سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الصالحي الشامي (w. 942 H).

Bagian 56 dari 173 5757 halaman

— Bagian 56 · وهو صفحة الخدّ. —

Bagian 56

وهو صفحة الخدّ. اللّدغ- بالدال المهملة والغين المعجمة-: ما يكون من ذوات السموم. الجحر- بضم الجيم وسكون الحاء المهملة- الثّقب، والمراد هنا ثقب الجبة.

الباب الخامس عشر في غزوة بني النّضير اختلفوا في سببها، فروى عبد الرزاق وعبد بن حميد، وأبو داود، والبيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ: أنّ كفّار قريش كتبوا إلى ابن أبيّ ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: «إنكم قد آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددا، وإنّا نقسم بالله لنقاتلنّه، أو لتخرجنّه، أو لنستعدينّ عليكم العرب، ثم لنسيرنّ إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم، وأبناءكم» . فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن كان معه من عبدة الأوثان تراسلوا، واجتمعوا لقتال رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما بلغه ﷺ لقيهم في جماعة من أصحابه، فقال: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر ممّا تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم» [ (١) ] . فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرّقوا وعرفوا الحق.

، ما كانت لتكيدكم بأكثر ممّا تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم» [ (١) ] . فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرّقوا وعرفوا الحق. فبلغ ذلك كفّار قريش، فكتبوا بعد وقعة بدر إلى اليهود: «إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلنّ صاحبنا أو لنفعلنّ كذا وكذا، ولا يحول بين خدم نسائكم شيء» ، فلما بلغ كتابهم اليهود اجتمعت بنو النّضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ: اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرا، حتى نلتقي على أمر بمكان نصف بيننا وبينك، فيسمعوا منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنّا بك كلنا. فلما كان من الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ في ثلاثين رجلا من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرا من يهود، حتى إذا برزوا في برازٍ من الأرض قال بعضهم لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه، كلّهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه: كيف نفهم ونحن ستّون رجلا اخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا، فيسمعوا منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنّا بك، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في ثلاثة من أصحابه وخرجت ثلاثة من اليهود، واشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته خبر ما أراد بنو النّضير من الغدر برسول الله ﷺ، فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك رسول الله ﷺ، فسارّه بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فذكر الحديث.

وقال ابن إسحاق وابن عمر وابن سعد وابن عائذ وجلّ أهل المغازي: إن عمرو بن أمية الضمري ﵁ أقبل من بئر معونة حتى إذا كان بقناة لقي رجلين من بني عامر بن صعصعة، قد كان النبي ﷺ وادعهما، فنسبهما فانتسبا، فقال معهما حتى إذا ناما وثب عليهما فقتلهما، ثم خرج حتى ورد على رسول الله ﷺ في قدر حلب شاة، فأخبره خبرهما، فقال رسول الله ﷺ: «بئس ما صنعت- قد كان لهم منّا أمان [وعهد] » فقال: ما شعرت، كنت أراهما على شركهما، وكان قومهما قد نالوا منّا ما نالوا من الغدر بنا، وجاء بسلبهما، فأمر رسول الله ﷺ بسلبهما فعزل، حتى يبعث به مع ديتهما. وكان بين بني النّضير وبين بني عامر عقد وحلف، فسار رسول الله ﷺ يوم السبت فصلّى في مسجد قباء، ومعه رهط من المهاجرين والأنصار، ثم جاء بني النّضير ومعه دون العشرة من أصحابه، فوجدهم في ناديهم، فجلس رسول الله ﷺ يكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيّين اللّذين قتلهما عمرو بن أمية، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ما أحببت، قد إن لك أن تزورنا وأن تأتينا، اجلس حتى تطعم وترجع لحاجتك، ونقوم فنتشاور ونصلح أمرنا فيما جئتنا به، ورسول الله ﷺ مستند إلى بيت من بيوتهم، ثم خلا بعضهم ببعض فتناجوا، فقال حيي بن اخطب: يا معشر يهود قد جاءكم محمد في نفر من أصحابه لا يبلغون عشرة- ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزّبير، وطلحة، وسعد بن معاذ، وأُسيد بن الحضير، وسعد بن عبادة- فاطّرحوا عليه حجارة من فوق هذا البيت الذي هو تحته فاقتلوه، ولن تجدوه أخلى منه الساعة، فإنه إن قتل تفرق عنه أصحابه، فلحق من كان معه [من قريش] بحرمهم، وبقي من كان هاهنا من الأوس والخزرج، فما كنتم تريدون أن تصنعوا يوما من الدهر فمن الآن، فقال عمرو بن جحّاش- بفتح الجيم وتشديد الحاء المهملة وآخره شين معجمة- النّضري: إذا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة، قال سلّام بن مشكم: يا قوم أطيعوني هذه المرة وخالفوني الدهر، والله لئن فعلتم ليخبرنّ بأنّا قد غدرنا به، وإن هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه، فلا تفعلوا، وهيّأ عمرو بن جحّاش الصّخرة ليرسلها على رسول الله ﷺ ويدحرجها، فلما أشرف بها جاء رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما همّوا به،

ذي بيننا وبينه، فلا تفعلوا، وهيّأ عمرو بن جحّاش الصّخرة ليرسلها على رسول الله ﷺ ويدحرجها، فلما أشرف بها جاء رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما همّوا به، فنهض رسول الله ﷺ سريعا، كأنه يريد حاجة، وتوجّه نحو المدينة، وجلس أصحابه يتحدّثون وهم يظنون أنه قام يقضي حاجة. وروى عبد بن حميد عن عكرمة، قال: فبينما اليهود على ذلك إذ جاء جاء من اليهود من المدينة فلما رأى أصحابه يأتمرون بأمر النبي ﷺ، قال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن نقتل محمدا ونأخذ أصحابه، فقال لهم: وأين محمد؟ قالوا: هذا محمد قريب، فقال لهم صاحبهم: والله لقد تركت محمدا داخل المدينة، فسقط في أيديهم. واستبطأ الصحابة الذين كانوا مع رسول الله ﷺ النبي ﷺ، وراث عليهم خبره، فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر: ما

مقامنا هاهنا بشيء، لقد توجّه رسول الله ﷺ لأمر، فقاموا في طلبه، فقال حيي بن اخطب: لقد عجّل أبو القاسم، كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، وندمت يهود على ما صنعوا. فقال لهم كنانة بن صويراء: «هل تدرون لم قام محمد؟» قالوا: لا والله ما ندري، وما تدري أنت! قال:

كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، وندمت يهود على ما صنعوا. فقال لهم كنانة بن صويراء: «هل تدرون لم قام محمد؟» قالوا: لا والله ما ندري، وما تدري أنت! قال: بلى والتوراة إنّي لأدري، قد أخبر محمد بما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، والله أنه لرسول الله، وما قام إلا أنه أخبر بما هممتم به من الغدر، وإنه لآخر الأنبياء، وكنتم تطمعون أن يكون من بني هارون، فجعله الله حيث شاء. وإن كتبنا والذي درسنا في التوراة التي لم تغيّر، ولم تبدّل: أنّ مولده بمكّة، وأن دار هجرته يثرب، وصفته بعينها ما تخالف حرفا مما في كتابنا، وما يأتيكم به أولى في محاربته إيّاكم، ولكأني أنظر إليكم ظاعنين يتضاغى صبيانكم قد تركتم دوركم خلوفا وأموالكم، وإنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين، والثالثة لا خير فيها» . قالوا: ما هما؟ قال: «تسلمون وتدخلون مع محمد، فتأمنون على أموالكم وأولادكم، وتكونون من علية أصحابه، وتبقى بأيديكم أموالكم، ولا تخرجون من دياركم» ، قالوا: لا نفارق التوراة وعهد موسى. قال: «فإنه مرسل إليكم: اخرجوا من بلدي فقولوا: نعم، فإنه لا يستحلّ لكم دما ولا مالا، وتبقى أموالكم لكم، إن شئتم بعتم، وإن شئتم أمسكتم» ، قالوا: أمّا هذا فنعم. قال سلّام بن مشكم: «قد كنت لما صنعتم كارها، وهو مرسل إلينا أن اخرجوا من داري، فلا تعقّب يا حييّ كلامه، وأنعم له بالخروج، واخرج من بلاده» . قال: افعل، أنا أخرج. فلما دخل رسول الله ﷺ المدينة تبعه أصحابه، فلقوا رجلا خارجا من المدينة، فسألوه: هل لقيت رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم، لقيته بالجسر داخلا. فلما انتهى إليه أصحابه وجدوه قد أرسل إلى محمد بن مسلمة يدعوه، فقال أبو بكر: يا رسول الله، قمت ولم نشعر، فقال رسول الله ﷺ: «همّت يهود بالغدر بي، فأخبرني الله تعالى فقمت» . قال ابن عتبة: وأنزل الله تعالى في ذلك قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة ١١] . ورواه عبد بن حميد عن عكرمة.

ِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة ١١] . ورواه عبد بن حميد عن عكرمة.

