— Bagian 65 · إلى أهل المدينة بسلامة المسلمين. —
Bagian 65
إلى أهل المدينة بسلامة المسلمين. وغاب رسول الله- ﷺ خمس عشرة ليلة. وقد وقع في هذه الغزوة آيات كثيرة: روى أكثرها جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه-. روى البزار والطبراني في الأوسط عنه، قال: كانت غزوة ذات الرقاع تسمّى غزوة الأعاجيب- انتهى. منها ما وقع عند إرادة غوث بن الحرث الفتك برسول الله- ﷺ.
روى الشيخان وغيرهما من طرق عن جابر- ﵁ قال: غزونا مع رسول الله- ﷺ قبل نجد- وفي رواية ذات الرقاع، فلمّا قفل رسول الله- ﷺ أدركته القائلة يوما بواد كثير العضاة فنزل رسول الله- ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله- ﷺ تحت ظل شجرة فعلّق بها سيفه، فنمنا نومة، فإذا رسول الله- ﷺ يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال: «إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله. قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله- ثلاث مرّات، فشام السيف وجلس، ولم يعاقبه رسول الله- ﷺ [ (١) ] . ولهذه القصة طرق تأتي مع بعض ما يتعلّق بها من الفوائد في أبواب عصمته- ﷺ ممن أراد الفتك به. ومنها قصة الصبيّ الذي به جنون، روى البزار والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم عن جابر- ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله- ﷺ في غزوة ذات الرقاع حتى إذا أتى حرّة وأقم، حضرت امرأة بدويّة بابن لها، فقالت: يا رسول الله، هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان، ففتح فاه فبزق فيه، فقال: «اخسأ عدو الله أنا رسول الله ثلاثا، ثم قال: «شأنك بابنك لن يعود الله بشيء، مما كان يصيبه» [ (٢) ] ومنها قصة البيضات الثلاث: روى محمد بن عمر، وأبو نعيم عن جابر- ﵁ قال في غزوة ذات الرقاع: جاء علبة بن زيد الحارثي- ﵁ بثلاث بيضات أداحي، فقال يا رسول الله: وجدت البيضات هذه في مفحص نعام، فقال: دونك يا جابر، فاعمل هذه البيضات فعملتهن، ثم جئت بهنّ في قصعة فجعلت أطلب خبزا فلا أجده، فجعل رسول الله- ﷺ وأصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز حتى انتهى إلي حاجته والبيض في القصعة كما هو، ثم قام فأكل منه عامة أصحابه، ثم رحنا مبردين [ (٣) ] . ومنها قصة الرجل الذي دعا عليه- ﷺ بضرب رقبته: روى محمد بن عمر، والحاكم، وأبو نعيم عن جابر- ﵁ أن رسول الله- ﷺ رأى على رجل ثوبا مخروقا، فقال: ما له غيره؟ فقالوا له ثوبان جديدان في العيبة، فأمره بلبسهما، فلما ولّى الرجل، قال رسول الله- ﷺ «أليس هذا أحسن؟ ماله ضرب الله عنقه؟» فسمعه الرجل فقال: يا
ه غيره؟ فقالوا له ثوبان جديدان في العيبة، فأمره بلبسهما، فلما ولّى الرجل، قال رسول الله- ﷺ «أليس هذا أحسن؟ ماله ضرب الله عنقه؟» فسمعه الرجل فقال: يا
رسول الله في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله- ﷺ في سبيل الله فقتل الرجل في وقعة اليمامة [ (١) ] . ومنها قصة الجمل الّذي شكا إليه حاله. روى البزار، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم عن جابر- ﵁ قال: رجعنا من غزوة ذات الرقاع، حتى إذا كنا بمهبط الحرة، أقبل جمل يرقل، فقال رسول الله- ﷺ: «أتدرون ما قال هذا الجمل؟» هذا جمل يستعديني على سيّده، يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين، وأنه أراد أن ينحره، اذهب يا جابر إلى صاحبه فأت به، فقلت: لا أعرفه. فقال: إنه سيدلّك عليه» فخرج بين يديّ مقنعا، حتى وقف على صاحبه، فجئت به فكلمه- ﷺ في شأن الجمل [ (٢) ] . ومنها قصة جمل جابر- ﵁ روى الإمام أحمد عن جابر- ﵁ قال: فقدت جملي في ليلة مظلمة، فمررت على رسول الله- ﷺ فقال: «مالك» . فقلت يا رسول الله!! فقدت جملي، فقال: «ذاك جملك، اذهب فخذه» . فذهبت نحو ما قال فلم أجده، فرجعت إليه، فقال مثل ذلك، فذهبت فلم أجده، فرجعت إليه، فانطلق معي حتّى أتينا الجمل، فدفعه إليّ [ (٣) ] . قصة أخرى: روى الإمام أحمد، وأبو نعيم والشيخان، ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمر من طرق عن جابر- ﵁ قال: كنا مع رسول الله- ﷺ في غزوة بني ثعلبة، وخرجت على ناضح لي، فأبطأ عليّ، وأعياني حتى ذهب الناس، فجعلت أرقبه، وهمّني شأنه فأتى على رسول الله- ﷺ فقال: «ما شأنك» ، فقلت: يا رسول الله!! أبطأ عليّ جملي، فأناخ رسول الله- ﷺ بعيره، فقال: «معك ماء» ؟ فقلت: نعم. فجئته بقعب من ماء، فنفث فيه ثم نضح على رأسه وظهره، وعلى عجزه. ثم قال: «أعطني عصا» ، فأعطيته عصا معي، أو قال: قطعت له عصا من شجرة، ثم نخسه نخسات، ثم قرعه بالعصا، ثم قال: «اركب» فركبت فخرج- والذي بعثه بالحق- يواهق [ (٤) ] ناقته مواهقة ما تفوته ناقته، وجعلت أكفّه عن رسول الله- ﷺ حياء منه، وجعلت أتحدث مع رسول الله- ﷺ وبقية الحديث يأتي في باب مزاحه ومداعبته- ﷺ وفي باب كرمه وجوده، وفي باب بيعه وشرائه.
جعلت أكفّه عن رسول الله- ﷺ حياء منه، وجعلت أتحدث مع رسول الله- ﷺ وبقية الحديث يأتي في باب مزاحه ومداعبته- ﷺ وفي باب كرمه وجوده، وفي باب بيعه وشرائه.
ومنها قصة الشجرتين، وقصة تخفيف العذاب عن ميتين، وقصة نبع الماء من بين أصابعه، وقصة الدّابة التي ألقاها البحر لمّا شكا المسلمون من الجوع. روى مسلم، وأبو نعيم، والبيهقي: عن جابر- ﵁ قال: سرنا مع رسول الله- ﷺ في غزوة ذات الرّقاع، حتى نزلنا واديا أفيح، وذهب رسول الله- ﷺ يقضي حاجته، واتبعته بإداوة من ماء، فنظر فلم ير شيئاً يستتر به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله- ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، وقال: «انقادي عليّ بإذن الله تعالى» فانقادت منه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أنّت الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها وقال: «انقادي عليّ بإذن الله تعالى» فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالنصف فيما بينهما لأم بينهما، يعني جمعهما فقال: «التئما عليّ بإذن الله تعالى» . فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحسّ رسول الله- ﷺ بقدمي فيبتعد فجلست أحدّث نفسي، فحانت منّي لفتة، فإذا أنا برسول الله- ﷺ مقبل، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله- ﷺ وقف وقفة فقال برأسه: «هكذا يمينا وشمالا» . ثم أقبل، فلما انتهى إلى قال: «يا جابر! هل رأيت مقامي؟» قلت: نعم يا رسول الله.
على ساق، فرأيت رسول الله- ﷺ وقف وقفة فقال برأسه: «هكذا يمينا وشمالا» . ثم أقبل، فلما انتهى إلى قال: «يا جابر! هل رأيت مقامي؟» قلت: نعم يا رسول الله. قال: «فانطلق إلى الشّجرتين فاقطع من كلّ واحدة منهما غصنا وأقبل بهما، حتّى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك» . قال جابر: فقمت، فأخذت حجرا فكسرته وحسرته فانزلق لي، ثم أتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجترهما حتّى إذا قمت مقام رسول الله- ﷺ أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري، ثم لحقت برسول الله- ﷺ فقلت: قد فعلت يا رسول الله، فعمّ ذلك؟ قال: إني مررت بقبرين يعذّبان، فأحببت بشفاعتي أن يرحه عنهما ما دام القضيبان رطبين فأتينا العسكر، فقال رسول الله- ﷺ: يا جابر، ناد بالوضوء، فناديت: ألا وضوء ألا وضوء؟ يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله- ﷺ الماء في أشجاب له على حمازة من جريد، فقال: «انطلق إلى فلان بن فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيء؟ فانطلقت إليه فنظرت فلم أجد فيها قطرة ماء إلّا قطرة في عزلاء شجب منها، لو انّي أفرغه بشربة يابسة؟ فأتيت رسول الله- ﷺ فأخبرته، قال: «اذهب فاتني به، فأتيته به، فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويغمزه بيده، ثم أعطانيه، فقال: «يا جابر، ناد بجفنة» ، فقلت: يا جفنة الركب فأتيت بها تحمل، فوضعت بين يديه، فقال رسول الله- ﷺ بيده هكذا، فبسطها في الجفنة، ففرّق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: «خذ يا جابر، فصبّ عليّ، وقل بسم الله» فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ففارت الجفنة، ودارت حتّى امتلأت. فقال: «يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء فأتى الناس فاستقوا
حتّى رووا، فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ ورفع رسول الله- ﷺ يده من الجفنة، وهي ملأى. وشكا الناس الجوع، فقال: «عسى الله أن يطعمكم بسيف البحر» فأتينا سيف البحر، فألقى دابة فأورينا على شقّها النّار، فشوينا، وأكلنا وطبخنا، وشبعنا. قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان، حتى عدّ خمسة في حجاج عينها، ما يرانا أحد حتّى خرجنا، وأخذنا ضلعا من أضلاعها، فقوسناه، ثم دعونا بأعظم رجل في الركب وأعظم جمل فدخل تحته ما يطأطئ رأسه.
