— Bagian 57 · ما بال دعوى الجاهلية؟! فأخبر بالحال فقال: —
Bagian 57
ما بال دعوى الجاهلية؟! فأخبر بالحال فقال: «دعوها فإنها منتنة، ولينصر الرجل أخاه ظالما كان أو مظلوما، فإن كان ظالما فلينهه، وإن كان مظلوما فلينصره» . وإن جماعة من المهاجرين كلموا عبادة بن الصامت، وجماعة من الأنصار كلموا سنانا فترك حقّه، وكان عبد الله بن أبيّ جالسا مع عشرة مع المنافقين: [منهم] مالك، وسويد، وداعس، وأوس بن قيظيّ، ومعتّب بن قشير، وزيد بن اللّصيت وعبد الله بن نبتل، وفي القوم زيد بن أرقم ﵁ وهو غلام لم يبلغ الحلم أو قد بلغ، فبلغ ابن أبيّ صياح جهجاه: يا آل قريش، فغضب ابن أبيّ غضبا شديدا، وقال: والله ما رأيت كاليوم قطّ، والله إن كنت لكارها لوجهي هذا، ولكنّ قومي غلبوني، أو قد فعلوها؟ لقد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منّتنا، والله ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلّا كما قال القائل: «سمن كلبك يأكلك» ، والله لقد ظننت أنّي سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه، وأنا حاضر لا يكون لذلك منّي غير، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلّ. ثم أقبل علي من حضر من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم: أنزلتموهم بلادكم فنزلوا، وأسهمتموهم في أموالكم حتى استغنوا، أما والله لو أمسكتم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا، فقتلتم دونه، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا. فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كلّه إلى رسول الله ﷺ فوجد عنده نفرا من المهاجرين والأنصار، فأخبره الخبر، وكره رسول الله ﷺ خبره وتغيّر وجهه، فقال رسول الله ﷺ: يا
بن أرقم بهذا الحديث كلّه إلى رسول الله ﷺ فوجد عنده نفرا من المهاجرين والأنصار، فأخبره الخبر، وكره رسول الله ﷺ خبره وتغيّر وجهه، فقال رسول الله ﷺ: يا
غلام لعلك غضبت عليه! قال: لا والله يا رسول الله، فقد سمعته منه، قال: لعله أخطأ سمعك، قال: لا والله يا رسول الله، قال: فلعله شبّه عليك، قال: لا والله يا رسول الله. وشاع في العسكر ما قال ابن أبي، وليس للناس حديث إلا ما قال، وجعل الرّهط من الأنصار يؤنّبون الغلام ويلومونه، ويقولون: عمدت إلى سيّد قومك تقول عليه ما لم يقل، وقد ظلمت وقطعت الرّحم! فقال زيد: والله لقد سمعت ما قال، والله ما كان في الخزرج رجل واحد أحب إلي من عبد الله بن أبيّ، ولو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله ﷺ، وإني لأرجو أن ينزل الله على نبيّه ما يصدّق حديثي. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، مر عباد بن بشر- ويقال: محمد بن مسلمة- فليأتك برأسه، فكره رسول الله ﷺ هذه المقالة، وقال: لا يتحدّث الناس إن محمدا يقتل أصحابه، وقام النفر من الأنصار الذين سمعوا قول النبي ﷺ ورده على الغلام، فجاءوا إلى ابن أبيّ فأخبروه. وقال أوس بن خوليّ. يا أبا الحباب، إن كنت قلته فأخبر النبي ﷺ فليستغفر لك. ولا تجحده، فينزل فيك ما يكذّبك، وإن كنت لم تقله فأت رسول الله ﷺ فاعتذر له، واحلف له ما قلته. فحلف بالله العظيم ما قال من ذلك شيئا. ثم مشى ابن أبي إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: يا بن أبيّ إن كانت منك مقالة فتب، فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد، ولا تكلّمت به.! فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ: «عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثة ولم يحفظ ما قال الرّجّل» ، حدبا علي ابن أبي ودفعا عنه، وكان شريفا في قومه عظيما، فظانّ يظن أنه قد صدق، وظانّ يظن به السوء.
يكون الغلام أوهم في حديثة ولم يحفظ ما قال الرّجّل» ، حدبا علي ابن أبي ودفعا عنه، وكان شريفا في قومه عظيما، فظانّ يظن أنه قد صدق، وظانّ يظن به السوء.
ذكر تكبيس ظهره ﷺ روى محمد بن عمر عن زيد بن اسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: لما كان من أمر ابن أبيّ ما كان جئت رسول الله ﷺ وهو في فيء شجرة عنده غلام أسود يغمز ظهره، فقلت: يا رسول الله كأنك تشتكي ظهرك! فقال: تقحّمت بي النّاقة الليلة، فقلت: يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنق ابن أبيّ، فقال رسول الله ﷺ: «أو كنت فاعلا؟» قلت: نعم والذي بعثك بالحق. قال رسول الله ﷺ: إذن لأرعدت له آنف بيثرب كثيرة، لو أمرتهم بقتله قتلوه، قلت: يا رسول الله فمر محمد بن مسلمة يقتله، قال: لا يتحدّث الناس أنّي أقتل أصحابي، قلت: فمر الناس بالرّحيل، قال: نعم، قال: فأذّنت بالرّحيل في الناس، ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله ﷺ قد طلع على ناقته القصواء، وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد، إلا أنّه لمّا جاءه خبر ابن أبيّ رحل في تلك الساعة، فكان أول من لقيه
سعد بن عبادة، ويقال: أسيد بن حضير، وبه جزم ابن إسحاق. وقال محمد بن عمر: إنه الثّبت، فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال النبي ﷺ: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال: يا رسول الله قد رحلت في ساعة منكرة لم تكن ترحل فيها، فقال رسول الله ﷺ: «أولم يبلغك ما قال صاحبكم؟» قال: أيّ صاحب يا رسول الله؟ قال: ابن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، فهو الأذلّ وأنت الأعزّ، والعزّة لله ولك وللمؤمنين. ثم قال: يا رسول الله: ارفق به، فو الله لقد جاء الله تعالى بك وإنّ قومه لينظمون له الخرز فما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهوديّ، قد أرب بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها، فجاء الله تعالى بك على هذا الحديث، فلا يرى إلا أن قد سلبته ملكه. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ [ (١) ] مقالة عمر بن الخطاب ﵁، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فو الله لأحملنّ إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبرّ بوالديه منّي، وما أكل طعاما منذ كذا وكذا من الدهر ولا شرب شرابا إلا بيدي، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله فأدخل النار. وعفوك أفضل، ومنّك أعظم» . فقال رسول الله ﷺ: «يا عبد الله ما أردت قتله ولا أمرت به، ولنحسننّ له صحبته ما كان بين أظهرنا» فقال عبد الله: «يا رسول الله، إن أبي كانت أهل هذه البحيرة قد اتّسقوا عليه ليتوّجوه عليهم، فجاء الله تعالى بك، فوضعه الله ورفعنا بك، ومعه قوم يطوفون به يذكّرونه أمورا قد غلب الله تعالى عليها. ثم متن رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشّمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض، فوقعوا نياما، ولم ينزل أحد عن رحلته إلا لحاجة أو لصلاة، وأن رسول الله ﷺ يستحثّ راحلته ويخلفها بالسّوط في مراقّها، وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي.
اجة أو لصلاة، وأن رسول الله ﷺ يستحثّ راحلته ويخلفها بالسّوط في مراقّها، وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي. ثم راح رسول الله ﷺ بالناس، وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النّقيع- بالنون- ويقال نقعاء- بالنون المفتوحة والقاف الساكنة والمدّ.
ذكر إخباره ﷺ بموت كبير من المنافقين وإخباره عن موضع ناقته حين فقدت وبما قاله بعض أهل النفاق روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قدم رسول الله ﷺ من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح تكاد تدفن الراكب، فقال رسول الله ﷺ، بعثت هذه الريح لموت منافق. فلما قدمنا المدينة أذّن: قد مات عظيم من عظماء المنافقين [ (١) ] . قال محمد بن عمر: لما سرّح الناس ظهرهم أخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها وقالوا: لم تهج هذه الرّيح إلا لأمر قد حدث، وإنما بالمدينة الذّراريّ والصّبيان، وكان بين النبي ﷺ وعيينة بن حصن مدّة، وكان ذلك حين انقضائها، فقال رسول الله ﷺ: «ليس عليكم فيها بأس، ما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدوّ حتى تأتوها، ولكن مات اليوم بالمدينة منافق عظيم النفاق، فلذلك عصفت هذه الريح، وكان موته للمنافقين غيظا شديدا، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك اليوم، كان كهفا للمنافقين» . وروى محمد بن عمر، عن جابر ﵁ قال: كانت الريح [يومئذ] أشدّ ما كانت قطّ إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار، وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدوّ الله فسكنت الريح. وقال محمد بن عمر: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه: قال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبيّ: يا أبا الحباب، مات خليلك؟ قال: أيّ خليل؟ قال: من موته فتح للإسلام وأهله، قال: من؟ قال زيد بن رفاعة بن التابوت، قال: يا ويلاه، كان والله وكان! فقال عبادة: اعتصمت والله بالذّنب الأبتر، قال: من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ قال: قلت: رسول الله ﷺ أخبرنا أنه مات هذه الساعة. فسقط في يديه، وانصرف كئيبا حزينا.