ذكر إرساله ﷺ محمد بن مسلمة إليهم واعترافهم برسالته لمّا جاء محمد بن مسلمة رسول الله ﷺ قال: «اذهب إلى يهود بني النضير فقل لهم: إن رسول الله ﷺ، أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلدي» . فلما جاءهم قال: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم برسالة، ولست أذكرها لكم حتى أعرّفكم بشيء تعرفونه في مجلسكم، فقالوا: ما هو؟ قال: أنشدكم بالتوراة، التي أنزل الله على موسى: هل تعلمون أني

جئتكم قبل أن يبعث محمد وبينكم التوراة فقلتم لي في مجلسكم هذا: يا بن مسلمة إن شئت أن نغدّيك غدّيناك، وإن شئت أن نهوّدك هوّدناك، فقلت لكم: بل غدّوني ولا تهوّدوني، فإني والله لا أتهوّد أبدا، فغدّيتموني في صحفة لكم، وقلتم لي: ما يمنعك من ديننا إلا أنه دين يهود، كأنك تريد الحنيفية التي سمعت بها، أما إنّ أبا عامر الراهب ليس بصاحبها، أتاكم صاحبها الضّحوك القتّال في عينيه حمرة، ويأتي من قبل اليمن، يركب البعير، ويلبس الشّملة، ويجتزئ بالكسرة، وسيفه على عاتقه، ينطق بالحكمة كأنه وشيجتكم هذه، والله ليكوننّ في قريتكم هذه سلب، وقتل، ومثل، قالوا: اللهم نعم، قد قلنا ذلك وليس به. قال: قد فرغت، إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يقول لكم: «إنكم قد نقضتم العهد الذي جعلت لكم، بما هممتم به من الغدر بي» . وأخبرهم بما كانوا همّوا به وظهور عمرو بن جحّاش على البيت ليطرح الصخرة، فأسكتوا، فلم يقولوا حرفا. ويقول: «اخرجوا من بلدي وقد أجّلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه» ، قالوا: يا محمد، ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجل من الأوس. قال محمد بن مسلمة: تغيّرت القلوب. فمكثوا على ذلك أيّاما يتجهّزون، وأرسلوا إلى ظهرهم بذي الجدر يجلب لهم، وتكاروا من ناس من أشجع [إبلا] وجدّوا في الجهاز.

محمد بن مسلمة: تغيّرت القلوب. فمكثوا على ذلك أيّاما يتجهّزون، وأرسلوا إلى ظهرهم بذي الجدر يجلب لهم، وتكاروا من ناس من أشجع [إبلا] وجدّوا في الجهاز.

ذكر إرسال عبد الله بن أبيّ إليهم بعد الخروج من أرضهم فبينما هم على ذلك إذ جاءهم رسولا عبد الله بن أبي ابن سلول: سويد، وداعس، فقالا: يقول عبد الله بن أبيّ: لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم، فإنّ معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب، يدخلون معكم حصنكم، فيموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم، وتمدّكم قريظة، فإنهم لن يخذلوكم، ويمدّكم حلفاؤكم من غطفان. وأرسل ابن أبيّ إلى كعب بن أسد القرظيّ يكلمه أن يمدّ أصحابه، فقال: لا ينقض رجل واحد منا العهد. فيئس ابن أبيّ من بني قريظة، وأراد أن يلحم الأمر فيما بين بني النّضير ورسول الله ﷺ، فلم يزل يرسل إلى حيي بن اخطب، فقال حييّ: أنا أرسل إلى محمد أعلمه أنّا لا نخرج من دارنا وأموالنا، فليصنع ما بدا له. وطمع حييّ فيما قال ابن أبيّ. فقال له سلّام بن مشكم: «منّتك نفسك والله- يا حييّ الباطل، ولولا أن يسفّه رأيك لاعتزلتك بمن أطاعني من يهود، فلا تفعل يا حييّ، فو الله إنك لتعلم- ونعلم معك- أنه لرسول الله، وأنّ صفته عندنا، وأنّا لم نتّبعه وحسدناه، حيث خرجت النبوة من بني هارون، فتعال فلنقبل ما أعطانا من الأمن ونخرج من بلاده، وقد عرفت أنّك خالفتني في الغدر به، فإذا كان أوان الثّمر، جئنا أو جاء أحد منّا إلى ثمره فباع أو صنع ما بدا له، ثم انصرف إلينا، فكأنّا لم

رج من بلاده، وقد عرفت أنّك خالفتني في الغدر به، فإذا كان أوان الثّمر، جئنا أو جاء أحد منّا إلى ثمره فباع أو صنع ما بدا له، ثم انصرف إلينا، فكأنّا لم

نخرج من بلادنا إذا كانت أموالنا بأيدينا إنّا إنّما شرفنا على قومنا بأموالنا وفعالنا، فإذا ذهبت أموالنا من أيدينا كنّا كغيرنا من اليهود في الذّلة والإعدام وإن محمدا إن سار إلينا فحاصرنا في هذه الصياصي يوماً واحداً، ثم عرضنا عليه ما أرسل به إلينا لم يقبله، وأبى علينا» . قال حيي بن اخطب: «إن محمدا لا يحصرنا إلّا إن أصاب منا نهزة، وإلا انصرف، وقد وعدني ابن أبيّ ما قد رأيت» . قال سلّام: «ليس قول ابن أبيّ بشيء، إنما يريد ابن أبيّ أن يورطك في الهلكة حتى تحارب محمدا، ثم يجلس في بيته ويتركك، قد أراد من كعب بن أسد النّصر وأبى كعب، وقال: لا ينقض هذا العهد رجل من بني قريظة وأنا حي، وإلا فابن أبيّ قد وعد حلفاءه من بني قينقاع مثل ما وعدك حتى حاربوا ونقضوا العهد، وحصروا أنفسهم في صياصيهم، وانتظروا نصر ابن أبيّ، فجلس في بيته، وسار إليهم محمد فحصرهم، حتى نزلوا على حكمه، فابن أبيّ لا ينصر حلفاءه، ونحن لم نزل نضربه بسيوفنا مع الأوس في حروبهم كلها، إلى أن انقطعت حروبهم، وقدم محمد فحجز بينهم. وابن أبيّ لا هو على دين يهود، ولا هو على دين محمد، ولا هو على دين قومه، فكيف تقبل منه قوله؟ قال حييّ: «تأبى نفسي إلّا عداوة محمد وإلّا قتاله» . قال سلّام: «فهو والله جلاؤنا من أرضنا، وذهاب أموالنا وشرفنا، وسبي ذرارينا، مع قتل مقاتلتنا» فأبى حييّ إلّا محاربة رسول الله ﷺ. فقال له ساموك- بالكاف- ابن أبي الحقيق- بحاء مهملة مضمومة فقاف مفتوحة فتحتية ساكنة ثم قاف أخرى- وكان ساموك ضعيفا عندهم في عقله، كانت به جنّة: «يا حييّ أنت رجل مشؤوم، تهلك بني النضير» ، فغضب حييّ وقال: كلّ بني النّضير قد كلّمني حتى هذا المجنون، فضربه إخوته، وقالوا لحييّ: أمرنا لأمرك تبع، لن نخالفك.

ّ أنت رجل مشؤوم، تهلك بني النضير» ، فغضب حييّ وقال: كلّ بني النّضير قد كلّمني حتى هذا المجنون، فضربه إخوته، وقالوا لحييّ: أمرنا لأمرك تبع، لن نخالفك. فأرسل حييّ أخاه جديّ- بضم الجيم وفتح الدال المهملة وتشديد التحتية- ابن أخطب إلى رسول الله ﷺ يقول له: إنّا لا نبرح من ديارنا وأموالنا، فاصنع ما أنت صانع. وأمره أن يأتي ابن أبيّ فيخبره برسالته إلى رسول الله ﷺ، ويأمره أن يتعجل ما وعد من النّصر. فذهب جديّ بن أخطب إلى رسول الله ﷺ بالذي أرسله حييّ، فجاء رسول الله ﷺ وهو جالس بين أصحابه فأخبره، فأظهر رسول الله ﷺ التكبير، وكبّر المسلمون لتكبيره، وقال: حاربت يهود. وخرج جديّ حتى دخل على ابن أبيّ وهو جالس في بيته، ومعه نفر من حلفائه، وقد نادى منادي رسول الله ﷺ يأمرهم بالمسير إلى بني النضير، فدخل عبد الله بن عبد الله بن

أبيّ على أبيه وعلى النّفر الذين معه، وعنده جديّ بن أخطب، فلبس درعه، وأخذ سيفه وخرج يعدو. قال جديّ: لمّا رأيت ابن أبيّ جالسا في ناحية البيت، وابنه عليه السّلاح، يئست منه ومن نصره، فخرجت أعدو إلى حييّ، فقال: ما وراءك؟ قال: فقلت الشرّ، ساعة أخبرت محمدا بما أرسلت به إليه أظهر التكبير وقال: حاربت يهود، قال: وجئت ابن أبيّ فأخبرته، ونادى منادي محمد بالمسير إلى بني النضير، فقال حييّ: وما ردّ عليك ابن أبيّ؟ قال جديّ: لم أر عنده خيرا، قال: أنا أرسل إلى حلفائي من غطفان. فيدخلون معكم.

