبره فُصِّلَتْ آياتُهُ بيّنت بالأحكام والقصص والمواعظ قُرْآناً عَرَبِيًّا حال من الكتاب بصفته لِقَوْمٍ يتعلق بفصلت يَعْلَمُونَ يفهمون ذلك وهم العرب أو أهل العلم والنظر وهو صفة أخرى لقرآنا بَشِيراً للعالمين به وَنَذِيراً للمخالفين له فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ عن تدبّره وقبوله فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ سماع تأمل وطاعة وَقالُوا للنبي. قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ أغطية جمع كنان وَفِي آذانِنا وَقْرٌ صمم وأصله الثقل وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ خلاف في الدين فَاعْمَلْ على دينك إِنَّنا عامِلُونَ على ديننا. ومضى رسول اللَّه ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما، فسمع منه إلى أن بلغ: فَإِنْ أَعْرَضُوا أي كفار مكة من الإيمان بعد هذا البيان فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ خوَّفتكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت ١٣] منع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه أريد به القبيلة، أي عذابا يهلككم مثل ما أهلكهم.
ْتُكُمْ خوَّفتكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت ١٣] منع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه أريد به القبيلة، أي عذابا يهلككم مثل ما أهلكهم. فأمسك عتبة على فيه وناشده الرّحم أن يكفّ عنه، ثم انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى السّجدة منها فسجد ثم قال: قد سمعت أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك، فقال: ما عندك غير هذا؟ فقال: ما عندي غير هذا. فقام عتبة ولم يعد إلى أصحابه واحتبس عنهم فقال أبو جهل: واللَّه يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبا إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه. فأتوه. فقال أبو جهل: واللَّه يا عتبة ما جئناك إلا أنك قد صبوت إلى محمد وأعجبك أمره فإن كان لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد.
فغضب وأقسم لا يكلّم محمدا أبدا وقال: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته، فقصّ عليهم القصة. قالوا: فما أجابك؟ قال: واللَّه الذي نصها بنيّة ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأمسك بفيه وناشدته الرحم أن يكفّ وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب. قالوا: ويك يكلّمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: والله ما سمعت مثله، واللَّه ما هو بالشّعر ولا بالسّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فواللَّه ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزكم وكنتم أسعد الناس به، يا قوم أطيعوني في هذا الأمر واعصوني بعده، فو اللَّه لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله وما دريت ما أردّ عليه. قالوا: سحرك واللَّه يا أبا الوليد. قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم.
تفسير الغريب السّطة- بكسر السين وفتح الطاء المهملتين- أي من الوسط حسبا ونسبا، وأصل الكلمة الواو، والهاء عوض عن الواو كعدة من الوعد. وتقدم ذلك في سفره إلى الشام ونكاحه خديجة. سفّهت أحلامنا: أي قلت إنهم صغير والعقل. أعرض عليك: وهو مجزوم جواب شرط مقدّر ويجوز رفعه، وكذلك قوله أسمع. رئيّا [ (١) ] : الرئي: التابع من الجن بوزن كمي، وهو فعيل أو مفعول سمي به لأنه يتراءى لمتبوعه أو هو من الرّأي من قولهم: فلان رئي قومه. إذا كان صاحب رأيهم وقد تكسر راؤه لإتباعها ما بعدها. الطّب: مثلث الطاء: العلاج في النفس والجسم. يداوى: يفتح الواو مبنى للمفعول. أفعل: بالجزم جواب شرط مقدر ويجوز رفعه.
م وقد تكسر راؤه لإتباعها ما بعدها. الطّب: مثلث الطاء: العلاج في النفس والجسم. يداوى: يفتح الواو مبنى للمفعول. أفعل: بالجزم جواب شرط مقدر ويجوز رفعه.
