سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الصالحي الشامي (w. 942 H).

Bagian 61 dari 173 5757 halaman

— Bagian 61 · ولقيه أبان بن سعيد [ (١) ]- وأسلم بعد ذلك، فرحّب… —

Bagian 61

ولقيه أبان بن سعيد [ (١) ]- وأسلم بعد ذلك، فرحّب به أبان وأجاره، وقال: لا تقصر عن حاجتك، ثم نزل عن فرس كان عليه فحمل عثمان على السّرج وردف وراءه وقال: أقبل وأدبر لا تخف أحدا ... بنو سعيد أعزّة الحرم فدخل به مكّة، فأتى عثمان أشراف قريش- رجلا رجلا- فجعلوا يردّون عليه: إنّ محمّدا لا يدخلها علينا أبدا، ودخل على قوم مؤمنين من رجال ونساء مستضعفين بمكة فقال: إن رسول الله- ﷺ يقول: قد أظلّكم حتى لا يستخفى بمكة اليوم بالإيمان، ففرحوا بذلك، وقالوا: اقرأ على رسول الله- ﷺ السّلام. ولمّا فرغ عثمان من رسالة رسول الله- ﷺ إلى قريش قالوا له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله- ﷺ وأقام عثمان بمكة ثلاثا يدعو قريشا. وقال المسلمون- وهم بالحديبية، قبل أن يرجع عثمان-: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به، فقال رسول الله- ﷺ: «ما أظنّه طاف بالبيت ونحن محصورون» ، وقالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص إليه قال: «ذلك ظنيّ به ألّا يطوف بالكعبة حتى نطوف» ، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمة بن الأكوع- مرفوعا- «لو مكث كذا كذا سنة ما طاف حتى أطوف» فلمّا رجع عثمان إلى رسول الله- ﷺ قال المسلمون له: اشتفيت من البيت يا أبا عبد الله!! فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي! فو الذي نفسي بيده لو مكثت مقيما بها سنة ورسول الله- ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت حتى يطوف رسول الله- ﷺ ولقد دعتني قريش إلى أن أطوف بالبيت فأبيت. فقالوا: كان رسول الله- ﷺ أعلمنا وأحسننا ظنا. وكان رسول الله- ﷺ يأمر أصحابه بالحراسة باللّيل، فكانوا ثلاثة يتناوبون الحراسة: أوس بن خولي- بفتح الخاء المعجمة والواو- وعباد بن بشر، ومحمد بن مسلمة- ﵃ وكان محمد بن مسلمة على حرس رسول الله- ﷺ ليلة من الليالي، وعثمان بن عفان بمكة. وقد كانت قريش بعثت ليلا خمسين رجلا، عليهم مكرز بن حفص، وأمروهم أن يطوفوا بالنبي- ﷺ رجاء أن يصيبوا منهم أحدا، أو يصيبوا منهم غرّة، فأخذهم محمد بن

كة. وقد كانت قريش بعثت ليلا خمسين رجلا، عليهم مكرز بن حفص، وأمروهم أن يطوفوا بالنبي- ﷺ رجاء أن يصيبوا منهم أحدا، أو يصيبوا منهم غرّة، فأخذهم محمد بن

مسلمة، فجاء بهم رسول الله- ﷺ وأفلت مكرز فخبّر أصحابه وظهر قول النبي- ﷺ كما تقدم أنه رجل غادر، وكان رجال من المسلمين قد دخلوا مكّة بإذن رسول الله- ﷺ وهم: كرز بن جابر الفهري، وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس، وعبد الله بن حذافة السّهمي، وأبو الرّوم بن عمير العبدريّ، وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام ابن العاص بن وائل، وأبو حاطب بن عمرو من عبد شمس وعمير بن وهب الجمحيّ وحاطب بن أبي بلتعة، وعبد الله بن أبي أميّة. قد دخلوا مكة في أمان عثمان، وقيل: سرا، فعلم بهم فأخذوا، وبلغ قريشا حبس أصحابهم الذين مسكهم محمد بن مسلمة، فجاء جمع من قريش إلى النبي- ﷺ وأصحابه حتى تراموا بالنّبل والحجارة، وأسر المسلمون من المشركين- أيضا- اثني عشر فارسا، وقتل من المسلمين ابن زنيم- وقد أطلع الثّنية من الحديبية- فرماه المشركون فقتلوه، وبعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى- وأسلما بعد ذلك، ومكرز بن حفص، فلمّا جاء سهيل ورآه النبي- ﷺ قال لأصحابه: سهل أمركم فقال سهيل: يا محمد إن الذي كان من حبس أصحابك وما كان من قتال من قاتلك لم يكن من رأي ذوي رأينا بل كنّا له كارهين حين بلغنا، ولم نعلم به، وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أوّل مرّة، والذين أسرت آخر مرّة. فقال رسول الله- ﷺ: «إنّي غير مرسلهم حتّى ترسلوا أصحابي» ، فقالوا: أنصفتنا، فبعث سهيل ومن معه إلى قريش بالشّييم- بشين معجمة مصغّر- بن عبد مناف التّيميّ، فبعثوا بمن كان عندهم: وهم عثمان والعشرة السابق ذكرهم- ﵃ وأرسل رسول الله- ﷺ أصحابهم الذين أسرهم، وقبل وصول عثمان ومن معه بلغ رسول الله- ﷺ إن عثمان ومن معه قد قتلوا، فكان ذلك حين دعا إلى البيعة.

بق ذكرهم- ﵃ وأرسل رسول الله- ﷺ أصحابهم الذين أسرهم، وقبل وصول عثمان ومن معه بلغ رسول الله- ﷺ إن عثمان ومن معه قد قتلوا، فكان ذلك حين دعا إلى البيعة.

ذكر مبايعته- ﷺ بيعة الرضوان وفضل من بايع قالوا: لما بلغ رسول الله- ﷺ إن عثمان قد قتل دعا الناس إلى البيعة، وقال: «لا نبرح حتّى نناجز القوم» وأتى رسول الله- ﷺ منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية، فجلس في رحالهم تحت شجرة خضراء ثم قال: «إن الله- تعالى- أمرني بالبيعة» فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكوا فما بقي لبني مازن متاع إلا وطئ، ثم لبسوا السّلاح وهو معهم قليل، وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها وشدّت سكينا في وسطها وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمة بن الأكوع والبيهقي عن عروة، وابن إسحاق عن الزهري، ومحمد بن عمر عن شيوخه، قال سلمة: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله- ﷺ: «أيها النّاس البيعة البيعة، نزل روح القدس فاخرجوا على اسم الله» قال

سلمة: «فسرنا إلى رسول الله- ﷺ وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه [ (١) ] . وفي صحيح مسلم عنه قال: فبايعته أوّل الناس، ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال: «بايع يا سلمة» قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أوّل الناس [ (٢) ] قال: «وأيضا» قال: ورآني رسول الله- ﷺ عزلا فأعطاني حجفة- أو درقة- ثم بايع حتى إذا كان في آخر النّاس قال: «ألا تبايعني يا سلمة؟» قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أوّل الناس، وفي وسط الناس، قال: «وأيضا» فبايعته الثالثة، ثم قال لي: «يا سلمة أين حجفتك- أو درقتك- التي أعطيتك؟» قال: قلت: يا رسول الله، لقيني عمّي عامر عزلا فأعطيته إياها، قال: فضحك رسول الله- ﷺ وقال: إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي، وفي صحيح البخاري عنه قال: بايعت رسول الله- ﷺ تحت الشجرة، قيل: على أي شيء كنتم تبايعون قال: على الموت [ (٣) ] . وفي صحيح البخاري عن نافع قال: أن ابن عمر أسلم قبل أبيه، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه ورسول الله- ﷺ يبايع عند الشجرة وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر وعمر يستلئم للقتال فأخبره أن رسول الله- ﷺ يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله- ﷺ فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر [ (٤) ] . وفيه أيضا عن نافع عن ابن عمر إن الناس كانوا مع النبي- ﷺ يوم الحديبية تفرّقوا في ظلال الشجر فإذا الناس محدقون بالنبي- ﷺ فقال عمر: يا عبد الله انظر ما شأن الناس أحدقوا برسول الله- ﷺ فذهب فوجدهم يبايعونه فبايع، ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع [ (٥) ] . وروى الطبراني عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عمر: أشهدت بيعة الرضوان مع رسول الله- ﷺ؟ قال: نعم. قلت: فما كان عليه؟ قال: قميص من قطن، وجبّة محشوة، ورداء وسيف، ورأيت النعمان بن مقرّن- بميم مضمومة فقاف مفتوحة فراء مشددة مكسورة- المازنيّ قائم على رأسه، قد رفع أغصان الشجرة عن رأسه يبايعونه.

