— Bagian 88 · وأنا ألقاه الآن. وكنت مع إبراهيم خليل الرحمن لما… —
Bagian 88
وأنا ألقاه الآن. وكنت مع إبراهيم خليل الرحمن لما ألقي في النار، فكنت بينه وبين المنجنيق حتى أخرجه اللَّه منه، ولقيت موسى بن عمران فعلّمني من التوراة وقال لي: إن أنت لقيت عيسى ابن مريم فأقرئه مني السلام. وكنت مع عيسى فقال: إن لقيت محمدا فأقرئه مني السلام، وأنا يا رسول اللَّه قد بلّغت وآمنت بك. فقال رسول اللَّه ﷺ: «وعلى عيسى السلام» - وفي لفظ: - «وعليك يا هامة، ما حاجتك» فقال: موسى علّمني من التوراة، وعيسى علّمني من الإنجيل فعلّمني من القرآن فعلّمه رسول اللَّه ﷺ سورة المرسلات وعمّ يتساءلون وإذا الشمس كوّرت والمعوذتين وقل هو اللَّه أحد وفي لفظ عمر رضي اللَّه تعالى عنه: إذا وقعت الواقعة. وفي رواية علّمه عشر سور. وفي لفظ عمر: «وعليك يا هامة بأدائك الأمانة» . قال: يا رسول اللَّه، افعل بي ما فعل موسى بن عمران فإنه علّمني من التوراة. فعلّمه رسول اللَّه ﷺ وقال: «ارفع إلينا حاجتك يا هامة ولا تدع زيارتنا» . وقال عمر بن الخطاب: فقبض رسول اللَّه ﷺ ولم ينعه إلينا ولسنا ندري أحيّ هو أو ميّت. وقال البيهقي بعد أن رواه من طريق محمد بن أبي معشر عن أبيه أبي معشر: «روى عنه الكبار ألا إن أهل الحديث ضعّفوه» . قال: «وقد روي من وجه آخر أقوى منه» . وقال شيخنا رحمه اللَّه تعالى في الجامع الكبير: «طريق البيهقي أقواها وطريق العقيلي أوهاها» . وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق العقيلي فلم يصب وله شواهد من غريب أنس، وابن عباس وغيرهما تأتي في محلها. وقد بسط الكلام عليه في اللآلئ المصنوعة. وقال في النّكت البديعات: أورده من طريق عمر، وقال فيه إسحاق بن بشر الكاهلي كذّاب، وقال فيه محمد بن عبد اللَّه الأنصاري: لا يحتج به. قلت: أخرج البيهقي في الدلائل حديث عمر من وجه آخر ليس فيه إسحاق بن بشر الكاهلي، وقال عقبة في هذا الإسناد أبو معشر، روى عنه الكبار ألا إن أهل الحديث ضعّفوه. قال: وقد روي من وجه آخر أقوى منه، فأشار بذلك إلى طريق إسحاق، وله طريق ثالث عن عمر أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولحديث أنس طريق ثان ليس فيه أبو سلمة، أخرجه أبو نعيم. وبمجموع هذه الطرق يعلم أن الحديث ضعيف لا موضوع.
له طريق ثالث عن عمر أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولحديث أنس طريق ثان ليس فيه أبو سلمة، أخرجه أبو نعيم. وبمجموع هذه الطرق يعلم أن الحديث ضعيف لا موضوع.
الباب الحادي والمائة في وفود السابع إليه ﷺ روى أبو سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، والبيهقي عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: جاء ذئب إلى رسول اللَّه ﷺ فأقعى بين يديه وجعل يبصبص بذنبه، فقال رسول اللَّه ﷺ: «هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا» . فقالوا: لا واللَّه يا رسول اللَّه، لا نجعل له من أموالنا شيئا. فقام إليه رجل من الناس، ورماه بحجر، فسار وله عواء [ (١) ] . وروى أبو نعيم، والبيهقي من طريق الزّهري عن حمزة بن أبي أسيد قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في جنازة رجل فإذا ذئب مفترشا ذراعيه على الطريق فقال رسول اللَّه ﷺ: «هذا معترض فافرضوا له» . قالوا: ما نرى يا رسول اللَّه. قال: «من كل سائمة شاة في كل عام» . قالوا: كثير فأشار إلى الذئب أن خالسهم، فانطلق الذئب. وروى ابن سعد، وأبو نعيم عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب قال: بينا رسول اللَّه ﷺ جالس بالمدينة في أصحابه إذ أقبل ذئب فوقف بين يدي رسول اللَّه ﷺ فعوى [بين يديه] فقال رسول اللَّه ﷺ: «هذا وافد السّباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحرّرتم منه فما أخذ فهو رزقه» . فقالوا: يا رسول اللَّه، ما تطيب أنفسنا له بشيء. فأومأ إليه النبي ﷺ بأصابعه أن خالسهم فولّى وله عسلان [ (٢) ] . وروى الدارمي، وابن منيع في مسنده. وأبو نعيم من طريق شمر بن عطية عن رجل من مزينة أو جهينة قال: صلى رسول اللَّه ﷺ الفجر، فإذا هو بقريب من مائة ذئب قد أقعين [وكانوا] وفود الذئاب فقال لهم رسول الله ﷺ: «هؤلاء وفود الذئاب سألتكم أن ترضخوا لهم شيئا من فضول طعامكم وتأمنوا على ما سوى ذلك» فشكوا إليه حاجة، قال: «فادنوهنّ» . فخرجن ولهم عواء. وروى محمد بن عمر، وأبو نعيم عن سليمان بن يسار مرسلا قال: أشرف النبي ﷺ علي الحرّة فإذا ذئب واقف بين يديه فقال: «هذا يسأل من كل سائمة شاة» . فأبوا فأومأ إليه بأصابعه، فولّى.
نعيم عن سليمان بن يسار مرسلا قال: أشرف النبي ﷺ علي الحرّة فإذا ذئب واقف بين يديه فقال: «هذا يسأل من كل سائمة شاة» . فأبوا فأومأ إليه بأصابعه، فولّى.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: . أقعى: بهمزة مفتوحة فقاف ساكنة فعين مهملة وبالمدّ. هو إلصاق الألية بالأرض ونصب الساق والفخذ ووضع اليدين على الأرض. يبصبص: بتحتية مضمومة فموحدة مفتوحة فصادين مهملتين بينهما موحدة مكسورة أي يحرّك ذنبه. عواء: بعين مهملة مضمومة فواو وبالمدّ، أي صوت السّباع وكأنه بالذئب والكلب أخصّ. خالسهم: بخاء معجمة فألف فلام فسين مهملة. أي اذهب على غفلة. عسلان: بعين فسين مهملتين فلام مفتوحة فألف فنون وهو سرعة المشي. الحرّة: بحاء وراء مهملتين مفتوحتين هي أرض ذات حجارة سود، واللَّه أعلم. نجز الجزء الثاني يتلوه جماع أبواب صفاته المعنوية، والصلاة والسلام على خير البريّة محمد النبي الأمي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين، آمين والحمد للَّه رب العالمين.