الباب العاشر في أسئلة المشركين رسول الله ﷺ أنواعاً من الآيات وخرق العادات على وجه العناد لا على وجه الهدى والرشاد فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما سألوا لعلم اللَّه ﷾ أنهم لو عاينوا أو شاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون ولظلّوا في غيهم وضلالهم يتردّدون، فقد كانوا رأوا من دلائل النبوة ما فيه شفاء لمن أنصف. قال اللَّه تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [العنكبوت ٥١] . وفي هذا المعنى قيل: لو لم تكن فيه آياتٌ مبيّنةٌ ... كانت بداهته تنبيك بالخبر قال اللَّه تعالى: لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى كما طلبوا وَحَشَرْنا جمعنا عليهم كُلَّ شَيْءٍ طلبوه قُبُلًا بكسر القاف وفتح الباء أي معاينة، فنصبه مصدر في موضع الحال، وبضمها جمع قبيل أي فوجا فوجا، فنصبه حال من كلّ وإن كان نكرة نافية من العموم، أي: ولو جئناهم بالملائكة قبيلا قبيلا وبما طلبوا ورأوا ذلك معاينة ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ استثناء منقطع أو متصل أي ما كانوا ليؤمنوا إلا في حال مشيئة اللَّه وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي الكفار يَجْهَلُونَ. فيحلفون أنهم يؤمنون عند نزول الآيات. أو المؤمنون يجهلون أن الكافرين لا يؤمنون فيطلبون نزول الآيات ليؤمنوا. قال في الروض: وكان سؤالهم تلك الآيات جهلا منهم بحكمة اللَّه تعالى في امتحانه الخلق وتعبّدهم بتصديق الرسل وأن يكون إيمانهم عن نظر وفكر في الأدلة، فيقع الثواب على حسب ذلك، ولو كشف الغطاء وحصل لهم العلم الضروري لطلب الحكمة التي من أجلها يكون الثواب والعقاب إذ لا يؤجر الإنسان على ما ليس من كسبه كما لا يؤجر على ما خلق فيه من لون وشعر ونحو ذلك، وإنما أعطاهم من الدليل ما يقتضي النظر فيه العلم الكسبي.
العقاب إذ لا يؤجر الإنسان على ما ليس من كسبه كما لا يؤجر على ما خلق فيه من لون وشعر ونحو ذلك، وإنما أعطاهم من الدليل ما يقتضي النظر فيه العلم الكسبي. وروى ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس [ (١) ] أن أشراف قريش من كل قبيلة اجتمعوا عند غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه فجاءهم رسول اللَّه ﷺ سريعا، وهو يظن أن
قد بدا لهم فيما يكلمهم فيه بداء، وكان حريصا عليهم يحب رشدهم ويعزّ عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلّا قد جئته فيما بيننا وبينك. أو كما قالوا له. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تريد به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن رئيّا- فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطبّ لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول اللَّه ﷺ: ما بي ما تقولون، ما جئت به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن اللَّه تعالى بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلّغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم. أو كما قال رسول اللَّه ﷺ. قالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا لك فإنك قد علمت أنه ليس أحد أضيق بلدا ولا أقلّ مالا ولا أشدّ عيشا منا، فاسأل لنا ربّك أنهارا كأنهار العراق والشام، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحقّ هو أم باطل، فإن صدّقوك وصنعت ما سألناك صدّقناك وعرفنا منزلتك من اللَّه وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول.
كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحقّ هو أم باطل، فإن صدّقوك وصنعت ما سألناك صدّقناك وعرفنا منزلتك من اللَّه وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول. فقال لهم رسول اللَّه ﷺ: ما بهذا بعثت لكم، إنما جئتكم من اللَّه بما بعثني به وقد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم. قالوا: فإذا لم تفعل فخذ لنفسك، سل ربّك يبعث معك ملكا يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس الرزق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك إن كنت رسولا. فقال لهم رسول اللَّه ﷺ: ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي سأل ربّه هذا وما بعثت إليكم بهذا، ولكن اللَّه بعثني بشيرا ونذيرا أو كما قال. فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم.
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال رسول اللَّه ﷺ: ذلك إلى اللَّه ﷿، إن شاء أن يفعله بكم فعله. قالوا: يا محمد فما علم ربّك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب إليك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟ إنه قد بلغنا أنك إنما يعلّمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا واللَّه لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا واللَّه لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات اللَّه. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا باللَّه والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك لرسول اللَّه ﷺ قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أميمة بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وهو ابن عمته وهو لعاتكة بنت عبد المطلب، وأسلم بعد ذلك رضي اللَّه تعالى عنه، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من اللَّه تعالى كما تقول ويصدّقوك ويتّبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من اللَّه فلم تفعل ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل. أو كما قال له. فو اللَّه لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلّما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي بصكّ معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم اللَّه إن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدّقك، ثم انصرف عن رسول اللَّه ﷺ. وانصرف رسول اللَّه ﷺ إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، لما رأى من مباعدتهم إياه. فلما قام عنهم قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد اللَّه لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله. أو كما قال. فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: واللَّه لا نسلمك لشيء أبدا فامض لما تريد.
فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: واللَّه لا نسلمك لشيء أبدا فامض لما تريد. فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول اللَّه ﷺ ينتظره، وغدا رسول اللَّه ﷺ كما كان يغدو وكان بمكة وقبلته إلى الشام، وكان إذا صلى صلى بين الركنين، الركن اليماني والحجر الأسود، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
يصلي وقد غدت قريش وجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول اللَّه ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع مهزوما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف بالحجر من يده. وقامت إليه رجال من قريش فقالوا: ما بك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل لا واللَّه ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهمّ بي أن يأكلني. فقال النبي ﷺ: ذاك جبريل لو دنا لأخذه. قال ابن إسحاق: وأنزل اللَّه تعالى فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وبعث من مضى من آبائهم: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ نقلت بِهِ الْجِبالُ عن أماكنها أَوْ قُطِّعَتْ شققت به الأرض فجعلت أنهارا وعيونا أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بأن يحيوا وجواب لو محذوف اكتفي بمعرفة السامعين مراده وتقديره: لكان هذا القرآن أو وهم يكفرون بالرحمن وإن أجيبوا إلى سؤالهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ أي أمر خلقه جَمِيعاً فيتصرف فيهم كيف يشاء. وأنزل أيضا: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ التي اقترحها أهل مكة إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذّبوا بها واستحقّوا الإهلاك، وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد ﷺ.
ا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذّبوا بها واستحقّوا الإهلاك، وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد ﷺ. قال ابن إسحاق: وأنزل اللَّه ﷾ في قولهم: خذ لنفسك سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدّقك إلى آخره: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا هلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً يصدّقه أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ بستان يَأْكُلُ مِنْها أي من ثمارها فيكتفي بها وفي قراءة: نأكل بالنون أي نحن فيكون له علينا مزيّة بها. وَقالَ الظَّالِمُونَ أي الكافرون للمؤمنين إِنْ ما تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً مخدوعا مغلوبا على عقله قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ بالمسحور والمحتاج إلى ما ينفقه وإلى ملك يقوم معه بالأمر فَضَلُّوا بذلك عن الهدى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا طريقا إليه تَبارَكَ تكاثر خير الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ الذي قالوا من الكنز والبستان جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي في الدنيا لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً أيضا إلى قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ فأنت مثلهم في ذلك وقد قيل هم كما قد قيل لك وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً بلية ابتلي بها الغنيّ بالفقير والصحيح
بالمريض والشريف بالوضيع يقول الثاني في كلّ: مالي لا أكون كالأول في كلّ أَتَصْبِرُونَ على ما تسمعون ممن ابتليتم بهم، استفهام بمعنى الأمر أي اصبروا وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً بمن يصبر وبمن يجزع. وأنزل اللَّه تعالى فيما قال عبد الله بن أبي أمية- وقد تقدم إنه أسلم بعد: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً عيناً ينبع منها الماء أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ بستان مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها وسطها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً قطعا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا مقابلة وعيانا فنراهم. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ذهب أَوْ تَرْقى تصعد فِي السَّماءِ بسلّم وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ لو رقيت فيها حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا منها كِتاباً فيه تصديقك نَقْرَؤُهُ قل لهم: سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا كسائر الرسل والبشر ولم يكونوا يأتون بآية إلا بإذن اللَّه. قال ابن إسحاق: وأنزل اللَّه تعالى في قولهم فيما قد بلغنا: إنما يعلّمك رجل باليمامة يقال له الرحمن: ولن نؤمن به أبدا، يعنون به مسيلمة بن حبيب الحنفي، روى وثيمة بن موسى عن سعيد بن المسيّب أن مسيلمة تسمّى بالرحمن في الجاهلية قبل أن يولد عبد الله والد النبي ﷺ كان من المعمّرين: كَذلِكَ أي مثل إرسالنا الرسل قبلك يا محمد أَرْسَلْناكَ ثم بين المرسل إليهم فقال: فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مضت مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا لتقرأ عليهم الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من القرآن وشرائع الإسلام وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ، قل لهم يا محمد الرحمن الذي أنكرتم معرفته: هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ توبتي ومرجعي. وأنزل اللَّه تعالى فيما عرضوا عليه من أموالهم: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ على الإنذار والتبليغ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ أي لا أسألكم عليه أجرا إن أَجْرِيَ ما ثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ مطّلع يعلم صدقه.