ة محشوة، ورداء وسيف، ورأيت النعمان بن مقرّن- بميم مضمومة فقاف مفتوحة فراء مشددة مكسورة- المازنيّ قائم على رأسه، قد رفع أغصان الشجرة عن رأسه يبايعونه. وفي صحيح مسلم عن جابر قال: بايعنا رسول الله- ﷺ وعمر آخذ بيده تحت شجرة- وهي سمرة- فبايعناه غير الجدّ بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره. وعند ابن إسحاق

عن جابر بن عبد الله: فكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد خبأ إليها يستتر بها من الناس بايعناه على ألا نفرّ، ولم نبايعه على الموت [ (١) ] . وفيه- أيضا- عنه: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي- ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصن من أغصانها عن رأسه ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على ألا نفرّ. وروى الطبراني عن ابن عمر، والبيهقي عن الشعبي، وابن منده عن زر بن حبيش قالوا: لمّا دعا رسول الله- ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي، فقال: ابسط يدك أبايعك، فقال رسول الله- ﷺ «علام تبايعني» قال: على ما في نفسك. زاد ابن عمر: فقال النبي: وما في نفسي؟ قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل. فبايعه، وبايعه الناس على بيعة أبي سنان [ (٢) ] . وروى البيهقي عن أنس وابن إسحاق عن ابن عمر- ﵄ قال: لما أمر رسول الله- ﷺ ببيعة الرّضوان كان بعث عثمان- رسول الله- ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله- ﷺ «اللهم إنّ عثمان في حاجتك وحاجة رسولك، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله- ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم [ (٣) ] . وروى البخاري وابن مردويه عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلّون فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله- ﷺ بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدّثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله- ﷺ تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إنّ أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم. [ (٤) ] وروى ابن سعد بسند جيد عن نافع قال: خرج قوم من أصحاب رسول الله- ﷺ بعد ذلك بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة، واختلفوا فيها. قال ابن عمر: كانت رحمة من الله.

وى ابن سعد بسند جيد عن نافع قال: خرج قوم من أصحاب رسول الله- ﷺ بعد ذلك بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة، واختلفوا فيها. قال ابن عمر: كانت رحمة من الله. وروى ابن أبي شيبة في المصنف وابن سعد عن نافع قال: بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها فيصلّون عندها فتوعّدهم، ثم أمر فقطعت. وروى البخاري وابن مردويه عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيّب: كم كان الذين

شهدوا بيعة الرّضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قلت فإنّ جابر بن عبد الله قال: أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله توهّم، هو حدّثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة [ (١) ] . وروى الشيخان، وابن جرير عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة، وكانت أسلم ثمن المهاجرين [ (٢) ] . أفاد الواقديّ أنّ أسلم كانت في الحديبية مائة رجل. وروى سعيد بن منصور والشيخان عن جابر بن عبد الله قال: كنّا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فقال لنا رسول الله- ﷺ «أنتم خير أهل الأرض» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن جابر بن عبد الله، ومسلم عن أم مبشّر- ﵄ إن رسول الله- ﷺ قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» [ (٤) ] وروى الإمام أحمد بسند- رجاله ثقات- عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: لما كان يوم الحديبية قال لنا رسول الله- ﷺ: «لا توقدوا نارا باللّيل» فلما كان بعد ذلك قال: «أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدّكم» [ (٥) ] . فلمّا نظر سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص، ومن كان معهم من عيون قريش من سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتدّ رعبهم وخوفهم، وأسرعوا إلى القضية. ثم أتى رسول الله- ﷺ أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل» .

ذكر الهدنة وكيف جرى الصلح يوم الحديبية روى ابن إسحاق وأبو عبيد وعبد الرزاق والإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه، ومحمد بن عمر عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، والشيخان عن سهيل بن حنيف أن عثمان لما قدم من مكة هو ومن معه رجع سهيل بن عمرو وحويطب ومكرز إلى قريش فأخبروهم بما رأوا من سرعة أصحاب النبي ﷺ

إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتدّ رعبهم، فقال أهل الرأي منهم: ليس خير من أن نصالح محمدا على أن ينصرف عنّا عامه هذا، ولا يخلص إلى البيت حتى يسمع من سمع بمسيره من العرب أنّا قد صددناه، ويرجع قابلا فيقيم ثلاثا وينحر هديه وينصرف، ويقيم ببلدنا ولا يدخل علينا، فأجمعوا على ذلك. فلما أجمعت قريش على الصلح والموادعة بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب ومكرز وقالوا لسهيل: ائت محمدا فصالحه وليكن في صلحك ألّا يدخل عامه هذا، فو الله لا تحدّث العرب أنه دخل علينا عنوة فأتى سهيل رسول الله- ﷺ فلما رآه رسول الله- ﷺ قال: «قد أراد القوم الصّلح حين بعثوا هذا» وفي لفظ: فقال رسول الله- ﷺ: «سهل أمركم» وجلس رسول الله- ﷺ متربعا، وكان عباد بن بشر وسلمة بن أسلم بن حريش على رأسه- وهما مقنّعان في الحديد- فبرك سهيل على ركبتيه فكلم رسول الله- ﷺ فأطال الكلام وتراجعا، وارتفعت الأصوات وانخفضت، وقال عباد بن بشر لسهيل: اخفض من صوتك عند رسول الله- ﷺ والمسلمون حول رسول الله- ﷺ جلوس، فجرى بين رسول الله- ﷺ وبين سهيل القول حتى وقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يأمن الناس بعضهم بعضا، وأن يرجع رسول الله- ﷺ عامه هذا، فإذا كان العام المقبل قدمها فخلّوا بينه وبين مكة، فأقام فيها ثلاثا فلا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب لا يدخلها بغيره، وأنّه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه- وإن كان على دين محمّد- ردّه إلى وليّه، وأنه من أتى قريشا ممن اتّبع محمدا لم يردوه عليه، وأن بينهم وبين رسول الله- ﷺ عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال [ (١) ] ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. فكره المسلمون هذه الشروط وامتعضوا منها، وأبى سهيل إلّا ذلك فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب

حمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. فكره المسلمون هذه الشروط وامتعضوا منها، وأبى سهيل إلّا ذلك فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله ألست نبيّ الله حقا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: علام نعطي الدّنيّة في ديننا؟ ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال رسول الله- ﷺ: «إني عبد الله ورسوله ولست أعصيه ولن يضيّعني وهو ناصري» قال: أو ليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف حقا؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنّك تأتيه العام؟ قال: لا: قال: «فإنّك آتيه ومطوّف به» ، فذهب عمر إلى أبي بكر متغيّظا ولم يصبر،

فقال: يا أبا بكر: أليس هذا نبيّ الله حقا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدّنيّة في ديننا ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: أيّها الرّجل أنه رسول الله وليس يعصي ربّه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو الله إنه لعلى الحق. وفي لفظ فإنّه رسول الله. فقال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله، قال: أو ليس كان يحدّثنا أنّه سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنّك آتيه ومطوّف به. فلقي عمر من هذه الشّروط أمرا عظيما [ (١) ] . وقال كما في الصحيح: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، وجعل يردّ على رسول الله- ﷺ الكلام فقال أبو عبيدة بن الجراح- ﵁: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله- ﷺ يقول ما يقول، تعوّذ بالله من الشّيطان واتّهم رأيك، قال عمر: فجعلت أتعوذ بالله من الشيطان حياء فما أصابني شيء قط مثل ذلك اليوم وعملت بذلك أعمالا- أي صالحة- لتكفر عني ما مضى من التوقف في امتثال الأمر ابتداء كما عند ابن إسحاق وابن عمر الأسلمي. قال عمر: فما زلت أتصدّق وأصوم وأصلّي وأعتق من الّذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الّذي تكلمت به حتّى رجوت أن يكون خيرا.

كما عند ابن إسحاق وابن عمر الأسلمي. قال عمر: فما زلت أتصدّق وأصوم وأصلّي وأعتق من الّذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الّذي تكلمت به حتّى رجوت أن يكون خيرا. وروى البزار عن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أردّ أمر رسول الله- ﷺ برأيي، وما ألوت على الحق، قال: فرضي رسول الله- ﷺ وأبيت حتى قال: «يا عمر تراني رضيت وتأبى» [ (٢) ] . فقال سهيل: هات، اكتب بيننا وبينك كتابا، فدعا رسول الله- ﷺ عليّا- كما في حديث البراء عند البخاري في كتاب الصّلح وكتاب الجزية، ورواه إسحاق بن راهويه من حديث المسور ومروان، وأحمد، والنسائي، والبيهقي والحاكم- وصححه عن عبد الله بن مغفل [ (٣) ] ، فقال له رسول الله- ﷺ: «اكتب بسم الله الرحمن الرّحيم» ، فقال سهيل- وأسلم بعد ذلك- أمّا الرّحمن الرّحيم فو الله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب اكتب في قضيّتنا ما نعرف. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بسم الله الرحمن الرّحيم. فقال النبي- ﷺ «اكتب باسمك اللهمّ» ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله- ﷺ» فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن

البيت، ولا قاتلناك، اكتب في قضيّتنا ما نعرف، اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله- ﷺ لعلي امحه، فقال على: ما أنا بالّذي «أمحاه» وفي لفظ «أمحاك» وفي حديث محمد ابن كعب القرظيّ: فجعل عليّ يتلكّأ، وأبى أن يكتب إلّا محمد رسول الله، فقال رسول الله- ﷺ: اكتب فإنّ لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد [ (١) ] انتهى. وذكر محمد بن عمر أن أسيد بن الحضير وسعد بن عبادة أخذا بيد علي ومنعاه أن يكتب إلّا «محمد رسول الله» ، وإلّا فالسّيف بيننا وبينهم، فارتفعت الأصوات، فجعل رسول الله- ﷺ يخفضهم ويومئ بيده إليهم: اسكتوا. فقال: أرنيه، فأراه إياه فمحاه رسول الله- ﷺ بيده وقال: اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله- ﷺ لا يسألوني خطّة يعظّمون بها حرمات الله إلّا أعطيتهم إياها، فقال رسول الله- ﷺ لسهيل على أن تخلّوا بيننا وبين البيت، فنطوف، فقال سهيل: لا والله لا تحدّث العرب أنّا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منّا أحد بغير إذن وليّه- وإن كان على دينك إلّا سددته إلينا فقال المسلمون: سبحان الله، أيكتب هذا؟ كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما، فقال رسول الله- ﷺ: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا سيجعل الله له فرجا ومخرجا» [ (٢) ] . وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم بعد أن ذكر نحو ما تقدم، قال فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السّلاح فثاروا إلى وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله- ﷺ فأخذ الله بأسماعهم- ولفظ الحاكم بأبصارهم- فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله- ﷺ «هل جئتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أمانا» ؟ فقالوا: لا. فخلّى سبيلهم فانزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [سورة الفتح ٢٤] [ (٣) ] . وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والثلاثة عن أنس قال: لما كان يوم «الحديبية» هبط على رسول الله- ﷺ وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكّة في

ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والثلاثة عن أنس قال: لما كان يوم «الحديبية» هبط على رسول الله- ﷺ وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكّة في

السّلاح من قبل جبل التّنعيم يريدون غرّة رسول الله- ﷺ فدعا عليهم، فأخذوا فعفا عنهم [ (١) ] . وروى عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً من أصحاب رسول الله- ﷺ يقال له ابن زنيم اطلع الثنية «يوم الحديبية» فرماه المشركون فقتلوه، فبعث نبي الله- ﷺ خيلا، فأتوا باثني عشر فارسا، فقال لهم رسول الله- ﷺ «هل لكم عهد أو ذمّة» ؟ قالوا: لا. فأرسلهم [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، عن سلمة بن الأكوع. ﵁ قال: إن المشركين من أهل مكة أرسلونا في الصّلح فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في ظلّها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله- ﷺ فأبغضهم وتحوّلت إلى شجرة أخرى، فعلّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم فاخترطتّ سيفي فاشتددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، وجعلته في يدي، ثم قلت: والّذي كرّم وجه محمد- ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلّا ضربت الّذي في عينيه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله- ﷺ وجاء عمّي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز من المشركين يقوده حتّى وقفناه على رسول الله- ﷺ فقال: دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثنياه فعفا عنهم رسول الله- ﷺ وأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح ٢٤] فبينما الناس على ذلك إذ أبو جندل- بالجيم والنّون وزن جعفر- بن سهيل ابن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكّة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، وكان أبوه سهيل قد أوثقه في الحديد وسجنه، فخرج من السّجن واجتنب الطّريق وركب الجبال حتّى أتى «الحديبية- فقام إليه المسلمون يرحّبون به ويهنّئونه، فلما رآه أبوه سهيل قام إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلبيبه

ن واجتنب الطّريق وركب الجبال حتّى أتى «الحديبية- فقام إليه المسلمون يرحّبون به ويهنّئونه، فلما رآه أبوه سهيل قام إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلبيبه ثم قال: «يا محمد، هذا أوّل ما أقاضيك عليه أن تردّه، فقال رسول الله- ﷺ «إنّا لم نقض الكتاب بعد» قال فو الله إذا لا أصالحك على شيء أبدا. قال: «فأجزه لي» قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: «بلى فافعل» . قال: ما أنا بفاعل. فقال مكرز وحويطب: بلى قد أجزناه لك. فأخذاه فأدخلاه فسطاطا فأجازاه وكفّ عنه أبوه. فقال أبو جندل أي معاشر المسلمين أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا

ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذّب عذابا شديدا، فرفع رسول الله- ﷺ صوته وقال: يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإنّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنّا قد عقدنا مع القوم صلحا وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدا، وإنّا لا نغدر» ومشى عمر بن الخطاب إلى جنب أبي جندل، وقال له: اصبر واحتسب فإنّما هم المشركون وإنّما دم أحدهم دم كلب، وجعل عمر يدنى قائم السّيف منه. قال عمر: رجوت أن يأخذ السّيف فيضرب به أباه. قال فضنّ الرّجل بأبيه. [ (١) ] وقد كان أصحاب رسول الله- ﷺ قد خرجوا وهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رسول الله- ﷺ، فلمّا رأوا ما رأوا من الصّلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله- ﷺ في نفسه دخل علي الناس من ذلك أمر عظيم حتّى كادوا يهلكون. فزادهم أمر أبي جندل على ما بهم، ونفذت القضية وشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين: أبو بكر وعمر، وعبد الرحمن ابن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة وعلي بن أبي طالب- ﵃ ومكرز بن حفص وهو مشرك. فلما فرغ من قضيّة الكتاب قال رسول الله- ﷺ: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» فو الله ما قام رجل منهم، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فاشتدّ ذلك عليه، فدخل على أم سلمة فقال: «هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا» . وفي رواية: «ألا ترين إلى النّاس أمرهم بالأمر فلا يفعلونه- وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي» .

قال: «هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا» . وفي رواية: «ألا ترين إلى النّاس أمرهم بالأمر فلا يفعلونه- وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي» . فقالت: يا رسول الله، لا تلمهم فإنّهم قد دخلهم أمر عظيم ممّا أدخلت على نفسك من المشقّة في أمر الصّلح، ورجوعهم بغير فتح يا نبي الله اخرج ولا تكلّم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فجلى الله- تعالى- عن الناس بأم سلمة- فقام رسول الله- ﷺ واضطبع [ (٢) ] بثوبه، فخرج فأخذ الحربة ويمّم هديه وأهوى بالحربة إلى البدن رافعا صوته «بسم الله والله أكبر» ونحر، فتواثب المسلمون إلى الهدي وازدحموا عليه ينحرونه حتى كاد بعضهم يقع على بعض، وأشرك رسول الله- ﷺ بين أصحابه في الهدي، فنحر البدنة عن سبعة، وكان هدي رسول الله- ﷺ سبعين بدنة، وكان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثّنيّة، فلما صدّه المشركون ردّ وجوه البدن [ (٣) ] .

قال ابن عباس: لما صدّت عن البيت حنّت كما تحنّ إلى أولادها. رواه الإمام أحمد والبيهقي [ (١) ] . فنحر رسول الله- ﷺ بدنه حيث حبسوه وهي الحديبية، وشرد جمل أبي جهل من الهدي وهو يرعى وقد قلد وأشعر. وكان نجيبا مهريا في رأسه برّة من فضة، أهداه ليغيظ بذلك المشركين، فمر من الحديبية حتى انتهى إلي دار أبي جهل بمكة، وخرج في أثره عمرو بن عنمة بن عديّ الأنصاري، فأبى سفهاء مكّة أن يعطوه حتّى أمرهم سهيل بن عمرو بدفعه إليه، قيل: ودفعوا فيه عدّة نياق، فقال رسول الله- ﷺ «لولا أن سمّيناه في الهدي فعلنا» ، ونحره عن سبعة، ونحر طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، بدنات ساقوها. وروى ابن سعد عن أبي سفيان عن جابر قال: نحر رسول الله- ﷺ سبعين بدنة عام الحديبية، البدنة عن سبعة، وكنّا يومئذ ألفا وأربعمائة، ومن لم يضح أكثر ممن ضحى، وكان رسول الله- ﷺ مضطربا في الحل وإنّما يصلّي في الحرم. وبعث رسول الله- ﷺ من هديه بعشرين بدنة لتنحر عنه عند «المروة» مع رجل من أسلم، فلما فرغ رسول الله- ﷺ من نحر البدن دخل قبة له من أدم حمراء ودعا بخراش- بمعجمتين- بن أمية بن الفضل الكعبي، فحلق رأسه ورمى شعره على شجرة كانت إلى جنبه من سمرة خضراء، فجعل الناس يأخذون الشّعر من فوق الشّجرة فيتحاصونه، وأخذت أمّ عمارة طاقات من شعره فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمّا. وحلق بعض المسلمين وقصّر بغض، فأخرج رسول الله- ﷺ رأسه من قبته وهو يقول: رحم الله المحلقين، قيل: يا رسول الله والمقصرين قال: «رحم الله المحلّقين ثلاثا» . ثم قال و «المقصرين» [ (٢) ] . وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنهم قالوا: يا رسول الله ما بال المحلّقين ظاهرت عليهم الترحيم؟ قال: لأنّهم لم يشكّوا [ (٣) ] . ورواه البيهقي موقوفا. وبعث الله تعالى ريحا عاصفة فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم كما رواه ابن سعد عن مجمع بن يعقوب عن أبيه، وأقام رسول الله- ﷺ «بالحديبية تسعة عشر يوما، ويقال عشرين ليلة، ذكره محمد بن عمر، وابن سعد. قال ابن عائذ: وأقام رسول الله- ﷺ في غزوته هذه شهرا ونصفا.

وأقام رسول الله- ﷺ «بالحديبية تسعة عشر يوما، ويقال عشرين ليلة، ذكره محمد بن عمر، وابن سعد. قال ابن عائذ: وأقام رسول الله- ﷺ في غزوته هذه شهرا ونصفا.