ة: اعتصمت والله بالذّنب الأبتر، قال: من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ قال: قلت: رسول الله ﷺ أخبرنا أنه مات هذه الساعة. فسقط في يديه، وانصرف كئيبا حزينا. وروى ابن إسحاق والبيهقي وأبو نعيم عن موسى بن عقبة، وعروة وابن إسحاق عن محمد بن عمر عن ابن رومان وعاصم بن عمر بن قتادة واللفظ لابن عمر قالوا: فقدت ناقة رسول الله ﷺ القصواء من بين الإبل، فجعل المسلمون يطلبونها في كل وجه، فقال زيد بن اللّصيت، وكان منافقا وهو في جماعة من الأنصار، منهم عباد بن بشر بن وقش، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأسيد بن حضير، فقال: أين يذهب هؤلاء في كل وجه؟ قالوا: يطلبون ناقة رسول الله ﷺ قد ضلّت، قال: أفلا يخبره الله بمكانها؟ فأنكر عليه القوم، فقالوا:
قاتلك الله، يا عدو الله، نافقت. ثم أقبل عليه أسيد بن حضير فقال: والله لولا أني لا أدري ما يوافق رسول الله ﷺ من ذلك لأنفذت خصيتك بالرّمح يا عدو الله فلم خرجت معنا وهذا في نفسك؟ قال: خرجت لأطلب من عرض الدنيا، ولعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة، يخبرنا عن أمر السماء. ووقعوا به جميعا، وقالوا: والله لا يكون منك سبيل أبدا، ولا يظلّنا وإياك ظلّ أبدا، ولو علمنا ما في نفسك ما صحبتنا [ساعة من نهار] فوثب هاربا منهم أن يقعوا به، ونبذوا متاعه، فعمد لرسول الله ﷺ، فجلس معه فرارا من أصحابه متعوّذا به، وقد جاء رسول الله ﷺ خبر ما قال من السماء، فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع: «إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلّت ناقة رسول الله ﷺ» ، وقال: «ألا يخبره الله بمكانها؟، فلعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة» ، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وأن الله تعالى قد أخبرني بمكانها، وإنها في هذا الشّعب مقابلكم، قد تعلّق زمامها بشجرة، فاعمدوا نحوها (٣) . فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول الله ﷺ، فلما نظر المنافق إليها سقط في يده، فقام سريعا إلى رفقائه الذين كانوا معه، فإذا رحله منبوذ، وإذا هم جلوس لم يقم رجل منهم من مجلسه، فقالوا له حين دنا: لا تدن منّا! فقال: أكلّمكم، فدنا فقال: أنشدكم الله- وفي لفظ: أذكركم الله- هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره بالذي قلت؟ قالوا: لا، والله، ولا قمنا من مجلسنا، قال: فإني قد وجدت عند القوم ما تكلّمت به، وتكلّم به رسول الله ﷺ. فأخبرهم بما قال رسول الله ﷺ، وأنه قد أتي بناقته، وقال: إني قد كنت في شك من شأن محمد، فأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ، فكأني لم أسلم إلا اليوم. قالوا: فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك. فذهب إلى رسول الله ﷺ، واستغفر له، واعترف بذنبه. قال ابن عمر: ويقال: إنه لم يزل فشلا حتى مات، وصنع مثل هذا في غزوة تبوك. ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى وادي العقيق تقدّم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، فجعل يتصفّح الرّكاب حتى مرّ أبوه، فأناخ به، ثم وطئ على يد راحلته فقال أبوه: ما تريد يا لكع؟
لله ﷺ إلى وادي العقيق تقدّم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، فجعل يتصفّح الرّكاب حتى مرّ أبوه، فأناخ به، ثم وطئ على يد راحلته فقال أبوه: ما تريد يا لكع؟ قال: والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله ﷺ، لتعلم أيهما الأعزّ من الأذلّ: أنت أم رسول الله ﷺ! فمن مرّ به من المسلمين يرفده عبد الله بن عبد الله ويمنع غير ذلك، فيقول: تصنع هذا بأبيك؟! حتى مرّ به رسول الله ﷺ فسأل عنه، فقيل: عبد الله بن عبد الله بن أبيّ يأبى أن يأذن لأبيه حتى تأذن له، فمر رسول الله ﷺ وعبد الله واطئ على يد راحلة أبيه، وابن أبي يقول: لأنا أذلّ من الصّبيان، لأنا أذلّ من النّساء، فقال رسول الله ﷺ: «خلّ عن أبيك» ، فخلّى عنه. ولمّا مر رسول الله ﷺ بالنّقيع- وهو بالنون- منصرفه من المريسيع ورأى سعة وكلأ
وغدرانا كثيرة، فسأل عن الماء، فقيل: يا رسول الله إذا صفنا قلّت المياه، وذهبت الغدر، فأمر رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة أن يحفر بئرا، وأمر بالنّقيع أن يحمى، واستعمل عليه يومئذ بلال بن الحارث المزني- بضم الميم وفتح الزاي وقبل ياء النسب نون- فقال بلال: يا رسول الله وكم أحمي منه؟ فقال: أقم رجلا صيّتا إذا طلع الفجر، ثم أقمه على هذا الجبل- يعني مقمّلا- فحيث انتهى صوته فاحمه لخيل المسلمين وإبلهم التي يغزون عليها، فقال بلال: يا رسول الله، أفرأيت ما كان من سوائم المسلمين؟ فقال: «لا يدخلها» ، قلت: يا رسول الله أرأيت المرأة والرجل الضعيف تكون له الماشية اليسيرة وهو يضعف عن التحوّل؟ قال: «دعه يرعى» .
ذكر مسابقة رسول الله ﷺ بين الخيل والإبل قال محمد بن عمر: سابق رسول الله ﷺ بين الخيل والإبل، فسبقت القصواء الإبل، وسبق فرسه الخيل، وكان معه ﷺ فرسان: لزاز وآخر يقال له الظّرب، فسبق يومئذ على الظّرب، وكان الذي سبق عليه أبو أسيد الساعدي ﵁، والذي سبق على ناقته بلال بن رباح.
ه الخيل، وكان معه ﷺ فرسان: لزاز وآخر يقال له الظّرب، فسبق يومئذ على الظّرب، وكان الذي سبق عليه أبو أسيد الساعدي ﵁، والذي سبق على ناقته بلال بن رباح.
ذكر نهيه ﷺ عن طروق النساء وإخباره بعض أصحابه بما وقع له روى محمد بن عمر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت رفيق عبد الله بن رواحة في غزوة المريسيع، فأقبلنا حتى إذا انتهينا إلى وادي العقيق في وسط الليل، فإذا الناس يعرّسون فقلنا: أين رسول الله ﷺ؟ قالوا: تقدّم الناس وقد نام، فقال لي عبد الله بن رواحة: يا جابر، هل لك بنا في التقدّم والدخول على أهلنا؟ فقلت: يا أبا محمد، لا أحب أن أخالف الناس، لا أرى أحدا تقدّم. قال ابن رواحة: والله ما نهانا رسول الله ﷺ عن التّقدّم. قال جابر: فقلت: أما أنا فلست ببارح. فودّعني وانطلق إلى المدينة، فأنظر إليه على ظهر الطريق ليس معه أحد، فطرق أهله بني الحارث بن الخزرج، فإذا مصباح في وسط بيته، وإذا مع امرأته إنسان طويل، فظنّ أنه رجل، وسقط في يديه، وندم على تقدّمه، وجعل يقول: الشيطان مع الغرّ، فاقتحم البيت رافعا سيفه وقد جرّده من غمده يريد أن يضربهما، ثم فكّر، فغمز امرأته برجله فاستيقظت فصاحت وهي توسن فقال: أنا عبد الله فمن هذا؟ قالت: رجيلة ماشطتي، سمعنا بقدومكم فباتت عندي، فبات، فلما أصبح خرج معترضا لرسول الله ﷺ فلقيه ببئر أبي عنبة، ورسول الله ﷺ يسير بين أبي بكر الصّدّيق وبشير- بوزن أمير- ابن سعد، فالتفت
رسول الله ﷺ إلى بشير فقال: «يا أبا النّعمان» ، قال: لبيك إن وجه عبد الله ليخبرك أنه قد كره طروق أهله. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ: «خبرك يا بن رواحة؟» فأخبره كيف تقدّم، وما كان من ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «لا تطرقوا النساء ليلا» [ (١) ] . قال جابر: فكان ذلك أول ما نهى عنه رسول الله ﷺ. ودخل رسول الله ﷺ المدينة مؤيّدا منصورا، [وكانت مدة غيبته شهرا إلّا ليلتين] .