[المجلد السابع] ﷽
جماع أبواب صفاته المعنوية ﷺ
الباب الأول في وفور عقله ﷺ قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: قرأت في واحد وسبعين كتاباً، فوجدت في جميعها: «أن الله ﵎ لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد ﷺ إلّا حبّة رمل من بين جميع رمال الدنيا، وان محمدا ﷺ أرجح الناس عقلا» . رواه الحكيم الترمذي وأبو نعيم، وابن عساكر رحمهم الله تعالى. وروى داود بن المحبر [ (١) ] عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «أفضل الناس أعقل الناس» ، قال ابن عباس: وذلك نبيك ﷺ. ونقل عن العوارف عن بعض الأكابر قال: اللّبّ، والعقل مائة جزء: تسعة وتسعون في النبي ﷺ، وجزء في سائر الناس. قال القاضي رحمه الله تعالى: ومن تأمل تدبيره ﷺ أمر بواطن الخلق، وظواهرهم، وسياسة الخاصة والعامة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلّم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول وهلة. ومما يتفرع عن العقل ثقوب الرّأي وجودة الفطنة والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب، ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة، والتدبير، واقتفاء الفضائل، واجتناب الرذائل، وقد بلغ ﷺ من ذلك الغاية التي لم يبلغها بشر سواه ﷺ. ومن تأمل حسن تدبيره للعرب الذين كالوحش الشارد، والطبع المتنافر المتباعد، كيف ساسهم؟ واحتمل جفاهم، وصبر على أذاهم، إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم: آباءهم، وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم، وأحبابهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلّم منها سنن الماضين، فتحقّق أنه ﷺ أعقل الناس، ولما كان عقله ﷺ أوسع العقول لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعا لا يضيق عن شيء.
تنبيهات الأول: العقل مصدر في الأصل مأخوذ من عقل البعير، وهو منعه بالعقال من القيام، أو مأخوذ من الحجر وهو المنع: قال تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لأنه يعقل صاحبه، ويحجره عن الخطأ، وهو مع البلوغ مناط التكليف. الثاني: اختلف في محله، فالجمهور من المتكلمين والشافعية أنه في القلب. روى البخاري رحمه الله تعالى في الأدب والبيهقي في الشعب، بسند جيد، عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنّفس في الرّئة [ (١) ] . وأكثر الأطباء والحنفية أنه في الدماغ، واستدل الأولون بقوله تعالى: فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها [الحج ٤٦] وقال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق ٣٧] ، وبقوله ﷺ: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» [ (٢) ] فجعل ﷺ صلاح الجسد وفساده تابعا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، ويجاب عن استدلال الأطباء أنه في الدماغ بأنه إذا فسد فسد العقل، بأن الله ﷾ أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع في هذا. الثالث: اختلف في ماهيته فقيل: هو التثبت في الأمور لأنه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، وقيل: هو التمييز الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان. وقال المحاسبي [ (٣) ] رحمه الله تعالى: هو نور يفيد الإدراك، وذلك النور يقل، ويكثر، فإذا قوي منع ملاحقة الهوى. وقال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: العقل علوم ضرورية، يعطيها حواس السمع والبصر، والنطق، أو لا يكون كسبها من الحواس. وقال صاحب القاموس العقل: العلم بصفات الأشياء من حسنها، وقبحها، وكمالها، ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وشرّ الشرين، أو يطلق لأمور لقوة بها يكون التمييز بين القبح والحسن، ولمعان مجتمعه في الذّهن، يكون بمقدمات تستتبّ بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة في الإنسان، في حركاته وسكناته، والحق أنه نور روحاني، به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ.
ركاته وسكناته، والحق أنه نور روحاني، به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ.
الرابع: قال بعض العلماء رحمه الله تعالى: العقل أنواع:. الأول: غريزي: وهو في كل آدمي مؤمن وكافر. الثاني: كسبي: وهو الذي يكتسبه المرء من معاشرة العقلاء، ويحصل للكافر أيضا. الثالث: عطائي: وهو عقل المؤمن الذي اهتدى به للإيمان. الرابع: عقل الزّهاد، وذكر الفقهاء: لو أومئ لأعقل الناس صرف للزهاد. الخامس: شرفي: وهو عقل نبينا محمد ﷺ لأنه أشرف العقول. الخامس: اختلف في التفضيل بين العقل والعلم. قال الشيخ الإمام العلامة محيي الدين الكافيجي [ (١) ]- وهو بفتح الفاء-: التحقيق أن العلم أفضل باعتبار كونه أقرب منه بالإفضاء إلى معرفة الله تعالى وصفاته، والعقل أفضل باعتبار كونه أصلا ومنبعا للعلم انتهى. ما في شرح الأسماء. السادس: حديث أول ما خلق الله تعالى العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ، وبك أعطي» - رواه ابن عدي والعقيلي في الضعفاء عن أبي أمامة وأبو نعيم عن عائشة، قلت: وهو من الأحاديث الواهية الضعيفة وقد بينته. السابع: في بيان غريب ما سبق. اللّبّ: بضم اللام وتشديد الموحدة: هو العقل السليم من شوائب الوهم. الثّقوب: قوة الإدراك للطائف العلوم، ومهمات الأمور، وملمات الأحوال، كأنه يثقبها كما يثقب النجم الظلام بقوة ضوئه. الفطنة: تهيؤ قوة النفس لتصوّر ما يرد عليها من المعاني. السياسة: الملك للناس بقرائن العقل، ولهجته الصدق، ونهج الحق في القيام عليهم بما يصلحهم. الرّذائل: الأفعال الرديئة، وتجنبها بمخالفة الهوى، والميل إلى منهج الهدى.
ملك للناس بقرائن العقل، ولهجته الصدق، ونهج الحق في القيام عليهم بما يصلحهم. الرّذائل: الأفعال الرديئة، وتجنبها بمخالفة الهوى، والميل إلى منهج الهدى.