ذكر رجوع رسول الله- ﷺ - روى مسلم عن سلمة بن الأكوع، والبيهقي عن ابن عباس، وابن سعد، والبيهقي، والحاكم عن أبي عمرة الأنصاري، والبزار، والطبراني، والبيهقي عن أبي خنيس الغفاري، ومحمد بن عمر عن شيوخه، يزيد بعضهم على بعض: إن رسول الله- ﷺ لما انصرف من «الحديبية» نزل بمرّ «الظّهران» ثم نزل «بعسفان» وأرملوا من الزّاد، فشكا الناس إلى رسول الله- ﷺ أنهم قد بلغوا من الجوع الجهد، وفي الناس ظهر، فقالوا: ننحره يا رسول الله، وندهن من شحومه ونتّخذ من جلوده أحذية فأذن رسول الله- ﷺ فأخبر بذلك عمر ابن الخطاب فجاء إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله لا تفعل، فإن يكن في النّاس بقيّة ظهر يكن أمثل، كيف بنا إذا نحن لقينا العدوّ غدا جياعا رجالا؟! ولكن إن رأيت أن تدعو النّاس ببقايا أزوادهم فتجمعها ثمّ تدعو فيها بالبركة فإنّ الله سيبلّغنا بدعوتك، ودعا رسول الله- ﷺ النّاس ببقايا أزوادهم وبسط نطعا فجعل النّاس يجيئون بالحفنة من الطّعام وفوق ذلك، فكان أعلاهم من جاء بصاع تمر، فاجتمع زاد القوم على النّطع، قال سلمة: فتطاولت لأحرّركم هو فحررته كربضة عنز ونحن أربع عشرة مائة، فقام رسول الله- ﷺ فدعا بما شاء الله أن يدعو، فأكلوا حتّى شبعوا، ثم حشوا أوعيتهم، وبقي مثله، فضحك رسول الله- ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، والله لا يلقي الله- تعالى- عبد مؤمن بهما إلّا حجب من النار» . ثم إذن رسول الله- ﷺ في الرّحيل، فلما ارتحلوا أمطروا ما شاءوا وهم صائفون، فنزل رسول الله- ﷺ ونزلوا، فشربوا من ماء السماء. ثم قام رسول الله- ﷺ فخطبهم، فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان مع النبي- ﷺ وذهب واحد معرضا، فقال رسول الله- ﷺ: «ألا أخبركم عن الثّلاثة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: أما واحد فاستحيا فاستحيا الله منه، وأمّا الآخر فتاب فتاب الله عليه، أمّا الثّالث فأعرض. فأعرض الله عنه» .

عن الثّلاثة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: أما واحد فاستحيا فاستحيا الله منه، وأمّا الآخر فتاب فتاب الله عليه، أمّا الثّالث فأعرض. فأعرض الله عنه» . وروى البيهقي عن عروة قال: قفل رسول الله- ﷺ راجعا فقال رجل من أصحاب رسول الله- ﷺ ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصدّ هدينا. وردّ رسول الله- ﷺ رجلين من المؤمنين كانا خرجا إليه، فبلغ ذلك رسول الله- ﷺ فقال: «بئس الكلام، بل هو أعظم الفتح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم. ويسألوكم القضيّة، ويرغبون إليكم في الأمان، ولقد رأوا منكم ما كرهوا، وأظفركم الله- تعالى- عليهم وردّكم سالمين مأجورين فهو أعظم الفتح، أنسيتم يوم أحد؟ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا

أدعوكم في أخراكم!! أنسيتم يوم الأحزاب؟ إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظّنونا !! فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، فهو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكّرنا فيما فكّرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا.

ذكر نزول سورة الفتح ومرجع رسول الله- ﷺ وما ظهر في ذلك من الآيات روى الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن حبان وابن مردويه عن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: كنا مع رسول الله- ﷺ في سفر يعني «الحديبيّة» فسألته عن شيء ثلاث مرّات، فلم يرد على، فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطّاب، نزّرت رسول الله- ﷺ ثلاث مرات فلم يردّ عليك، فحركت بعيري، ثم تقدّمت أمام النّاس، وخشيت أن ينزل فيّ القرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي، فرجعت وأنا أظنّ أنه نزل في شيء، فقال النبي- ﷺ «لقد أنزلت عليّ اللّيلة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ١، ٢] . وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد، وابن سعد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم- وصححه- وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن مجمع بن جارية الأنصاري- ﵁ قال: شهدنا «الحديبية» مع رسول الله- ﷺ فلمّا انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للنّاس؟ قالوا: أوحى إلى رسول الله- ﷺ فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله- ﷺ على راحلته عند «كراع الغميم» فاجتمع النّاس إليه فقرأ عليهم إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً الفتح [ (١) ] فقال رجل من أصحاب النبي- ﷺ أو هو فتح؟ فقال: «أي والذي نفسي بيده إنَّه فتح» زاد ابن سعد: فلما نزل بها جبريل قال: ليهنئك يا رسول الله، فلما هنأه جبريل هنّأه النّاس [ (١) ] . وروى عبد الرازق والإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والشيخان والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عن أنس- ﵁ قال: لما رجعنا من «الحديبية» قال رسول الله- ﷺ «أنزلت عليّ ضحّى آية هي أحب إلي من الدّنيا جميعا»

والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عن أنس- ﵁ قال: لما رجعنا من «الحديبية» قال رسول الله- ﷺ «أنزلت عليّ ضحّى آية هي أحب إلي من الدّنيا جميعا»

ثلاثا- قلنا- وفي لفظ قالوا- هنيئا مريئا لك يا رسول الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت، وفي لفظ فنزلت عليه: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الفتح ٥] حتّى بلغ فَوْزاً عَظِيماً [ (١) ] . وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو داود والنسائي، وابن جرير، وغيرهم عن ابن مسعود ﵁، قال: «أقبلنا من الحديبية» مع رسول الله- ﷺ فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتدّ عليه، فسرّي عنه وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنّه أنزل عليه إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [ (٢) ] . وروى البيهقي من طريق المسعودي عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود- ﵁ قال: لمّا أقبل رسول الله- ﷺ من «الحديبية» جعلت ناقته تثقل فانزل الله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فأدركنا رسول الله- ﷺ من السرور ما شاء، فأخبرنا أنها أنزلت عليه، فبينا نحن ذات ليلة إذ عرّس بنا، فقال رسول الله- ﷺ «من يحرسنا» ؟ فقلت أنا يا رسول الله، فقال: «إنّك تنام» ثم قال: «من يحرسنا» فقلت: أنا. فقال: أنت، فحرستهم، حتى إذا كان وجه الصبح أدركني قول رسول الله- ﷺ إنّك تنام، فما استيقظت إلّا بالشمس، فلما استيقظنا قال رسول الله- ﷺ: «إن الله لو شاء أن لا تناموا عنها لا تناموا، ولكنّه أراد أن يكون ذلك لمن بعدكم» ، ثم قام فصنع كما كان يصنع، ثم قال: «هكذا لمن نام أو نسي من أمّتي» ثم ذهب القوم في طلبهم رواحلهم فجاءوا بهن غير راحلة رسول الله- ﷺ قال: فقال لي رسول الله- ﷺ «اذهب هاهنا» ووجّهني وجها فذهبت حيث وجّهني فوجدت زمامها قد التوى بشجرة ما كانت تحلها الأيدي. قال البيهقي:

احلة رسول الله- ﷺ قال: فقال لي رسول الله- ﷺ «اذهب هاهنا» ووجّهني وجها فذهبت حيث وجّهني فوجدت زمامها قد التوى بشجرة ما كانت تحلها الأيدي. قال البيهقي: كذا قال المسعودي عن جامع بن شداد: أن ذلك كان حين أقبلوا من الحديبية [ (٣) ] ، ثم روى من طريق شعبة- وناهيك به عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله- ﷺ من غزوة تبوك قال البيهقي: يحتمل أن يكون مراد المسعوديّ بذكر الحديبية تاريخ نزول السّورة حين أقبلوا من الحديبية فقط، ثم ذكر معه حديث النّوم عن الصّلاة، وحديث الراحلة، وكانا في غزوة تبوك قلت لم ينفرد المسعوديّ بذلك، قال ابن أبي شيبة في المصنّف: حدثنا منذر عن شعبة عن جامع بن شداد به، ولا مانع من التعدد.

ذكر قدوم أبي بصير على رسول الله- ﷺ ورده إليهم وما حصل له ولأصحابه من الفرج روى عبد الرزاق والإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي عن المسور بن مخرمة، والبيهقي عن ابن شهاب الزّهريّ [ (١) ] . إن رسول الله- ﷺ لما قدم المدينة من الحديبية أتاه أبو بصير عتبة- بضم العين المهملة- ابن أسيد- بوزن أمير- بن جارية- بجيم- الثقفي، حليف بني زهرة- مسلما قد أفلت من قومه- فسار على قدميه سعيا، فكتب الأخنس بن شريق، وأزهر بن عبد عوف الزّهريّ إلى رسول الله- ﷺ كتابا وبعثا خنيس- بمعجمة ونون وآخره مهملة- مصغّر- ابن جابر من بني عامر بن لؤيّ، استأجراه ببكر بن لبون، وحملاه على بعير، وكتبا يذكران الصّلح الذي بينهم، وأن يردّوا إليهم أبا بصير، فخرج العامريّ ومعه مولّى له يقال له كوثر دليلا، فقد ما بعد أبي بصير بثلاثة أيام فقرأ أبي بن كعب الكتاب على رسول الله- ﷺ فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك عليه، وأشهدنا بينك وبيننا من ردّ من قدم عليك من أصحابنا فابعث إلينا بصاحبنا. فأمر رسول الله- ﷺ أبا بصير أن يرجع معهما، ودفعه إليهما فقال: يا رسول الله تردّني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فقال: «يا أبا بصير إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وأن الله- تعالى جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا» ، فقال: يا رسول الله تردّنّي إلى المشركين؟!! قال: «انطلق يا أبا بصير، فإنّ الله سيجعل لك فرجا ومخرجا» فخرج معهما،