ذكر قدوم الحارث بن أبي ضرار، وسبب إسلامه قال الحافظ ابن عائذ: أخبرني محمد بن شعيب، عن عبد الله بن زياد قال: أفاء الله تعالى على رسوله ﷺ عام المريسيع في غزوة بني المصطلق جويرية بنت الحارث فأقبل أبوها في فدائها، فلما كان بالعقيق نظر إلى إبله التي يفدي بها ابنته، فرغب في بعيرين منها كانا من أفضلها، فغيّبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ بسائر الإبل، فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، فقال رسول الله ﷺ: «فأين البعيران اللذان غيّبت بالعقيق بشعب كذا؟» فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله، ولقد كان منّي في البعيرين، وما اطلع على ذلك إلا الله تعالى، فأسلم.
: «فأين البعيران اللذان غيّبت بالعقيق بشعب كذا؟» فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله، ولقد كان منّي في البعيرين، وما اطلع على ذلك إلا الله تعالى، فأسلم.
ذكر ما نزل في ابن أبيّ في هذه الغزوة روى محمد بن عمر، عن رافع بن خديج قال: سمعت عبادة بن الصامت يقول يومئذ لابن أبيّ قبل أن ينزل فيه القرآن: ايت رسول الله ﷺ يستغفر لك، قال: فرأيته يلوي رأسه معرضا، يقول عبادة: أما والله لينزلنّ الله تعالى في ليّ رأسك قرآنا يصلّى به. قال: فبينما رسول الله ﷺ يسير من يومه ذلك، وزيد بن أرقم يعارض رسول الله ﷺ براحلته يريد وجهه في المسير، ورسول الله ﷺ يستحثّ راحلته «حل حل» وهو مغذّ في السّير، إذ نزل عليه الوحي. قال زيد بن أرقم: فما هو إلا أن رأيت رسول الله ﷺ تأخذه البرحاء ويعرق جبينه، وتثقل يدا راحلته حتى ما تكاد تنقلهما عرفت إن رسول الله ﷺ يوحى إليه، ورجوت أن ينزل الله تعالى تصديقي قال زيد: فسرّي عن رسول الله ﷺ، فأخذ بأذني وأنا على راحلتي حتى ارتفعت من مقعدي، ورفعها إلى السماء، وهو يقول: وفت أذنك يا غلام، وصدّق الله حديثك. ونزلت سورة المنافقين في ابن أبيّ من أولها إلى آخرها، وجعل بعد ذلك ابن أبيّ إذا أحدث حدثا كان قومه هم الذين يعاقبونه ويأخذونه ويعنّفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن
الخطاب حين بلغه شأنهم: «كيف ترى يا عمر، إنّي والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» . قال عمر: قد والله علمت، لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري!
عمر، إنّي والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» . قال عمر: قد والله علمت، لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري!
تنبيهات الأول: المصطلق- بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام بعدها قاف- مفتعل من الصّلق وهو رفع الصوت، وهو لقب، واسمه جذيمة- بجيم فذال معجمتين مفتوحة فتحتية ساكنة- ابن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة: بطن من بني خزاعة. والمريسيع- بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين بينهما سين مهملة مكسورة وآخره عين مهملة- وهو ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم، مأخوذ من قولهم: رسعت عين الرجل، إذا دمعت من فساد. الثاني: اختلف في زمن هذه الغزوة، فقال ابن إسحاق: في شعبان سنة ست، وبه جزم خليفة بن خياط والطبريّ. وقال قتادة وعروة: كانت في شعبان سنة خمس. ووقع في صحيح البخاري نقلا عن ابن عقبة إنها كانت في سنة أربع. قال الحافظ: وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع. والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم: سنة خمس. ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رسول الله ﷺ بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس. ويؤيده ما أخرجه البخاريّ في الجهاد عن ابن عمر أنه غزا مع النبي ﷺ بني المصطلق. وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره إنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق. قال الحافظ: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، أي المذكور في الحوادث، فلو كانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست، مع أن الإفك كان فيها، لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح، كما سيأتي تقريره، وإن كانت سنة أربع فهو أسدّ، فظهر أن غزوة بني المصطلق كانت سنة خمس في شعبان، فتكون وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع. ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق، ومات من جراحته بعد أن حكم في بني قريظة.
ويأتي لهذا مزيد بيان في الكلام على حديث الإفك في الحوادث، ويؤيده أيضا أن حديث الإفك كان سنة خمس، إذ الحديث فيه التصريح بأن ذلك كان بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فتكون المريسيع بعد ذلك، فيترجّح أنه سنة خمس. أما قول الواقديّ: إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس، فمردود. وقد جزم خليفة وأبو عبيدة وغير واحد أن الحجاب كان سنة ثلاث، فحصلنا في الحجاب على ثلاثة أقوال: أشبههما سنة أربع. الثالث: روى الشيخان عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إليّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام، قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارّون وأنعامهم تسعى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريّهم، الحديث. وعنه حدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش. غارّون، بتشديد الراء، أي غافلون. وذكر جل أهل المغازي أنه حصل بين الفريقين قتال، وذكر جماعة منهم إن النبي ﷺ أمر عمر أن يدعوهم إلى توحيد الله تعالى. قال في الفتح: فيحتمل أن يكونوا حين الإيقاع بهم تثبّتوا قليلا، فلما كثر فيهم القتال انهزموا، بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافّوا، ووقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم. وأشار ابن سعد إلى حديث نافع ثم قال: والأول أثبت، وأقرّه في العيون، والحكم بكون الذي في السّير أثبت مما في الصحيح مردود، لا سيّما مع إمكان الجمع. الرابع: جهجاه، وقيل: اسم أبيه مسعود، وقيل: سعيد: قال الطبريّ: المحدّثون يزيدون فيه الهاء، والصواب جهجا، دون هاء. وسنان اختلف في اسم أبيه أيضا فقيل: وبر بسكون الموحّدة، وقيل: بفتحها- وقيل أبير- بوزن [زبير] ، وقيل: وبرة واحدة الوبر، وقيل: عمرو، وقيل: تيم. الخامس: قوله ﷺ: «دعوها فإنها منتنة» . قال أبو القاسم الخثعميّ: يعني «يا لفلان» ، لأنها من دعوى الجاهلية. وقد جعل الله تعالى المؤمنين إخوة، وحزبا واحدا، فإنما ينبغي أن تكون الدعوة: يا للمسلمين، فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية فيتوجّه فيها للفقهاء ثلاثة أقوال:
ل الله تعالى المؤمنين إخوة، وحزبا واحدا، فإنما ينبغي أن تكون الدعوة: يا للمسلمين، فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية فيتوجّه فيها للفقهاء ثلاثة أقوال: أحدها: أن يجلد من استجاب لها بالسلاح خمسين سوطا، اقتداء بأبي موسى الأشعري في جلده النابغة الجعديّ خمسين سوطا، حين سمع: يا لعامر! فأقبل يشتدّ بعصبة له.
القول الثاني: إن فيها الجلد دون العشرة، لنهيه ﷺ أن يجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا في حد. والقول الثالث: اجتهاد الإمام في ذلك حسب ما يراه من سدّ الذريعة، وإغلاق باب الشرّ بالوعيد، وإما بالسّجن، وإما بالضرب. فإن قيل: إن رسول الله ﷺ لم يعاقب الرجلين حين دعوا بها، قلنا: قد قال: دعوها فإنها منتنة، فقد أكّد النهي، فمن عاد إليها بعد هذا النهي، وبعد وصف النبي ﷺ بالإنتان، وجب أن يؤدّب حتى يشمّ نتنها، كما فعل أبو موسى بالجعديّ، ولا معنى لنتنها إلا سوء العاقبة فيها، والعقوبة عليها. السادس: في استئذان عبد الله بن عبد الله بن أبيّ في قتل أبيه المنافق، من أجل المقالة الخبيثة التي قالها. وفي هذا العلم العظيم والبرهان النّيّر من أعلام النبوة، فإن العرب كانت أشدّ خلق الله حميّة وتعصّبا، فبلغ الإيمان منهم ونور اليقين من قلوبهم إلى أن يرغب الرجل منهم في قتل أبيه وولده، تقرّبا إلى الله تعالى وتزلّفا إلى رسوله، مع إن النبي ﷺ أبعد الناس [نسبا] منهم، أي الأنصار، وما تأخّر إسلام قومه وبني عمّه وسبق إلى الإيمان به الأباعد إلا لحكمة عظيمة، إذ لو بادر أهله وأقربوه إلى الإيمان به لقيل: قوم أرادوا الفخر برجل منهم، وتعصّبوا له، فلما بادر إليه الأباعد وقاتلوا على حبّه من كان منهم، أو من غيرهم، علم أن ذلك عن بصيرة صادقة، ويقين قد تغلغل في قلوبهم، ورهبة من الله تعالى أزالت صفة قد كانت [سدكت] في نفوسهم من أخلاق الجاهلية، لا يستطيع إزالتها إلا الذي فطر الفطرة الأولى، وهو القادر على ما يشاء.