الباب الثاني في حسن خلقه ﷺ قال الله ﷾: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ن ٤] وروى ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، ومسلم والترمذي والنسائي، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، وابن مردويه عن يزيد بن بابنوس- وهو بموحدتين، بينهما ألف، ثم نون مضمومة، وواو ساكنة، وسين مهملة- أن عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: «ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ﷺ» ، وفي لفظ: «كأن أحسن الناس خلقاً كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشا ولا متفاحشا ولا سخّابا في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» ، ثم قالت: اقرأ سورة المؤمنين اقرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون ١] إلى العشر، فقرأ السائل: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ. وروى ابن المبارك وعبد الله بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي: في الآية مثال على أدب القرآن. وروى الإمام أحمد والخرائطي، وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق [ (١) ] » رواه الإمام مالك عنه بلفظ: بعثت لأتمّ حسن الأخلاق» ورواه البزّار بلفظ بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» . وروى ابن سعد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم كما حسّنت خلقي فحسّن خلقي [ (٢) ] » . وروى البزار عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى لم يبعثني متعنّتا ولكن بعثني معلّما وميسرا [ (٣) ] » . وروى الشّعبي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه من شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى [ (٤) ] » ، وفي رواية مسلم
قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا بيده، ولا ضرب مولى له، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما نيل منه شيء فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله تعالى [ (١) ] » . وروى يعقوب بن سفيان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفاحشا ولا صخابا في الأسواق [ (٢) ] » . وروى الإمام أحمد والشيخان عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفاحشا وكان يقول: «إنّ خياركم أحسنكم أخلاقا [ (٣) ] » . وروى البخاري عنه أيضا قال: «إن رسول الله ﷺ موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، فذكر الحديث، وفيه: ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» . وروى الإمام أحمد والشيخان والخرائطيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، وفي لفظ: إحدى عشرة سنة، وأنا ابن ثمان سنين، في السفر والحضر، والله ما قال لي: أفّ قط، ولا لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا؟ ولا لشيء صنعته: أسأت صنعته، أو لبئس ما صنعت، ولا عاب عليّ شيئا قط، ولا أمرني بأمر فتوانيت عنه، أو ضيعته فلا مني، ولا لامني أحد من أهله إلا قال دعوه فلو قدّر أو قال قضي أن يكون كان، وأرسلني في حاجة يوما فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمر به رسول الله ﷺ، فخرجت على صبيان وهم يلعبون في السوق، وإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه، وهو يضحك، فقال: «يا أنس، اذهب حيث أمرتك» فقلت له: أنا أذهب يا رسول الله [ (٤) ] . وروى البخاري عنه أيضا قال: لم يكن رسول الله ﷺ سبّابا ولا لمّاما ولا فاحشا، وكان يقول لأحدنا عند المعاتبة: «ماله ترب جبينه [ (٥) ] » . وروى الإمام أحمد والبخاري عنه أيضاً قال: كانت الأمة- زاد البخاري والعبد- لتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت، ويجيب إذا دعي [ (٦) ] .
مد والبخاري عنه أيضاً قال: كانت الأمة- زاد البخاري والعبد- لتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت، ويجيب إذا دعي [ (٦) ] .
وروى أبو داود عنه قال: ما رأيت رجلا التقم أذن رسول الله ﷺ فنحى رأسه عنه، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، وما رأيت رجلا أخذ بيد رسول الله ﷺ فترك يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع [ (١) ] . وروى مسلم والحارث بن أبي أسامة عن معاوية بن الحكم رضي الله تعالى عنه قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فحدّقني القوم بأبصارهم، قال: فقلت: يرحمك الله، فحدّقني القوم بأبصارهم، قال: قلت: وثكل أماه، ما لهم ينظرون إليّ، قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم قال: فلمّا رأيتهم يسكّتوني سكتّ، فلما سلم رسول الله ﷺ من صلاته دعاني، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله، ولا بعده أحسن تعليما منه، والله ما ضربني، ولا سبّني، ولا نهرني، ولكن قال: «إن صلاتك هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن [ (٢) ] » رواه مسلم. وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: أتى رسول الله ﷺ غلام شاب فقال: يا رسول الله ايذن لي في الزنا، فصاح الناس وقالوا: مه، فقال رسول الله ﷺ: «أتحبّه لأمّك؟» فقال: لا، قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لأختك؟ قال: لا، قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم، قال: أتحبه لعمتك؟» قال: لا، قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم، فاكره لهم ما تكره لنفسك، وأحبّ لهم ما تحب لنفسك [ (٣) ] » وذكر الحديث رواه أبو نعيم. وروى أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: ثيابنا في الجنة ننسجها بأيدينا أم تشقق من ثمر الجنة؟ فضحك أصحاب رسول الله ﷺ، فقال الأعرابي: ممّ يضحكون؟ من جاهل يسأل عالما؟ فقال: صدقت يا أعرابي، ولكنها تشقق من ثمر الجنة [ (٤) ] .
أم تشقق من ثمر الجنة؟ فضحك أصحاب رسول الله ﷺ، فقال الأعرابي: ممّ يضحكون؟ من جاهل يسأل عالما؟ فقال: صدقت يا أعرابي، ولكنها تشقق من ثمر الجنة [ (٤) ] . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رهطا من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ، فقالوا: «السلام عليك» فقال النبي ﷺ: «عليكم» ، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ففهمنا فقلت: السّلام إلا عليكم، واللعنة فقال النبي ﷺ: «مهلا يا عائشة إن الله تعالى يحب الرفق في
الأمر كله» ، قالت: يا رسول الله ألم تسمع لما قالوا؟ قال: «قد قلت: «عليكم» ، رواه عبد الرحمن بن حميد [ (١) ] . وروى أبو يعلى عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان يخطب فقال: أما والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويشيّع جنائزنا ويغدو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير. وروى ابن أبي شيبة والبخاري، وأبو الشيخ، والبيهقي عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: كان رجل من الأنصار يدخل على رسول الله ﷺ، ويأمنه رسول الله ﷺ، وأن ذلك الرجل عقد له عقدا، فألقاه في بئر، فصرع ذلك النبي ﷺ، فأتاه ملكان يعودانه، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا، وهي في بئر فلان، وقد اصفرّ من شدة عقده، فأرسل رسول الله ﷺ عليا فاستخرج العقد، فوجد العاقد اصفر، فحل العقد، وقام رسول الله ﷺ فما ذكر ذلك رسول الله ﷺ، ولا رآه في وجهه قط، ولم يعاتبه حتى مات، وفي رواية: فلم يذكر له شيئا، ولم يعاتبه فيه، وفي رواية: فما رأيته في وجه رسول الله ﷺ، ولا ذكره له حتى مات. وروى يعقوب بن سفيان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل ينزع، وإن استقبله بوجهه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له [ (٢) ] . وروى الخطيب في الرواية عن مالك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الرفق في الأمور كلها.
ر مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له [ (٢) ] . وروى الخطيب في الرواية عن مالك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الرفق في الأمور كلها. وروى البيهقي عن ابن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ دمثا، ليس بالجافي ولا المهين، لا يقوم لغضبه شيء إذا تعرض الحق، حتى ينظر له، وفي رواية لا تغضبه الدنيا، وما كان لها، فإذا تعرّض الحقّ لم يعرف أحدا، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها [ (٣) ] . وروى الشيخان وابن سعد وأبو الشيخ عن أنس رضي الله تعالى عنه: قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، قال أنس: حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ أثرت بها حاشية الثوب، من
شدة جبذته، فقال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، وأمر له بعطاء [ (١) ] . وروى الطبراني بسند حسن عن صفية رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت أحسن خلقا من رسول الله ﷺ [ (٢) ] . وروى الإمامان والشافعي وأحمد والبخاري والأربعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أن أعرابياً دخل المسجد، ورسول الله ﷺ جالس، فصلى ركعتين فقال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال رسول الله ﷺ: «لقد تحجّرت واسعا» ، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم رسول الله ﷺ وقال: «تزرموه» ، فقضى حاجته، حتى فرغ من بوله وقال: «إنّما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسّرين، علموا، ويسروا، ولا تعسروا، صبّوا عليه سجلا من ماء» زاد ابن ماجة: فقال الأعرابي بعد أن فقه: فقام إليّ بأبي وأمي ﷺ، فلم يؤنّب فقال: إن هذا المسجد لا يبال فيه، إنما بني لذكر الله تعالى وللصلاة [ (٣) ] . وروى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مه مه، فقال رسول الله ﷺ: «لا تزرموه، إنما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسرين» ، فتركوه، حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، والقذر، إنما هي لذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، ثم أمر رجلا فجاءه بدلو من ماء فشنّه عليه [ (٤) ] » . وروى الإمام أحمد والشيخان عنه قال: جاء الطفيل بن عمرو الدّوسي إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله أن دوسا قد عصت وأبت، فادع الله تعالى عليهم، فاستقبل القبلة، فرفع يده فقال الناس: هلكوا اليوم، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اهد دوسا، وأت بهم جميعا، ثلاثا [ (٥) ] » .