ك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا» ، فقال: يا رسول الله تردّنّي إلى المشركين؟!! قال: «انطلق يا أبا بصير، فإنّ الله سيجعل لك فرجا ومخرجا» فخرج معهما، وجعل المسلمون يسرّون إلى أبي بصير: يا أبا بصير أبشر فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا، والرّجل يكون خيرا من ألف رجل، فافعل وافعل: يأمرونه بقتل اللذين معه، وقال له عمر: أنت رجل، ومعك السيف، فانتهيا به عند صلاة الظهر بذي الحليفة، فصلى أبو بصير في مسجدها ركعتين، صلاة المسافر، ومعه زاد له من تمر يحمله، يأكل منه. ودعا العامري وصاحبه ليأكلا معه فقد ما سفرة فيها كسر فأكلوا جميعا وقد علّق العامريّ سيفه في الجدار وتحادثا. ولفظ عروة: فسلّ العامريّ سيفه ثمّ هزّه فقال: لأضربنّ بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوما إلى الليل. فقال له أبو بصير: أصارم سيفك هذا؟ قال: نعم، قال: ناولنيه أنظر إليه إن شئت، فناوله إيّاه، فلمّا قبض عليه ضربه به حتى برد. قال ابن عقبة: ويقال بل تناول أبو بصير السّيف بفيه وصاحبه نائم، فقطع إساره ثمّ ضربه به حتّى برد، وطلب الآخر فجمز مذعورا مستخفيا، وفي لفظ: وخرج كوثر هاربا يعدو نحو المدينة وهو عاضّ على أسفل ثوبه قد بدا طرف ذكره،

، فقطع إساره ثمّ ضربه به حتّى برد، وطلب الآخر فجمز مذعورا مستخفيا، وفي لفظ: وخرج كوثر هاربا يعدو نحو المدينة وهو عاضّ على أسفل ثوبه قد بدا طرف ذكره،

والحصى يطير من تحت قدميه من شدّة عدوه، وأبو بصير في أثره، فأعجزه وأتى رسول الله- ﷺ وهو جالس في أصحابه بعد العصر، فقال رسول الله- ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى إلى رسول الله- ﷺ قال: «ويحك مالك» قال: قتل والله صاحبكم صاحبي وأفلت منه ولم أكد، وإني لمقتول. واستغاث برسول الله- ﷺ فأمّنه، وأقبل أبو بصير فأناخ بعير العامريّ. ودخل متوشّحا سيفه. فقال: يا رسول الله قد وفت ذمّتك وأدّى الله عنك، وقد أسلمتني بيد العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، فقال رسول الله- ﷺ: «ويل أمّه مسعر حرب [ (١) ] » وفي لفظ «محشّ حرب، لو كان معه رجال» وفي لفظ له أحد قال عروة ومحمد بن عمر: وقدّم سلب العامريّ لرسول الله- ﷺ ليخمسه، فقال: «إني إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالّذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت» وفي الصحيح أن أبا بصير لما سمع قول رسول الله- ﷺ «ويل امّه مشعر حرب لو كان معه أحد» عرف أنّه سيرده، فخرج أبو بصير ومعه خمسة كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حين قدم على رسول الله- ﷺ فلم يكن طلبهم أحد حتى قدموا سيف البحر، ولمّا بلغ سهيل بن عمرو قتل أبو بصير العامريّ اشتدّ عليه وقال: ما صالحنا محمدا على هذا. فقالت قريش: قد برئ محمد منه قد أمكن صاحبكم منه فقتله بالطريق، فما على محمد في هذا؟ فأسند سهيل ظهره إلى الكعبة وقال: والله لا أؤخّر ظهري حتّى يودى هذا الرجل، قال أبو سفيان بن حرب: إنّ هذا لهو السّفه، والله لا يودى ثلاثا- وأنّى قريش تديه وإنما بعثته بنو زهرة؟ فقال الأخنس بن شريق: والله ما نديه، ما قتلناه ولا أمرنا بقتله، قتله رجل مخالف فأرسلوا إلى محمد يديه. فقال أبو سفيان بن حرب: لا، ما على محمد دية ولا غرم قد برئ محمد. ما كان على محمد أكثر مما صنع، فلم تخرج له دية فأقام أبو بصير وأصحابه بسيف البحر، وقال ابن شهاب: بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش.

ا كان على محمد أكثر مما صنع، فلم تخرج له دية فأقام أبو بصير وأصحابه بسيف البحر، وقال ابن شهاب: بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش. قال محمد بن عمر: لما خرج أبو بصير لم يكن معه إلّا كفّ تمر فأكله ثلاثة أيام، وأصاب حيتانا قد ألقاها البحر بالسّاحل فأكلها، وبلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكّة خبر أبي بصير، فتسللوا إليه. قال محمد بن عمر: كان عمر بن الخطاب هو الذي كتب إليهم بقول رسول الله- ﷺ لأبي بصير «ويل أمّه محش حرب لو كان له رجال» وأخبرهم أنه بالسّاحل، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو الذي ردّه رسول الله- ﷺ إلى المشركين بالحديبية، فخرج هو وسبعون راكبا ممّن أسلموا فلحقوا بأبي بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله- ﷺ في

هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظهراني قومهم، فنزلوا مع أبي بصير، ولمّا قدم أبو جندل على أبي بصير سلم له الأمر، لكونه قرشيا فكان أبو جندل يؤمّهم، واجتمع إلى أبي جندل- حين سمع بقدومه- ناس من بني غفار وأسلم وجهينة، وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل- كما عند البيهقي عن ابن شهاب- لا تمرّ بهم عير لقريش إلّا أخذوها وقتلوا من فيها، وضيّقوا على قريش، فلا يظفرون بأحد منهم إلّا قتلوه. ومما قاله أبو جندل بن سهيل في تلك الأيام: أبلغ قريشا عن أبي جندل ... أنّا بذي المروة في السّاحل في معشر تخفق راياتهم ... بالبيض فيها والقنا الذّابل يأبون أن تبقى لهم رفقة ... من بعد إسلامهم الواصل أو يجعل الله لهم مخرجا ... والحقّ لا يغلب بالباطل فيسلم المرء بإسلامه ... ويقتل المرء ولم يأتل فأرسلت قريش إلى رسول الله- ﷺ أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهم، وقالوا من خرج منّا إليك فأمسكه فهو لك حلال غير حرج أنت فيه. وقال: فإن هؤلاء الرّكب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره، فكتب رسول الله- ﷺ إلى أبي بصير وأبي جندل يأمرهما أن يقدما عليه، ويأمر من معهما ممّن اتّبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم فلا يتعرضوا لأحد مر بهم من قريش وعيراتها، فقدم كتاب رسول الله- ﷺ على أبي بصير وهو يموت. فجعل يقرؤه، ومات وهو في يديه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا. وقدم أبو جندل على رسول الله ﷺ ومعه ناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت بعد ذلك عيرات قريش. قال عروة: فلمّا كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله- ﷺ أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضيّة أنّ طاعة رسول الله- ﷺ خير لهم فيما أحبّوا وفيما كرهوا من رأى من ظن أن له قوّة هي أفضل مما خص الله تعالى به رسوله من الفوز والكرامة- ﷺ ولمّا دخل رسول الله- ﷺ عام القضية وحلق رأسه قال: «هذا الذي وعدتكم» . ولمّا كان يوم الفتح أخذ المفتاح وقال: «ادعوا لي عمر بن الخطاب. فقال: «هذا الّذي قلت لكم» .

رسول الله- ﷺ عام القضية وحلق رأسه قال: «هذا الذي وعدتكم» . ولمّا كان يوم الفتح أخذ المفتاح وقال: «ادعوا لي عمر بن الخطاب. فقال: «هذا الّذي قلت لكم» . ولما كان في حجة الوداع وقف بعرفة وقال: «أي عمر هذا الذي قلت لكم إني رسول الله- ﷺ والله ما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبية، وكان الناس قصر

رأيهم عمّا كان، وكان أبو بكر- ﵁ يقول: ما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبية، وكان النّاس قصر رأيهم عمّا كان بين رسول الله- ﷺ وبين ربّه، والعباد يعجلون، والله- تعالى- لا يعجل لعجلة العبد حتى يبلغ الأمور ما أراد، لقد رأيت سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرّب لرسول الله- ﷺ بدنه ورسول الله- ﷺ ينحرها بيده، ودعا الحلّاق فحلق رأسه فأنظر إلى سهيل يلقط من شعره، وأراه يضعه على عينيه، وأذكر امتناعه أن يقرّ يوم الحديبية بأن يكتب: «بسم الله الرحمن الرّحيم» فحمدت الله- تعالى- الذي هداه للإسلام.