وبهم، ورهبة من الله تعالى أزالت صفة قد كانت [سدكت] في نفوسهم من أخلاق الجاهلية، لا يستطيع إزالتها إلا الذي فطر الفطرة الأولى، وهو القادر على ما يشاء. السابع: نظر رسول الله ﷺ لجويرية حتى عرف من حسنها ما عرف، وذلك لأنها كانت أمة مملوكة، ولو كانت حرة ما ملأ عينه منها، لأنه لا يكره النظر إلى الإماء. وجائز أيضا أن يكون نظر إليها لأنه نوى نكاحها، أو أن ذلك قبل أن تنزل آية الحجاب. الثامن: وقع في هذه الغزوة حديث الإفك، وسيأتي الكلام عليه في الحوادث في سنة خمس. قيل: وفيها نزلت آية التيمم، وسيأتي الكلام عليه في الحوادث. التاسع: في بيان غريب ما سبق: الفرع- بالفاء والراء والعين المهملة وزن قفل- من أعمال المدينة. تألّبوا: تجمّعوا. استأصله: أهلكه. كثيف- بكاف فمثلثة فتحتية ففاء- اسم يوصف به العسكر والسحاب والماء وكثف: غلظ.
عرض الدنيا- بفتحتين- المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدّراهم والدنانير فإنها عين. الخلائق- بالخاء والقاف جمع خليقة-: مكان به مزارع وآبار قرب المدينة. الروحاء- بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة وألف-: من عمل الفرع. العين هنا الجاسوس. الأدم (بفتحتين) . يرى- بضم التحتية وفتح الراء-: يظنّ. أفناء العرب: قال في النهاية: رجل من أفناء الناس، أي لم يعلم من هو، الواحد فنو. وقيل: هو من الفناء، وهو المتّسع أمام الدار. النّبل- بفتح النون وسكون الموحدة- السّهم العربيّ. أفلت (بضم أوله) . عدا عليه. من العدوان. ذو الشّقرة (بشين معجمة فقاف فراء) . «يا منصور أمت» : أمر بالموت، والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الإماتة مع حصول الغرض للشّعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها، لأجل ظلمة الليل. الرّعب- براء وعين مهملتين مضمومتين وبضم الراء وسكون العين-: الفزع.
شرح غريب أمره ﷺ بتكتيف الأسارى سيقت (بكسر السين المهملة وبالبناء للمفعول) . سهمان- بالضّمّ- وأسهم وسهام: جمع سهم. رثّة بالمثلثة وزن هرّة: خلقة.
شرح غريب تزوجه ﷺ بجويرية ﵂ ملّاحة قال في المصباح: ملح الشّيء بالضمّ ملاحة بالفتح: بهج وحسن منظره فهو مليح والأنثى مليحة، والجمع ملاح. لا طاقة بكذا ولا يدان، أي لا قوة لي ولا قدرة عليه.
شرح غريب ذكر افتداء من بقي من السبي وما يذكر معه العزوبة- بضم العين المهملة والزاي-: عدم الزّوجة.
العزل- بفتح العين المهملة وسكون الزاي-: ترك الإنزال في الفرج. النّسمة: النّفس والروح. السّخل- بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة-: الولد المحبّب إلى أبويه، وهو في الأصل ولد الغنم. الموؤدة: يقال: وأد ابنته وأدا من باب وعد: دفنها حيّة، فهي موؤودة.
سين المهملة وسكون الخاء المعجمة-: الولد المحبّب إلى أبويه، وهو في الأصل ولد الغنم. الموؤدة: يقال: وأد ابنته وأدا من باب وعد: دفنها حيّة، فهي موؤودة.
شرح غريب ما ظهر من ابن أبي من النفاق الماء الظّنون: الذي تتوهّمه ولست منه على ثقة، فعول بمعنى مفعول، وقيل: هي البئر التي يظنّ أن فيها ماء وليس فيها ماء، وقيل: البئر القليلة الماء، وهو المراد هنا. شهروا السلاح: أظهروه. يال فلان [......] دعوها- بدال فعين مهملتين فواو فألف-: اتركوها. منتنة- بميم مضمومة فنون ساكنة فمثناة فوقية فنون- أي مذمومة في الشّرع، مجتنبة مكروهة كما يجتنب الشّيء المنتن، يريد قولهم: يا لفلان. نافرونا- بنون فألف ففاء مفتوحة فراء فواو فنون فألف-: غلبونا. يقال: نافره إذا غلبه. منّتنا: نعمتنا. الجلابيب- بفتح الجيم-: لقب لكل من أسلم من المهاجرين، لقّبهم بذلك المشركون. والجلابيب في الأصل الأزر الغلاظ، كانوا يلتحفون بها فلقّبوهم بذلك. الغير- بكسر الغين المعجمة وفتح التحتية- الاسم من قولك: غيّرت الشيء فتغيّر. أسهمتموهم: أعطيتموهم نصيبا من أموالكم. الغرض- بالغين والضاد المعجمة بينهما راء-: الهدف الذي يرمى إليه. الرّهط: ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها. يؤنّبون: يبالغون في التّوبيخ والتّعنيف. عمدت: قصدت. سلف منك: صدر ووقع. حدبا علي ابن أبي- بفتح الحاء والدال المهملتين وبالموحّدة-: عطفا عليه.
فتحها. يؤنّبون: يبالغون في التّوبيخ والتّعنيف. عمدت: قصدت. سلف منك: صدر ووقع. حدبا علي ابن أبي- بفتح الحاء والدال المهملتين وبالموحّدة-: عطفا عليه.
شرح غريب ذكر تكبيس ظهره ﷺ في فيء: الأولى حرف جر، والثانية من الفيء، وهو الظلّ. يغمز ظهره- بغين معجمة فزاي-: يعصره، وهو التّكبيس. تقحّمت بي الناقة: ألقتني. أرعدت: بضم الهمزة وكسر العين المهملة وبالبناء للمفعول. آنف- بفتح الهمزة- وآناف وأنوف جمع أنف: العضو المعروف. يشعر: يعلم. الرّواح. قال الأزهري وغيره: قد يتوهّم بعض الناس أن الرّواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرّواح والغدوّ عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار، وأما راحت الإبل فهي رائحة، فلا يكون إلا بالعشيّ، إذا أراحها راعيها على أهلها. يقال: سرحت بالغداة إلى المرعى وراحت بالعشيّ على أهلها، أي رجعت من المرعى إليهم. وقال ابن فارس: الرّواح: رواح العشيّ وهو من الزّوال إلى الليل. الخرز- بخاء مفتوحة معجمة فراء فزاي-: الذي ينضمّ، الواحدة خرزة. أرب بهم: اشتدّ عليهم في ثمنها. البحيرة: اسم للمدينة الشريفة، وتقدم في أسمائها. اتّسقوا عليه: اجتمعوا. يتوّجوه: يلبسوه التاج ويسوّده. والتاج: ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر. متن- بميم ففوقية مخففة فنون مفتوحات- فإذا بالغت شدّدت: سار حتّى أضعف الإبل. ليشغل الناس: بفتح التحتية وسكون الشين وفتح الغين المعجمتين. مسّ الأرض: أول ما ينال منها. الحجاز- بحاء مهملة فجيم فألف فزاي-: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها، كأنها حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نجد والسّراة، أو لأنها احتجزت بالحداء. النّقيع [ (١) ]- بفتح النون وكسر القاف وهو على أربعة برد من المدينة. نقعاء: بفتح النون وإسكان القاف وبالعين المهملة والمد.
شرح غريب ذكر إخباره ﷺ بموت منافق وما يذكر معه هاجت: ثارت وتحركت. عصفت الريح: اشتدّت. كئيبا: حزن أشدّ الحزن. قاتله الله: لعنه الله وأهلكه. الحصن: بكسر الحاء المهملة وسكون الصاد المعجمة. نبذوه- بالذال المعجمة-: رموه. العمر- بفتح العين المهملة-: الحياة. الشّعب- بكسر الشين المعجمة-: الطريق في الجبل. عمد- بعين مفتوحة فميم مفتوحة فدال مهملتين-: قصد. شمت به: فرح بمصيبة نزلت به. الزّمام- بكسر الزاي-: المقود. سقط في يده (بضم السين المهملة وكسر القاف) . أنشدكم الله، أي أسألكم الله. قال في النهاية: وتعديته إلى مفعولين إمّا لأنه بمنزلة دعوت، حيث قالوا: نشدتك الله وبالله، كما قالوا: دعوت زيدا أو بزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى ذكرت. فأما أنشدتك بالله فخطأ. الفشل- بفتح الفاء وكسر الشين المعجمة-: الجبان الضعيف القلب. تصفّح وجوه الناس: نظر في صفحات وجوههم. الرّكاب- بالكسر- المطيّ، الواحدة: راحلة من غير لفظها. يا لكع- بضم اللام وفتح الكاف- وهو في الأصل العبد، ثم استعمل في الحمق والذّمّ. يرفده: يعينه. الكلأ- بفتحتين وبالهمز-: العشب رطبا كان أو يابسا، قاله ابن فارس وغيره. الغدران: جمع غدير وهو القطعة من الماء. مقمّل- بميم فقاف مفتوحة فميم مشددة-: جبل قرب المدينة.