ت وأبت، فادع الله تعالى عليهم، فاستقبل القبلة، فرفع يده فقال الناس: هلكوا اليوم، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اهد دوسا، وأت بهم جميعا، ثلاثا [ (٥) ] » .
وروى أبو الشيخ وأبو الحسن بن الضحاك عنه أيضاً قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يستعينه في شيء فقال: يا محمد أعطني، فإنك لا تعطيني من مالك، ولا من مال أبيك. فأعطاه شيئاً، ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال لا ولا أجملت، فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفّوا، ثم قام فدخل منزله، ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت، فأعطاه شيئا، فقال: «أرضيت؟» فقال: لا، ثم أعطاه أيضا، فقال: «أرضيت؟» فقال: نعم، نرضى، فقال: «إنك جئتنا، فسألتنا، فأعطيناك، فقلت ما قلت، وفي أنفس المسلمين شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب عن صدورهم ما فيها» ، قال: نعم، فلما كان الغداة أو العشيّ جاء، فقال رسول الله ﷺ: «إن صاحبكم هذا كان جائعا فسألنا، فأعطيناه، فزعم أنه رضي، أكذلك؟» فقال الأعرابي: «أي نعم، فجزاك الله تعالى عن أهل وعشيرة خيرا» فقال رسول الله ﷺ: «ألا إن مثلي ومثلكم كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فأتّبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحب الناقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها، فتوجه لها صاحبها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فجاءت واستناخت، فشد عليها رحلها، واستوى عليها، وأنا لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار، فما زلت حتى فعلت ما فعلت [ (١) ] » . وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد، ويعود المريض، ويركب الحمار [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصّفا ذهبا، وأن ينحّي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن نعطيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم، قال: بل أستأني بهم [ (٣) ] . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قيل يا رسول الله ادع على
ألوا، فإن كفروا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم، قال: بل أستأني بهم [ (٣) ] . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قيل يا رسول الله ادع على
المشركين فقال: «لم أبعث لعّانا، وإنما بعثت رحمة [ (١) ] » . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن زيد بن أسلم مرسلا أن رسول الله ﷺ مر بقوم يتدافعون حجرا بينهم، وكأنه كره ذلك منهم، فلما جاوزهم رجع إليهم مستفسرا فقال: «ما هذا الحجر» فقالوا: يا رسول الله هذا حجر الأسد، فقال بعض أصحابه: لو نهرتهم يا رسول الله قال: «إنما بعثت ميسّرا، ولم أبعث منفرا» . وروى الإمام أحمد عن تمّام بن العباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يصفّ عبد الله وعبيد الله وكثيرا أبناء العباس رضي الله تعالى عنهم، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «من سبق إليّ فله كذا وكذا وقال فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره فيقبّلهم ويلتزمهم [ (٢) ] » . وروى ابن مردويه، وأبو نعيم، والواحدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ﷺ، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا من أهل بيته إلا قال: لبّيك، فلذلك أنزل الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ن ٤] . وروى أبو الشيخ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا فقد رجلا من أصحابه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبا دعا له، وإن كان شاهدا زاره، وإن كان مريضا عاده [ (٣) ] . وروى ابن سعد عن أنس أن رسول الله ﷺ بعثه في حاجة، قال: فرأيت صبيانا فقعدت معهم، فجاء رسول الله ﷺ على الصبيان. وروى البيهقي عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: كنت جار النبي ﷺ، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا.
عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: كنت جار النبي ﷺ، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. وروى محمد بن عمر الأسلمي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما وعن غيرها أن أبا بكر قال: يا رسول الله- لمّا أراد حجّة الوداع- عندي بعير نحمل عليه زادنا، فقال رسول الله ﷺ: فذاك إذن، فكانت زاملة رسول الله ﷺ وزاملة أبي بكر رضي الله تعالى عنه واحدة، وأمر رسول الله ﷺ بزاد دقيق وسويق، فجعل على بعير أبي بكر، وأعطاه أبو بكر لغلام له. فنام الغلام في بعض الطريق فذهب البعير، فلما نزل رسول الله ﷺ جاء
الغلام، وليس معه شيء، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه أين البعير؟ فقال: ضل، فقام إليه يضربه، ويقول: بعير واحد ضل منك لو لم يكن إلا أنا لهان الأمر، ولكن رسول الله ﷺ وأهله، فجعل رسول الله ﷺ يبتسم، ويقول: ألا ترون إلى هذا المحرم وما يصنع؟ فحمل جماعة جفنة من حيس وأقبلوا بها إلى رسول الله ﷺ حتى وضعوها بين يديه، فجعل يقول: يا أبا بكر هلمّ، فقد جاءك الله تعالى بغذاء طيب، وجعل أبو بكر يغتاظ على الغلام، فقال رسول الله ﷺ: «هوّن عليك، فإن الأمر ليس عليك، ولا إلينا معك، قد كان الغلام حريصا أن لا يضل بعيره، وهذا خلف مما كان معه» ، فأكل رسول الله ﷺ وأهله، ومن كان معه وكل من كان يأكل مع رسول الله ﷺ حتى شبعوا، ذكر في سيرته الحديث. وذكر المحب الطبري رحمه الله تعالى أن رسول الله ﷺ كان في سفر، وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله على ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله عليّ سلخها، وقال آخر: يا رسول الله عليّ طبخها، فقال رسول الله ﷺ: «وعليّ جمع الحطب» فقالوا يا رسول الله: نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميز عليكم، وأن الله تعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» .
طب» فقالوا يا رسول الله: نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميز عليكم، وأن الله تعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» .