ذكر مسير رسول الله ﷺ إلى بني النضير سار رسول الله ﷺ في أصحابه إلى بني النضير. واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وحملت مع رسول الله ﷺ قبّة من خشب الغرب، عليها مسوح أرسل بها سعد بن عبادة ﵁، وصلى رسول الله ﷺ العصر بفضاء بني النّضير، فلما رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا على جدر حصونهم، معهم النّبل والحجارة، واعتزلتهم بنو قريظة، فلم يعينوهم بسلاح ولا رجال، ولم يقربوهم، فجعلت بنو النضير يرمون ذلك اليوم بالنّبل والحجارة. وقام إلى رسول الله ﷺ أصحابه، فلما صلى رسول الله ﷺ العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، عليه الدّرع، وهو على فرس، واستعمل على العسكر علي بن أبي طالب، ويقال: أبو بكر، ﵄، وبات المسلمون يحاصرونهم ويكبّرون حتى أصبحوا ثم أذّن بلال بالفجر، فغدا رسول الله ﷺ في أصحابه الذين كانوا معه فصلّى بالناس في فضاء بني خطمة، وأمر بلالا فضرب القبّة في موضع المسجد الصغير الذي بفضاء بني خطمة، فدخل رسول الله ﷺ القبّة. وكان رجل من يهود يقال له: عزوك، وكان أعسر راميا، فيرمي فتبلغ نبله قبّة النبي ﷺ، فأمر بقبّته فحوّلت إلى مسجد الفضيخ، فتباعدت من النّبل. وأمسوا فلم يقربهم ابن أبيّ، ولا أحد من حلفائه، وجلس في بيته، ويئست بنو النّضير من نصره، وجعل سلّام بن مشكم وكنانة بن صويراء يقولان لحييّ: أين نصر بن أبيّ الذي زعمت؟ قال حييّ: ما أصنع؟! هي ملحمة كتبت علينا. ولزم رسول الله ﷺ حصارهم، فلما كانت ليلة من الليالي فقد علي ﵁ قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول الله، ما نرى عليّا! قال: «دعوه، فإنه في بعض شأنكم!»

ينا. ولزم رسول الله ﷺ حصارهم، فلما كانت ليلة من الليالي فقد علي ﵁ قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول الله، ما نرى عليّا! قال: «دعوه، فإنه في بعض شأنكم!» فعن قليل جاء برأس عزوك، وقد كمن له حين خرج يطلب غرّة من المسلمين، وكان شجاعا راميا، فشدّ عليه فقتله، وفرّ من كان معه، وبعث رسول الله ﷺ مع عليّ أبا دجانة وسهل بن

حنيف في عشرة من أصحابه فأدركوا اليهود الذين فرّوا من عليّ، فقتلوهم وطرحت رؤوسهم في بعض البئار. وكان سعد بن عبادة- ﵁ يحمل التّمر إلى المسلمين.

ذكره أمره ﷺ بقطع النخيل أمر رسول الله ﷺ بقطع نخل بني النّضير، واستعمل على قطعها أبا ليلى المازنيّ، وعبد الله بن سلّام، وكان أبو ليلى يقطع العجوة. وكان عبد الله بن سلام يقطع اللّون فقيل لهما في ذلك، فقال أبو ليلى: كانت العجوة أحرق لهم، وقال عبد الله بن سلام: قد عرفت أن الله سيغنمه أموالهم. وكانت العجوة خيرا لهم، فلما قطعت العجوة شقّ النساء الجيوب، وضربن الخدود، ودعون بالويل، فجعل سلّام بن مشكم يقول: يا حييّ، العذق [خير] من العجوة، يغرس فلا يطعم ثلاثين سنة يقطع! فأرسل حييّ إلى رسول الله ﷺ: [يا محمد، إنك] كنت تنهى عن الفساد فلم تقطع النّخل؟ ووجد بعض المسلمين في أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون فسادا، فقال بعضهم: لا تقطعوا، وقال بعضهم: بل نقطعه لنغيظهم بذلك. وأرسل حييّ إلى رسول الله ﷺ: نحن نعطيك الذي سألت ونخرج من بلادك. فقال رسول الله ﷺ: «لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها، ولكم ما حملت الإبل إلّا الحلقة» . فقال سلّام بن مشكم: اقبل ويحك، من قبل أن تقبل شرّا من ذلك، فقال حييّ: ما يكون شرّا من هذا. قال سلّام بن مشكم: تسبى الذّرّيّة وتقتل المقاتلة مع الأموال. والأموال أهون علينا، فأبى حييّ أن يقبل يوما أو يومين، فلما رأى ذلك يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب قال أحدهما لصاحبه: والله إنك لتعلم أنه رسول الله ﷺ، فما ننتظر أن نسلم فنأمن على دمائنا وأموالنا؟ فنزلا من الليل فأسلما وحرّزا أموالهما ودماءهما، ثم نزلت يهود على أن لهم ما حملت الإبل إلّا الحلقة.

له ﷺ، فما ننتظر أن نسلم فنأمن على دمائنا وأموالنا؟ فنزلا من الليل فأسلما وحرّزا أموالهما ودماءهما، ثم نزلت يهود على أن لهم ما حملت الإبل إلّا الحلقة. وجعل يامين لرجل من قيس عشرة دنانير، ويقال: خمسة أوسق من تمر، حتى قتل عمرو بن جحّاش غيلة، فسر رسول الله ﷺ بقتله. وحاصرهم رسول الله ﷺ. قال محمد بن عمر وابن سعد، والبلاذري، وأبو معشر، وابن حبّان: خمسة عشر يوما. وقال ابن إسحاق وأبو عمرو: ستّ ليال. وقال سليمان التيمي: قريباً من عشرين ليلة. وقال ابن الكلاع: ثلاث وعشرين ليلة.

وعن عائشة: خمس وعشرين حتى أجلاهم. وولي إخراجهم محمد بن مسلمة- ﵁ فقالوا: إنّ لنا ديونا على الناس إلى آجال فقال رسول الله ﷺ: «تعجّلوا وضعوا» . فكان لأبي رافع سلّام بن أبي الحقيق على أسيد بن حضير عشرون ومائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارا، وأبطل ما فضل. وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم ممّا يليهم، وكان المسلمون يخربون بيوتهم ممّا يليهم، ويحرقون، حتى وقع الصّلح.

ذكر خروج بني النضير من أرضهم لما خرجوا حموا النّساء والذّريّة، وما استقلّت به الإبل من الأمتعة، فكان الرجل يهدم بيته عن نجاف بابه، وأظهروا تجلّدا عظيما، فخرجوا على بلحارث بن الخزرج، ثم على الجبليّة، ثم على الجسر، حتى مرّوا بالمصلّى ثم شقّوا سوق المدينة، والنساء في الهوادج وعليهنّ الدّيباج والحرير وقطف الخزّ الخضر والحمر وحلّي الذهب والفضّة، والمعصفر. ونادى أبو رافع سلّام بن أبي الحقيق، ورفع مسك جمل وقال: هذا ممّا نعدّه لخفض الأرض ورفعها، فإن تكن النخل قد تركناها فإنا نقدم على نخل بخيبر. ومرّوا ومعهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم تجلّدا، وصفّ لهم الناس فجعلوا يمرّون قطارا في أثر قطار، تحمّلوا على ستمائة بعير. وحزن المنافقون لخروجهم أشدّ الحزن. فنزل أكثرهم بخيبر، منهم حيي بن اخطب، وسلّام بن أبي الحقيق، وكنانة بن صويراء. فدان لهم أهلها، وذهبت طائفة منهم إلى الشّام. وقبض رسول الله ﷺ الأموال والحلقة فوجد خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا. وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ألا تخمّس ما أصبت؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا أجعل شيئا جعله الله تعالى لي دون المؤمنين» بقوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى.. [الحشر ٧] الآية، كهيئة ما وقع فيه السّهمان. وكانت بنو النّضير من صفايا رسول الله ﷺ، جعلها حبسا لنوائبه. وكان ينفق على أهله منها، كانت خالصة له فأعطى منها من أعطى وحبس ما حبس. وكان يزرع تحت النّخل، وكان يدّخر منها قوت أهله سنة من الشّعير والتّمر لأزواجه وبني عبد المطلب، وما فضل جعله في الكراع والسلاح.

من أعطى وحبس ما حبس. وكان يزرع تحت النّخل، وكان يدّخر منها قوت أهله سنة من الشّعير والتّمر لأزواجه وبني عبد المطلب، وما فضل جعله في الكراع والسلاح.

وكان رسول الله ﷺ لمّا تحوّل من بني عمرو بن عوف إلى المدينة تحوّل المهاجرون، فتنافست فيهم الأنصار، فما إن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسّهمان، فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة بسهم، فكان المهاجرون في دور الأنصار وأموالهم. فلما غنم رسول الله ﷺ بني النّضير دعا ثابت بن قيس بن شمّاس، فقال: ادع لي قومك، قال ثابت: الخزرج يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ: «الأنصار كلها!» فدعا له الأوس والخزرج، فتكلّم رسول الله ﷺ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين وإنزالهم إيّاهم في منازلهم وإيثارهم على أنفسهم، ثم قال: «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين مما أفاء الله تعالى على من بني النضير، وكان المهاجرون علي ما هم عليه من السّكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم» . فتكلّم سعد بن عبادة وسعد بن معاذ- ﵄ وجزاهما خيرا، فقالا: «يا رسول الله بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا» ، ونادت الأنصار- ﵃ وجزاهم خيرا-: «رضينا وسلّمنا يا رسول الله» . فقال رسول الله ﷺ: «اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار» . فقسم رسول الله ﷺ ما أفاء الله تعالى عليه، وأعطى المهاجرين، ولم يعط أحدا من الأنصار من ذلك الفيء شيئا إلا رجلين كانا محتاجين: سهل بن حنيف وأبا دجانة، وأعطى سعد بن معاذ ﵁ سيف بن أبي الحقيق، وكان سيفا له ذكر عندهم. وذكر البلاذريّ في كتاب فتوح البلدان إن رسول الله ﷺ قال للأنصار: «ليس لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمتم هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه فيهم خاصة» . قالوا: بل اقسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت فنزلت: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر ٩] . قال أبو بكر ﵁: جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا، فو الله ما مثلنا ومثلكم إلّا كما قال الغنويّ- وهو بالغين المعجمة والنّون-:

ِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر ٩] . قال أبو بكر ﵁: جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا، فو الله ما مثلنا ومثلكم إلّا كما قال الغنويّ- وهو بالغين المعجمة والنّون-: جزى الله عنّا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلّت أبوا أن يملّونا ولو أمّنا ... تلاقي الّذي يلقون منّا لملّت قلت: وروى الآجريّ في كتاب الشريعة عن قيس بن أبي حازم: قال أبو بكر الصديق ﵁، فذكر نحو ما تقدم.