ذكر ما أنزل الله ﷾ في شأن غزوة الحديبية: قال الله ﷾ «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» بيّنا وظاهرا، وهذا إخبار عن صلح الحديبية، وسمّاه فتحا لأنه كان بعد ظهوره على المشركين حتّى سألوه الصّلح، وتسبب عنه فتح مكة، وفرغ به- ﷺ لسائر العرب فغزاهم، وفتح مواضع. وروى البخاري عن أنس- ﵁ في الآية قال: الفتح صلح الحديبية [ (١) ] . وروى أيضا عن البراء ﵁ قال: تعدّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكّة فتحا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم الحديبية. قال الحافظ ﵀ يعني قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً وهذا موضع وقع فيه اختلاف قديم: والتحقيق: أنه يختلف باختلاف المراد من الآيات. فقوله- تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً المراد بالفتح هنا الحديبية، لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين لما ترتّب على الصلح الذي وقع من الأمن ورفع الحرب وتمكّن من كان يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك، كما وقع لخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص وغيرهما، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضا، إلى أن كمل الفتح.

كان يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك، كما وقع لخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص وغيرهما، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضا، إلى أن كمل الفتح. قال الزهري: لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه إنما كان الكفر حيث القتال، فلمّا أمن الناس كلّهم، كلّم بعضهم بعضا، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلّا بادر إلى الدخول فيه، فلقد دخل في تينك السّنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.

قال ابن هشام: ويدل عليه أنه- ﷺ خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكّة في عشرة آلاف انتهى. وأما قوله- تعالى- في هذه السّورة: وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً فالمراد به فتح خيبر على الصحيح، لأنها وقعت فيها المغانم الكثيرة، وقسمت خيبر على أهل الحديبية، وأما قوله- تعالى: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً فالمراد به الحديبية، وأما قوله- تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وقوله- ﷺ «لا هجرة بعد الفتح» [ (١) ] فالمراد به فتح مكّة باتّفاق، فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال بعون الله. وقال في موضع آخر: ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزّهري، أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجا» فكانت الهدنة معناها كذلك، ولمّا كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميّت فتحا، لأنّ الفتح في اللغة فتح مغلق، والصّلح كان مغلقا حتّى فتحه الله- تعالى. وكان من أسباب فتحه صدّ المسلمين عن البيت، فكان في الصورة الظاهرة ضيماً للمسلمين، وفي الصورة الباطنة عزاً لهم، فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل لا يتكلمون عندهم بذلك إلّا خفية.

ي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل لا يتكلمون عندهم بذلك إلّا خفية. وظهر من كان يخفى إسلامه، فذلّ المشركون من حيث أرادوا العزّة، وقهروا من حيث أرادوا الغلبة، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ اللام للعلة الغائيّة، جعل الغفران علة للفتح من حيث إنه سبب عن جهاد الكفّار والسّعي في إعلاء الدين، وإزاحة الشّرك وتكميل النّفوس النّاقصة قهرا، ليصير ذلك بالتّدريج اختيارا، وتخليص الضّعفة من أيدي الظّلمة، وتقدم الكلام على هذه الآية في أواخر تنبيهات المعراج، ويأتي له تتمة في الخصائص وَيُتِمَّ بالفتح المذكور نِعْمَتَهُ إنعامه بإِعلاء الدين وضم الملك إِلى النُّبُوّة عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ في تبليغ الرسالة وإقامة مراسيم الديانة صِراطاً طريقا مُسْتَقِيماً يثبّتك عليه، وهو دين الإسلام وَيَنْصُرَكَ الله به نَصْراً عَزِيزاً ذا عز لا ذلّ معه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ الثّبات والطّمأنينة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ حتى يثبتوا، حتى لا تقلق النفوس وتدحض الأقدام لِيَزْدادُوا إِيماناً يقيناً مَعَ إِيمانِهِمْ يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها، أو أنزل فيه السّكون إلى ما جاء به رسول الله- ﷺ لِيَزْدادُوا إِيماناً بالشرائع مَعَ إِيمانِهِمْ بالله واليوم الآخر وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فلو أراد نصرَ دينه بغيركم لفعل وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً في صنعه، أي لم يزل متّصفاً بذلك، ثم ذكر- تعالى- القصة في

رسول الله- ﷺ وفي أصحابه حتى انتهى إلي ذكر البيعة فقال ﷿ إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ بيعة الرضوان بالحديبية إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أي ما يبايعون أحدا إلّا الله، أي ليست تلك المبايعة مع رسول الله- ﷺ بل مع الله- تعالى- وكما روعيت المشاكلة بين قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ وبين قوله إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ بنى عليها قوله يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ على سبيل الاستعارة التخييلية تتميما لمعنى المشاكلة، وهو كالترشيح للاستعارة، أي إذا كان اللَّه- تعالى- مبايعا، ولا بدّ للمبايع- كما تقرّر واشتهر- من الصّفقة لليد فتخيّل اليد لتأكيد المشاكلة، وإلّا، فجلّ جنابه الأقدس عن الجارحة، والمعنى أن الله تعالى- مطّلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها فَمَنْ نَكَثَ نقض البيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ يرجع وبال نقضه على نفسه وَمَنْ أَوْفى ثبت بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ في مبايعته فَسَنُؤْتِيه بالفوقية والنون أَجْراً عَظِيماً وهو الجنة، ثم ذكر تعالى ما المنافقون يعتلّون به إذا لقوا رسول الله- ﷺ فقال ﵎: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ من الأَعراب حول المدينة، الذين خلّفهم الله- تعالى- عن صحبتك لمّا طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة، خوفا من تعرّض قريش لك عام الحديبية إذا رجعت منها شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا عن الخروج معك فَاسْتَغْفِرْ لَنا اللَّه- تعالى- من ترك الخروج معك، قال ﷾ مكذبا لهم يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ أي من طلب الاستغفار والاعتذار ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فهم كاذبون في اعتذارهم قُلْ فَمَنْ استفهام بمعنى النّفي، أي لا أحد يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا بفتح الضّاد- ما يضركم كقتل، وخلل في المال والأهل وعقوبة عن التخلف- وبضمها- أي [الهزال وسوء الحال] أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً ما يضاد ذلك، لأنهم ظنّوا أنّ تخلفهم عن رسول الله- ﷺ يدفع عنهم الضّرر، ويعجّل لهم النّفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم،

لحال] أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً ما يضاد ذلك، لأنهم ظنّوا أنّ تخلفهم عن رسول الله- ﷺ يدفع عنهم الضّرر، ويعجّل لهم النّفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم ﵎ أنه إن أراد بهم شيئاً من ذلك لم يقدر أحد على دفعه بَلْ هنا وفيما يأتي للانتقال من غرض إلى آخر كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيعلم تخلفكم وقصدكم فيه بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً أي ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون، وَزُيِّنَ ذلِكَ عدم الانقلاب فِي قُلُوبِكُمْ فتمكنّ فيها وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ هذا وغيره وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً بواو وراء جمع بائر أي هالكين عند الله- تعالى- بهذا الظّن وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا أعددنا وهيّئنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً نارا شديدة وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يديره كيف يشاء يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ إذ لا وجوب عليه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ولم يزل متّصفا بذلك، ثم ذكر إن النبي- ﷺ وأصحابه إذا انطلقوا إلى مغانم ليأخذوها التمس المخلّفون الخروج لعرض من الدنيا، فقال ﵎ سَيَقُولُ لك الْمُخَلَّفُونَ المذكورون إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ

ذا انطلقوا إلى مغانم ليأخذوها التمس المخلّفون الخروج لعرض من الدنيا، فقال ﵎ سَيَقُولُ لك الْمُخَلَّفُونَ المذكورون إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ

لِتَأْخُذُوها هي مغانم خيبر، فإنه- ﷺ لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة مدة ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها، وغنم أموالا كثيرة فخصّها بهم ذَرُونا اتركونا نَتَّبِعْكُمْ لنأخذ منها يُرِيدُونَ بذلك أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وقرأ حمزة والكسائيّ بكسر الكاف، وهو جمع كلام- أي مواعيده بغنائم خيبر أهل الحديبية خاصة قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا نفي بمعنى النهي كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل عودنا فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا أن نصيب معكم من الغنائم فقلتم ذلك بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ يعلمون من الدين إِلَّا قَلِيلًا منهم قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ المذكورين اختيارا سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ أصحاب شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ حال مقدّرة- هي المدعو إليها في المعنى أَوْ هم يُسْلِمُونَ فلا يقاتلون فَإِنْ تُطِيعُوا إلى قتالهم يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً هو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ عن الحديبية يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً مؤلما لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إثم في ترك الجهاد وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ بالياء والنون جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فصّل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته ثم جمل ذلك بالتكرار على سبيل التّعميم فقال: وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ كذلك عَذاباً أَلِيماً إِذ الترهيب هنا أنفع من التّرغيب.