تنبيهات الأول: حقيقة حسن الخلق قوى نفسانية تسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة، والآداب المرضية، فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه، ويدخل في حسن الخلق التّحرّز عن الشّح، والبخل، والكذب، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة، ويسهل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول والفعل، والبذل، وطلاقة الوجه، مع الأقارب، والأجانب، والتساهل في جميع الأمور، والتسامح فيما يلزم من الحقوق، وترك التقاطع، والتهاجر، واحتمال الأذى من الأعلى والأدنى، مع طلاقة الوجه، وإدامة البشر- في هذه الخصال تجمع محاسن الأخلاق، ومكارم الأفعال، ولقد كان جميع ذلك في رسول الله ﷺ فلهذا وصفه الله تعالى بقوله ﷿: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ن ٤] . الثاني: على في هذه الآية للاستعلاء، فدل اللفظ على أنه كان مستعليا على هذه الأخلاق، ومستوليا عليها، قال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: وإنما كان خلقه عظيما لأنه لم يكن له همّة سوى الله تعالى. قال الإمام الحليمي عفا الله عنه: وإنما وصف خلقه بالعظم مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السّماحة والدّماثة، ولم يكن ﷺ مقصورا على ذلك، بل كان رحيما بالمؤمنين، رفيقا بهم، شديدا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبا في صدورهم،
ن كرم الخلق يراد به السّماحة والدّماثة، ولم يكن ﷺ مقصورا على ذلك، بل كان رحيما بالمؤمنين، رفيقا بهم، شديدا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبا في صدورهم،
منصورا عليهم بالرعب من مسيرة شهر، وكان وصف خلقه بالعظم ليشمل الإنعام والانتقام، وقيل: إنما وصف بالعظم لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، فإنه ﷺ أدّب بالقرآن، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها فيما تقدم أول الباب. وقد وصف الله تعالى نبيه ﷺ بما يرجع إلى قوته العلمية أنه عظيم: فقال تعالى وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء ١١٣] ووصفه بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم: فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة الدرجة عالية. الثالث: الخلق بضم أوله، وثانيه، ويجوز إسكانه: ملكة نفسية تسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة. قال الإمام الراغب رحمه الله تعالى: الخلق والخلق- بالفتح والضم في الأصل- بمعنى واحد كالشّرب والشّرب، لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، واختلف هل حسن الخلق بالضم غريزة أو مكتسب، وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «أن الله تعالى قسّم بينكم أخلاقكم كما قسّم أرزاقكم [ (١) ] » رواه البخاري. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: الخلق جبلّة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفارقون، فمن غلب عليه شيء منها كان محمّدا محمودا، وإلا فهو المأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودا، وكذا إن كان ضعيفا، فيرتاض صاحبه حتى يقوى. وروى الإمام أحمد والنّسائي والتّرمذي وابن حبان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال للأشج- أشجّ عبد القيس-: «إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله تعالى ورسوله: الحلم والأناة» ، قال: يا رسول الله قديما كان أو حديثا؟ قال: «قديما» ، قال: الحمد لله الذي جبلني على جبلّتين يحبّهما الله تعالى » فترديد السؤال، وتقريره عليه، يشعر بأن من الخلق ما هو جبليّ وما هو مكتسب،
ا؟ قال: «قديما» ، قال: الحمد لله الذي جبلني على جبلّتين يحبّهما الله تعالى » فترديد السؤال، وتقريره عليه، يشعر بأن من الخلق ما هو جبليّ وما هو مكتسب، وقد كان ﷺ يقول: «اللهم كما حسّنت خلقي فحسّن خلقي» رواه الإمام أحمد وابن حبّان رحمة الله عليهما، وكان يقول في دعاء الافتتاح: «واهدني لأحسن الأخلاق، إنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت» . رواه مسلم. الرابع: قال بعض العلماء: جعل الله تعالى القلوب محل السرور، والإخلاص الذي هو
سر الله تعالى، يودعه قلب من شاء من عباده، فأول قلب أودعه قلب سيدنا محمد ﷺ، لأنه أول الأنبياء خلقا، وصورته آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، ﵈، فهو أولهم وآخرهم، وقد جعل الله ﵎ أخلاق القلوب للنفوس أعلاما على أسرار القلوب، فمن تحقق قلبه بسر الله تعالى اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله تعالى، ولذلك جعل الله تعالى لسيدنا محمد ﷺ جثمانية اختص بها من بين سائر العالمين، فتكون علامات اختصاص جثمانية آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة، وعظم خلقه، وتكون علامات عظم أخلاقه آيات على أسرار قلبه المقدس. الخامس: قال الشيخ شهاب الدين السّهروردي رحمه الله تعالى في العوارف: لا يبعد أن قول عائشة رضي الله تعالى عنها: كان خلقه القرآن- فيه أمر غامض وإيماء خفي إلى الأخلاق الرّبّانية، فاحتشمت من الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلّقا بأخلاق الله تعالى، فعبرت عن المعنى بقولها: كان خلقه القرآن، استحياء من سبحات الجلالة، وسترا للحال بلطف المقال، وهذا من موفور عقلها، وكما أدبها، وقال غيره: أرادت بذلك اتصافه بما فيه من الاجتهاد في طاعة الله تعالى، والخضوع له، والانقياد لأمره، والتشديد على أعدائه، والتواضع لأوليائه، ومواساة عباده، وإرادة الخير لهم، إلى غير ذلك من أخلاقه الفاضلة. وقال آخر: فكما أن معاني القرآن لا تتناهي فكذلك أوصافه الحميدة الدالة على حسن خلقه العظيم لا تتناهى، إذ في كل حال من أحواله يتجدد له الكثير من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشّيم، وما يفيضه الله ﷿ عليه من معارفه، وعلومه، مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإذن التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عادته. السادس: قول عائشة رضي الله تعالى عنها: ما انتقم ﷺ لنفسه أي خاصة، فلا يرد أمره بقتل عبد الله بن خطل، وعقبة بن أبي معيط [ (١) ] ، وغيرهما ممن كان يؤذيه، لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله تعالى.
م ﷺ لنفسه أي خاصة، فلا يرد أمره بقتل عبد الله بن خطل، وعقبة بن أبي معيط [ (١) ] ، وغيرهما ممن كان يؤذيه، لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله تعالى. وقيل أرادت أنه لا ينتقم إذا أوذي من جفاء من رفع صوته عليه، والذي جبذ بردائه، حتى أثر في كتفه، وحمل الدّاودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه قال: واقتص ممن لدّه في مرضه بعد نهيه ﷺ عن ذلك، بأن أمر بلدّهم،
مع أنهم كانوا من ذلك تأولوا، إنما نهاهم على عادة البشرية من كراهة النفس للدواء قال الحافظ رحمه الله تعالى: كذا قال. السابع: في بيان غريب ما سبق: الفاحش: أي ليس ذا فحش في كلامه. ولا سخّابا: أي لا يرفع صوته بكثرة الصياح، لحسن خلقه، وكرم نفسه، وشرف طبعه، وروي بالصاد وهو بمعناه. ليس بفظ: بالظاء المعجمة المشالة: أي ليس بسيّء الخلق، والخشن من القول. الغليظ: بالمعجمة المشالة أي الجافي. الدّمث: السهل اللين، وليس بالجافي، ولا المهين بضم الميم: يريد أنه لا يحقر الناس ولا يهينهم، ويروى ولا المهين بفتح الميم، فإن كانت الرواية هكذا فإنه أراد ليس بالفظ الغليظ الجافي، ولا الحقير الضعيف. لا تزرموه: بفوقية مضمومة، فزاي فراء مكسورة، فميم: أي لا تقطعوا بوله. السّجل: بسين مهملة مفتوحة، فجيم ساكنة: فلام: الدّلو الملأى. يؤنب: بالبناء للمفعول: يلوم. قمام الأرض: هو جمع قمامة: ما تقمقمه من المرعى وأصله الكناسة. لدّه: بلام فدال مهملة مفتوحتين، فهاء: سقاه في أحد شقي الفم، والله تعالى أعلم.