التبليغ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ أي لا أسألكم عليه أجرا إن أَجْرِيَ ما ثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ مطّلع يعلم صدقه. وأنزل اللَّه تعالى فيما قال أبو جهل وما همّ به: أَرَأَيْتَ في مواضعها الثلاثة للتعجب الَّذِي يَنْهى هو أبو جهل عَبْداً هو النبي ﷺ إِذا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ أي المنهي عَلَى الْهُدى أَوْ للتقسيم أَمَرَ بِالتَّقْوى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ أي الناهي النبيّ وَتَوَلَّى عن الإيمان. أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ما يصدر منه أي يعلمه فيجازيه عليه. أي: أعجبت منه يا مخاطب، من حيث نهيه عن الصلاة، ومن حيث أن المنهيّ على الهدى آمر بالتقوى، ومن حيث أن الناهي مكذّب متولّ عن الإيمان. كَلَّا ردع له لَئِنْ لام قسم لَمْ يَنْتَهِ عما هو عليه من الكفر لَنَسْفَعاً
بالناصية لنجرّن بناصيته إلى النار ناصِيَةٍ بدل نكرة من معرفة كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وصفها بذلك مجازا والمراد صاحبها. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أي أهل ناديه وهو المجلس ينتدى أي يتحدث فيه القوم. وكان قال للنبي ﷺ لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة: لقد علمت ما بها أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا، ورجالا مردا. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ الملائكة الغلاظ الشداد لإهلاكه، في الحديث: لو دعا نَاديهَ لأَخذته الزبانية عياناً. كَلَّا ردع له لا تُطِعْهُ يا محمد في ترك الصلاة وَاسْجُدْ صلّ للَّه وَاقْتَرِبْ منه بطاعته. وروى أبو يعلى وأبو نعيم عن الزبير بن العوام [ (١) ] رضي اللَّه تعالى قال: لما نزلت:
يا محمد في ترك الصلاة وَاسْجُدْ صلّ للَّه وَاقْتَرِبْ منه بطاعته. وروى أبو يعلى وأبو نعيم عن الزبير بن العوام [ (١) ] رضي اللَّه تعالى قال: لما نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صاح رسول اللَّه ﷺ على أبي قبيس: يا آل عبد مناف إني نذير. فجاءته قريش فحذّرهم وأنذرهم قالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك وإن سليمان سخّر له الريح والجبال، وإن موسى سخّر له البحر، وإن عيسى كان يحيي الموتى، فادع اللَّه أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم. فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي فلما سري عنه قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان، ولكنه خيّرني بين أن تدخلوا باب الحرمة فيؤمن منكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلّوا عن باب الرحمة ولا يؤمن منكم، فاخترت باب الرحمة فيؤمن منكم، وأخبرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم به يعذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فنزلت: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ حتى قرأ ثلاث آيات. وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ الآية [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد والنسائي والحاكم والضياء في صحيحه عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: سأل أهل مكة رسول اللَّه ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحّي عنهم الجبال فيزرعون، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا فمن كفر منهم بعد ذلك عذّبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت
فتحت لهم باب التوبة والرحمة، قال: أي رب باب الرحمة. وفي رواية: إن شئت أن تستأني بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكتهم كما أهلكت من قبلهم من الأمم. قال: لا بل أستأني بهم. فأنزل اللَّه: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [ (١) ] . وروى ابن جرير عن قتادة قال: قال أهل مكة فذكر نحوه وفيه: فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك. قال: بل أستأني بقومي، فانزل اللَّه تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ الآية. وأنزل اللَّه تعالى: ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [ (٢) ] .
تفسير الغريب أصبر: بالسكون جواب الشرط. اليمامة- بفتح المثناة التحتية: مدينة باليمن. الصّكّ [ (٣) ]- بفتح الصاد المهملة وتشديد الكاف: الكتاب. وايم اللَّه: من ألفاظ القسم كقولك: لعمر اللَّه وعهد اللَّه وفيها لغات كثيرة، تفتح همزتها وتكسر، وهي همزة وصل وقد تقطع. أسلموني: بقطع الهمزة المفتوحة. ما بدا لهم: بغير همز أي ظهر. منتقعا- بفتح القاف- امتقع لونه فهو منتقع لغة في انتقع أي تغير من حزن أصابه. الفحل- بفتح الفاء وإسكان الحاء- الذكر من الحيوان والمراد به هنا من الإبل. الحجر- بفتح الحاء والجيم. هامته- بميم مخففة مفتوحة: الرأس. القصر [ (٤) ]- بفتح القاف والصاد المهملة والراء. والقصرة: أصل العنق. والجمع قصر بفتحهما. واللَّه أعلم.