ذكر محاورة عمرو بن سعدى اليهودي في أمر النبي ﷺ قال محمد بن عمر: حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه قال: لما خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو بن سعدى وطاف بمنازلهم فرأى خرابا، ففكّر ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة لصلاتهم، فنفخ في بوقهم فاجتمعوا. فقال الزّبير- وهو بفتح الزاي وكسر الموحدة- ابن باطا القرظيّ: يا أبا سعيد، أين كنت منذ اليوم؟ لم أرك. وكان لا يفارق الكنيسة، وكان يتألّه في اليهودية. قال: «رأيت اليوم عبرا عبّرنا بها، رأيت دار إخواننا خالية بعد ذلك العزّ والجلد والشّرف الفاضل والعقل البارع قد تركوا أموالهم، وملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذلّ، ولا والتّوراة ما سلط هذا على قوم قطّ، والله بهم حاجة، وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف بياتا في بيته آمنا، وأوقع بابن سنينة سيّد يهود، وأنجدهم وأجلدهم، وأوقع ببني قينقاع، فأجلاهم وهم أهل جدّ يهود، وكانوا أهل عدّة وسلاح ونجدة، فحصرهم فلم يخرج إنسان رأسه حتى سباهم، فكلّم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم، لقد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتّبع محمدا، فو الله إنكم لتعلمون أنه نبيّ وقد بشّرنا به علماؤنا، آخرهم ابن الهيّبان أبو عمير، وابن جوّاس وهما أعلم يهود، جاءانا من بيت المقدس يتوكّفان قدومه، ثم أمرانا باتباعه، وأن نقرئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما ودفنا بحرّتنا هذه» ، فأسكت القوم فلا يتكلم منهم متكلم، فأعاد الكلام أو نحوه، وخوّفهم بالحرب والسّباء والجلاء. فقال الزّبير بن باطا: «والتوراة قد قرأت صفته في التوراة، التي نزلت على موسى، ليس في المثاني التي أحدثنا» ، فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتّباعه؟ قال:

«والتوراة قد قرأت صفته في التوراة، التي نزلت على موسى، ليس في المثاني التي أحدثنا» ، فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتّباعه؟ قال: أنت يا كعب، قال كعب: ولم؟ والتّوراة ما حلت بينك وبينه قطّ، قال الزّبير: بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا، فإن اتبعته اتّبعناه، وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فقال: أما والتوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سينا إنه للعزّ والشّرف في الدنيا، وأنه لعلى منهاج موسى، وينزل معه وأمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا وعقدنا فلا يخفر لنا محمد ذمّة، وننظر ما يصنع حييّ، فقد أخرج إخراج ذلّ وصغار، فلا أراه يقرّ حتى يغزو محمدا، فإن ظفر بمحمد فهو ما أردنا، وأقمنا على ديننا وإن ظفر بحييّ فما في العيش خير، وتحوّلنا من جواره. قال عمرو بن سعدى: ولم نؤخّر الأمر وهو مقبل؟ قال كعب: ما على هذا فوق، متى أردت هذا من محمد أجابني إليه. قال عمرو، والتوراة، إن عليه لغوثا، إذا سار إلينا محمد فتخبأنا في حصوننا هذه التي قد خدعتنا، فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه، فيضرب

أعناقنا. قال كعب بن أسد: ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا لقول هذا الإسرائيليّ، ولا يعرف لي فضل النّبوّة ولا قدر الفعال. قال عمرو بن سعدى: بل لعمري ليعرفنّ ذلك. فبينما هم على ذلك لم يرعهم إلا بمقدّمة النبي ﷺ قد حلّت بساحتهم، فقال: هذا الذي قلت لك. وذلك أنهم نقضوا عهد رسول الله ﷺ، وحاربوه في وقعة الخندق، كما سيأتي بيان ذلك. وأنزل الله ﷾ غالب سورة الحشر في شأنهم. وروى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال، قل: سورة النّضير، قال الله ﷾: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي نزّهه، فاللّام مزيدة، وفي الإتيان ب «ما» تغليب للأكثر. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في ملكه وصنعه. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هم بنو النّضير من اليهود. مِنْ دِيارِهِمْ مساكنهم بالمدينة. لِأَوَّلِ الْحَشْرِ هو حشرهم إلى الشّام، وآخره أن أجلاهم عمر في خلافته إلى خيبر. ما ظَنَنْتُمْ أيها المؤمنون. أَنْ يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ خبر أن حُصُونُهُمْ فاعله، به تمّ الخبر. مِنَ اللَّهِ من عذابه. فَأَتاهُمُ اللَّهُ أمره وعذابه. مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا لم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين. وَقَذَفَ ألقى. فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ بسكون العين وضمّها: الخوف، فقتل سيّدهم كعب بن الأشرف. يُخْرِبُونَ بالتشديد والتخفيف من خرّب وأخرب بُيُوتَهُمْ لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره. بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ قضى عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ الخروج من الوطن.

. بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ قضى عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ الخروج من الوطن.

لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسّبي، كما فعل بقريظة من اليهود. وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا خالفوا. اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ له. ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ نخلة. أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي خيّركم في ذلك. وَلِيُخْزِيَ بالإذن في القطع. الْفاسِقِينَ اليهود في اعتراضهم بأنّ قطع الشّجر المثمر فساد. وَما أَفاءَ رد اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ أسرعتم يا مسلمين عَلَيْهِ مِنْ زائدة خَيْلٍ وَلا رِكابٍ إبل، أي لم تقاسوا فيه مشقّة. وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فلا حقّ لكم فيه، ويختصّ به النبي ﷺ، ويفعل فيه ما يشاء، فأعطى منه المهاجرين وثلاثة من الأنصار لفقرهم. ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى كالصّفراء وادي القرى وينبع. فَلِلَّهِ يأمر فيه بما يشاء. وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي صاحب الْقُرْبى قرابة النبيّ من بني هاشم وبني المطلب. وَالْيَتامى أطفال المسلمين الذين هلكت آباؤهم وهم فقراء. وَالْمَساكِينِ ذوي الحاجة من المسلمين. وَابْنِ السَّبِيلِ المنقطع في سفره من المسلمين، أي يستحقه النبيّ والأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أنّ لكل من الأربعة خمس الخمس وله الباقي. كَيْ لا كي بمعنى اللام، وأن مقدّرة بعدها. يَكُونَ دُولَةً متداولا. بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ أعطاكم. الرَّسُولُ من الفيء وغيره فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.

نْكُمْ وَما آتاكُمُ أعطاكم. الرَّسُولُ من الفيء وغيره فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.

لِلْفُقَراءِ متعلق بمحذوف أي اعجبوا الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ أي المدينة وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ حاجة إلى ما يؤثرون به. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حرصها على المال. فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا حقدا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنو النّضير وإخوانهم في الكفر: لَئِنْ لام قسم في الأربعة أُخْرِجْتُمْ من المدينة لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ في خذلانكم أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ حذفت منه اللّام الموطّئة لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي جاءوا لنصرهم لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ واستغنى بجواب القسم المقدّر عن جواب الشرط في المواضع الخمسة ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ أي اليهود. لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً خوفا فِي صُدُورِهِمْ أي المنافقين مِنَ اللَّهِ لتأخير عذابه. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً أي اليهود مجتمعين إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَو مِنْ وَرَاءِ جِدار سور، وفي قراءة: جُدُرٍ.

هُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً أي اليهود مجتمعين إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَو مِنْ وَرَاءِ جِدار سور، وفي قراءة: جُدُرٍ. بَأْسُهُمْ حربهم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً مجتمعين. وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة، خلاف الحسبان. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ. مثلهم في ترك الإيمان كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً بزمن قريب وهم أهل بدر من المشركين ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ عقوبته في الدنيا من القتل وغيره وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلّفهم عنهم. كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ: اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ كذبا منه ورياء فَكانَ عاقِبَتَهُما أي الغاوي والمغويّ، وقرئ بالرّفع أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ [الحشر من ١: ١٧] .