شرح غريب ذكر نهيه ﷺ عن طروق النساء طرق أهله يطرقهم بالضم طروقا: أتاهم ليلا. المعرّس- بميم مضمومة فعين مهملة فراء مشددة فسين مهملة-: النازل بمكان ليلا. ببارح- بموحدتين فألف فراء فحاء مهملة- بذاهب. الغمد (بكسر الغين المعجمة وسكون الميم) . توسن [بفتح المثناة فواو ساكنة- شدة النوم- أو أوله] . الماشطة: مسرّحة الشّعر. بئر أبي عنبة: بلفظ واحدة العنب.
شرح غريب ذكر ما نزل في ابن أبي المنافق حل حل- بفتح الحاء المهملة وسكون اللام فيهما، ويقال بكسرها فيهما بالتنوين وبغير تنوين-: كلمة زجر للإبل. مغذ في السير: مجدّ. البرحاء (بضم الموحدة وفتح الراء) .
تح الحاء المهملة وسكون اللام فيهما، ويقال بكسرها فيهما بالتنوين وبغير تنوين-: كلمة زجر للإبل. مغذ في السير: مجدّ. البرحاء (بضم الموحدة وفتح الراء) .
الباب التاسع عشر في غزوة الخندق وتسمّى غزوة الأحزاب، وهي الغزوة التي ابتلى الله فيها عباده المؤمنين، وبعث الإيمان في قلوب أوليائه المتقين، وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق، وفضحهم وفزّعهم، ثم أنزل الله ﵎ نصره ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وأعزّ جنده، وردّ الكفرة بغيظهم، ووقى المؤمنين شرّ كيدهم، وحرّم عليهم شرعا وقدرا أن يغزوا المؤمنين بعدها، بل جعلهم المغلوبين، وجعل حزبه هم الغالبين. وسببها إن النبي ﷺ لمّا أجلى بني النّضير، وساروا إلى خيبر، وبها من يهود قوم أهل عدد وجلد، وليس لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير، فخرج حيي بن اخطب وكنانة بن أبي الحقيق وهوذة- بفتح الهاء وبالذال المعجمة- ابن قيس الوائليّ، وأبو عامر الفاسق، في جماعة سواهم، إلى مكة فدعوا قريشا وأتباعها إلى حرب رسول الله ﷺ، وهم الذين حزّبوا الأحزاب، فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله، ونشطت قريش لذلك، وتذكروا أحقادهم ببدر، فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا، أحبّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد. وأخرج خمسين رجلاً من بطون قريش كلّها، وتحالفوا وتعاقدوا وألصقوا أكبادهم بالكعبة، وهم بينها وبين أستارها، لا يخذل بعضهم بعضا، ولتكوننّ كلمتهم واحدة على محمد، ما بقي منهم رجل. وقال أبو سفيان: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأوّل والعلم، أخبرونا عمّا أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد: أديننا خير أم دينه؟ فنحن عمّار البيت، ننحر الكوم، ونسقي الحجيج، ونعبد الأصنام. فقالت يهود: اللهم أنتم أولى بالحقّ منه، إنكم لتعظّمون هذا البيت، وتقومون على السّقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان يعبد آباؤكم، فأنتم أولى بالحقّ منه.
لت يهود: اللهم أنتم أولى بالحقّ منه، إنكم لتعظّمون هذا البيت، وتقومون على السّقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان يعبد آباؤكم، فأنتم أولى بالحقّ منه. فأنزل الله ﷾: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً [سورة النساء من ٥١: ٥٥] . فلما قالوا ذلك لقريش سرّهم، ونشطوا إلى ما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ، فاتّعدوا لذلك وقتا أقّتوه.
ثم خرجت يهود إلى غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ. قال محمد بن عمر: وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، إن هم نصروهم، وأخبروهم أنّ قريشا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه. ثم خرجت يهود إلى بني سليم فوعدوهم المسير معهم إذا خرجت قريش.
ذكر خروج قريش ومن ذكر معهم ثم إن قريشا تجهّزت، وسيّرت تدعو العرب إلى نصرها وألّبوا أحابيشهم ومن تبعهم، وخرجوا في أربعة آلاف، وعقدوا اللّواء في دار النّدوة، وحمله عثمان بن طلحة- وأسلم بعد ذلك- وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير. ولاقتهم بنو سليم بمرّ الظّهران في سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس وهو أبو أبي الأعور السّلميّ، الذي كان مع معاوية بصفّين. وخرجت بنو أسد بن خزيمة وقائدها طلحة بن خويلد الأسديّ، وأسلم بعد ذلك. وخرجت بنو فزارة [وأوعبت] وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن، وأسلم بعد ذلك. وخرجت أشجع، وقائدها مسعود بن رخيلة- بضمّ الرّاء وفتح الخاء المعجمة- وأسلم بعد ذلك- وهم أربعمائة. وخرجت بنو مرّة في أربعمائة، يقودهم الحارث بن عوف المرّيّ- بميم مضمومة فراء مشددة مكسورة، وأسلم بعد ذلك. قالوا: وكان القوم الذين وافوا الخندق من قريش وسليم وأسد وغطفان عشرة آلاف. وعناج الأمر إلى أبي سفيان بن حرب. هذا ما كان من أمر المشركين. وأما ما كان من أمر سيدنا رسول الله ﷺ فإنّ خزاعة عند ما تهيّأت قريش للخروج أتى ركبهم رسول الله ﷺ في أربع ليال حتى أخبروه، فندب الناس، وأخبرهم خبر عدوّهم، وشاورهم في أمرهم: أيبرز من المدينة أم يكون فيها، ويحاربهم عليها وفي طرقها؟ فأشار سلمان ﵁ بالخندق، وقال: يا رسول الله إنا كنّا بأرض فارس إذا تخوّفنا الخيل خندقنا علينا، فأعجبهم ذلك، وأحبّوا الثّبات في المدينة، وأمرهم رسول الله ﷺ بالجدّ، ووعدهم النّصر، إذا هم صبروا واتّقوا، وأمرهم بالطّاعة، ولم تكن العرب تخندق عليها. وروى البزار عن مالك بن وهب الخزاعيّ إن رسول الله ﷺ بعث سليطا وسفيان بن عوف الأسلميّ طليعة يوم الأحزاب، فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء التفّت عليهما خيل لأبي
البزار عن مالك بن وهب الخزاعيّ إن رسول الله ﷺ بعث سليطا وسفيان بن عوف الأسلميّ طليعة يوم الأحزاب، فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء التفّت عليهما خيل لأبي
سفيان، فقاتلا حتى قتلا، فأتي بهما رسول الله ﷺ، فدفنا في قبر واحد، فهما الشّهيدان القرينان. وركب فرسا له ومعه عدّة من المهاجرين والأنصار ﵃، فارتاد موضعا ينزله، فكان أعجب المنازل إليه أن يجعل سلعا الجبل خلف ظهره، ويخندق من المذاد إلى ذباب إلى راتج، فعمل يومئذ في الخندق، وندب النّاس وخبّرهم بدنوّ عدوّهم وعسكرهم إلى سفح سلع وجعل المسلمون يعملون مستعجلين، يبادرون قدوم العدوّ عليهم، واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي وكرازين ومكاتل للحفر. ووكّل رسول الله ﷺ بكلّ جانب من الخندق قوما يحفرونه، فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل أبي عبيدة. وروى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزنيّ: إن رسول الله ﷺ خطّ الخندق من أجم الشّيخين طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا. وتنافس المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسيّ، وكان رجلا قويّا، فقال المهاجرون: سلمان منّا! وقالت الأنصار: سلمان منّا، فقال رسول الله ﷺ: «سلمان من أهل البيت» . وكان سلمان يعمل عمل عشرة رجال» ، حتّى عانه قيس بن أبي صعصعة فلبط به، فقال رسول الله ﷺ: «مروه فليتوضأ له، وليغتسل به سلمان، وليكفأ الإناء خلفه، ففعل فكأنما حل من عقال» . قال أنس بن مالك: وحفر رسول الله ﷺ، وحمل التّراب على ظهره، حتى أن الغبار علا ظهره وعكنة. وقالت أم سلمة ﵂: ما نسيت يوم الخندق، وهو يعاطيهم اللّبن، وقد اغبرّ شعره، تعني النبي ﷺ. رواه الإمام أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى. وروى محمد بن عمر عن البراء ﵁ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يحمل التّراب على ظهره، حتى حال التّراب بيني وبينه، وإني لأنظر إلى بياض بطنه. وكان من فرغ من المسلمين من حصّته عاد إلى غيره فأعانه حتى كمل الخندق.