ذكر قصة الطائر الذي سقط على فرخه لما صاده بعض الصحابة ﵃ روى محمد بن عمر، وأبو نعيم- رحمه الله تعالى- عن جابر- ﵁ قال: إنّا لمع رسول الله- ﷺ إذ جاء رجل من أصحابه بفرخ طائر، ورسول الله- ﷺ ينظر إليه، فأقبل أبواه أو أحدهما حتّى طرح نفسه في يدي الذي أخذ فرخه، فرأيت النّاس يعجبون من ذلك، فقال رسول الله- ﷺ: «أتعجبون من هذا الطّائر؟ أخذتم فرخه، فطرح نفسه رحمة بفرخه، والله لربّكم أرحم بكم من هذا الطّائر بفرخه» .
ذكر منقبة لعباد بن بشر- ﵁ روى ابن إسحاق عن جابر- ﵁ ومحمد بن عمر عن شيوخه- رحمهما الله تعالى إن رسول الله- ﷺ أصاب في نخل المشركين في هذه الغزوة امرأة، وكان زوجها غائبا، فلما أتى أخبر الخبر، وقفل رسول الله- ﷺ فحلف زوجها لا ينتهي حتّى يهريق في أصحاب محمد- ﷺ دما، فخرج يتبع أثر رسول الله- ﷺ فنزل رسول الله- ﷺ منزلا ليلة ذات ريح في شعب استقبله. فقال: «من رجل يكلأنا» ؟ فقام عباد بن بشر، وعمار بن ياسر- ﵄ فقالا، نحن يا رسول الله نكلؤك، وجعلت الريح لا تسكن، وجلس الرّجلان على فم الشّعب، فقال أحدهما لصاحبه: أيّ الليل أحب إليك أن أكفيك أوّله، وتكفيني آخره؟ قال: اكفني أوّله، فنام عمار بن ياسر، وقام عبّاد يصلّي، فأقبل زوج المرأة يطلب غرّة، وقد سكنت الرّيح، فلما رأى سواد عباد من قريب قال: يعلم الله إن هذا ربيئة القوم، ففوّق سهما فوضعه فيه، فانتزعه عبّاد، فرماه بآخر فوضعه فيه، فانتزعه، فرماه بآخر فانتزعه، فلمّا غلبه الدّم ركع وسجد، ثم قال لصاحبه: اجلس فقد أتيت، فجلس عمار، فلما رأى الأعرابي عمّارا قد قام علم أنه قد تذرا به، فهرب، فقال عمار: أي أخي، ما منعك أن
لبه الدّم ركع وسجد، ثم قال لصاحبه: اجلس فقد أتيت، فجلس عمار، فلما رأى الأعرابي عمّارا قد قام علم أنه قد تذرا به، فهرب، فقال عمار: أي أخي، ما منعك أن
توقظني في أول سهم رمي به؟ قال: كنت في سورة أقرأها وهي سورة الكهف، فكرهت أن أقطعها حتى أفرغ منها، ولولا أني خشيت أن أضيّع ثغرا أمرني به رسول الله- ﷺ ما انصرفت، ولو أتي على نفسي. ويقال إن المرميّ عمار، قال محمد بن عمر: وأثبتها عندنا عباد بن بشر- ﵁. وروى ابن إسحاق عن جابر- ﵁ أن رسول الله- ﷺ لمّا قدم صرارا نزل به، وأمر بذبح جزور، وأقام عليها والمسلمون يومهم ذلك، فلما أمسى رسول الله- ﷺ دخل المدينة ودخلنا معه.
تنبيهات الأول: اختلف في تسمية هذه الغزوة بذات الرّقاع- بكسر أوله، فقيل: هي اسم شجرة سميت الغزوة بها، وقيل: لأن أقدامهم نقبت فلقوا عليها الخرق كما في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري، وقيل: بل سمّيت برقاع كانت في ألويتهم. قال في تهذيب المطالع: والأصح أنه موضع، لقوله: حتى إذا كنا بذات الرقاع. وكانت الأرض التي نزلوها ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض. قال محمد بن عمر الأسلمي: سميت بجبل هناك فيه بقع، ورجّح السّهيلي، والنّوويّ السّبب الّذي ذكره أبو موسى الأشعري. قال النووي- رحمه الله تعالى- ويحتمل أنها سمّيت بالمجموع، وبه جزم صاحب تهذيب المطالع. في التقريب. الثاني: اختلف متى كانت هذه الغزوة فقال البخاري ومن تبعه: أنها كانت بعد خيبر، لأن أبا موسى الأشعري جاء من الحبشة سنة سبع بعد خيبر، كما في الصحيح في باب غزوة خيبر. وتقدّم ذكره هناك. وصح أيضا كما في الصحيح أنه شهد ذات الرّقاع، وإذا كان ذلك كذلك لزم أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وقال أبو هريرة- ﵁ صليت مع رسول الله- ﷺ في غزوة نجد صلاة الخوف. رواه البخاري تعليقا، وأبو داود، والطحاوي، وابن حبان موصولا.
غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وقال أبو هريرة- ﵁ صليت مع رسول الله- ﷺ في غزوة نجد صلاة الخوف. رواه البخاري تعليقا، وأبو داود، والطحاوي، وابن حبان موصولا. قال البخاري، وأبو هريرة: إنما جاء إلى النبي- ﷺ أيام خيبر أي فدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وتعقب بأنه لا يلزم من كون الغزوة كانت في جهة نجد، أي لا تتعدد، فإن نجدا وقع القصد إلى جهتها في عدة غزوات. وذكرت في باب صلاته- ﷺ صلاة الخوف ما يغنى عن إعادته، فيحتمل أن يكون أبو هريرة حضر التي بعد خيبر، لا التي قبلها،
والجواب أن غزوة نجد إذا أطلقت فالمراد بها غزوة ذات الرقاع، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة. وكذلك عبد الله بن عمر، ذكر أنه- صلى مع رسول الله- ﷺ صلاة الخوف بنجد، وتقدم أن أول مشاهده الخندق، فتكون ذات الرقاع بعد الخندق. وفي الصحيح عن جابر- ﵁ قال: صلى رسول الله- ﷺ صلاة الخوف في غزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع. قال الحافظ: قوله في غزوة السابعة، من إضافة الشيء إلى نفسه على رأي، أو فيه حذف تقديره: غزوة السفرة السابعة. وقال الكرماني [ (١) ] وغيره: تقديره غزوة السنة السابعة، أي من الهجرة، وفي هذا التقدير نظر، إذ لو كان مرادا لكان هذا نصا في أن غزوة ذات الرقاع تأخرت بعد خيبر، نعم التنصيص بأنها سابع غزوة من غزوات النبي- ﷺ تأييد لما ذهب إليه البخاري من أنّها كانت بعد خيبر، فإنه إذا كان المراد الغزوات التي خرج رسول الله- ﷺ فيها بنفسه مطلقا، سواء قاتل أو لم يقاتل، فإن السابعة منها تقع قبل أحد، ولم يذهب أحد إلى أنّ ذات الرقاع قبل أحد إلّا ما سيأتي من تردد ابن عقبة، وفيه نظر، لأنهم متفقون على أن صلاة الخوف متأخرة عن غزوة الخندق، فتعيّن أن يكون ذات الرقاع بعد قريظة، فتعيّن أنّ المراد الغزوات التي وقع فيها القتال.
وفيه نظر، لأنهم متفقون على أن صلاة الخوف متأخرة عن غزوة الخندق، فتعيّن أن يكون ذات الرقاع بعد قريظة، فتعيّن أنّ المراد الغزوات التي وقع فيها القتال. والأولى منها بدر، والثانية أحد، والثالثة الخندق، والرابعة قريظة، والخامسة المريسيع، والسادسة خيبر، فيلزم من هذا أن تكون ذات الرقاع بعد خيبر للتّنصيص على أنها السابعة، فالمراد تاريخ الوقعة لا عدد المغازي، وهذه العبارات أقرب مما وقع عند الإمام أحمد بلفظ كانت صلاة الخوف في السابعة، فإنه يصح أن يكون التقدير في الغزوة السابعة، كما يصح في غزوة السنة السابعة، قلت: لا مزيد على هذا التحقيق البليغ، فرحم الله الحافظ وجزاه خيرا. وجزم أبو معشر: بأنها كانت بعد بني قريظة، وهو موافق لما ذهب إليه البخاري، قال في الزهر- وأبو معشر [ (٢) ] من المعتمدين في المغازي. وقال ابن القيم بعد أن ذكر الخلاف في تاريخها: الصواب تحويل غزوة ذات الرقاع من
هذا الموضع، يعني كونه ذكرها بعد غزوة بني النّضير، وقبل غزوة بدر الموعد إلى بعد الخندق، بل بعد خيبر. قال: وإنما ذكرته ههنا تقليدا لأهل المغازي والسير، ثم تبيّن لنا وهمهم الثالث: قال ابن عقبة: لا ندري هل كانت ذات الرقاع قبل بدر أو بعدها، أو قبل أحد أو بعدها. قال الحافظ: وهذا التردّد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة، لأن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، وحديث وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع يدل على تأخرها بعد الخندق. الرابع: قال أبو الفتح- رحمه الله تعالى- جعل البخاريّ حديث أبي موسى حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر، وليس في خبر أبي موسى ما يدل على شيء من ذلك. قال الحافظ- رحمه الله تعالى- وهذا النّفي مردود، والدّلالة من ذلك واضحة كما تقدم تقريره. وقال الإمام علاء الدين الخازن- رحمه الله تعالى- وهذا الذي ذكره البخاري ظاهر الوضوح لأن سياق الأحاديث يدل على ما قاله. الخامس: ادعى الحافظ الدمياطي غلط الحديث الصحيح، فإن جميع أهل السير على خلافه، والجواب أن الاعتماد على ما في الحديث أولى، لأن أصحاب المغازي مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق، أنها بعد بني النّضير، وقبل الخندق في سنة أربع. وعند ابن سعد، وابن حبّان: إنها كانت في المحرم سنة خمس وجزم أبو معشر بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وجزم ابن عقبة بتقديمها، لكن تردّد في وقتها كما تقدم. وأيضا فقد ازداد حديث أبي موسى قوة بحديث أبي هريرة، وبحديث ابن عمر كما تقدم تقريره. السادس: قيل: إنّ الغزوة التي شهدها أبو موسى، وسمّيت ذات الرقاع غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف، لأن أبا موسى قال في روايته: أنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف. كان المسلمون فيها أضعاف ذلك، والجواب عن ذلك أن العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان مرافقا له من إلزامه، إلا أنّه أراد من كان مع النبي- ﷺ.