في الوعد لسبق رحمته ثم جمل ذلك بالتكرار على سبيل التّعميم فقال: وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ كذلك عَذاباً أَلِيماً إِذ الترهيب هنا أنفع من التّرغيب. ثم ذكر- تعالى- من بايع تحت الشجرة فقال ﷿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ بالحديبية تَحْتَ الشَّجَرَةِ هي سمرة كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمة، أو سدرة كما رواه مسلم عن جابر فَعَلِمَ اللَّه تعالى ما فِي قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ الطمأنينة وسكون النفس بالتشجيع عَلَيْهِمْ ثم ذكر ما أثابهم عن ذلك فقال: وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها من يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، فقسّمها رسول الله- ﷺ بينهم وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً غالبا حَكِيماً أي لم يزل متّصفا بذلك وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها من الفتوحات التي تفتح لكم إلى يوم القيامة فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ غنيمة خيبر، ثمّ ذكّرهم نعمته عليهم بكفّ أيدي العدوّ عنهم فقال تعالى: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ في عيالكم لمّا خرجتم وهمّت بهم اليهود، فقذف الله- ﷿ في قلوبهم الرّعب، وقيل: كفّ أيدي أهل مكّة بالصلح وَلِتَكُونَ هذه الكفّة أو الغنيمة المعجلة- عطفا على مقدّر أي لتشكروه آيَةً علامة لِلْمُؤْمِنِينَ يعرفون بها أنهم من الله- تعالى- بمكان، أو صدق رسول الله- ﷺ في وعدهم فتح خيبر حين رجوعه من الحديبية وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي طريق التّوكل عليه، وتفويض الأمر إليه- تعالى- وَأُخْرى صفة مغانم،

فيقدّر مبتدأ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها بعد، لما كان فيها من الجولة، والمراد: فارس والرّوم قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها علم إنها ستكون لكم وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً لأن قدرته دائمة لا تختصّ بشيء دون شيء وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالحديبية ولم يصالحوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ لانهزموا ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يحرسهم وَلا نَصِيراً ينصرهم سُنَّةَ اللَّهِ مصدر مؤكَّد بمضمون الجملة قبله من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، أي سنّ الله- تعالى- ذلك سنّة الَّتِي قَدْ خَلَتْ مضت في الأمم كما قال- تعالى- لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة ٢١] مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا تغييرا منه وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ أي كفار مكة وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ بالحديبية مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ فإن ثمانين طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم غرّة فأخذوا، فأتى بهم رسول الله- ﷺ فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصّلح وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من مقاتلتهم، وقرأ أبو عمرو بالتحتية بَصِيراً فيجازيهم عليه هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عن الوصول إليه وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً عليكم، معكوفا: محبوسا، حال أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ موجودون بمكة مع الكفار لَمْ تَعْلَمُوهُمْ بصفة الإيمان أَنْ تَطَؤُهُمْ تقتلوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح، بدل اشتمال فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ من جهتهم مَعَرَّةٌ مكروه، بوجوب الدّية، أو الكفارة بقتلهم، أو التأسف عليهم، أو غير ذلك بِغَيْرِ عِلْمٍ منكم به، وضمائر الغيبة به للصنفين بتغليب الذكور،

جهتهم مَعَرَّةٌ مكروه، بوجوب الدّية، أو الكفارة بقتلهم، أو التأسف عليهم، أو غير ذلك بِغَيْرِ عِلْمٍ منكم به، وضمائر الغيبة به للصنفين بتغليب الذكور، وجواب لولا محذوف أي لأذن لكم في الفتح لكن لم يؤذن فيه حينئذ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ كالمؤمنين المذكورين لَوْ تَزَيَّلُوا تميزوا عن الكفار لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها عَذاباً أَلِيماً مؤلماً إِذْ جَعَلَ متعلق بِعذَّبنا الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الأنفة من الشيء حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من حميّة، وهي صدّهم رسول الله- ﷺ وأصحابه عن المسجد الحرام فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فصالحوهم، على أن هذا يعود من قابل، ولم يلحقهم من الحميّة ما لحق الكفّار حتّى يقاتلوهم وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأضيفت إلى التقوى لأنها سببها وَكانُوا أَحَقَّ بِها من الكفار وَأَهْلَها عطف تفسير وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً أي لم يزل متّصفا بذلك، ومن معلومه تعالى أن المؤمنين أهلها لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ رأى رسول الله- ﷺ في النوم عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين ويحلقون رؤوسهم ويقصرون، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، فلّما خرجوا معه وصدّهم الكفّار بالحديبية ورجعوا، وشقّ عليهم ذلك، وراب بعض المنافقين

نزلت، وقوله تعالى: بِالْحَقِّ متعلق بصدق، أو حال من الرّؤيا، وما بعدها تفسير لها لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ أي جميع شعورها وَمُقَصِّرِينَ شعورها، وهما حالان مقدرتان لا تَخافُونَ حال مؤكدة أو استئناف: أي لا تخافون بعد ذلك فَعَلِمَ في الصلح ما لَمْ تَعْلَمُوا من الصلاح فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ أي الدخول فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر، وتحقّقت الرّؤيا في العام القابل، ويأتي الكلام على تفسير بقيّة السّورة في الخصائص أن شاء الله تعالى.

نِ ذلِكَ أي الدخول فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر، وتحقّقت الرّؤيا في العام القابل، ويأتي الكلام على تفسير بقيّة السّورة في الخصائص أن شاء الله تعالى.

تنبيهات الأول: الحديبية: بحاء مهملة مضمومة، فدال مهملة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية مفتوحة. قال الإمام الشافعي- ﵀ وأهل اللغة وبعض أهل الحديث- ﵏ التّحتيّة مخففة. وقال أكثر أهل الحديث مشددة. قال النووي- ﵀ فهما وجهان مشهوران. وقال في المطالع: ضبطنا التخفيف عن المتقنين وأما عامة الفقهاء والمحدّثين فيشدّدونها. وقال البكري- ﵀ أهل العراق يشدّدون، وأهل الحجاز يخففون. وقال النحّاس- ﵀ سألت كلّ من لقيت ممّن أثق بعلمه عن «الحديبية» فلم يختلفوا عن قراءتها مخففة. قال أحمد بن يحيى [ (١) ]﵀ لا يجوز فيها غيره، ونصّ في البارع على التخفيف. وحكى التّشديد ابن سيده- ﵀ في المحكم، قال في تهذيب المطالع: ولم أره لغيره، وأشار بعضهم إلى أنّ التثقيل لم يسمع حتى يصح، ووجهه أن التّثقيل إنما يكون في المنسوب، نحو الإسكندريّة فإنها منسوبة إلى الإسكندر وأمّا الحديبية فلا تعقل فيها النّسبة، وياء النسبة في غير منسوب قليلة، ومع قلته موقوف على السماع. والقياس أن يكون أصلها حدباء بزيادة «ألف للإلحاق ببنات الأربعة، فلما صغرت انقلبت الألف ياء» ، وقيل: حديبة، وشهد لصحة هذا أقوالهم لييلة بالتّصغير، ولم يرد لها مكبّر فقدّره الأئمة ليلة لأن المصغّر فرع المكبّر، ويمتنع وجود فرع بدون أصله. قال المحب الطبري- ﵀: هي قريبة من مكة أكثرها في الحرم. وفي صحيح البخاري عن البراء «الحديبية» بئر. قال الحافظ- ﵀ يشير إلى أنّ

المكان المعروف بالحديبية سمي ببئر كانت هنالك، هذا اسمها، ثم عرف المكان كلّه بذلك، وبينها وبين مكة نحو مرحلة واحدة، وبين المدينة تسع مراحل الثاني: قالوا: كانت سنة ست، قاله الجمهور، في ذي القعدة، وقال هشام ابن عروة عن أبيه- رحمهما الله- في شوال، وشذّ بذلك هشام عن الجمهور. وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهور. وفي البخاري عن عائشة- ﵂ قالت: ما اعتمر رسول الله- ﷺ إلّا في ذي القعدة، وفيه عن أنس- ﵁ اعتمر رسول الله- ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة، فذكر منها عمرة الحديبية [ (١) ] . الثالث: اختلفت الروايات في عدّة من كان مع رسول الله- ﷺ فيها، ففي رواية عبد العزيز الأفاقي عن الزّهري في حديث المسور، ومروان: ألف وثمانمائة. وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء: كنّا أربع عشرة مائة. وفي رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق كانوا ألفا وأربعمائة أو أكثر. وفي رواية لسالم بن أبي الجعد عن جابر: أنّهم كانوا خمس عشرة مائة، وكذلك رواية سعيد بن المسيّب عنه، وكذلك رواية ابن أبي شيبة عن مجمع بن جارية. قال الحافظ- ﵀ والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألف وأربعمائة ألغاه. ويؤيده قول البراء في رواية عنه: كنّا ألفا وأربعمائة أو أكثر، واعتمد على هذا الجمع النووي- ﵀. وأما البيهقي- ﵀ فمال إلى التّرجيح، وقال: إن رواية من قال ألفا وأربعمائة أرجح، ثم روى من طريق أبي الزبير ومن طريق سفيان بن عمر بن دينار، كلاهما عن جابر كذلك. ومن رواية معقل بن يسار عن سلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب ومن طريق قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه، ومعظم هذه الطرق عن مسلم. ووقع عند ابن سعد- ﵀ في حديث معقل بن يسار: زهاء ألف وأربعمائة، وهو أيضا في عدم التحديد. وأما قول عبد الله بن أبي أوفى- ﵀: كنّا ألفا وثلاثمائة كما رواه البخاري، فيمكن حمله على ما أطلع عليه، واطلع غيره على زيادة أناس لم يطّلع هو عليهم، والزيادة من الثّقة مقبولة. أو العدد الّذى ذكره عدد المقاتلة. والزّيادة عليها من الأتباع ومن الخدم والنّساء والصّبيان الّذين لم يبلغوا الحلم.

عليهم، والزيادة من الثّقة مقبولة. أو العدد الّذى ذكره عدد المقاتلة. والزّيادة عليها من الأتباع ومن الخدم والنّساء والصّبيان الّذين لم يبلغوا الحلم.