ذكر بعض ما قيل في هذه الغزوة من الأشعار قال كعب بن مالك ﵁ يذكر إجلاء بني النّضير وقتل ابن الأشرف: لقد خزيت بغدرتها الحبور ... كذاك الدّهر ذو صرف يدور وذلك أنّهم كفروا بربّ ... عزير أمره أمر كبير وقد أوتوا معا فهما وعلما ... وجاءهم من الله النّذير نذير صادق أدّى كتابا ... وآيات مبيّنة تنير فقالوا: ما أتيت بأمر صدق ... وأنت بمنكر منّا جدير فقال: بلى، لقد أدّيت حقّا ... يصدّقني به الفهم الخبير فمن يتبعه يهد لكلّ رشد ... ومن يكفر به يجز الكفور فلمّا أشربوا غدرا وكفرا ... وجدّ بهم عن الحقّ النّفور أرى الله النّبيّ برأي صدق ... وكان الله يحكم لا يجور فأيّده وسلّطه عليهم ... وكان نصيره نعم النّصير فغودر منهم كعب صريعا ... فزلّت بعد مصرعه النّضير على الكفّين ثمّ وقد علته ... بأيدينا مشهّرة ذكور بأمر محمّد إذ دسّ ليلا ... إلى كعب أخا كعب يسير فماكره فأنزله بمكر ... ومحمود أخو ثقة جسور فتلك بنو النّضير بدار سوء ... أبارهم بما اجترموا المبير غداة أتاهم في الزّحف رهوا ... رسول الله وهو بهم بصير وغسّان الحماة مؤازروه ... على الأعداء وهو لهم وزير وقال: السّلم ويحكم فصدّوا ... وحالف أمرهم كذب وزور فذاقوا غبّ أمرهم وبالا ... لكّلّ ثلاثة منهم بعير وأجلوا عامدين لقينقاع ... وغودر منهم نخل ودور

تنبيهات الأول: النضير- بفتح النون وكسر الضاد المعجمة السّاقطة-: حيّ من يهود دخلوا في العرب وهم على نسبهم إلى هارون نبيّ الله تعالى ﷺ، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله تعالى قد كتب عليهم هذا الجلاء. الثاني: قال في الهدي: زعم محمد بن شهاب الزّهريّ أنّ غزوة بني النّضير كانت بعد بدر بسّتة أشهر، وهذا وهم منه وغلط، بل الذي لا شك فيه أنّها كانت بعد أحد، انتهى.

ال في الهدي: زعم محمد بن شهاب الزّهريّ أنّ غزوة بني النّضير كانت بعد بدر بسّتة أشهر، وهذا وهم منه وغلط، بل الذي لا شك فيه أنّها كانت بعد أحد، انتهى.

والزّهريّ إنما نقل ذلك عن عروة ورواه الحاكم وصححه، وأقرّه الذهبيّ والبيهقي عن عائشة ﵂، لكن قال البيهقيّ: هكذا قال، أي أحد رواته عن الزهري، عن عروة عن عائشة وذكر عائشة غير محفوظ، وتقدّم كلام ابن كثير في ذلك، وفي آخر غزوة بني قينقاع فراجعه. الثالث: روى الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: حرّق رسول الله ﷺ نخل بني النّضير وقطع، وهي البويرة، فنزلت ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ [ (١) ] [الحشر ٥] . وروي أيضا عنه إن النبي ﷺ حرق نخل بني النّضير. قال ابن عمر: ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بني لؤيّ ... حريق بالبويرة مستطير قال: فأجابه أبو سفيان بن الحراث، أي قبل إسلامه: أدام الله ذلك من صنيع ... وحرّق في جوانبها السّعير ستعلم أيّنا منها بنزه ... وتعلم أيّ أرضينا تضير قال الحافظ: ونسبة هذه الأبيات لحسان بن ثابت وجوابها لأبي سفيان بن الحارث هو المشهور كما في الصحيح. ونقل أبو الفتح عن أبي عمرو الشيبانيّ أن الذي قال «وهان على سراة بني لؤيّ» هو أبو سفيان بن الحارث، وإنما قال: «عزّ» بدل «هان» وأن الذي أجابه بقوله: «أدام الله ذلك من صنيع» البيتين هو حسان، قال: وهو أشبه من الرواية التي وقعت في البخاري. قال الحافظ ولم يذكر مستندا للترجيح: والذي يظهر أن الذي في الصحيح أصحّ، وذلك أن قريشا كانوا يظاهرون كلّ من عادى رسول الله ﷺ، ويعدونهم النصر والمساعدة، فلما وقع لبني النّضير من الخذلان ما وقع قال حسان الأبيات المذكورة، توبيخا لقريش، وهم بنو لؤيّ كيف خذلوا أصحابهم. وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان قال ذلك في غزوة بني قريظة، وإنما ذكر بني النّضير استطرادا، وستأتي الأبيات بكمالها في غزوة بني قريظة.

ؤيّ كيف خذلوا أصحابهم. وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان قال ذلك في غزوة بني قريظة، وإنما ذكر بني النّضير استطرادا، وستأتي الأبيات بكمالها في غزوة بني قريظة. وفي جواب أبي سفيان بن الحارث في قوله «وتعلم أيّ أرضينا تضير» ما يرجّح ما وقع في الصحيح، لأن أرض بني النضير تجاور أرض الأنصار، فإذا خربت أضرّت بما جاورها بخلاف أرض قريش، فإنّها بعيدة منها بعدا شديدا، فلا نبالي بخرابها، فكأنّ أبا سفيان يقول:

تخريب أرض بني النضير وتحريقها إنما يضرّ أرض من جاورها، وأرضكم التي تجاورها، فهي التي تتضرّر لا أرضنا، ولا يتهيأ مثل هذا في عكسه إلا بتكلّف. وكان من أنكر استبعد أن يدعو أبو سفيان بن الحارث على أرض الكفرة مثله بالتحريق في قوله: أدام الله ذلك من صنيع والجواب عنه أن اسم الكفر وإن جمعهم لكنّ العداوة الدّينيّة كانت قائمة بينهم، لما بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان من التّباين، وأيضا فقوله: وحرّق في نواحيها السّعير يريد بنواحيها المدينة، فيرجع ذلك الدعاء على المسلمين أيضا. الرابع: في بيان غريب ما سبق: البراز- بفتح الموحدة وكسرها-: الفضاء الواسع الخالي من الشجر. الخناجر- بفتح الخاء المعجمة وبالجيم المكسورة- جمع خنجر، وهو السّكّين الكبير. فتك به فتكا من بابي ضرب وقتل، وبعضهم يقول: فتكا بتثليث الفاء، أي بطش به، أو قتله على غفلة، وهذا هو المراد هنا. معونة- بميم مفتوحة فعين مهملة مضمومة- اسم ماء لبني عامر بن صعصعة، وهو بفتح الصادين والعين الثانية المهملات وسكون العين الأولى. قناة- بفتح القاف وبالنون- تقدّم في أحد. وادعهما: صالحهما. قال معهما: من قال يقيل قيلا وقيلولة، أي نام نصف النهار. والقائلة: اسم القيلولة. شعرت: علمت. الحلف- بكسر الحاء المهملة وسكون اللام- المعاقدة والمعاهدة على التّعاضد والاتّفاق. تناجوا: تسارّوا الكلام. النادي: مجلس القوم ومتحدّثهم. النّضرى (بالنون والضاد المعجمة) .

سلّام: المشهور ما قاله ابن الصّلاح فيه التشديد، مشكم (بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف) . ليخبرنّ (بفتح الموحدة مبني للمفعول) . صويراء (بضم الصاد المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وبألف التأنيث الممدودة) . راث- بالثاء المثلثة- من باب باع: أبطأ. كنانة (بكسر الكاف) . «ظاعنين- بالظاء المعجمة المشالة- أي راحلين. يتضاغى- بضاد وغين معجمتين-: يتباكى. خلوفا- بضم الخاء المعجمة- أي غيّبا لم يبق منهم أحد. علية أصحابه: أشرافهم. أنعم له: قال له نعم. الجسر- بكسر الجيم وفتحها وسكون السين المهملة-: القنطرة.

ذكر غريب إرساله ﷺ محمد بن مسلمة أنشدكم بالله: أسألكم به. يجتزئ- بالجيم والزاي-: يكتفي. سيفه على عاتقه، أي يجعله بعلاقته عليه، لا كما يفعل التّرك وغيرهم. اسكتوا (بضم أوله) . نرى: نظنّ. الجدر (بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وبالراء) . تكاروا: اكتروا.

شرح غريب إرسال عبد الله بن أبيّ إليهم ومسير رسول الله ﷺ إليهم ... وشرح غريب خروجهم يلحم الأمر- بالحاء-: يجعله يشتدّ. حييّ (بلفظ تصغير حيّ) . بدا له- بلا همز-: ظهر له.

الله بن أبيّ إليهم ومسير رسول الله ﷺ إليهم ... وشرح غريب خروجهم يلحم الأمر- بالحاء-: يجعله يشتدّ. حييّ (بلفظ تصغير حيّ) . بدا له- بلا همز-: ظهر له.