لخوف. كان المسلمون فيها أضعاف ذلك، والجواب عن ذلك أن العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان مرافقا له من إلزامه، إلا أنّه أراد من كان مع النبي- ﷺ. السابع: وقع في الصحيح «باب غزوة ذات الرقاع» وهي غزوة محارب بن خصفة من بني ثعلبة بن غطفان. قال الحافظ- رحمه الله تعالى- وهو يقتضي أن ثعلبة جدّ لمحارب، وليس كذلك، ووقع عند القابسي: خصفة بن ثعلبة، وهو أشد في الوهم. والصواب ما وقع عند ابن إسحاق وغيره، وبني ثعلبة بواو العطف، فإن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن
ريث بن غطفان، وغطفان بن سعد بن قيس عيلان، ومحارب بن خصفة بن قيس عيلان، فمحارب وغطفان ابنا عم!! فكيف يكون الأعلى منسوبا إلى الأدنى؟! وفي الصحيح في حديث جابر بلفظ محارب وثعلبة بواو العطف على الصحيح، وفي قوله ثعلبة من غطفان بميم فنون نظر أيضا كما يعلم مما تقدم، وقد يكون نسبه لجده الأعلى، وفي الصحيح من رواية بكر بن سوادة يوم محارب وثعلبة، فغاير بينهما ومحارب بضم الميم، وبالحاء المهملة والموحدة، وخصفة بفتح الخاء المعجمة، والصاد المهملة، ثم فاء، أضيف إليه محارب للتمييز عن غيره من المحاربين، فإن في مضر محارب بن فهر، وفي المغتربين محارب بن صباح، وفي عبد القيس محارب بن عمرو. الثامن: غورث: وزن جعفر، وقيل بضم أوله، وهو بغين معجمة وواو وثاء مثلثة، مأخوذ من الغرث وهو الجوع، ووقع عند الخطيب بالكاف بدل المثلثة، وحكى الخطابي فيه غويرث بالتصغير. وحكى القاضي عن بعض رواة الصحيح: من المعارثة بالعين المهملة. قال القاضي: وصوابه بالمعجمة. وذكر غويرث هذا الذهبي في التجريد من جملة الصحابة، ولفظ غورث بن الحرث الذي قال: من يمنعك مني؟ قال: الله تعالى- فوقع السيف من يده، قاله البخاري من حديث جابر. ا. هـ. وتعقبه الحافظ بأنه ليس في شيء من طرق أحاديثه في الصحيح تعرض لإسلامه، ثم أورد الطّرق. ثم قال: رويناه في المسند الكبير عن مسدّد الخزرجي وفيه ما يصرح بعدم إسلامه، ولفظه بعد أن ذكر وقوع السيف من يده، وقول النبي- ﷺ من يمنعك مني قال:
لطّرق. ثم قال: رويناه في المسند الكبير عن مسدّد الخزرجي وفيه ما يصرح بعدم إسلامه، ولفظه بعد أن ذكر وقوع السيف من يده، وقول النبي- ﷺ من يمنعك مني قال: كن خير آخذ. قال: لا إلا أن تسلم. قال: لا ولكن أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فجاء إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس، وكذا رواه الإمام أحمد، ونقله الثعلبي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ثم قال الحافظ: هذه الطرق ليس فيها أنه أسلم، وكأن الذهبي لما رأى في ترجمة دعثور بن الحرث أن الواقدي ذكر له شبيها لهذه القصة، وأنه ذكر أنه أسلم، فجمع بين الروايتين، فأثبت إسلام غورث. فإن كان كذلك ففيما صنعه نظر من حيث إنه عزاه للبخاري، وليس فيه أنه أسلم من حيث إنه يلزمه الجزم بكون القصتين واحدة، ومع احتمال كونهما واقعتين إن كان الواقدي أتقن ما نقل. وفي الجملة فهو على الاحتمال. قلت: سبق الذهبيّ في نقل إسلام غورث عن البخاري الأمير أبو نصر ابن ماكولا في الإكمال. وجزم به الذّهبي في مشتبه النّسبة، وأقره الحافظ في التبصرة على ذلك ولم يتعقبه. والذّهبي لم يغير ذلك للصحيح حتى يرد عليه بما قاله الحافظ.
والظاهر أن البخاري ذكر ذلك في أحد تواريخه فتراجع، ولم أقف الآن فيها إلا على ربع التاريخ الكبير ولم يصل إلى حرف الغين المعجمة. ولم أر من حرّر هذا الموضع. ويحتمل إن صح إسلامه أن يكون أسلم في غير هذا اليوم ووقع للحافظ في الفتح في إسلام غورث كلام غير محرر يأتي الكلام عليه في الحادي عشر. التاسع: قول غورث للنبي- ﷺ من يمنعك منّي على سبيل الاستفهام الإنكاري، أي لا يمنعك منّي أحد لأن الأعرابي كان قائما بالسيف على رأس رسول الله- ﷺ والسيف في يد الأعرابي والنبي- ﷺ جالس لا سيف معه، ويؤخذ من مراجعة الأعرابي في الكلام أن الله- ﷾ منع نبيّه منه، وإلا فما الذي أحوجه إلى مراجعته وتكرارها ثلاث مرات كما عند البخاري في الجهاد، مع احتياج غورث إلى الحظوة عند قومه بقتله، وفي قول النبي- ﷺ في جوابه: «الله يمنعني منك» إشارة إلى ذلك، ولذلك أعاده الأعرابي فلم يزده على ذلك الجواب غاية الثبات للنبي- ﷺ وعدم مبالاته به أصلا. العاشر: في رواية يحيى بن أبي كثير: فتهدّده أصحاب رسول الله- ﷺ قال الحافظ- رحمه الله تعالى- فظاهرها مشعر بأنهم حضروا القصة وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، بل وقع في رواية إبراهيم بن سعد في الجهاد بعد قوله: قلت الله!! فشام السّيف أي أغمده، وكان الأعرابي لما شاهد ذلك الثّبات العظيم وعرف أنه حيل بينه وبينه، تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل إليه ألقى السلاح، وأمكن من نفسه. الحادي عشر: في حديث جابر فإذا هو جالس، ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله: «قال الله» فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده فأخذه النبي- ﷺ فقال: من يمنعك أنت مني؟ قال: لا أحد، قال: قم فاذهب لشأنك، فلما ولى قال: أنت خير مني. ويجمع بين ما في الصحيح وبين ما ذكره ابن إسحاق من قوله: «فاذهب» أنه بعد ما أخبر أصحابه بقصته، ولشدة رغبته- ﷺ في ائتلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام، لم يؤاخذه وعفا عنه. قال الحافظ: وقد ذكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه أسلم، وأنه رجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير، ووقع في رواية ابن إسحاق- التي أشرت إليها- ثم أسلم ... بعد. قلت: وعلى الحافظ في هذا الكلام مؤاخذات.
صة أنه أسلم، وأنه رجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير، ووقع في رواية ابن إسحاق- التي أشرت إليها- ثم أسلم ... بعد. قلت: وعلى الحافظ في هذا الكلام مؤاخذات. الأولى: قوله «ووقع» في رواية ابن إسحاق بعد قوله «فدفع جبريل في صدره» صوابه: وقع عند الواقدي، لابن إسحاق، فإن ابن إسحاق لم يذكر ذلك أصلا. الثانية: أن الواقدي، إنما ذكر ذلك في غزوة غطفان التي تعرف بذي أمر لا في ذات الرّقاع، وسمّى الرّجل دعثورا.
الثالثة قوله: وذكر الواقدي في نحو هذه القصة إلخ. قد يوهم أن الرجل غورث، وليس كذلك، بل هو دعثور. الرابعة قوله: ووقع في رواية ابن إسحاق التي أشرت إليها أنه أسلم ليس في كلام ابن إسحاق أنه أسلم بلا ريب، ومن راجع كلام ابن إسحاق، والواقدي في مغازيهما تبيّن له صحة ما قلته. والله- تعالى- أعلم. الثاني عشر: قول ابن إسحاق: إن رسول الله- ﷺ استعمل على المدينة في غزوة ذات الرّقاع أبا ذر، لا يستقيم على مذهبه أن ذات الرقاع قبل الخندق، فإن أبا ذر أسلم قديما، ورجع إلى بلاده، فلم يجيء إلّا بعد الخندق، كما ذكره محمد بن عمر. الثالث عشر: وقع في الوسيط للإمام حجة الإسلام الغزالي- رحمه الله تعالى- أنّ غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات. قال الحافظ: وهو غلط واضح. وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره، وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صلّيت فيها صلاة الخوف، وهو انتصار مردود أيضا، لما رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان من حديث أبي بكر أنه- صلى مع رسول الله- ﷺ صلاة الخوف، وإنما أسلم أبو بكرة في غزوة الطّائف بالاتفاق، وذلك بعد غزوة ذات الرقاع قطعا. الرابع عشر: جمهور أهل المغازي على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب، كما جزم به ابن إسحاق. وعند محمد بن عمر، أنها اثنتان وتبعه القطب في المورد. الخامس عشر: قول ابن سعد أن صلاة الخوف أول ما صلّيت «بذات الرقاع» محمول على ما ذكره هو وغيره من تقدمها على غزوة الحديبية، أما على تأخير ذات الرقاع عن خيبر فتكون أول ما صلّيت صلاة الخوف في عسفان. السادس عشر: في بيان غريب ما سبق. الجلب- بفتح الجيم واللام، وبالموحدة: ما يجلب من بلد إلى بلد للبيع. بنو أنمار ... بفتح الهمزة.