وأمّا قول ابن إسحاق- ﵀ إنّهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه، لأنه قاله استنباطا من قول جابر- ﵁: نحرنا البدنة عن عشرة، وكانوا نحروا سبعين بدنة. وهذا لا يدل على أنّهم لم ينحروا غير البدن، مع أنّ بعضهم لم يكن أحرم أصلا. وقال ابن القيم: ما ذكره ابن إسحاق غلط بيّن، واستدلّ به من أنّهم نحروا سبعين بدنة، والبدنة جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله فإنّه قد صرّح أن البدنة في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السّبعون عن جميعهم كانوا أربعمائة وتسعين رجلا، وقد قال في تمام الحديث بعينه: إنّهم كانوا ألفا وأربعمائة. وأما ما وقع في حديث المسور ومروان عن البخاري أنهم خرجوا مع رسول الله- ﷺ بضع عشرة مائة، فيجمع أيضا بأنّ الّذين بايعوا كانوا كما تقدم. وأما الّذين زادوا على ذلك فكانوا غائبين عنها، كمن توجّه مع عثمان- ﵁ إلى مكة، على أنّ لفظ البضع يصدق على الخمس والأربع، فلا تخالف. وجزم ابن عقبة بأنّهم كانوا ألفا وستمائة، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفا وسبعمائة. وحكى ابن سعد: أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين. وهذا إن ثبت تحرير بالغ. وزاد ابن مردويه عن ابن عبّاس، وفيه ردّ على ابن دحية، حيث زعم أنّ سبب الاختلاف في عددهم، أنّ الّذي ذكر عددهم لم يقصد التّحديد، وإنما ذكره بالحدس والتّخمين. الرابع: في أخذه- ﷺ ذات اليمين عن خالد وجيشه، جواز الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش طلبا لغرّتهم. الخامس: في استشارته- ﷺ أصحابه، استحباب مشورة الإمام رعيّته وجيشه استخراجا لوجه الرأي، واستطابة لنفوسهم، وأن يخصّص به بعضهم دون البعض. السادس: في قوله- ﷺ: ما خلأت وما ذاك لها بخلق،

استحباب مشورة الإمام رعيّته وجيشه استخراجا لوجه الرأي، واستطابة لنفوسهم، وأن يخصّص به بعضهم دون البعض. السادس: في قوله- ﷺ: ما خلأت وما ذاك لها بخلق، جواز الحكم على الشّيء بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ عليه، وإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد مثلها منه لا تنسب إليه ويردّ على من نسبه إليها ممّن، لا يعرف صورة حاله، لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنّه الصّحابة جميعا صحيحا، ولم يعاتبهم النبي- ﷺ بعذرهم في ظنّهم. السابع: قوله- ﷺ حبسها حابس الفيل: أي حبسها الله ﷿ عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، وقصة الفيل مشهورة، وتقدّمت الإشارة إليها. ومناسبة ذكرها أن الصّحابة لو دخلوا مكّة على تلك الصّورة وصدّتهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدّماء ونهب الأموال، كما لو قدّر دخول الفيل وأصحابه مكة، لكن سبق في علم

الله- تعالى- في الموضعين أنّه سيدخل في الإسلام خلق منهم، وسيخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون. وكان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكّة لما أمن أن يصاب منهم ناس بغير عمد كما أشار إلى ذلك ﵎ في قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ [الفتح ٢٥] الآية. الثامن: استبعد المهلب جواز إطلاق حابس الفيل على الله ﷿، وقال: المراد حبسها أمر الله ﷾. وتعقّب بأنه يجوز إطلاق ذلك في حق الله- تعالى- فيقال: حبسها الله حابس الفيل، وإنما الذي يمكن أن يمنع تسميته- تعالى- حابس الفيل ونحوه، كما أجاب به بن المنير، وهو مبني على الصحيح من أن الأسماء توقيفيّة. وقد توسّط الغزاليّ وطائفة فقالوا: محلّ المنع ما لم يرد نص بما يشتقّ منه بشرط ألّا يكون ذلك الاسم المشتقّ منه مشعرا بنقص، فيجوز تسميته بالواقي وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ [غافر ٩] ولا يجوز تسميته البنّاء وإن ورد في قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الذاريات ٤٧] التاسع: في قوله- ﷺ: «حبسها حابس الفيل» جواز التّشبيه من الجهة العامّة، وإن اختلفت الجهة الخاصّة، لأن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه النّاقة كانوا على حقّ محض، ولكن جاز التّشبيه من جهة أراده الله- تعالى- منع الحرم مطلقا، أما من أهل الباطل فواضح، وأمّا من أهل الحقّ فللمعنى الذي تقدم ذكره في الرابع. العاشر: قوله- ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطّة.. . إلى آخره» . قال السهيلي ﵀: لم يقع في شيء من طرق الحديث، أنه قال إن شاء الله- تعالى- مع أنّه مأمور في ذلك في كلّ حال. قال: والجواب عن ذلك إنه كان أمرا واجبا حتما، فلا يحتاج معه للاستثناء، وتعقب بأنّه- تعالى- قال في هذه القصّة لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ فقال: إن شاء الله، مع تحقيق وقوع ذلك تعليما وإرشادا، فالأولى أن يحمل على أنّ الاستثناء سقط من الراوي، أو كانت القصّة قبل نزول الأمر بذلك، ولا يعارضه كون الكهف مكّية، إذ لا مانع من أن يتأخّر نزول بعض السّورة،

لى أن يحمل على أنّ الاستثناء سقط من الراوي، أو كانت القصّة قبل نزول الأمر بذلك، ولا يعارضه كون الكهف مكّية، إذ لا مانع من أن يتأخّر نزول بعض السّورة، وفي قوله- ﷺ «والذي نفسي بيده» إلخ تأكيد القول باليمين ليكون أدعى إلى القبول. وقد حفظ عن رسول الله- ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعا، كما سيأتي بسط ذلك في بابه. الحادي عشر: في حديث البراء في شفير بئر الحديبية أنه- ﷺ توضّأ فمضمض

ودعا ثم صبّه فيها، وفي حديث المسور، ومروان إن رسول الله- ﷺ انتزع سهما من كنانته ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيها، ويمكن الجمع بأن الأمرين وقعا معا، ويؤيّد ذلك ما رواه محمد بن عمر من طريق أوس بن خولي أنه- ﷺ توضأ في الدّلو ثمّ أفرغه فيها وانتزع السّهم ثمّ وضعه فيها، وهكذا ذكر أبو الأسود عن عروة أنه- ﷺ تمضمض في الدّلو وصبّه في البئر، ونزع سهما من كنانته فألقاه فيها ففارت. الثاني عشر: اختلف في النّازل بالسّهم، فعند ابن إسحاق عن رجال مِن أسلم: أنّه ناجية بن جندب. قال ابن إسحاق: وزعم بعض أهل العلم أنّه البراء بن عازب. وروى محمد بن عمر عن خالد بن عبادة الغفاريّ قال: أنا الذي نزلت بالسّهم، ويمكن الجمع بأنّهم تعاونوا على ذلك. الثالث عشر: في حديث جابر- ﵁ أن رسول الله- ﷺ كان بين يديه بالحديبية ركوة فتوضّأ فيها ثمّ أقبل النّاس نحوه فقال «ما لكم؟ فقالوا: يا رسول الله: ليس عندنا ما نتوضّأ ولا نشرب إلا ما في ركوتك. قال: فوضع رسول الله- ﷺ يده في الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضّأنا. وجمع ابن حبّان بين حديث جابر هذا وبين ما تقدم بأنّ ذلك وقع مرّتين في وقتين، وقال ما تقدم في حديث البراء والمسور ومروان غير ما في حديث جابر، وكان حديثه قبل قصّة البئر، وقال في موضع آخر في حديث جابر في الأشربة من كتاب البخاريّ أنّ نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك، ويحتمل أن الماء انفجر من أصابعه ويده في الرّكوة وتوضّأ كلهّم وشربوا، وأمر حينئذ بصب الماء الّذي في الرّكوة في البئر فتكاثر الماء فيها.

هو أعم من ذلك، ويحتمل أن الماء انفجر من أصابعه ويده في الرّكوة وتوضّأ كلهّم وشربوا، وأمر حينئذ بصب الماء الّذي في الرّكوة في البئر فتكاثر الماء فيها. الرابع عشر: اقتصر بديل بن ورقاء على قوله: تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤيّ، لكون قريش الذين كانوا بمكّة أجمع ترجع أنسابهم إليهما، وبقي من قريش بنو سامة بن لؤي، ولم يكن بمكّة منهم أحد، وكذلك قريش الظّواهر، وتقدّم بيانهم في من اسمه القريشي. قال هشام بن الكلبي: بنو عامر بن لؤي وكعب بن لؤي هما الصريحان لا شكّ فيهما، بخلاف سامة وعوف، أي ففيهما خلاف، قال: وهم قريش البطاح، بخلاف قريش الظّواهر وفي موالاة رسول الله- ﷺ. الخامس عشر: قوله- ﷺ «إن أظهر فإن شاءوا» إلخ إنّما ردّد- ﷺ الأمر مع أنّه جازم بأنّ الله سينصره ويظهره، لوعده- تعالى- له بذلك على طريق التّنزّل مع الخصم وفرض الأمر على ما زعم الخصم، ولهذه النكتة حذف القسم الأوّل وهو التّصريح بظهور غيره، وقوله

Bagian 61 dari 173