النّهزة- بضم النون وسكون الهاء وبالزاي-: الفرصة، وهي النّوبة. الورطة- بفتح الواو-: الهلاك والأمر الشاقّ. الجلاء-: ترك المنزل من خوف. الصّياصي: الحصون، الواحدة صيصية (بكسر المهملتين وفتح التحتية المخففة) . الغرب- بفتح الغين المعجمة والراء وبالموحدة-: ضرب من الشجر. خطمة (بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة) . مسجد الفضيخ (بفاء مفتوحة فضاد وخاء معجمتين بينهما تحتية) . الملحمة- بالفتح-: القتل. استقلّت به الإبل: رفعته وطاقت حمله. نجاف الباب- بكسر النون وبالجيم-: أسكفّته. الجبليّة- بالجيم فموحّدة مفتوحتين فلام مكسورة فتحتية مشددة- اسم مكان الهوادج، جمع هودج: من مراكب النساء. قطف- بضمتين- وقطائف جمع قطيفة: دثار له خمل. المسك- بالفتح وسكون السين المهملة-: الجلد، والجمع مسوك. الحلقة- بفتح الحاء وسكون اللام-: السّلاح كله. السّهمان- بالضّمّ- والأسهم والسّهام جمع سهم وهو النّصيب. الكراع- بضم الكاف وتخفيف الراء- اسم لجماعة الخيل. تنافست: يقال: نفست به- بكسر الفاء- مثل ضننت به وزنا ومعنى. أزلقت، قال في النور- بالزّاي والقاف- يقال: أزلقت الحامل، إذا رمت ولدها. انتهى. والذي في نسخه من العيون مقروءة على مصنّفها وغيره- بالفاء- أي دنت وقربت.

شرح غريب محاورة عمرو بن سعد اليهودي البوق بالضمّ معروف. يتألّه: يتعبّد. العبر- بكسر العين المهملة وفتح الموحدة-: التّذكّر والاتّعاظ. عبّرنا بها (بضم العين المهملة وتشديد الموحدة المكسورة) .

الجلد- بفتح الجيم واللام-: القوة. أهل جدّ يهود: الجدّ: المكانة العظيمة والغنى. النّجدة: الشجاعة. الهيّبان (بفتح الهاء وتشديد التحتية بعدها موحّدة) . جوّاس (بفتح الجيم والواو المشددة وآخره سين مهملة) . يتوكّفان: ينتظران. يخفر- بالخاء المعجمة-: ينقض عهدهم. لم يرعهم: لم يفزعهم.

تحتية بعدها موحّدة) . جوّاس (بفتح الجيم والواو المشددة وآخره سين مهملة) . يتوكّفان: ينتظران. يخفر- بالخاء المعجمة-: ينقض عهدهم. لم يرعهم: لم يفزعهم.

شرح غريب قصيدة كعب بن مالك ﵁ خزيت- بالخاء المفتوحة والزاي المكسورة المعجمتين-: ذلّت. الحبور جمع حبر، وهو العالم، ويقال في جمعه أحبار، وأراد بالحبور هنا علماء يهود المدينة. صرف: تغيّر. يدور: يتحوّل وينتقل. جدير: حقيق وخليق. جدّ بهم: مال بهم. مشهّرة- بالراء- من الشّهرة. ذكور- بذال معجمة- يعني السّيوف. أبارهم- بالراء-: أهلكهم. اجترموا: اكتسبوا. الرّهو- بالراء- مشي في سكون. السّلم- بفتح السين وكسرها-: الصّلح. حلف: صاحب، والحليف: الصاحب. غبّ أمرهم- بالغين المعجمة والموحدة- أي أبعد أمرهم. الوبال: النكال والقتل.

شرح غريب أبيات حسان بن ثابت وأبي سفيان بن الحارث السّراة: الأشراف. لؤيّ (بالهمزة وتركه) . البويرة- بموحدة مضمومة فواو مفتوحة فتحتية ساكنة فراء فتاء تأنيث-: موضع من بلد بني النّضير قاله ابن قرقول. وقال غيره: البويرة: نخل قرب المدينة. مستطير: منتشر متفرّق كأنه طار في نواحيها. السّعير: النار الملتهبة. بنزه- بموحدة فنون مضمومة فزاي ساكنة وبالهاء- أي ببعد وزنا ومعنى، وقد تفتح النّون. أرضينا- بفتح الضاد، وروي بكسرها- الأول تثنية أرض والثاني جمعها. تضير- بفتح الفوقية وكسر الضاد من الضّير- أي تتضرّر بذلك، ومنهم من رواه بالصاد المهملة.

ضينا- بفتح الضاد، وروي بكسرها- الأول تثنية أرض والثاني جمعها. تضير- بفتح الفوقية وكسر الضاد من الضّير- أي تتضرّر بذلك، ومنهم من رواه بالصاد المهملة.

الباب السادس عشر في غزوة بدر الموعد وسببها إن أبا سفيان بن حرب لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى: موعد ما بيننا وبينكم بدر الصّفراء، رأس الحول، نلتقي فيها فنقتتل. فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: قل: نعم إن شاء الله، فافترق الناس على ذلك، ورجعت قريش فخبّروا من قبلهم بالموعد. وكانت بدر الصفراء مجمعا للعرب، وسوقا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان ليال خلون منه، فإذا مضت ثمان ليال تفرق الناس إلى بلادهم. فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج إلى رسول الله ﷺ، وأحبّ ألا يوافى رسول الله ﷺ الموعد، وكان أبو سفيان يظهر أنه يريد أن يغزو رسول الله ﷺ في جمع كثيف، فيبلغ أهل المدينة عنه أنه يجمع الجموع، وتسير في العرب، فيهاب المسلمون ذلك. وقدم نعيم بن مسعود الأشجعيّ مكة- وأسلم بعد ذلك- فبصّر أبا سفيان وقريشا بتهيّؤ المسلمين لحربهم. وكان عام جدب، فأعلمه أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين، واعتلّ بجدب الأرض، وجعل لنعيم عشرين فريضة توضع تحت يد سهيل بن عمرو، على أن يخذّل المسلمين عن المسير لموعده، وحمله على بعير. فقدم المدينة وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان حتى أرعب المسلمين، وهو يطوف فيهم حتى قذف الرعب في قلوبهم، ولم يبق لهم نيّة في الخروج، واستبشر المنافقون واليهود، وقالوا: محمد لا يفلت من هذا الجمع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، حتى خشي ألّا يخرج معه أحد، وجاءه أبو بكر وعمر ﵄ وقد سمعا ما سمعا، وقالا: يا رسول الله أن الله تعالى مظهر دينه، ومعزّ نبيّه، وقد وعدنا القوم موعدا لا نحبّ أن نتخلّف عنه، فيرون أن هذا جبن، فسر لموعدهم، فوالله إن في ذلك لخيرة، فسر رسول الله ﷺ بذلك، ثم قال: والذي نفسي بيده لأخرجنّ وإن لم يخرج معي أحد. فنصر الله تعالى المسلمين، وأذهب عنهم ما كان الشيطان رعّبهم.

في ذلك لخيرة، فسر رسول الله ﷺ بذلك، ثم قال: والذي نفسي بيده لأخرجنّ وإن لم يخرج معي أحد. فنصر الله تعالى المسلمين، وأذهب عنهم ما كان الشيطان رعّبهم.

ذكر خروج رسول الله ﷺ وأصحابه استخلف على المدينة عبد الله بن عبد الله ابن أبي ابن سلول فيما قاله ابن إسحاق. وقال محمد بن عمر: استخلف عبد الله بن رواحة. وخرج رسول الله ﷺ، في ألف وخمسمائة، فيهم عدّة أفراس، فرس لرسول الله ﷺ، وفرس لأبي بكر، وفرس لعمر بن الخطاب، وفرس لأبي قتادة، وفرس لسعيد بن زيد، وفرس للمقداد بن الأسود، وفرس للحباب بن المنذر، وفرس للزبير بن العوام، وفرس لعبّاد بن بشر.

وحمل لواء رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁. وخرج المسلمون بتجارات لهم إلى بدر فربحت ربحا كثيرا. قال عثمان بن عفان ﵁: ربحت للدّينار دينارا. فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وقام السّوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيام، والسوق قائمة، وأقام رسول الله ﷺ على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده. فأتاه مخشيّ بن عمرو الضّمريّ، وهو الذي كان وادعه على بني ضمرة في غزوة ودان، وأصحاب رسول الله ﷺ أكثر أهل الموسم، فقال: يا محمد، لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم، فقال رسول الله ﷺ: وإن شئت مع ذلك رددنا ما كان بيننا وبينك، فقال: لا والله ما لنا بذلك من حاجة، بل نكفّ أيدينا عنكم، ونتمسّك بحلفك. وقال أبو سفيان لقريش: قد بعثنا نعيم بن مسعود لأن يخذّل أصحاب محمد عن الخروج، وهو جاهد، ولكن نخرج نحن فنسير ليلة أو ليلتين ثم نرجع، فإن كان محمد لم يخرج بلغه أنّا خرجنا فرجعنا، لأنه لم يخرج، فيكون هذا لنا عليه، وإن كان خرج أظهرنا أن هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام عشب. قالوا: نعم ما رأيت. فخرج في قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا، حتى انتهوا إلى مجنّة من ناحية الظّهران، ثم قال: ارجعوا لا يصلحنا إلا عام خصب غيداق، نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، فسمّى أهل مكة ذلك الجيش «جيش السّويق» ، ويقولون: خرجوا يشربون السّويق. وانطلق معبد بن أبي معبد الخزاعيّ سريعا، بعد انقضاء الموسم إلى مكة، فأخبر بكثرة المسلمين، وأنهم أهل ذلك الموسم، وأنهم ألفان، وأخبر بما قال رسول الله ﷺ للضّمريّ، فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد والله نهيتك يومئذ أن تعد القوم، وقد اجترأوا علينا، ورأوا أنّا قد أخلفناهم، وإنما خلّفنا الضّعف عنهم، وأخذوا في الكيد والنّفقة في قتال رسول الله ﷺ، واستجلبوا من حولهم من العرب، وجمعوا الأموال وضربوا البعث على أهل مكة، فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتي بمال، ولم يقبل من أحد منهم أقلّ من أوقيّة لغزو الخندق. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة.