ت صلاة الخوف في عسفان. السادس عشر: في بيان غريب ما سبق. الجلب- بفتح الجيم واللام، وبالموحدة: ما يجلب من بلد إلى بلد للبيع. بنو أنمار ... بفتح الهمزة. بغيض- بموحدة، فغين، فضاد، معجمتين بينهما تحتية. هادين: غافلين عن أمرهم. المضيق- بفتح الميم، وكسر الضاد المعجمة، ومثناة تحتية وقاف: قرية. أفضى إلى كذا: وصل إليه. الشّقرة- بضم الشين المعجمة، وسكون القاف: اسم موضع على يومين من المدينة.
أتى نخلا- بالخاء المعجمة بلفظ اسم جنس النخلة: موضع على يومين من المدينة أيضا. وضيئة- بالضاد المعجمة: أي حسنة. غارون: غافلون. يستأصلهم: يهلكهم جميعا. حانت الصلاة: دنا وقتها.
شرح غريب ذكر حديث جابر في قصة غورث قوله- قفل: رجع. العضاه- بكسر العين المهملة، وبالضاد المعجمة، وبالهاء: شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك. اخترط السّيف: سلّه من غمده. صلتا- بفتح الصاد المهملة، وسكون اللام، وبالفوقية: أي مجردا من غمده. شام السّيف- هنا- أدخله في غمده. فتك به: أتاه ليقتله. وهو غار: غافل. في حرة- بفتح الحاء وكسرها. الحرّة: أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت بالنار والجمع [حرار] ككلاب. وأقم- بالواو، والقاف، والميم، وزن أطم، من آطام المدينة، تنسب إليه حرة وأقم. بيضات أداحي- بالدال، والحاء المهملتين جمع أدحي بضم الهمزة، وهو الموضع الذي تبيض فيه النعامة وتفرخ. المفحص- بفتح الميم، وسكون الفاء، وفتح الحاء، وبالصاد المهملتين: اسم الموضع الذي يحفره الطائر ليبيض فيه. العيبة- بفتح العين المهملة، وسكون التحتية، وبالموحدة: ما تجعل فيه الثياب. اليمامة: مدينة على يومين من الطائف، وأربعة من مكة. يرفل- بسكون الراء، وبالفاء: يمشي مشي المختال. يستعديني: يطلب مني نصره.
مقنعا- بالقاف، والنون، والعين المهملة: أي ذليلا. الناضح: الذي يسقى عليه، ثم استعمل في كل بعير القعب- بقاف مفتوحة، فعين مهملة: قدح من خشب. يواهق- بتحتية مضمومة، فواو، فهاء مكسورة، فقاف: أي يباري ناقة النبي- ﷺ في السير ويماشيها.
تعمل في كل بعير القعب- بقاف مفتوحة، فعين مهملة: قدح من خشب. يواهق- بتحتية مضمومة، فواو، فهاء مكسورة، فقاف: أي يباري ناقة النبي- ﷺ في السير ويماشيها.
شرح غريب حديث جابر الطويل قوله: واد أفيح: واسع. الإداوة- بالكسر: المطهرة. شاطئ الوادي: جانبه. الغصن- بضم الغين المعجمة. البعير المخشوش- بالخاء والشين المعجمتين هو الذي يجعل في أنفه الخشاش. بكسر الخاء: وهو عود يجعل في أنف البعير يشدّ به الزمام ليكون أسرع في انقياده. وانقاد فلان للأمر: أعطى القياد إذا أذعن طوعاً أو كرهاً. التأمتا عليه: انطبقتا عليه وسترتاه. أحضر- بضم الهمزة، وإسكان الحاء، وكسر الضاد المعجمة: أي أعدو وأسعى سعيا شديدا. دانت- بالنون، وروي باللّام: أي وقعت واتّفقت. لفتة: نظرة. حسرته- بحاء وسين مهملتين: حددته ونحيت عنه ما يمنع حدّته بحيث صار مما يمكن القطع به. انذلق- بذال معجمة، أي صار حادا. أمّمت الشيء: قصدته. أجترهما: أجرّهما. فعمّ ذاك- أدغمت النون في ما الاستفهامية، وحذفت ألفها لدخول الجار. يرفه عنهما- بفتح التحتية، وسكون الراء، وفتح الفاء وبالهاء: تخفيف. الأشجاب- جمع شجب: وهو السّقاء الذي خلق وبلى، وصار سيئا.
الحمازة- بكسر الحاء، وتخفيف الميم والزاي: وهي أعواد يعلق عليها أسقية الماء. القطرة: الشيء اليسير. العزلاء- بفتح العين المهملة وسكون الزاي، وبالمد: وهي فم القربة الأسفل. شربة يابسة: أي قليل جدا، فلقلته مع شدة يبس باقي الشجب يذهب ما فيه. يغمزه: يعصره. الجفنة- بفتح الجيم: إناء كالقصعة، والجمع الجفان بالكسر والجفنات بالتحريك. وناد يا جفنة الركب: أي التي تشبعهم أو يا صاحب جفنتهم فحذف المضاف، أي من كان عنده جفنة تشبعهم فليحضرها. سيف البحر- بكسر السين المهملة، وإسكان التحتية: جانبه. حجاج عينها- بفتح الحاء المهملة، وكسرها، وبجيمين: العظم المستدير، وقال ثابت: الحجاجان، العظمان المشرفان على العينين، وفي المخصص: الحجاج العظم الذي عليه الحاجب. الكفل- بكسر الكاف، وسكون الفاء: وهو هنا- الكساء الذي يدار حول سنام البعير ثم يركب.
المشرفان على العينين، وفي المخصص: الحجاج العظم الذي عليه الحاجب. الكفل- بكسر الكاف، وسكون الفاء: وهو هنا- الكساء الذي يدار حول سنام البعير ثم يركب.
شرح غريب ذكر منقبة عباد بن بشر- ﵁ يهريق- بضم التحتية، وفتح الهاء، وكسر الراء: يصب ويسيل. يكلؤنا: يحفظنا ويحرسنا. الشّعب- بالكسر: الطريق في الجبل. الرّبيئة- بفتح الراء المشددة، والموحدة المكسورة، وبالهمزة، والمفتوحة: طليعة القوم وعينهم، الذي يكشف لهم الخبر. الثغر- بالثاء المثلثة، والغين المعجمة: ما يلي دار العدو. صرار- بصاد وراءين مهملتين: اسم أطم بالمدينة شرقيها.
الباب السادس والعشرون في عمرة القضاء لما دخل هلال ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن البيت، وأنزل الله ﵎: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [البقرة ١٩٤] الآية. أمر رسول الله- ﷺ أصحابه أن يتجهزوا للعمرة، ولا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف أحد شهدها، إلّا رجال استشهدوا بخيبر، ورجال ماتوا، فقال رجال من حاضري المدينة من العرب: يا رسول الله، والله مالنا زاد، وما لنا أحد يطعمنا، فأمر رسول الله- ﷺ المسلمين أن ينفقوا في سبيل الله- تعالى، وأن يتصدقوا، وألا يكفوا أيديهم فيهلكوا، فقالوا: يا رسول الله، بم نتصدق وأحدنا لا يجد شيئا؟ فقال رسول الله- ﷺ: «بما كان ولو بشق تمرة» [ (١) ] . وروى وكيع وابن عيينة وابن سعيد، ومنصور، وعبد بن حميد، والبخاري، والبيهقي في سننه عن حذيفة، ووكيع، وعبد بن حميد، والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله- تعالى عنهم- وابن جرير عن عكرمة، ووكيع عن مجاهد-رحمهما الله تعالى-- قالوا في قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة ١٩٥] إن التهلكة ترك النفقة في سبيل الله، ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك في سبيل الله، أنفق ولو مشقصا [ (٢) ] .
هْلُكَةِ [البقرة ١٩٥] إن التهلكة ترك النفقة في سبيل الله، ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك في سبيل الله، أنفق ولو مشقصا [ (٢) ] . قال محمد بن عمر، وابن سعد [ (٣) ] : واستعمل رسول الله- ﷺ على المدينة أبا رهم- بضم الراء، وسكون الهاء- الغفاري- ﵁ وقال ابن هشام: واستعمل عويف- بالواو والفاء، تصغير عوف، ويقال فيه عويث- بتحتية فمثلثة ابن الأضبط- بضاد معجمة، فموحدة، فطاء مهملة- رضي الله تعالى عنه- وقال البلاذري: استعمل أبا ذرّ. ويقال: عويف بن الأضبط والله أعلم.
ذكر ما ساقه رسول الله- ﷺ من الهدي وتقديمه السلاح والخيل أمامه روى محمد بن عمر عن عبد الله بن دينار- رحمه الله تعالى- قال: جعل رسول
الله- ﷺ ناجية بن جندب الأسلمي على هديه، يسير به أمامه، يطلب الرّعي في الشجر، معه أربعة فتيان من أسلم، زاد غيره: وأبو هريرة [ (١) ] . وروى محمد بن عمر عن محمد بن إبراهيم بن الحرث قال: ساق رسول الله- ﷺ في القضية ستين بدنة وروى أيضا عن شعبة مولى ابن عباس- ﵄ قال: قلّد رسول الله- ﷺ هديه بيده [ (٢) ] . وروى أيضا عن عاصم بن عمر عن قتادة- رحمه الله تعالى- قال: حمل رسول الله- ﷺ السلاح، والبيض، والدروع، والرماح وقاد مائة فرس عليها محمد بن مسلمة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدّم الخيل أمامه، واستعمل على السلاح بشير بن سعد، بالموحدة والشين المعجمة، وزان أمير، فقيل يا رسول الله: حملت السّلاح وقد شرطوا أن لا ندخلها عليهم بسلاح إلّا سلاح المسافر، السيوف في القرب! فقال رسول الله- ﷺ: «إنّا لا ندخله عليهم الحرم، ولكن يكون قريبا منّا، فإن هاجنا هيج من القوم كان السّلاح منّا قريبا [ (٣) ] . فمضى بالخيل محمد بن مسلمة- ﵁ إلى مرّ الظهران، فوجد بها نفرا من قريش فسألوه فقال: هذا رسول الله- ﷺ يصبّح هذا المنزل غدا إن شاء الله- تعالى- ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا، حتّى أتوا قريشا، فأخبروهم بالذي رأوه من الخيل والسلاح، ففزعت قريش، وقالوا والله ما أحدثنا حدثا، وإنّا على كتابنا، ومدّتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه. قال ابن عقبة- رحمه الله تعالى-: بعث رسول الله- ﷺ جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحرث يخطبها عليه، قلت: وسيأتي بيان ذلك في ترجمتها.