ه ﷺ يحمل التّراب على ظهره، حتى حال التّراب بيني وبينه، وإني لأنظر إلى بياض بطنه. وكان من فرغ من المسلمين من حصّته عاد إلى غيره فأعانه حتى كمل الخندق. ولم يتأخّر عن العمل في الخندق أحد من المسلمين، وكان أبو بكر وعمر ﵄ ينقلان التّراب في ثيابهما- إذ لم يجدا مكاتل- من العجلة، وكانا لا يفترقان في عمل، ولا مسير ولا منزل.
ذكر ما كان المسلمون يرتجزون به من الشعر في عمل الخندق قال ابن إسحاق وابن عمر: وارتجز المسلمون في الخندق برجل يقال له: جعيل- بضم الجيم- أو جعالة بن سراقة، وكان رجلا دميما صالحا، وكان يعمل في الخندق، فغيّر رسول الله ﷺ اسمه يومئذ فسمّاه عمرا، فجعل المسلمون يرتجزون ويقول: سمّاه من بعد جعيل عمرا ... وكان للبائس يوما ظهرا وجعل رسول الله ﷺ لا يقول شيئاً من ذلك، إلا إذا قالوا: عمرا، وإذا قالوا: ظهرا، قال: ظهرا. وروى الشيخان [ (١) ] وغيرهما عن سهل بن سعد والبخاري عن أنس ﵄ قالا: جاءنا رسول الله ﷺ ونحن نحفر في الخندق، وننقل التّراب على أكتادنا وفي لفظ: أكتافنا، وفي لفظ عن متوننا. وفي رواية: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون يحفرون في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك، فلما رأى ما هم فيه من النّصب والجوع قال: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر» ، وفي لفظ: فأصلح، وفي لفظ: فأكرم المهاجرين والأنصار، وفي لفظ: فاغفر للأنصار والمهاجرة، فقالوا مجيبين له: نحن الّذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا قال أنس: ويؤتونه بملء كفّي شعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة، توضع بين يدي القوم، وهم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن. وروى الشيخان وأبو يعلى وابن أبي أسامة عن البراء بن عازب ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى وارى التراب بياض بطنه، وفي لفظ: حتى أغمر بطنه، أو قال اغبرّ بطنه، وفي لفظ: حتى وارى الغبار جلده، وكان كثيف الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات لابن رواحة: والله لولا ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
حة: والله لولا ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ورفع بها صوته: أبينا أبينا، وفي رواية يمدّ صوته بآخرها، ولفظ أبي يعلى: «اللهم لولا أنت» ، وقد بدّل بتصدّقنا «صمنا» . وروى البيهقي عن سلمان ﵁، وابن أبي أسامة عن أبي عثمان النهدي ﵀: أن رسول الله ﷺ ضرب في الخندق وقال:
باسم الإله وبه هدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا يا حبّذا ربّا وحبّ دينا قال محمد بن عمر: وكان رسول الله ﷺ من شدة اجتهاده في العمل يضرب مرّة بالمعول ومرّة يغرف بالمسحاة التراب، ومرة يحمل التراب في المكتل، وبلغ منه التّعب يوما مبلغا فجلس، ثم اتّكأ على حجر على شقّه الأيسر فنام: فقام أبو بكر وعمر ﵄ على رأسه ينحّيان النّاس عنه، أن يمرّوا به، فينبّهوه، ثم استيقظ ووثب فقال: أفلا أفزعتموني! وأخذ الكرزن يضرب به ويقول: اللهمّ إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة الّلهمّ العن عضلا والقارة ... فهم كلّفوني أنقل الحجارة وعمل المسلمون في الخندق حتى أحكموه. قال محمد بن عمر، وابن سعد: في ستّة أيّام. وكان الخندق بسطة أو نحوها. وأعقب بين عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش، فتكون عائشة عنده أياما، ثم تكون أمّ سلمة عنده أياما، ثم تكون زينب عنده أياما، فهؤلاء الثلاث اللّاتي يعقب بينهنّ في الخندق، وسائر نسائه في أطم بني حارثة، وكان حصينا، ويقال: كنّ في النّسر أطم في بني زريق، ويقال: كان بعضهنّ في فارع.
ذكر الآيات التي وقعت عند ظهور الصّخرة في الخندق روى الإمام أحمد والشيخان وغيرهم عن جابر بن عبد الله ﵄، والإمام أحمد بسند جيد عن البراء بن عازب، وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمرو بن عوف، وأبو نعيم عن أنس، والحارث والطبراني عن ابن عمر، والطبراني بسند جيد، عن ابن عباس، والبيهقي وأبو نعيم من طريقين عن ابن شهاب، ومحمد بن عمر عن شيوخه، وابن إسحاق عن شيوخه: أنّ المسلمين عرض لهم في بعض الخندق صخرة، وفي لفظ كدية عظيمة شديدة بيضاء مدوّرة، لا تأخذ فيها المعاول، فكسرت حديدهم، وشقّت عليهم، وفي حديث عمرو بن عوف: أنّها عرضت لسلمان. وذكر محمد بن عمر أنّها تعرّضت لعمر بن الخطاب، فشكوا ذلك لرسول الله ﷺ وهو في قبة تركية فقال: أنا نازل، ثم قام، وبطنه معصوب بحجر من الجوع، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن
في قبة تركية فقال: أنا نازل، ثم قام، وبطنه معصوب بحجر من الجوع، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن
يدعو به، ثم نضح من ذلك الماء عليها، فيقول من حضرها: والذي بعثه بالحق إنها عادت كالكثيب المهيل ما تردّ فأسا ولا مسحاة، فأخذ المعول من سلمان، وقال: «بسم الله» ، وضرب ضربة فكسر ثلثها، وبرقت برقة فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كأنّ مصباحا في جوف ليل مظلم، فكبّر رسول الله ﷺ وقال: «أعطيت مفاتيح اليمن، إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني السّاعة، كأنّها أنياب الكلاب» ، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، وبرق منها برقة فخرج نور من قبل الرّوم فأضاء ما بين لابتي المدينة فكبّر رسول الله ﷺ وقال: أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني الساعة» . ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر وبرق برقة من جهة فارس أضاءت ما بين لابتي المدينة، فكبّر رسول الله ﷺ وقال: «أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنّها أنياب الكلاب من مكاني هذا، وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها، فأبشروا بالنّصر» . فاستسرّ المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعد صادق، بأن وعدنا النصر بعد الحصر، وجعل يصف لسلمان، فقال سلمان: صدقت يا رسول الله، هذه صفته، أشهد أنك رسول الله. ثم قال رسول الله ﷺ: «هذه فتوح يفتحها الله تعالى بعدي يا سلمان، لتفتحنّ الشّام، ويهرب هرقل إلى أقصى مملكته، وتظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد، وليفتحنّ هذا المشرق، ويقتل كسرى فلا يكون كسرى بعده» [ (١) ] . قال سلمان: فكلّ هذا قد رأيت. قال أبو هريرة- فيما رواه بن إسحاق- حين فتحت هذه الأمصار زمان عمر، وزمان عثمان ومن بعده: «افتحوا ما بدا لكم، فو الذي نفس أبي هريرة بيده ما فتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله تعالى محمدا مفاتيحها قبل ذلك» . فقال المنافقون: يخبركم محمد أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق، ولا تستطيعون أن تبرزوا، فأنزل الله ﵎:
ذلك» . فقال المنافقون: يخبركم محمد أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق، ولا تستطيعون أن تبرزوا، فأنزل الله ﵎: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: ١٢] .