وال وضربوا البعث على أهل مكة، فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتي بمال، ولم يقبل من أحد منهم أقلّ من أوقيّة لغزو الخندق. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة.

ذكر بعض ما قيل في هذه الغزوة من الأشعار قال عبد الله بن رواحة ﵁: وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أفّ لدينكم ... وأمركم السّيء الّذي كان غاويا فإنّي وإن عنّفتموني لقائل ... فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعذله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة اللّيل هاديا وقال حسان بن ثابت ﵁: دعوا فلجات الشّام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك بأيدي رجال هاجروا نحو ربّهم ... وأنصاره حقّا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها: ليس الطّريق هنالك أقمنا على الرّسّ النّزوع ثمانيا ... بأرعن جرّار عريض المبارك بكلّ كميت جوزه نصف خلقه ... وقبّ طوال مشرفات الحوارك ترى العرفج العاميّ تذري أصوله ... مناسم أخفاف المطيّ الرّواتك فإن نلق في تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيان يكن رهن هالك وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده ... يزد في سواد لونه لون حالك فأبلغ أبا سفيان عنّي رسالة ... فإنّك من غرّ الرّجال الصّعالك

تنبيهان الأول: قال في البداية: قال الواقديّ: خرج إليها رسول الله ﷺ في مستهلّ ذي القعدة، يعني سنة أربع، والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة، ووافق موسى بن عقبة أنّها في شعبان لكن قال سنة ثلاث. وهذا وهم فإنّ هذه تواعدوا إليها من أحد، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث. الثاني: في بيان غريب ما سبق: كثيف: كثير. عام جدب: قحط. الفريضة هنا. البعير.

لاث. وهذا وهم فإنّ هذه تواعدوا إليها من أحد، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث. الثاني: في بيان غريب ما سبق: كثيف: كثير. عام جدب: قحط. الفريضة هنا. البعير.

أرجف: خوّف. بصّر- بالموحدة والصاد المهملة المشددة-: أعلم. مجنّة- بميم فجيم فنون مشددة مفتوحات ويجوز كسر الميم والنون-: سوق بقرب مكة. الظّهران: تقدم الكلام عليه. غيداق: كثير النبات والأمطار. استجلبوا العرب- بالحاء المهملة-: جمعوهم وألّبوهم. افتقدت: فقدت. الموالي هنا. القرابة. الثّاوي: المقيم. أفّ: كلمة تقال عند تقذّر الشّيء. وأمركم السّيء: أراد السّيّئ فخفّف، كما يقال: هيّن وهين وميّت وميت، ويروى بالشين المعجمة. عنّفتموني: لمتموني. لم نعدله، أي لم نسوّه مع غيره. الفلجات: الأودية، واحدها فالج وفلج. وفلج أيضا: اسم نهر بعينه. المخاض: الحوامل من الإبل. الأوارك: التي ترعى الأراك، وهو شجر. الغور: المنخفض من الأرض. عالج: اسم مكان فيه رمل كثير. الرّس: البئر. النّزوع: التي يخرج ماؤها بالأيدي. الأرعن: الجيش الكثير الذي له أتباع وفضول. جرّار (بالجيم والراء) . عريض: متسع.

جوزه- بالجيم والزاي- يعني وسطه، وأراد به هنا بطنه. قبّ: جمع أقبّ وهو الضّامر. الحوارك جمع حارك وهو أعلى الكتفين من الفرس. العرفج- بعين مهملة فراء ففاء فجيم-: نبات. العاميّ: الذي أتى عليه عام. تذري أصوله- بفوقية فذال معجمة- أي تقلعه وتطرحه. مناسم: جمع منسم وهو طرف خفّ البعير، والخفّ للبعير بمنزلة الحافر للدّابّة. الرّواتك: المسرعة. والرّتك والرّتكان: ضرب من المشي فيه إسراع. الحالك- بالحاء المهملة-: الشّديد السّواد. الغرّ: البيض. الصّعالك: جمع صعلوك، حذفت الياء من الجمع هنا لإقامة وزن الشعر، وهو الفقير الذي لا مال له.

الباب السابع عشر في غزوة دومة الجندل وسببها إن رسول الله ﷺ أراد أن يدنو إلى أدنى الشّام، وقيل له: إنها طرف من أفواه الشّام، فلو دنوت لها لكان ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بها جمعا كثيرا، وأنّهم يظلمون من مرّ بهم، ويريدون أن يدنوا من المدينة، فندب النبي ﷺ الناس. واستخلف على المدينة سباع- بمهملة مكسورة فموحّدة فألف فعين مهملة- ابن عرفطة بضم العين المهملة والفاء- الغفاريّ، بكسر الغين المعجمة. وخرج ﷺ في ألف من أصحابه، فكان يسير اللّيل ويكمن النّهار، ومعه دليل له من بني عذرة يقال له: «مذكور» ﵁، هاد خرّيت، وسار مغذّا للسّير، ونكّب عن طريقهم، فلما دنا رسول الله ﷺ من دومة الجندل قال له الدّليل: يا رسول الله، إن سوائمهم ترعى عندك فأقم لي حتّى أطّلع لك، قال رسول الله ﷺ: «نعم» ،

كّب عن طريقهم، فلما دنا رسول الله ﷺ من دومة الجندل قال له الدّليل: يا رسول الله، إن سوائمهم ترعى عندك فأقم لي حتّى أطّلع لك، قال رسول الله ﷺ: «نعم» ، فخرج العذريّ طليعة وحده حتى وجد آثار النّعم والشّاء وهم مغرّبون، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره وقد عرف مواضعهم، فسار رسول الله ﷺ حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم، فأصاب رسول الله ﷺ منها، وفرّ باقيهم فتفرق أهل دومة الجندل، ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد بها أحدا، فأقام بها أيّاما، وبثّ السّرايا فعادت كلّ سريّة بإبل ولم تلق أحدا، إلّا إن محمد بن مسلمة أخذ رجلا منهم، فأتى به النبي ﷺ، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس لمّا سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام أياما فأسلم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، في العشرين من ربيع الآخر، ووادع ﷺ في طريقه عيينة بن حصن الفزاريّ أن يرعى بتغلمين وما والاها إلى المراض، وكانت بلاده قد أجدبت.

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: دومة الجندل- بدال مهملة مضمومة، ويجوز فتحها فواو ساكنة-: بلد بينها وبين دمشق خمس ليال. أدنى الشام: أقربها إلى المدينة. هاد: دليل. الخرّيت: الماهر الذي يهتدي لأخرات المفازة، وهي طرقها الخفيّة ومضايقها. نكّب- بالنون- عدل. السّوائم جمع سائمة.

الطّليعة: القوم يبعثون أمام الجيش. مغرّبون (بغين معجمة مفتوحة فراء مكسورة مشددة) . الساحة: الموضع المتّسع أمام الدّار. وادع: صالح. تغلمين- بفوقية فغين معجمة ساكنة فلام مفتوحة فتحتية ساكنة فنون-: موضع في بني فزارة. المراض كسحاب: موضع، أو واد، على ستة وثلاثين ميلا من المدينة.

الح. تغلمين- بفوقية فغين معجمة ساكنة فلام مفتوحة فتحتية ساكنة فنون-: موضع في بني فزارة. المراض كسحاب: موضع، أو واد، على ستة وثلاثين ميلا من المدينة.

الباب الثامن عشر في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع، وسببها أن الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن مالك بن جذيمة بن كعب بن خزاعة سيّد بني المصطلق جمع لحرب رسول الله ﷺ من قدر عليه من قومه ومن العرب، فتهيّأوا للمسير إليه، وكانوا ينزلون ناحية الفرع، فبلغ خبرهم رسول الله ﷺ، فبعث بريدة- بضم الموحدة- ابن الحصيب- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- الأسلميّ يعلم ذلك، واستأذن رسول الله ﷺ أن يقول، فأذن له، فخرج حتى ورد عليهم ماءهم، فوجد قوما مغرورين قد تألّبوا وجمعوا الجموع، فقالوا: من الرّجل؟ قال: رجل منكم قدمت لمّا بلغني عن جمعكم لهذا الرّجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فنكون يدا واحدة حتى نستأصله. قال الحارث بن أبي ضرار: فنحن على ذلك فعجّل علينا، فقال بريدة: أركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي، فسرّوا بذلك منه، ورجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر القوم، فندب رسول الله ﷺ الناس، وأخبرهم خبر عدوّهم، فأسرع الناس الخروج.

آن فآتيكم بجمع كثيف من قومي، فسرّوا بذلك منه، ورجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر القوم، فندب رسول الله ﷺ الناس، وأخبرهم خبر عدوّهم، فأسرع الناس الخروج.