ذكر خروجه- ﷺ من المدينة وإحرامه روى محمد بن عمر-رحمه الله تعالى-- عن جابر- رضي الله- تعالى عنه- قال: أحرم رسول الله- ﷺ من باب المسجد، لأنه سلك طريق الفرع، ولولا ذلك لأهلّ من البيداء. قالوا: وسار رسول الله- ﷺ يلبي والمسلمون معه يلبّون، حتى انتهى إلي مرّ الظّهران، وقدم رسول الله- ﷺ السلاح إلى بطن يأجج حيث نظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز- بكسر الميم، وسكون الكاف، وكسر الراء، وبالزاي- بن حفص في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله- ﷺ في أصحابه، والهدي والسلاح قد تلاحق، فقالوا له: والله يا
م، وسكون الكاف، وكسر الراء، وبالزاي- بن حفص في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله- ﷺ في أصحابه، والهدي والسلاح قد تلاحق، فقالوا له: والله يا
محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا- بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت لهم ألّا تدخل إلّا بسلاح المسافر، السيوف في القرب!! فقال رسول الله- ﷺ «إني لا أدخل عليهم بسلاح.» فقال مكرز: هو الذي تعرف به، البرّ والوفاء، ثم رجع مكرز سريعا إلى مكة بأصحابه، فقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذي شرط لكم [ (١) ] . روى الإمام أحمد عن ابن عباس- ﵄ قال: لما نزل رسول الله- ﷺ مرّ الظّهران في عمرته، بلغ أصحابه أن قريشا تقول ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه، أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة، فقال رسول الله- ﷺ: «لا تفعلوا، ولكن اجمعوا إليّ من أزوادكم» ، فجمعوا له، وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتّى تركوا، وحشا كلّ واحد في جرابه [ (٢) ] .
ذكر دخول رسول الله- ﷺ مكة قال ابن عباس- ﵄ قدم رسول الله- ﷺ مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، ولمّا جاء مكرز قريشا بخبر رسول الله- ﷺ استنكف رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله- ﷺ غيظا وحنقا، ونفاسة، وأمر رسول الله- ﷺ بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى، ودخل رسول الله- ﷺ على راحلته القصواء وأصحابه محدقون به، قد توشّحوا السيوف يلبّون، فلما انتهى رسول الله- ﷺ إلى ذي طوى وقف على راحلته والمسلمون حوله، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون. وروى البخاري تعليقا، وعبد الرّزاق، والترمذي، والنسائي، وابن حبان عن أنس- ﵁ وابن عقبة عن الزهري، وابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: إن رسول الله- ﷺ دخل مكة عام القضيّة على ناقته وعبد الله بن رواحة آخذ بزمامها، وهو يقول: خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... نحن ضربناكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله قد أنزل الرّحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله يا رب إني مؤمن بقيله ... إنّي رأيت الحقّ في قبوله فقال عمر بن الخطاب- ﵁ يا ابن رواحة؟ بين يدي رسول الله- ﷺ
رّحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله يا رب إني مؤمن بقيله ... إنّي رأيت الحقّ في قبوله فقال عمر بن الخطاب- ﵁ يا ابن رواحة؟ بين يدي رسول الله- ﷺ
وفي حرم الله- تعالى- تقول الشعر؟ فقال رسول الله- ﷺ «خل عنه يا عمر» فلهي أسرع فيهم من نضح النبل» . وفي رواية «يا عمر إني أسمع، فاسكت يا عمر» فقال رسول الله- ﷺ: «يا ابن رواحة قل: «لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» . فقالها ابن رواحة فقالها الناس كما قالها [ (١) ] .
ذكر طواف رسول الله- ﷺ ماشيا وما جاء انه طاف راكبا روى الإمام أحمد، والشيخان، وابن إسحاق عن ابن عباس- رضي الله- تعالى عنهما- قال: «قدم رسول الله- ﷺ وأصحابه مكّة، وقد وهنتهم حمّى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم غدا قوم قد وهنتهم الحمّى، ولقوا فيها شدّة، فجلسوا على قعيقعان مما يلي الحجر، فأطلع الله- تعالى- نبيه على ما قالوا، فلما دخل رسول الله- ﷺ المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده الأيمن، ثم قال: «رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوّة» . وفي رواية: «أروهم ما يكرهون» وأمرهم أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الرّكنين، ليرى المشركون جلدهم، ثم استلم الركن، وخرج يهرول وأصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم، واستلم الرّكن اليماني مشى حتى استلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أشواط ومشى سائرها. قال ابن عباس: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها للإبقاء عليهم، فقال المشركون: «هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا، ما يرضون بالمشي، أما إنهم لينقزون نقز الظّبي» وكان رسول الله- ﷺ يكايدهم كلّما استطاع [ (٢) ] . قال محمد بن عمر، وابن سعد وغيرهم: ولم يزل رسول الله- ﷺ يلبّي حتّى استلم الركن بمحجنه. وروى الحميديّ والبخاريّ [ (٣) ] ، والإسماعيلي عن عبد الله بن أبي أوفى- ﵁ قال: لما اعتمر رسول الله- ﷺ سترناه من غلمان المشركين، وفي رواية من السّفهاء والصبيان مخافة أن يؤذوا رسول الله- ﷺ وروى يونس ابن بكير- رحمه الله تعالى- عن زيد بن أسلم- رحمهما الله تعالى- إن رسول الله- ﷺ دخل عام القضية مكّة، فطاف على
ناقته، واستلم الركن بمحجنه. قال هشام، وابن سعد: من غير- علّة- والمسلمون يشتدّون حول رسول الله- ﷺ وابن رواحة يقول الرجز السابق: وذكر محمد بن عمر، وابن سعد: أن رسول الله- ﷺ طاف راكبا، وتبعهما القطب في المورد.
ذكر دخوله- ﷺ البيت روى البيهقي من طريق محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب- رحمه الله تعالى- قال: لما قضى رسول الله- ﷺ طوافه في عمرة القضاء دخل البيت، فلم يزل فيه حتّى أذّن بلال بالصبح، فوق ظهر الكعبة، وكان رسول الله- ﷺ أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبي جهل- وأسلم بعد ذلك- لقد أكرم الله- تعالى- أبا الحكم، حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول. وقال صفوان بن أمية- وأسلم بعد ذلك- الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا. وقال خالد بن أسيد- كأمير- وأسلم بعد ذلك: الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم حين يقوم بلال ابن أم بلال ينهق فوق الكعبة وأمّا سهيل بن عمرو- وأسلم بعد ذلك- ورجال معه لما سمعوا ذلك غطوا وجوههم، كذا في هذه الرّواية: إن النبي- ﷺ دخل البيت. وروى البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد- رحمه الله تعالى- أن رجلا سأل ابن أبي أوفى- ﵁ كان رسول الله- ﷺ دخل في القضيّة الكعبة؟ قال: لا [ (١) ] . وقال محمد بن عمر بعد أن روى ما سبق عن ابن عباس: حدثني إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين قال: لم يدخل رسول الله- ﷺ الكعبة في القضيّة. وقد أرسل إليهم، فأبوا وقالوا: لم يكن في شرطك.
ذكر سعيه- ﷺ بين الصفا والمروة روى محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- عن ابن عباس- ﵄ إن رسول الله- ﷺ طاف بين الصّفا والمروة على راحلته، فلما كان الطّواف السّابع عند المروة عند فراغه- وقد وقف الهدي عند المروة- قال رسول الله- ﷺ «هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر، فنحر عند المروة» [ (٢) ] . قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- وقد كان اعتمر مع رسول الله- ﷺ قوم لم
يشهدوا الحديبية فلم ينحروا، فأمّا من شهدها وخرج في القضيّة فإنهم اشتركوا في الهدي. وأمر رسول الله- ﷺ مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت وسعوا أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج فيقيمون على السّلاح، ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا.
دي. وأمر رسول الله- ﷺ مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت وسعوا أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج فيقيمون على السّلاح، ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا.
ذكر خروجه- ﷺ من مكة روى محمد بن عمر عن عمر بن علي بن أبي طالب- رحمه الله تعالى- قال: لما كان عند الظهر يوم الرابع أتى سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى- وأسلما بعد ذلك قال ابن إسحاق: وكانت قريش قد وكّلت حويطب بإخراج رسول الله- ﷺ فأتياه وهو في مجلس من الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فقالا: قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال رسول الله- ﷺ: «وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت طعاما؟!» فقالا: لا حاجة لنا في طعامك اخرج عنّا، ننشدك الله يا محمد، والعقد الذي بيننا وبينك إلّا خرجت من أرضنا، فهذه الثلاثة قد مضت [ (١) ] . وكان رسول الله- ﷺ لم ينزل بيتا، إنّما ضربت له قبّة من أديم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها، ولم يدخل تحت سقف بيت من بيوتها، فغضب سعد بن عبادة- ﵁ لما رأى من غلظة كلامهم للنبي- ﷺ فقال لسهيل بن عمرو: كذبت لا أم لك ليست بأرضك ولا أرض أبيك، والله لا يخرج منها إلّا طائعا راضيا، فتبسم رسول الله- ﷺ وقال يا سعد: لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا، وأسكت الرجلان عن سعد. وفي الصحيح عن البراء بن عازب- ﵄ أن الأجل لما مضى أتى المشركون عليا- ﵁ فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنّا فقد مضى الأجل، فذكر ذلك علي- ﵁ لرسول الله- ﷺ فأمر رسول الله- ﷺ أبا رافع- بالرحيل، وقال: لا يمسين بها أحد من المسلمين» وركب رسول الله- ﷺ حتى نزل بسرف، وتتامّ الناس، وخلّف رسول الله- ﷺ أبا رافع ليحمل إليه زوجته ميمونة حين يمسي، فأقام أبو رافع حتّى أمسى، فخرج بميمونة ومن معها، ولقيت من سفهاء مكة عناء، وسيأتي الكلام على دخول رسول الله- ﷺ بها في ترجمتها.