ذكر الآيات التي وقعت لما أصابتهم المجاعة في حفر الخندق روى الشيخان، ومحمد بن عمر، والحاكم، والبيهقي عن جابر بن عبد الله، والطبراني عن ابن عباس ﵃:
أن جابرا رأى رسول الله ﷺ يوم الخندق عاصبا بطنه بحجر من الجوع وأنهم لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا. قال جابر: فاستأذنت رسول الله ﷺ إلى المنزل فأذن لي، فذهبت فقلت لامرأتي: أني رأيت رسول الله ﷺ خمصا شديدا، ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي صاع من شعير وعناق، فأخرجت إناء فيه صاع من شعير، وذبحت العناق، وطحنت الشعير، وجعلنا اللّحم في البرمة، فلما انكسر العجين وكادت البرمة أن تنضج وأمسينا، وأراد رسول الله ﷺ الانصراف- قال: وكنا نعمل نهارا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلنا- قالت لي: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه. فأتيت رسول الله ﷺ فساررته فقلت: طعيّم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. فشبّك أصابعه في أصابعي وقال: كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيّب لا تنزلنّ برمتكم ولا تخبزنّ عجينكم حتى أجيء، وصاح رسول الله ﷺ: «يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سورا فحيّ، هلا بكم» ، وصار رسول الله ﷺ يقدم الناس، ولقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله ﵎، وقلت: جاء الخلق، والله إنها للفضيحة على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي فقلت: ويحك! جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، فقالت: بك وبك، وفي رواية: هل سألك؟ قلت: نعم. وفي رواية: قالت: أنت دعوتهم أو هو؟ قلت: بل هو دعاهم. قالت: دعهم، الله ورسوله أعلم، نحن قد أخبرناه بما عندنا. فكشفت عنّي. فدخل رسول الله ﷺ وقال:
نعم. وفي رواية: قالت: أنت دعوتهم أو هو؟ قلت: بل هو دعاهم. قالت: دعهم، الله ورسوله أعلم، نحن قد أخبرناه بما عندنا. فكشفت عنّي. فدخل رسول الله ﷺ وقال: «ادخلوا عشرة عشرة، ولا تضاغطوا» ، فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك، فقال لنا: «اخبزوا واغرفوا وغطّوا البرمة، ثم أخرجوا الخبز من التّنّور، وغطّوا الخبز» ، ففعلنا، فجعلنا نغرف ويغطّي البرمة، ثم يفتحها فما نراها نقصت شيئا، ويخرج الخبز من التّنّور، ثم يغطّيه فما نراه نقص شيئا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويقرّب إلى أصحابه ويقول لهم: «كلوا» . فإذا شبع قوم قاموا، ثم دعا غيرهم حتى أكلوا وهم ألف، وانحرفوا وإن برمتنا لتغطّ كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو، فقال: «كلوا واهدوا، فإنّ الناس أصابتهم مجاعة شديدة» . فلم نزل نأكل ونهدي يومنا ذلك أجمع، فلّما خرج رسول الله ﷺ ذهب ذلك [ (١) ] . وروى ابن إسحاق، وأبو نعيم عن أبنة لبشير- بفتح الموحدة- ابن سعد أخت النعمان ابن بشير ﵁، قالت: بعثتني أمّي بجفنة تمر في طرف ثوبي إلى أبي وخالي عبد الله بن رواحة، وهم يحفرون في الخندق، فناداني رسول الله ﷺ فأتيته فأخذ التّمر منّي في كفّه فما ملأها، وبسط ثوبا فنثره عليه فتساقط- وفي لفظ فتبدّد- في جوانبه، ثم قال
لإنسان عنده: اصرخ: يا أهل الخندق أن هلمّ إلى الغداء. فاجتمعوا وأكلوا منه، وجعل يزيد حتى صدروا عنه، وإنّه ليسقط من أطراف الثوب [ (١) ] . وروى ابن عساكر عن عبيد الله بن أبي بردة قال: أرسلت أمّ عامر الأشهلية بقعبة فيها حيس إلى رسول الله ﷺ، وهو في قبّته عند أم سلمة، فأكلت أمّ سلمة حاجتها، ثم خرج بالقعبة، ونادى منادي رسول الله ﷺ إلى عشائه، فأكل أهل الخندق حتى نهلوا منها، وهي كما هي. وروى أبو يعلى وابن عساكر، عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه ﵁، قال أتيت رسول الله ﷺ يوم الخندق بشاة في مكتل فقال: «يا أبا رافع، ناولني الذّراع» ، فناولته، ثم قال: «ناولني الذراع» فناولته ثم قال: «ناولني الذراع» ، فناولته، ثم قال: «ناولني الذراع» ، فناولته، فقلت: يا رسول الله أللشاة إلا ذراعان؟! قال: «لو سكتّ ساعة لناولتنيه ما سألتك» [ (٢) ] .
ذكر بركة يده ﷺ روى الطبراني وأبو القاسم البغوي عن معاوية بن الحكم ﵁ قال: لما أجرى أخي علي بن الحكم فرسه، فدق جدار الخندق ساقه، فأتينا به إلى رسول الله ﷺ على فرسه، فقال: «بسم الله» . ومسح ساقه فما نزل عنها حتى برأ.
ذكر تخلف جماعة من المنافقين عن مساعدة المسلمين قال ابن إسحاق: وأبطأ عن رسول الله ﷺ وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورّون بالضّعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله ﷺ، ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بدّ منها يذكر ذلك للنبي ﷺ، ويستأذنه في اللّحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير، واحتسابا له. فانزل الله تعالى في أولئك المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة النور ٦٢] .
ذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة النور ٦٢] .
وأنزل الله ﷾ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور ٦٣، ٦٤] .
ذكر عرضه ﷺ الغلمان روى محمد بن عمر، عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يعرض الغلمان وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز وردّ من ردّ، وكان الغلمان الذين لم يبلغوا يعملون معه ولم يجزهم، ولكن لمّا لحم الأمر أمر من لم يبلغ أن يرجع إلى أهله إلى الآطام مع الذراريّ والنساء. وممّن أجاز رسول الله ﷺ: - عبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت وأبا سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وهم أبناء خمس عشرة سنة.
ام مع الذراريّ والنساء. وممّن أجاز رسول الله ﷺ: - عبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت وأبا سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وهم أبناء خمس عشرة سنة.
ذكر تهيؤ رسول الله ﷺ لحرب المشركين ووصولهم إلى المدينة لما فرغ رسول الله ﷺ من عمل الخندق، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم- فيما قال ابن هشام- ونزل أمام سلع فجعله خلف ظهره، والخندق أمامه، وكان عسكره فيما هنالك، وضربت له قبّة من أدم كانت عند المسجد الأعلى الذي بأصل الجبل- جبل الأحزاب- وكان المسلمون فيما قالوا: ثلاثة آلاف، ووهم من قال: إنهم كانوا سبعمائة. وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة. وجعل النساء والذّراريّ بين الآطام، وشبّكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن. روى ابن سعد، عن المهلب بن أبي صفرة، قال: حدثني رجل من صحابة النبي ﷺ إن النبي ﷺ قال ليلة الخندق: إني لأرى القوم الليلة فإن شعاركم: هُمْ لا يُنْصَرُونَ. وكان حسان بن ثابت مع النّساء والذّراريّ في الآطام. فروى محمد بن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزّبير، ومحمد بن عمر عن شيوخه، وأبو يعلى والبزار بسند حسن، عن الزبير بن العوام ﵁، والطبراني برجال الصحيح، عن عروة بن الزبير مرسلا: أن رسول الله ﷺ خرج إلى الخندق فجعل نساءه وعمّته صفيّة في أطم يقال له:
د حسن، عن الزبير بن العوام ﵁، والطبراني برجال الصحيح، عن عروة بن الزبير مرسلا: أن رسول الله ﷺ خرج إلى الخندق فجعل نساءه وعمّته صفيّة في أطم يقال له:
فارع، وجعل معهم حسان بن ثابت. وخرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فأقبل عشرة من يهود، فجعلوا ينقمعون ويرمون الحصن، ودنا أحدهم إلى باب الحصن، وقد حاربت قريظة. وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ في نحر العدوّ، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إذ أتانا آت، فقلت لحسّان: يا حسّان قم إليه فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، ولو كان ذلك في لخرجت مع رسول الله ﷺ. قالت صفيّة: فلما قال ذلك، ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت سيفا فربطته على ذراعي، ثم تقدّمت إليه حتى قتلته، وفي لفظ: فأخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن فضربته بالعمود ضربة شدخت فيها رأسه، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسّان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنّه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب. فقلت له: خذ الرّأس وارم به على اليهود، قال: ما ذاك في، فأخذت هي الرّأس فرمت به على اليهود، فقالوا: قد علمنا إن محمدا لم يترك له خلوفا ليس معهم أحد، فتفرّقوا. زاد أبو يعلى: فأخبر بذلك رسول الله ﷺ، فضرب لصفيّة بسهم كما يضرب للرّجال. ومرّ سعد بن معاذ على عائشة أمّ المؤمنين ﵂ وهي في الحصن، وعليه درع مقلّصة قد خرجت منها أذرعه كلّها وفي يده حربته يرقدّ بها وهو يقول: لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت له أمه وكانت مع النساء في الحصن: الحق بنيّ فقد والله أخّرت، فقالت لها عائشة: يا أمّ سعد، والله لوددت أنّ درع سعد كانت أوسع ممّا هي عليه، قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فقالت أمّ سعد: يقضي الله ما هو قاض، فقضى الله أن أصيب يومئذ.
سعد، والله لوددت أنّ درع سعد كانت أوسع ممّا هي عليه، قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فقالت أمّ سعد: يقضي الله ما هو قاض، فقضى الله أن أصيب يومئذ.