ذكر خروج النبي ﷺ إلى المريسيع استخلف رسول الله ﷺ على المدينة زيد بن حارثة، فيما قال محمد بن عمر، وابن سعيد. وقال ابن هشام: أبا ذرّ الغفاريّ، ويقال: نميلة بن عبد الله الليثيّ، وهو بضم النون تصغير نملة. وقاد المسلمون ثلاثين فرسا، للمهاجرين عشرة، منها فرسان لرسول الله ﷺ: لزاز- بلام فزاي فألف فزاي أخرى- والظّرب- بظاء معجمة مشددة مفتوحة فراء مكسورة فموحدة. وخرج مع رسول الله ﷺ بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قطّ مثلها، ليس بهم رغبة في الجهاد إلا أن يصيبوا من عرض الدنيا، ولقرب السّفر عليهم. فسار رسول الله ﷺ حتى سلك على الخلائق فنزل بها، فأتي يومئذ برجل من عبد القيس فسلّم على رسول الله ﷺ، فقال له: أين أهلك؟ قال: بالرّوحاء، فقال: أين تريد؟ قال: إياك جئت لأؤمن بك، وأشهد أن ما جئت به حق، وأقاتل معك عدوّك. فقال رسول الله ﷺ: الحمد لله الذي هداك إلى الإسلام، وسأل: أيّ الأعمال أحب إلى الله؟ فقال له النبي ﷺ: الصلاة لأوّل وقتها. وأصاب رسول الله ﷺ عينا للمشركين، فسأله عنهم، فلم يذكر من شأنهم شيئا،

فعرض عليه الإسلام فأبى، فأمر عمر بن الخطاب فضرب عنقه. وانتهى رسول الله ﷺ إلى المريسيع، وقد بلغ القوم مسير رسول الله ﷺ، وقتله عينهم، فتفرّق عن الحارث من كان قد اجتمع عليه من أفناء العرب. وضرب لرسول الله ﷺ قبّة من أدم. وكان معه من نسائه عائشة وأم سلمة ﵄، وتهيّأ الحارث للحرب، فصفّ رسول الله ﷺ أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر، ويقال: إلى عمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة. وأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب فنادى في الناس: قولوا: لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، ففعل عمر ذلك، فأبوا، فتراموا بالنّبل ساعة، فكان أول من رمى رجل منهم بسهم، فرمى المسلمون ساعة بالنّبل، ثم أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يحملوا، فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت من المشركين إنسان، وقتل عشرة منهم، وأسر سائرهم، وسبا رسول الله ﷺ الرّجال والنّساء والذّرّيّة والنّعم والشاء. وفي الصحيحين أنه ﷺ هجم عليهم وهم غارّون وما قتل من المسلمين إلا رجل واحد يقال له: هشام بن صبابة- بصاد مهملة مضمومة فموحدة مخففة فألف فموحدة أخرى- أصابه رجل من الأنصار يقال له: أوس من رهط عبادة بن الصامت، يرى أنه من المشركين فقتله خطأ، فأمره النبي ﷺ بإخراج ديته، فقبضها أخوه مقيس بن صبابة، وعدا على قاتل أخيه فقتله، فارتدّ ولحق بقريش فأهدر النبي ﷺ دمه، فقتل يوم الفتح. قال أبو قتادة: حمل لواء المشركين يومئذ صفوان ذو الشّقرة، فلم تكن لي ناهية حتى شددت عليه، وكان الفتح. وكان شعار المسلمين يومئذ: «يا منصور أمت» . وروى محمد بن عمر عن جويرية ﵂ قالت: أتانا رسول الله ﷺ ونحن على المريسيع، فأسمع أبي يقول: أتانا ما لا قبل لنا به، قالت: فكنت أرى من الناس والسّلاح والخيل ما لا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوجني رسول الله ﷺ ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعلمت أنه رعب من الله تعالى يلقيه في قلوب المشركين. وكان رجل منهم قد أسلم وحسن إسلامه يقول: كنّا نرى رجالا بيضا على خيل بلق ما كنا نراهم قبل ولا بعد.

علمت أنه رعب من الله تعالى يلقيه في قلوب المشركين. وكان رجل منهم قد أسلم وحسن إسلامه يقول: كنّا نرى رجالا بيضا على خيل بلق ما كنا نراهم قبل ولا بعد.

ذكر أمره ﷺ بتكتيف الأسارى وقسمة الغنيمة أمر رسول الله ﷺ بالأسارى فكتّفوا، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب وأمر بما وجد في رحالهم من متاع وسلاح فجمع، وسيقت النّعم والشاء، واستعمل على ذلك شقران مولاه، وهو بضم الشين المعجمة وإسكان القاف. وجمع الذّرّيّة ناحية. واستعمل على مقسم الخمس وسهمان المسلمين محمية- بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة وكسر الميم وفتح التحتانية- ابن جزء، بفتح الجيم وسكون الزاي فهمزة- الزّبيديّ- بضم أوله- فأخرج رسول الله ﷺ الخمس من جميع المغنم، وكان يليه محمية بن جزء وكان يجمع إليه الأخماس، وكانت الصّدقات على حدتها وأهل الفيء بمعزل عن الصّدقة، وأهل الصدقة بمعزل عن الفيء. وكان يعطي من الصدقة اليتيم والمسكين والضّعيف، فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفيء وأخرج من الصدقة، ووجب عليه الجهاد، فإن كره الجهاد وأباه لم يعط من الصّدقة شيئا، وخلّى بينه وبين أن يكتسب لنفسه. وكان رسول الله ﷺ لا يمنع سائلا، فأتاه رجلان يسألانه من الخمس فقال: إن شئتما أعطيتكما منه، ولا حظّ فيه لغنيّ ولا لقويّ مكتسب. وفرّق السّبي فصار في أيدي الرّجال، وقسّم المتاع والنّعم والشّاء، وعدلت الجزور بعشر من الغنم. وبيعت رثّة المتاع فيمن يريد. وأسهم للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللرّاجل سهم. وكانت الإبل الفي بعير، والشاء خمسة آلاف شاة. وكان السّبي مائتي أهل بيت. وصارت جويرية بنت الحارث سيّد القوم في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس وابن عمّ له، فكاتبها على تسع أواق من ذهب.

ذكر تزوجه ﷺ بجويرية ﵂ وبركة ذلك قال أبو عمر ﵀: كان اسمها برة فغيره رسول الله ﷺ جويرية. وروى محمد بن إسحاق والإمام أحمد وأبو داود ومحمد بن عمر عن عائشة ﵂ قالت: كانت جويرية امرأة حلوة ملاحة، لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينما النبي ﷺ عندي ونحن على الماء إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي ﷺ، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت:

ونحن على الماء إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي ﷺ، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت:

يا رسول الله إني امرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيّد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس- أو ابن عم له فتخلّصني من ابن عمّه بنخلات له بالمدينة- فكاتبني على ما لا طاقة لي به ولا يدان، وما أكرهني على ذلك إلا أنّي رجوتك صلى الله عليك فأعنّي في مكاتبتي، فقال رسول الله ﷺ: أو خير من ذلك؟ فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدّي عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت بن قيس فطلبها منه، فقال ثابت: هي لك يا رسول الله بأبي وأمّي، فأدى رسول الله ﷺ ما كان عليها من كتابتها، وأعتقها وتزوّجها، وخرج الخبر إلى الناس ورجال بني المصطلق قد اقتسموا وملكوا ووطئت نساؤهم، فقال المسلمون: أصهار رسول الله ﷺ، فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السّبي. قالت عائشة ﵂: فأعتق مائة أهل بيت بتزوّج رسول الله ﷺ إيّاها، فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها [ (١) ] .

ذكر منام أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ روى هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت جويرية: رأيت قبل قدوم النبي ﷺ بثلاث ليال كأنّ القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبرها أحدا من الناس، حتى قدم رسول الله ﷺ، فلما سبينا رجوت الرؤيا، فلما أعتقني وتزوّجني والله ما كلمته في قومي، حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلا بجارية من بنات عمّي تخبرني الخبر، فحمدت الله تعالى.

ذكر افتداء من بقي من السبي روى الشيخان وأبو داود والنّسائيّ ومحمد بن عمر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبايا، وبنا شهوة إلى النساء، واشتدت علينا العزوبة، وأحببنا الفداء، فقلنا: نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم ألّا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة [ (٢) ] .

قال محمد بن عمر ﵀: فكان أبو سعيد يقول: فقدم علينا وفدهم فافتدوا الذّرّيّة والنّساء، ورجعوا بهم إلى بلادهم، وخيّر من خيّر منهنّ أن تقيم عند من صارت في سهمه فأبين إلا الرجوع. وافتديت المرأة والذرية بست فرائض، وخرجت بجارية أبيعها في السوق، فقال لي يهودي: يا أبا سعيد، لعلك تريد بيعها وفي بطنها منك سخلة، فقلت: كلا إني كنت أعزل عنها، قال: تلك الموءودة الصّغرى، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته ذلك، فقال: كذبت يهود، كذبت يهود.

ذكر ما ظهر من ابن أبي في هذه الغزوة من النفاق بينما المسلمون على ماء المريسيع وقد انقطع الحرب، وهو ماء ظنون إنما يخرج في الدّلو نصفه، أتى سنان بن وبر الجهنيّ وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار، فأدلى دلوه وأدلى جهجاه بن مسعود الغفاريّ أجير عمر بن الخطاب، فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه، وتنازعا فضرب جهجاه سنانا فسال الدم، فنادى سنان: يا للأنصار، ونادى جهجاه: يا للمهاجرين، وفي لفظ: يا لقريش، فأقبل جمع من الحيّين، وشهروا السلاح حتى كادت أن تكون فتنة عظيمة، فخرج رسول الله ﷺ فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟! فأخبر بالحال فقال: «دعوها فإنها منتنة، ولينصر الرجل أخاه ظالما كان أو مظلوما، فإن كان ظالما فلينهه، وإن كان مظلوما فلينصره» .

Bagian 56 dari 173