ذكر خروج ابنة حمزة- ﵂ روى الشيخان عن البراء بن عازب، والإمام أحمد عن علي، ومحمد بن عمر عن ابن عباس- ﵃ قال ابن عباس: أن عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب، وقيل اسمها
نة حمزة- ﵂ روى الشيخان عن البراء بن عازب، والإمام أحمد عن علي، ومحمد بن عمر عن ابن عباس- ﵃ قال ابن عباس: أن عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب، وقيل اسمها
أمامة قال الحافظ: وهو المشهور وأمها سلمى بنت عميس، كانت بمكّة، فلما قدم رسول الله- ﷺ مكة كلّم علي بن أبي طالب- رسول الله- ﷺ فقال: علام نترك ابنة عمّنا يتيمة بين ظهراني المشركين؟، فلم ينهه رسول الله- ﷺ فخرج بها. وقال البراء: إن رسول الله- ﷺ لما خرج تبعته ابنة حمزة تنادي يا عمّي يا عمّي، فتناولها عليّ فأخذ بيدها. وقال لفاطمة- ﵂: دونك ابنة عمك، فاختصم فيها. زيد وعلي وجعفر، أي بعد أن قدموا المدينة كما سيأتي. وكان زيد وصيّ حمزة، وكان رسول الله- ﷺ قد واخى بينهما حين واخى بين المهاجرين. فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمّي، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وقال جعفر: بنت عمّي وخالتها أسماء بنت عميس تحتي. وقال زيد: بنت أخي. فقضى فيها رسول الله- ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك» . وفي حديث ابن عباس- ﵁ «وأما أنت يا عليّ فأخي وصاحبي» وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي» . وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» . وفي حديث ابن عباس- ﵁ «أنت مولى الله ورسوله» [ (١) ] . قال محمد بن عمر: فلمّا قضى بها رسول الله- ﷺ لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ: «ما هذا يا جعفر» ؟ قال: يا رسول الله، كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل. قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- ثم انصرف رسول الله- ﷺ في ذي الحجة. وكان عدّة المسلمين سوى النّساء والصّبيان ألفين. قال ابن هشام-رحمه الله تعالى--: فانزل الله- تعالى- فيما حدّثني أبو عبيدة: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح ٢٧] يعني خيبر.
ينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح ٢٧] يعني خيبر.
تنبيهات الأول: يقال لهذه العمرة عمرة القصاص. قال السهيلي-رحمه الله تعالى-- وهذا الاسم أولى بها لقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [البقرة
١٩٤] ورواه عبد بن حميد بسند صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه وهذه الآية نزلت فيها كما تقدم. ويقال لها: عمرة القضاء، واختلف في تسميتها بذلك، فقال السّهيلي: لأن رسول الله- ﷺ قاضى قريشا عليها. لأنه قضى العمرة الّتي صدّ عن البيت فيها، فإنها لم تكن فسدت بصدّهم له عن البيت، بل كانت عمرة تامّة متقبلة، حتّى إنهم حين حلقوا شعورهم بالحلّ احتملتها الريح فألقتها بالحرم، فهي معدودة في عمر النبي- ﷺ زاد القاضي: فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الصّلح، ولذلك يقال لها عمرة القضية. قال أهل اللغة: قاضى فلان فلانا: عاهده، وقاضاه: عاوضه، فيحتمل تسميتها بالأمرين، ويرجح الثاني تسميتها قصاصا. وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعدّ عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها لا لأنّها كملت، وهذا خلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصدّ عن البيت. فقال الجمهور: يجب عليه الهدي، ولا قضاء عليه. وعن الإمام أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-- عكسه، وعن الإمام أحمد رواية: أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء وأخرى أنه يلزمه الهدي والقضاء، وبيان حجج كلّ ليس من غرضنا. وقال ابن إسحاق: تسمّى أيضا عمرة الصّلح اه. فتحصّل من أسمائها أربعة: القضاء، والقضيّة، والقصاص والصّلح. الثاني: وجهوا كون هذه العمرة غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي عن ابن شهاب أنه- ﷺ خرج مستعدّا بالسّلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر، ولا يلزم من إطلاق الغزوة وقوع المقاتلة. وقال ابن الأثير- رحمه الله تعالى- في الجامع: هذه العمرة ليست من الغزوات، وذكرها البخاري في الغزوات حيث تضمنت ذكر المصالحة مع المشركين. الثالث: قال ابن هشام- رحمه الله تعالى- قوله: «نحن قتلناكم على تأويله» إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم، قال السّهيلي: يعني يوم صفين. قال ابن هشام:
ابن هشام- رحمه الله تعالى- قوله: «نحن قتلناكم على تأويله» إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم، قال السّهيلي: يعني يوم صفين. قال ابن هشام: والدليل على ذلك أنّ ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقرّوا بالتنزيل، وإنّما يقاتل على التأويل من أقرّ بالتنزل. قال في البداية: وفيما قاله ابن هشام نظر، فإن البيهقيّ روى من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس قال: لما دخل رسول الله- ﷺ مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وفي رواية وهو آخذ بغرزه وهو يقول
الأبيات السابقة. ورواه عن يزيد بن أسلم- كما سبق- وقد تابع ابن إسحاق على ذلك ابن عقبة وغيره، وقال الحافظ- رحمه الله تعالى- إذا ثبتت الرّواية فلا مانع من إطلاق ذلك، فإنّ التقدير على رأي ابن هشام: نحن ضربناكم على تأويله أي حتى تذعنوا إلى ذلك التأويل، ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه، وإذا كان ذلك محتملا، وثبتت الرّواية سقط الاعتراض. نعم الرواية التي جاء فيها. «فاليوم نضربكم على تأويله» يظهر أنه قول عمار، ويبعد أن يكون من قول ابن رواحة، لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب ولا قتال، وصحيح الرّواية. «نحن ضربناكم على تأويله. كما ضربناكم على تنزيله. يشير بكل منهما إلى ما مضى، ولا مانع من أن يتمثل عمار بن ياسر بهذا الرجز ويقول: هذه اللفظة، ومعنى قوله: «نضربكم على تأويله» أي الآن، وجاز تسكين الباء لضرورة الشّعر، بل هي لغة قرئ بها في المشهور.
مثل عمار بن ياسر بهذا الرجز ويقول: هذه اللفظة، ومعنى قوله: «نضربكم على تأويله» أي الآن، وجاز تسكين الباء لضرورة الشّعر، بل هي لغة قرئ بها في المشهور. الرابع: قال الحافظ أبو عيسى الترمذي- رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر رجز ابن رواحة، ثم قال: وفي غير هذا الحديث أن هذه القصّة لكعب بن مالك، وهو الأصح، لأن عبد الله بن رواحة قتل بمؤتة، وكانت عمرة القضاء بعد ذلك، قال الحافظ- ﵀ وهو ذهول شديد، وغلط مردود، وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك، ومع أنّ في قصّة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه، علي، وزيد بن حارثة في بنت حمزة، أي كما سبق وجعفر قتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد، فكيف يخفى على التّرمذي مثل هذا. ثم وجدت عند بعضهم أن الّذي عند التّرمذي من حديث أنس: أنّ ذلك كانت في فتح مكة. فإن كان كذلك اتجه اعتراض التّرمذي، لكن الموجود بخطّ الكروخي راوي الترمذي على ما تقدم. قلت: وكذلك رأيته في عدة نسخ من جامع الترمذي. الخامس: مجيء سهيل، وحويطب يطلبان رحيل رسول الله- ﷺ نصف النهار، الظاهر أنه- ﷺ دخل في أوائل النهار، فلم تكمل الثلاث إلا في مثل ذلك الوقت من النّهار الرابع الذي دخل فيه بالتلفيق، وكان مجيئهم في أول النهار قريب مجيء ذلك الوقت. السادس: «قول ابنة حمزة يا عم كأنها خاطبت النبي- ﷺ بذلك إجلالا، وإلّا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى كون حمزة- وإن كان عمه من النسب- فهو أخوه من الرضاعة. وكانت خصومة علي وجعفر، وزيد في ابنة حمزة بعد أن قدموا المدينة، كما صح ذلك من حديث عليّ عند أحمد، والحاكم. السابع: أقر النبي- ﷺ عليا على أخذها من مكة مع اشتراط المشركين ألّا يخرج
بأحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها، وأيضا فإنّ النّساء المؤمنات لم يدخلن في ذلك، لكن إنّما نزل القرآن بعد رجوعهم إلى المدينة. الثامن: في بيان غريب ما سبق: التّهلكة: الهلاك، وهو من نوادر المصادر. المشقص- بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف، سهم فيه نصل عريض، والجمع مشاقص. تقليد الهدي: أي تعلّق بعنق البعير قطعة من جلد ليعلم أنّه هدي فيكفّ الناس عنه. ذو الحليفة- بضم الحاء المهملة تصغير الحلفة بفتحات، واحد الحلفاء، وهو النبات المعروف. هاجه: حركه، الهيج- بفتح الهاء، والتحتية، وبالجيم: الحرب. مرّ الظّهران: تقدم الكلام عليه غير مرّة.
شرح غريب ذكر خروجه- ﷺ من المدينة قوله الفرع- بضم الفاء، والراء، وبالعين المهملة: عمل واسع من أعمال المدينة. البيداء: في الأصل المفازة، وهنا الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة. يأجج- بتحتية، فهمزة ساكنة، فجيمين، الأولى مفتوحة- وقد تكسر: واد قريب من مكة. أنصاب الحرم: الأعلام على حدوده. العجف، وزان التّعب: الضعف. حسونا- بحاء فسين مهملتين مفتوحتين، فواو ساكنة، فنون: شربنا. الحنق- بفتح الحاء المهملة، والنون وبالقاف: الغيظ. النفاسة- يقال نفس الشيء بالكسر نفاسة: حسده عليه ولم يره أهلا له. ذي طوى- بتثليث الطاء: واد بقرب مكة، يصرف ولا يصرف. القصواء: كحمراء. محدقين: محيطين. توشح السيف: ألقى طرف علاقته على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده. اليمنى، ثم يعقدهما على صدره.