ذكر وصول المشركين بعد فراغ الخندق وأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة في أحابيشها، ومن ضوى إليها من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد، فسرّحت قريش ركابها في عضاه وادي العقيق، ولم تجد لخيلها هناك شيئاً إلا ما حملت من علفها من الذّرة. وسرّحت غطفان إبلها إلى الغابة في أثلها وطرفائها، وكان الناس قد حصدوا زرعهم قبل ذلك بشهر، وأدخلوا حصادهم وأتبانهم، وكادت خيل غطفان تهلك.
ذكر ما قاله المؤمنون لما رأوا الأحزاب روى ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس، والطيالسي وعبد الرزاق وابن جرير والبيهقي عن قتادة: أن الله تعالى قال لهم في سورة البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة ٢١٤] فلمّا مسّهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب ٢٢] للقضاء، ﵃.
ذكر نقض بني قريظة العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ لما نزل المشركون فيما ذكر، خرج عدوّ الله حيي بن اخطب النّضريّ حتى أتى كعب ابن أسد القرظيّ صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه، وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب بحييّ أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حييّ: ويحك يا كعب! افتح، قال: ويحك يا حييّ! إنك امرؤ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا صدقا ووفاء. قال: ويحك! افتح لي أكلّمك، قال: والله ما أنا بفاعل، قال: والله، إن أغلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرّجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعزّ الدهر، وبحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاقدوني وعاهدوني على ألّا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال له كعب: جئتني والله بذلّ الدّهر وبجهام قد أهرق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، ويحك يا حييّ! خلّني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء.
كعب: جئتني والله بذلّ الدّهر وبجهام قد أهرق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، ويحك يا حييّ! خلّني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حييّ بكعب يفتله في الذّروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ ممّا كان بينه وبين رسول الله ﷺ. ووعظهم عمرو بن سعدى وخوّفهم سوء فعالهم، وذكّرهم ميثاق رسول الله ﷺ وعهده، وقال لهم: إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوّه، فأبوا. وخرج إلى رسول الله ﷺ من بني قريظة بنو سعنة: أسد وأسيد وثعلبة فكانوا معه، وأسلموا.
وأمر كعب بن أسد حيي بن اخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم. فبلغ عمر بن الخطاب خبر نقض بني قريظة العهد، فأعلم رسول الله ﷺ بخبرهم، فبعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة وهما سيّدا قومهما، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوّات بن جبير- زاد محمد بن عمر: وأسيد بن حضير- فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقّا فالحنوا إليّ لحنا أعرفه ولا تفتّوا في أعضاد النّاس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقّا فالحنوا إليّ لحنا أعرفه ولا تفتّوا في أعضاد النّاس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس. فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم قد نقضوا العهد، فناشدوهم الله والعهد الذي كان بينهم أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، قبل أن يلتحم الأمر، ولا يطيعوا حيي بن اخطب، فقال كعب: لا نردّه أبدا، قد قطعته كما قطعت هذا القبال- لقبال نعله- وقال: من رسول الله ﷺ ؟ لا عهد بيننا وبينه. فشاتمهم سعد بن عبادة، كما قال ابن عقبة ومحمد بن عمر وابن عائذ وابن سعد- وقال ابن إسحاق: أنه سعد بن معاذ- وشاتموه وكان رجلا فيه حدّة، فقال له سعد بن معاذ- أو سعد بن عبادة إن كان الأول سعد بن معاذ-: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. وقال أسيد بن حضير لكعب: أتسبّ سيدك يا عدو الله ما أنت له بكفء يا بن اليهوديّة، ولتولّينّ قريش إن شاء الله منهزمين، وتتركك في عقر دارك فنسير إليك، فننزلك من جحرك هذا على حكمنا. ورجعوا إلى رسول الله ﷺ، فقال سعد بن عبادة: عضل والقارة، يعني كغدر عضل والقارة بأصحاب الرّجيع. وسكت الباقون، ثم جلسوا. فقال رسول الله ﷺ: أبشروا يا معشر المؤمنين بنصر الله تعالى وعونه، إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكنّ كسرى وقيصر ولتنفقنّ أموالهم في سبيل الله. يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب. قال ابن عقبة: ثم تقنّع رسول الله ﷺ بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، وانتهى الخبر إلى المسلمين بنقض بني قريظة العهد، فاشتد الخوف وعظم البلاء، وخيف على الذراريّ والنساء، وكانوا كما قال الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب ١٠] . ورسول الله ﷺ والمسلمون قبالة عدوّهم، لا يستطيعون الزّوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم يحرسونه.
أَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب ١٠] . ورسول الله ﷺ والمسلمون قبالة عدوّهم، لا يستطيعون الزّوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم يحرسونه. ونجم النفاق من بعض المنافقين، فقال معتّب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر وأن أموالهما تنفق في سبيل الله، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب ١٢] وقال رجال ممّن معه: يا أَهْلَ
يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب ١٣] وهمّت بنو قريظة بالإغارة على المدينة ليلا، فبلغ ذلك المسلمين، فعظم الخطب، واشتدّ البلاء، ثم كفهّم الله تعالى عن ذلك لمّا بلغهم إن رسول الله ﷺ أرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهليّ في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير، فإذا أصبحوا أمنوا. واجتمعت جماعة من بني حارثة فبعثوا أوس بن قيظيّ- بالتحتية والظاء المعجمة المشالة- إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردّهم عنّا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا، فنمنع ذرارينا ونساءنا فأذن لهم رسول الله ﷺ، وفرحوا بذلك وتهيّئوا للانصراف. قال محمد بن عمر: فبلغ سعد بن معاذ، فجاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله: لا تأذن لهم، إنا والله ما أصابنا وإيّاهم شدّة قطّ إلا صنعوا هكذا، ثم أقبل عليهم فقال: يا بني حارثة، هذا لنا منكم أبدا، ما أصابنا وإياكم شدة إلا صنعتم هكذا. فردّهم رسول الله ﷺ. وكان المسلمون يتناوبون حراسة نبيّهم، وكانوا في قرّ شديد وجوع، وكان ليلهم نهارا. روى محمد بن عمر عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ، يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها، حتى إذا آذاه البرد جاءني فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثّلمة، ويقول: «ما أخشى أن يؤتى الناس إلّا منها» فبينما رسول الله ﷺ، في حضني قد دفئ وهو يقول: ليت رجلا صالحا يحرس هذه الثّلمة الليلة، فسمع صوت السّلاح، فقال رسول الله ﷺ: «من هذا؟» فقال سعد بن أبي وقاص: سعد يا رسول الله، فقال: «عليك هذه الثّلمة فاحرسها» . قالت: فنام رسول الله ﷺ، حتى سمعت غطيطه. قال ابن سعد: وكان عباد بن بشر، والزبير بن العوام، على حرس رسول الله ﷺ. وروى محمد بن عمر عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت مع رسول الله ﷺ، في الخندق، وكنا في قرّ شديد، فإني لأنظر إليه ليلة قام فصلّى ما شاء الله أن يصلي في قبّته، ثم خرج فنظر ساعة فأسمعه يقول: «هذه خيل المشركين تطيق بالخندق» ، ثم نادى عباد بن بشر، فقال عبّاد: لبيك! قال: «أمعك أحد؟» قال: نعم، أنا في نفر من أصحابي حول قبّتك.
ساعة فأسمعه يقول: «هذه خيل المشركين تطيق بالخندق» ، ثم نادى عباد بن بشر، فقال عبّاد: لبيك! قال: «أمعك أحد؟» قال: نعم، أنا في نفر من أصحابي حول قبّتك. قال: «انطلق في أصحابك فأطف بالخندق، فهذه خيل المشركين تطيف بكم، يطمعون أن يصيبوا منكم غرّة، اللهمّ فادفع عنّا شرّهم، وانصرنا عليهم، واغلبهم، فلا يغلبهم أحد غيرك» . فخرج عبّاد في أصحابه فإذا هو بأبي سفيان بن حرب في خيل المشركين يطوفون بمضيق من الخندق، وقد نذر بهم المسلمون فرموهم بالحجارة والنّبل، حتى أذلقهم المسلمون بالرّمي،
فانكشفوا منهزمين إلى منازلهم، قال عبّاد: ورجعت إلى رسول الله ﷺ، فوجدته يصلي فأخبرته. قالت أم سلمة: يرحم الله عباد بن بشر، فإنه كان ألزم أصحاب رسول الله ﷺ لقبّته يحرسها أبدا. فلما أصبح المشركون ورأوا الخندق قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها، ولا تكيدها. وقال بعضهم: إنّ معه رجلا فارسيّا فهو الذي أشار عليه به. قالوا: فمن هناك إذا؟ ونادوا المسلمين، وكان بينهم الرميّ بالنّبل والحجارة، والخندق حاجز بين الفريقين. وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، ويغدو ضرار بن الخطاب الفهريّ يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويتفرّقون مرة، ويجتمعون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله ﷺ، ويقدمون رماتهم.