طين. توشح السيف: ألقى طرف علاقته على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده. اليمنى، ثم يعقدهما على صدره.
الثنيّة: كل عقبة مسلوكة. الحجون- بفتح الحاء المهملة، وضم الجيم، وبالواو، والنون: جبل بمكة. الهام، جمع هامة، وهي الرأس. وهنتهم الحمّى: أضعفتهم. اضطبع بثوبه: جعل وسط الثوب تحت الإبط اليمنى، وطرفه على الكتف اليسرى. العضد- بفتح العين المهملة، وضم الضاد المعجمة وتسكن، وبفتح العين، وكسر الضاد، وبضمهما، وبضم العين وسكون الضاد: خمس لغات، وهي مؤنثة عند أهل تهامة، وتذكّر عند بني تميم: وهي ما بين المرفق والكتف. رمل في طوافه- بالراء: هرول. الأشواط- بالشين المعجمة جمع شوط: وهو الجري إلى الغاية، وهي هنا من الحجر إلى الحجر. جلدهم- بفتح الجيم واللام: قوّتهم وصبرهم. واراه: ستره. أبقى عليه: رفق به وأشفق عليه. قعيقعان- بقافين، الأولى مضمومة، بعد كل منهما عين مهملة وبعد الأولى تحتية: جبل بمكة. نقز- بالقاف والزاي: وثب. الظّبى- جمع ظبي: حيوان معروف. المحجن- بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم: عصا مقنعة الرأس يلتقط بها الراكب ما سقط منه. يشتدون: يعدون. المروة: جبل معروف بمكة. الفجاج- بكسر الفاء جمع فج، وبالفتح: هو الطريق الواسع. ننشدك الله: نذكرك به ونستعطفك، أو نسألك به، مقسمين عليك. الأبطح: كل مسيل فيه دقاق الحصى، والمراد هنا مكان معروف بمكة. سرف- بفتح السين المهملة وكسر الرّاء، وبالفاء: ما بين التّنعيم وبطن مرو، وهو إلى التنعيم أقرب. حجل- بحاء مهملة، فجيم، فلام مفتوحات: رفع رجلا وقفز على الأخرى من الفرح، وقد يكون بالرّجلين، إلّا انه قفز، وقيل الحجل: المشي المقيد.
لى التنعيم أقرب. حجل- بحاء مهملة، فجيم، فلام مفتوحات: رفع رجلا وقفز على الأخرى من الفرح، وقد يكون بالرّجلين، إلّا انه قفز، وقيل الحجل: المشي المقيد.
الباب السابع والعشرون في غزوة الفتح الأعظم الذي أعز الله تعالى به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا، وكان في شهر رمضان سنة ثمان. قال ابن عباس- ﵄ غزا رسول الله- ﷺ غزوة الفتح في رمضان. قال الزّهري: وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك، رواه البخاري [ (١) ] .
ذكر الأسباب الموجبة للمسير إلى مكة كانت خزاعة في الجاهلية أصابوا رجلا من بني الحضرميّ واسمه مالك بن عبّاد، وحلف الحضرميّ يومئذ إلى الأسود بن رزن، خرج تاجرا، فلمّا توسّط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله فمر رجل من خزاعة على بني الدّيل بعد ذلك فقتلوه، فوقعت الحرب بينهم، فمرّ بنو الأسود بن رزن. وهم ذؤيب، وسلمى، وكلثوم على خزاعة فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم، وكان قوم الأسود منخر بني كنانة يودون في الجاهلية ديتين لفضلهم في بني بكر، ونودى دية، فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك بعث رسول الله- ﷺ فحجز بالإسلام بينهم، وتشاغل الناس به- وهم علي ما هم عليه من العداوة في أنفسهم- فلمّا كان صلح الحديبية بين رسول الله- ﷺ وبين قريش، ووقع الشّرط «ومن أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله- ﷺ فليدخل، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش فليدخل» فدخلت خزاعة في عقد رسول- ﷺ وكانت خزاعة حلفاء عبد المطلب بن هاشم، وكان رسول الله- ﷺ بذلك عارفا، ولقد جاءته خزاعة يومئذ بكتاب عبد المطلب فقرأه عليه أبي بن كعب- ﵁ وهو: «باسمك اللهمّ، هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة، إذ قدم عليه سرواتهم وأهل الرأي، غائبهم مقرّ بما قاضى عليه شاهدهم، إنّ بيننا وبينكم عهود الله وعقوده، وما لا ينسى أبدا، اليد واحدة، والنصر واحد ما أشرف ثبير، وثبت حراء مكانه وما بل بحر صوفة ولا يزداد فيما بيننا وبينكم ألا تجددا أبد الدهر سرمدا» .
وده، وما لا ينسى أبدا، اليد واحدة، والنصر واحد ما أشرف ثبير، وثبت حراء مكانه وما بل بحر صوفة ولا يزداد فيما بيننا وبينكم ألا تجددا أبد الدهر سرمدا» . فقال رسول الله- ﷺ: «ما أعرفني بخلقكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف! فكلّ حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلّا شدة ولا حلف في الإسلام» [ (٢) ] .
ذكر نقض قريش العهد لما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية، كلمت بنو نفاثة وبنو بكر أشراف قريش أن يعينوهم بالرّجال والسّلاح على عدوّهم من خزاعة، وذكّروهم القتلى الذين أصابت خزاعة منهم، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأر أولئك النّفر الذين أصابوا منهم في بني الأسود بن رزن، وناشدوهم بأرحامهم، وأخبروهم بدخولهم في عقدهم وعدم الإسلام، ودخول خزاعة في عقد محمد وعهده، فوجدوا القوم إلى ذلك سراعا، ألا إن أبا سفيان بن حرب لم يشاور في ذلك ولم يعلم، ويقال إنهم ذاكروه فأبى ذلك، فأعانوا بالسّلاح والكراع والرّجال، ودسّوا ذلك سرا لئلّا تحذر خزاعة، وخزاعة آمنون غارون لحال الموادعة، ولما حجز الإسلام بينهم. ثم اتّعدت قريش وبنو بكر وبنو نفاثة الوتير، وهو موضع أسفل مكة، وهو منازل خزاعة فوافوا للميعاد فيهم رجال من قريش من كبارهم متنكرون منتقبون، صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وحويطب بن عبد العزى، وشيبة بن عثمان- وأسلموا بعد ذلك- ومكرز بن حفص، وأجلبوا معهم أرقاءهم، ورأس بني بكر نوفل بن معاوية الدّئلي- وأسلم بعد ذلك- فبيّتوا خزاعة ليلا وهم غارون آمنون- وعامّتهم صبيان ونساء وضعفاء الرّجال، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا إلى أنصاب الحرم، فقال أصحاب نوفل بن معاوية له: يا نوفل إلهك إلهك قد دخلت الحرم! فقال: كلمة عظيمة، لا إله لي اليوم، يا بني بكر، لعمري إنكم لتسرقون الحاج في الحرم، أفلا تدركون ثأركم من عدوكم، ولا يتأخر أحد منكم بعد يومه عن ثأره؟! فلمّا انتهت خزاعة إلى الحرم دخلت دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له رافع الخزاعيين، وانتهوا بهم في عماية الصّبح، ودخلت رؤساء قريش منازلهم وهم يظّنون أنهم لا يعرفون، وأنه لا يبلغ هذا رسول الله- ﷺ وأصبحت خزاعة مقتّلين على باب بديل ورافع.
نتهوا بهم في عماية الصّبح، ودخلت رؤساء قريش منازلهم وهم يظّنون أنهم لا يعرفون، وأنه لا يبلغ هذا رسول الله- ﷺ وأصبحت خزاعة مقتّلين على باب بديل ورافع. وقال سهيل بن عمرو لنوفل بن الحرث: قد رأيت الّذي صنعنا بك وبأصحابك ومن قتلت من القوم، وأنت قد حصدتهم تريد قتل من بقي، وهذا ما لا نطاوعك عليه، فاتركهم فتركهم، فخرجوا وندمت قريش، وندموا على ما صنعوا، وعرفوا أن هذا الذي صنعوه نقض للذّمة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله- ﷺ وجاء الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة إلى صفوان بن أمية، وإلى سهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل فلاموهم بما صنعوا من عونهم بني بكر على خزاعة- وقالوا: إنّ بينكم وبين محمد مدّة وهذا نقض لها.
ذكر إعلامه- ﷺ بما حصل لخزاعة يوم أصيبوا روى محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- أن رسول الله- ﷺ قال لعائشة صبيحة كانت وقعة بني نفاثة وخزاعة بالوتير: «يا عائشة: لقد حدث في خزاعة أمر» فقالت عائشة: يا
رسول الله، أترى قريشا تجترئ على نقض العهد الذي بينك وبينهم، وقد أفناهم السيف؟ فقال رسول الله- ﷺ: «ينقضون العهد لأمر يريده الله تعالى» فقالت: يا رسول الله «خير» قال: «خير» [ (١) ] وروى الطبراني في الكبير والصغير عن ميمونة بنت الحارث- ﵄ أن رسول الله- ﷺ بات عندها ليلة، فقام ليتوضأ إلى الصّلاة، فسمعته يقول في متوضّئه: «لبّيك لبّيك لبّيك- ثلاثا- نصرت نصرت نصرت- ثلاثا-» فلما خرج، قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول في متوضئك «لبّيك لبّيك- ثلاثا- نصرت نصرت» ثلاثا، كأنك تكلّم إنسانا، فهل كان معك أحد؟ قال: «هذا راجز بني كعب يستصرخني، ويزعم أنّ قريشا أعانت عليهم بكر بن وائل» قالت ميمونة: فأقمنا ثلاثاً ثم صلى رسول الله- ﷺ الصبح بالناس [ (٢) ] فسمعت الرّاجز ينشد: يا رب إني ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا فذكرت الرجز الآتي.
ونة: فأقمنا ثلاثاً ثم صلى رسول الله- ﷺ الصبح بالناس [ (٢) ] فسمعت الرّاجز ينشد: يا رب إني ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا فذكرت الرجز الآتي.
ذكر قدوم عمرو بن سالم على رسول الله- ﷺ يخبره بما وقع لهم روى الطبراني في الكبير والصّغير عن ميمونة بنت الحارث، [ (٣) ] والبزّار بسند جيد عن أبي هريرة- ﵁ وابن أبي شيبة في المصنف عن عكرمة، والبيهقي عن ابن إسحاق، ومحمد بن عمر عن شيوخه: إن عمرو بن سالم الخزاعي خرج في أربعين راكبا من خزاعة يستنصرون رسول الله- ﷺ ويخبرونه بالذي أصابهم، وما ظاهرت عليهم قريش ومعاونتهم لهم بالرجال، والسّلاح، والكراع، وحضور صفوان بن أمية وعكرمة، ومن حضر من قريش، وأخبروه بالخبر ورسول الله- ﷺ جالس في المسجد بين أظهر الناس، ورأس خزاعة عمرو ابن سالم، فلما فرغوا من قصّتهم، قام عمرو بن سالم فقال: يا رب إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنّا والدا ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا هم بيّتونا بالوتير هجّدا ... وقتّلونا ركّعا وسجّدا وجعلوا لي في كداء رصّدا ... فانصر رسول الله نصرا أيّدا وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجرّدا أن سيم خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا قرم لقرم من قروم أصيدا فقال رسول الله- ﷺ «نصرت يا عمرو بن سالم» فما برح حتى مرت عنانة من السماء فرعدت، فقال رسول الله- ﷺ: «إن هذه السحابة لتستهلّ بنصر بني كعب» [ (١) ] . وروى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة- ﵄ قالت: لقد رأيت رسول الله- ﷺ غضب مما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان. وقال: «لا نصرني الله- تعالى- أن لم أنصر بني كعب» [ (٢) ] . وروى محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- عن ابن عباس- ﵄ إن رسول الله- ﷺ لما سمع ما أصاب خزاعة، قام- وهو يجرّ رداءه- وهو يقول: «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب ممّا أنصر منه نفسي» .
مه الله تعالى- عن ابن عباس- ﵄ إن رسول الله- ﷺ لما سمع ما أصاب خزاعة، قام- وهو يجرّ رداءه- وهو يقول: «لا نصرت إن لم أنصر بني كعب ممّا أنصر منه نفسي» . وروى عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله- ﷺ لمّا بلغه خبر خزاعة قال: «والذي نفسي بيده لأمنعنّهم ممّا أمنع منه نفسي وأهلي وبيتي» [ (٣) ] . قال ابن إسحاق وغيره: وقدم بذلك ورقاء الخزاعي في نفر من قومه على رسول الله- ﷺ فأخبروه بما حصل لهم. قال ابن عقبة، ومحمد بن عمر: إن رسول الله- ﷺ قال لعمرو بن سالم وأصحابه: «أرجعوا وتفرقوا في الأودية» . فرجعوا وتفرقوا، وذهبت فرقة إلى السّاحل بعارض الطّريق، ولزم بديل بن ورقاء في نفر من قومه الطّريق [ (٤) ] .
وروى محمد بن عمر عن محجن بن وهب قال: لم يرم بديل بن ورقاء مكّة من حين انصرف رسول الله- ﷺ من الحديبية حتى لقيه في الفتح بمر الظهران. قال محمد بن عمر وهذا أثبت [ (١) ] . وأخبر عمرو بن سالم ومن معه أن أنس ابن زنيم هجا رسول الله- ﷺ فأهدر دمه.
ذكر ما قيل أن رسول الله- ﷺ لما بلغه خبر خزاعة أرسل الى قريش يخيرهم بين أمور ثلاثة روى ابن عائذ عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما، ومحمد بن عمر عن حزام بن هشام الكعبيّ ومسدد في مسنده بسند صحيح عن محمد بن عباد بن جعفر أحد ثقات التّابعين وأئمّتهم- رحمهم الله تعالى- واللفظ لمحمد بن عمر، قال حزام: إن قريشا ندمت على عون بني نفاثة، وقالوا: محمد غارينا، فقال عبد الله بن أبي سرح- وهو يومئذ عندهم حال ردّته عن الإسلام- وأسلم بعد ذلك- إنّ عندي رأيا، إن محمدا لن يغزوكم حتى يعذر إليكم، ويخيّركم في خصال كلها أهون عليكم من غزوه، قالوا ما هي؟ قال: يرسل إليكم أن أدوا قتلى خزاعة وهم ثلاثة وعشرون قتيلا، أو تبرؤوا من حلف من نقض الصّلح وهم بنو نفاثة، أو ينبذ إليكم على سواء، فما عندكم في هذه الخصال؟ فقال القوم: أحر بما قال ابن أبي سرح- وقد كان به عالما- قال سهيل بن عمرو: ما خلة أهون علينا من أن نبرأ من حلف بني نفاثة. فقال شيبة بن عثمان العبدري حفظت أخوالك، وغضبت لهم قال سهيل: وأي قريش لم تلده خزاعة؟ قال شيبة: ولكن ندي قتلى خزاعة فهو أهون علينا، وقال قرظة بن عبد عمرو: لا والله لا يودون ولا نبرأ من حلف بني نفاثة، ولكنا ننبذ إليه على سواء. وقال أبو سفيان: ليس هذا بشيء، وما الرأي إلّا جحد هذا الأمر، أن تكون قريش دخلت في نقض عهد أو قطع مدة وإنه قطع قوم بغير رضى منّا ولا مشورة فما علينا. قالوا: هذا الرأي لا رأي غيره [ (٢) ] . وقال عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: إن ركب خزاعة لما قدموا على رسول الله- ﷺ وأخبروه خبرهم، قال رسول الله- ﷺ: «فمن تهمتكم وظنّتكم؟» قالوا: بنو بكر، قال: «أكلها؟» قالوا: لا، ولكن بنو نفاثة قصرة ورأس القوم نوفل بن معاوية النّفاثي.
خبروه خبرهم، قال رسول الله- ﷺ: «فمن تهمتكم وظنّتكم؟» قالوا: بنو بكر، قال: «أكلها؟» قالوا: لا، ولكن بنو نفاثة قصرة ورأس القوم نوفل بن معاوية النّفاثي. قال: «هذا بطن من بني بكر، وأنا باعث إلى أهل مكة فسائلهم عن هذا الأمر ومخيّرهم في خصال ثلاث» ، فبعث إليهم ضمرة
- لم يسم أباه محمد بن عمر- يخيّرهم بين إحدى خلال، بين أن يدوا قتلى خزاعة أو يبرؤوا من حلف بني نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. فأتاهم ضمرة
رسول الله- ﷺ فأناخ راحلته بباب المسجد، فدخل وقريش في أنديتها، فأخبرهم أنه رسول رسول الله- ﷺ وأخبرهم بالذي أمره رسول الله- ﷺ به فقال قرظة بن عبد عمرو الأعمى: أمّا أن ندي قتلى خزاعة فإن نفاثة فيهم عرام فلا نديهم حتى لا يبقى لنا سبد ولا لبد، وأما أن نتبرأ من حلف نفاثة فإنه ليس قبيلة من العرب تحجّ هذا البيت أشد تعظيما له من نفاثة، وهم حلفاؤنا، فلا نبرأ من حلفهم، أو لا يبقى لنا سبد ولا لبد، ولكن ننبذ إليه على سواء، فرجع ضمرة إلى رسول الله- ﷺ بذلك من قولهم. وندمت قريش على ردّ رسول رسول الله- ﷺ وبعثت أبا سفيان فذكر قصة مجيئه إلى رسول الله- ﷺ كما سيأتي.
على سواء، فرجع ضمرة إلى رسول الله- ﷺ بذلك من قولهم. وندمت قريش على ردّ رسول رسول الله- ﷺ وبعثت أبا سفيان فذكر قصة مجيئه إلى رسول الله- ﷺ كما سيأتي.
ذكر إخباره- ﷺ بأن أبا سفيان سيقدم ليجدد العهد فكان كما أخبر روى محمد بن عمر عن حزام بن هشام عن أبيه- رحمهما الله- إن رسول الله- ﷺ قال: «لكأنّكم بأبي سفيان قد جاء يقول: جدّد العهد وزد في الهدنة، وهو راجع بسخطه» . وروى عبد الرزاق عن نعيم مولى ابن عباس، وابن أبي شيبة عن عكرمة، ومحمد بن عمر عن شيوخه، واللفظ له: أن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة مشيا إلى أبي سفيان بن حرب، فقالا: هذا أمر لا بد له من أن يصلح، والله لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه، فقال أبو سفيان: قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وأفظعتها. وخفت من شرّها، قالوا: وما هي؟ قال: رأت دما أقبل من الحجون يسيل حتّى وقف بالخندمة مليا، ثم كأن ذلك الدّم لم يكن، فكره القوم الرّؤيا. وقال أبو سفيان: لما رأى ما رأى من الشّر: هذا والله أمر لم أشهده، ولم أغب عنه، لا يحمل هذا إلا عليّ، ولا والله ما شوورت فيه، ولا هويته حين بلغني، والله ليغزونا محمد إن صدقني ظني، وهو صادقي، وما بد من أن آتي محمدا فأكلمه أن يزيد في الهدنة ويجدّد العهد. فقالت قريش: قد والله أصبت، وندمت قريش على ما صنعت من عون بني بكر على خزاعة، وتحرّجوا إن رسول الله- ﷺ لم يدعهم حتى يغزوهم. فخرج أبو سفيان، وخرج معه مولى له على راحلتين، فأسرع السّير وهو يرى إنه أول من خرج من مكة إلى رسول الله- ﷺ فلقي بديل بن ورقاء بعسفان، فأشفق أبو سفيان أن يكون بديل جاء رسول الله- ﷺ بل كان اليقين عنده، فقال للقوم: أخبرونا عن يثرب متى عهدكم بها؟ قالوا: لا علم لنا بها، فعلم أنهم كتموه، فقال: أما معكم من تمر يثرب شيء تطعموناه، فإن لتمر يثرب فضلا على تمور تهامة؟