ول: يلوم. قمام الأرض: هو جمع قمامة: ما تقمقمه من المرعى وأصله الكناسة. لدّه: بلام فدال مهملة مفتوحتين، فهاء: سقاه في أحد شقي الفم، والله تعالى أعلم.
الباب الثالث في حلمه وعفوه مع القدرة له ﷺ قال الله ﷾: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف ١٩٩] وقال ﷿: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران ١٥٩] . روى أبو نعيم عن قتادة رحمه الله تعالى قال: طهر الله تعالى رسوله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبا، رؤوفا بالمؤمنين رحيما [ (١) ] . وروى ابن مردويه عن جابر وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الشّعبي قال: لما أنزل الله ﷿: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ الآية، قال: ما تأويل هذه الآية يا جبريل؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فصعد، ثم نزل، فقال: يا محمد أن الله ﵎ أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك. وروى البخاري عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما في الآية مسائل: الأولى: قال: أمر رسول الله ﷺ أن يأخذ بالعفو عن أخلاق الناس [ (٢) ] . وروى البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ، فلما قفل معه أدركتهم القائلة في واد كثير العضاة فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة فعلق سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: «إن هذا اخترط عليّ سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده فقال: من يمنعك مني؟» فقلت: الله ثلاثا، ولم يعاقبه وجلس [ (٣) ] .
وروى الإمام أحمد والطبراني عن جعدة [ (١) ] رضي الله تعالى عنه قال: شهدت رسول الله ﷺ أتي برجل فقال: هذا أراد أن يقتلك، فقال رسول الله ﷺ: «لن تراع، لو أردت ذلك لم يسلطك الله عليّ» [ (٢) ] . وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد وعبد بن حميد ومسلم والثلاثة عن أنس رضي الله تعالى عنه أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من قبل التنعيم متسلحين يريدون غرّة رسول الله ﷺ، فدعا عليهم، فأخذهم سلما فعفا عنهم، واستحياهم [ (٣) ] . وروى النّسائي، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ يوما، ثم قام فقمت حين قام، فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه، فجذبه بردائه، فحمّر رقبته، وكان رداؤه خشنا، فالتفت إليه رسول الله ﷺ، فقال له الأعرابي: احملني على بعيري هذين، فإنك لا تحملني من مالك، ولا من مال أبيك، فقال له رسول الله ﷺ: «لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك» وكل ذلك يقول الأعرابي: والله لا أقيدكها، فذكر الحديث، وفيه: ثم دعا رسول الله ﷺ عمر رضي الله تعالى عنه فقال: احمل له على بعيريه هذين- على بعير تمرا، وعلى الآخر شعيرا، - ثم التفت إلينا، فقال: «انصرفوا على بركة الله تعالى [ (٤) ] » . وروى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة طاف بالبيت وصلّى ركعتين، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تقولون؟ وما تظنون؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قالوا ذلك ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ: «أقول كما قال أخي يوسف لإخوته» ﵇ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف ٩٢] فخرجوا، فكأنما نشروا من القبور، فأسلموا [ (٥) ] . وروى ابن عساكر عن الزهري عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم فتح مكة أرسل رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية، وأبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، قال عمر رضي الله تعالى عنه فقلت: قد أمكنني الله ﷿ منهم اليوم، لأعرفنهم بما صنعوا، فقال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثلكم كما قال يوسف ﵇ لإخوته» :
ث بن هشام، قال عمر رضي الله تعالى عنه فقلت: قد أمكنني الله ﷿ منهم اليوم، لأعرفنهم بما صنعوا، فقال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثلكم كما قال يوسف ﵇ لإخوته» :
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فانفضحت حياء من رسول الله ﷺ كراهية أن يكون يدري، وقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال [ (١) ] . وروى أبو الشيخ، وابن حبان عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ جعل يقبض يوم حنين من فضة في ثوب بلال، ويفرقها، فقال له رجل: يا رسول الله أعدل، فقال: «ويحك، من يعدل إذا أنا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن كنت لا أعدل» فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ألا أضرب عنقه فإنه منافق؟ فقال: «معاذ الله أن يتحدث أني أقتل أصحابي [ (٢) ] » . وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسا في القسمة ليؤلفهم، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى ناسا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله تعالى، قال: فقلت: والله لأخبرنّ رسول الله ﷺ، فأتيته، فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصّرف، ثم قال: «فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال: يرحم الله موسى ﵇، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر [ (٣) ] » . وروى ابن حبان، والحاكم، عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: أن زيد بن سعية- وهو أحد علماء أهل الكتاب من اليهود- وقال النووي رحمه الله تعالى: هو أحد أحبار اليهود الذين أسلموا- قال: إنه لم يبق من علامات النّبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: أن يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه، فابتعت منه تمرا معلوما إلى أجل معلوم، وأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، أتيته، فأخذت بجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، فقلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فو الله إنكم يا بني عبد المطلب لمطل، وقد كان لي بمخالطتكم علم فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:
رت إليه بوجه غليظ، فقلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فو الله إنكم يا بني عبد المطلب لمطل، وقد كان لي بمخالطتكم علم فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أي عدوّ الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع؟ فو الله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون، وتؤدة، وتبسم، ثم قال: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التّباعة اذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا، مكان ما رعته» ، ففعل عمر رضي الله تعالى عنه، فقلت:
يا عمر، كلّ علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد خبرتهما، فأشهدك أني رضيت بالله تعالى ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ابتاع رسول الله ﷺ جزورا من أعرابي بوسق من تمر الذّخيرة، فجاء منزله، فالتمس التمر، فلم يجده، فخرج إلى الأعرابي فقال: «عبد الله، إنا قد ابتعنا منك جزورك هذا بوسق، من تمر الذّخيرة، ونحن نرى أن عندنا، فلم نجده» فقال الأعرابي: وا غدراه وا غدراه، فوكزه الناس وقالوا: إلى رسول الله ﷺ تقول هذا؟ فقال: «دعوه، فإن لصاحب الحقّ مقالا» فردد ذلك رسول الله ﷺ مرتين أو ثلاثا، فلما رآه لا يفقه عنه قال لرجل من أصحابه: «اذهب إلى خولة بنت حكيم بن أمية فقل لها رسول الله ﷺ يقول لك إن كان عندك وسق من تمر الذّخيرة فسلفينا حتى نؤديه إليك إن شاء الله تعالى» فذهب إليها الرجل ثم رجع قال: قالت: نعم هو عندنا يا رسول الله، فابعث من يقبضه، فقال رسول الله ﷺ للرجل: «اذهب فأوفه الذي له» فذهب، فأوفاه الذي له، قال فمر الأعرابي برسول الله ﷺ، وهو جالس في أصحابه، فقال: جزاك الله خيرا، فقد أوفيت وأطيبت، فقال رسول الله ﷺ: «أولئك خيار الناس الموفون المطيّبون [ (٢) ] » . وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رجلا أتى رسول الله ﷺ يتقاضاه فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فقال رسول الله ﷺ: «دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، ثم قال: أعطوه شيئا مثل سنّه» ، فقالوا: يا رسول الله، لا نجد إلا أفضل من سنه، قال: «أعطوها، وخيركم أحسنكم قضاء [ (٣) ] » . وروى البخاري ﵀ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها فجيء بها، فقيل: ألا تقتلها فقال: «لا» [ (٤) ] . وروى الشيخان عن عائشة وابن أبي حاتم عن عكرمة وروى أبو الحسن بن الضحاك عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أبصرت عيناي، وسمعت أذناي أن رسول الله ﷺ كان بالجعرّانة [ (٥) ] ، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يفضّها على الناس، فيعطيهم، فقال له
له تعالى عنه قال: أبصرت عيناي، وسمعت أذناي أن رسول الله ﷺ كان بالجعرّانة [ (٥) ] ، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يفضّها على الناس، فيعطيهم، فقال له
رجل: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ «معاذ الله أن يتحدث الناس أنني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلوقهم أو قال: حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية [ (١) ] » . وروى الإمام أحمد وعبد بن حميد، والبخاري والنسائي وأبو الشيخ، والبيهقي عن زيد ابن أرقم رضي الله تعالى عنه: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياما، فأتاه جبريل ﵇، فقال إن رجلا من اليهود سحرك، فعل لذلك عقدا، فأرسل رسول الله ﷺ عليا رضي الله تعالى عنه فاستخرجها، فجاء بها فجعل كل ما حل عقدة وجد لذلك خفّة، فقام رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه [ (٢) ] . وروى البيهقي في شعب الإيمان، مرسلا عن عبد الله بن عبيد مرسلا أن رسول الله ﷺ لما كسرت رباعيّته، وشجّ وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال رسول الله ﷺ: «إني لم أبعث لعّانا، ولكن بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون [ (٣) ] » ، ورواه موصولا عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه مختصرا: «اللهم: اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون» ، ولله در القائل حيث قال. وما الفضل إلا أنت خاتم فضة ... وعفوك نقش الفصّ فاختم به عذري ومن رحمته ورأفته ﷺ بأمته تخفيفه وتسهيله عليهم، وكراهيته أشياء مخافة أن تفرض عليهم ، كقوله ﷺ: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، ومع كل صلاة، ولأخّرت العشاء إلى ثلث الليل» ، وخبر قيام رمضان، ونهيه عن الوصال، وكراهته دخول الكعبة لئلا يعنت أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبّته ولعنته رحمة لمن سبه وزكاة وطهورا.
ء إلى ثلث الليل» ، وخبر قيام رمضان، ونهيه عن الوصال، وكراهته دخول الكعبة لئلا يعنت أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبّته ولعنته رحمة لمن سبه وزكاة وطهورا.
تنبيهات الأول: الحلم حالة توقير، وثبات في الأمور، وتصبّر على الأذى، لا يستثير صاحبه الغضب عند الأسباب المحركة، ولا يحمله على انتقام، وهو شعار العقلاء، وقد كان ﷺ منه بالمحل الأعظم، كما يشهد له قول أبي سفيان وقد قال له: يا عمّ أما آن لك أن تسلم؟ «بأبي
أنت وأمي ما أحلمك!» ، ولا تزيده كثرة الأذى إليه إلا حلما، بشهادة ما تقدم ومما حصل له يوم أحد. الثاني: الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على التألم بما يفعل بها، ولهذا شقّ عليه ﷺ نسبة بعض المنافقين له الجور في القسمة، لكنه حلم وصبر لما علم من جبريل ثواب الصابرين، وأن الله تعالى يأجرهم بغير حساب، وصبره ﷺ على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان لله تعالى فإنما يمتثل فيه أمر الله تعالى من الشدة، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التحريم ٩] وقد وقع أنه ﷺ غضب لأسباب مختلفة، مرجعها إلى أن ذلك في أمر الله تعالى، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزّجر، فصبره وعفوه إنما كان يتعلق بنفسه الشريفة ﷺ، وقد قال ﷺ لما شجّ المشركون وجهه: «اللهم اهد قومي» وقال حين شغلوه عن الصلاة: «ملأ الله قلوبهم نارا» ، فتحمّل الشّجّة الحاصلة في وجه جسده الشريف، وما تحمّل الشّجّة الحاصلة في وجه دينه المنيف، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجح حق خالقه على حقه ﷺ. الثالث: قال القاضي في قوله ﷺ: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» : انظر ما في هذا القول من إجماع الفضل، ودرجات الإحسان، وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر ﷺ على السكوت عنهم، حتى عفا، ثم أشفق عليهم، ورحمهم، ودعا، وشفع لهم، فقال: «اللهم اهد واغفر» ، ثم أظهر الشفقة والرحمة بقوله: «لقومي» ، ثم اعتذر عنهم لجهلهم، فقال: «إنهم لا يعلمون» . الرابع: في بيان غريب ما سبق:
فع لهم، فقال: «اللهم اهد واغفر» ، ثم أظهر الشفقة والرحمة بقوله: «لقومي» ، ثم اعتذر عنهم لجهلهم، فقال: «إنهم لا يعلمون» . الرابع: في بيان غريب ما سبق: العفو: المساهلة، وترك المؤاخذة، والبحث عن مذامّ الأخلاق: أي أخذ ما سهل من أخلاق الناس، وأفعالهم، من غير كلفة، ولا طلب ما يشقّ عليهم حذرا من أن ينفروا من حوله. السّمرة: بسين مهملة مفتوحة، فميم مضمومة، فراء، فتاء تأنيث ضرب شجر الطّلح. الغرّة: بغين معجمة مكسورة، فراء مشددة: الخدعة. الصّرف: بصاد مهملة مكسورة، فراء ساكنة، ففاء: شجر أحمر يدبغ به الأديم. زيد بن سعنة: بسين مهملة، فعين، فنون مفتوحتين، كما قيده به الحافظ عبد الغني، وجرى عليه الدّارقطني والأمير وبالمثناة التحتية ثبت في نسخ الشّفا، وأن مصنفه صحح عليه، وهو الذي ذكره ابن إسحاق، قال الذهبي في التجريد: والأول أصح. تمر الذّخيرة: بذال، وخاء معجمتين، قال في النهاية: هو نوع من التمر معروف. الرميّة تقدم الكلام عليها والله أعلم.
الباب الرابع في حيائه ﷺ وعدم مواجهته أحدا بشيء يكرهه روى الشيخان، وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «رأى رسول الله ﷺ علي وجه رجل صفرة فقال: لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة، وكان لا يكاد يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه» [ (٢) ] . ورواه البخاري في الأدب بلفظ: كان رسول الله ﷺ قل ما يواجه الرجل بشيء يكرهه، فدخل عليه يوما رجل وعليه أثر صفرة، فلما قام قال لأصحابه: لو غيّر، أو نزع هذه الصّفرة [ (٣) ] . وروى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن رجل شيئا لم يقل له: قلت: كذا وكذا قال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا [ (٤) ] » . وروى عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ حيياً لا يسأل عن شيء إلا أعطى [ (٥) ] . وروى البيهقي عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ خافض الطّرف، جل نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة [ (٦) ] . وروى البخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: صنع رسول الله ﷺ شيئا فرخص فيه، فتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخطب، فحمد الله تعالى، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه؟ فو الله إني لأعلمهم بالله تعالى، وأشدهم له خشية» [ (٧) ] . وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ أشد الناس حياء
من العواتق في خدورها [ (١) ] ورواه الإمام أحمد والبيهقي وأبو داود عن أبي سعيد بلفظ من العذارى.
الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ أشد الناس حياء
من العواتق في خدورها [ (١) ] ورواه الإمام أحمد والبيهقي وأبو داود عن أبي سعيد بلفظ من العذارى.
تنبيهان: الأول: الحياء بالمد، وهو من الحياة، ومنه الحيا للمطر، لكن هذا المقصور، وعلى حسب حياة القلب يكون في قوم خلق الحياة، وقلة الحياء من موت القلب والروح، وكلّما كان القلب حيّا كان الحياء أتمّ وهو في اللغة: تغيّر، وانكسار، يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع عن التقصير في حق ذي الحق. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الخدر: بكسر الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة: السّتر، وهو من باب التعميم لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها أكثر ما تكون خارجة منه، لكون الخلوة مظنّة وقوع الفعل بها، فالظاهر أن المراد تقييده إذا دخل عليها في خدرها، لا حيث تكون منفردة فيه. خفض الطرف: ضد رفعه. جل الشيء بضم الجيم: معظمه. الملاحظة: أن ينظر بلحظ عينه، هو شقها الذي يلي الصدغ والأذن، ولا يحدق إلى الشيء، وكانت الملاحظة معظم نظره، وهو دليل الحياء والكرم.
بضم الجيم: معظمه. الملاحظة: أن ينظر بلحظ عينه، هو شقها الذي يلي الصدغ والأذن، ولا يحدق إلى الشيء، وكانت الملاحظة معظم نظره، وهو دليل الحياء والكرم.
الباب الخامس مداراته، وصبره على ما يكره ﷺ روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: جاء مخرّق بن نوفل يستأذن، فلما سمع رسول الله ﷺ صوته قال: «بئس أخو العشيرة الحديث» . وروى الشيخان، والإمامان مالك وأحمد، والتّرمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلا استأذن على رسول الله ﷺ فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، فلما دخل عليه ألان له القول وتطلّق في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قلت: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت: كذا وكذا، فلما دخل ألنت له القول، وتطلّقت في وجهه، وانبسطت إليه، فقال ﷺ: «متى عهدتني فاحشا إن شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه» وفي رواية اتقاء شرّه [ (١) ] . وروى ابن الأعرابي عن صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الغنم، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل [ (٢) ] . وروى ابن عدي، والحكيم والترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بالفرائض [ (٣) ] » . وروى ابن سعد عن إسماعيل بن عياش- بالتحتية والشين المعجمة- رحمه الله تعالى قال: كان رسول الله ﷺ أصبر الناس على أقذار الناس [ (٤) ] . وروى النّسائي، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنا قعودا عند رسول الله ﷺ في المسجد فإذا قام قمنا، فقام يوما، وقمنا معه، حتى بلغ وسط المسجد فأدركنا رجل، فجبذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه خشنا، فحمّر رقبته فقال: يا محمد احمل لي على بعيري هذين الحديث [ (٥) ] .
تنبيهات الأول: هذا الرجل المبهم- قال ابن بطال والقاضي، والقرطبي، والنووي ﵏
تعالى هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع. الثاني: قال الخطابي: جمع هذا الحديث علما، وأدبا، وليس قوله ﷺ لأمته في الأمور التي ينصحهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه ﷺ أن يبين ذلك، ويفصح به، ويعرف الناس أمرهم، فإن ذلك من باب النصيحة، والشفقة على الأمة، ولكنه لما جبل عليه من الكرم، وأعطيه من حسن الخلق، أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه ليفتدي به أمته في اتقاء شرّ من هذا سبيله، وفي مداراته، ليسلموا من شره وغائلته. الثالث: قال القرطبي: في هذا الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق، أو بالفحش، ونحو ذلك مع جواز مداراته اتقاء شره، ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى، ثم قال تبعا للقاضي الحسين: الفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا، والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه. حسن عشرته، والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه حق، وفعله معه حسن معاشرته، فيزول بهذا التقدير الإشكال. وقال القاضي رحمه الله تعالى: لم يكن عيينة والله أعلم حينئذ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم، ولم يكن إسلامه ناصحا، فأراد رسول الله ﷺ أن يبين ذلك لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبي ﷺ، وبعده، أمور تدل على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به رسول الله ﷺ من علامات النبوة، وأما إلانة القول له بعد أن دخل فعلى سبيل التألف له قال الحافظ: وقد ارتد عيينة في زمن الصديق رضي الله تعالى عنه وحارب، ثم رجع، وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر رضي الله تعالى عنه. الرابع: في بيان غريب ما سبق: المداراة: بميم مضمومة، فدال مهملة، فألف فراء، فألف، فتاء تأنيث غير مهموز، وقد يهمز: ملاينة الناس، وحسن صحبتهم، واحتمالهم، لئلا ينفروا عنك. الصبر: حبس النفس عند الجزع من المصيبة، بأن يتصور ما خلق لأجله ورجوعه إلى ربه ﷿، وتذكره للمنّة عليه، فيرى أن ما أبقى له أضعاف ما استرده منه، فيهون بذلك على نفسه. تطلّق: بمثناة فوقية، فطاء مهملة، فلام مشددة فقاف مفتوحات: تسهّل، وانبسط وجهه، واستبشر.
، فيرى أن ما أبقى له أضعاف ما استرده منه، فيهون بذلك على نفسه. تطلّق: بمثناة فوقية، فطاء مهملة، فلام مشددة فقاف مفتوحات: تسهّل، وانبسط وجهه، واستبشر. الفحش: بفاء مضمومة، فحاء مهملة ساكنة، فشين معجمة،: التعدي في القول والجواب، والكثرة والزيادة من الكلام. الأقذار: جمع قذر، بذال معجمة: الأوساخ، والأدناس حسية ومعنوية.
الباب السادس في برّه وشفقته، ورحمته، وحسن عهده ﷺ قال الله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء ١٠٧] قال بعض العارفين: من رحمه الله تعالى خلق الله ﷿ الأنبياء من الرحمة، ونبينا محمد ﷺ وعليهم، عين الرحمة، وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجة، وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: قام ﷺ ليلة، فقرأ آية يردّدها، يركع بها، ويسجد، وبها يقوم، ويقعد، حتى أصبح إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة ١١٨] فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، قال: «فإني سألت ربي الشفاعة لأمتي، وهي نائلة- إن شاء الله تعالى- من لم يشرك بالله تعالى شيئا» قلت: فما أجبت؟ قال: «أجبت بالذي لو اطّلع كثير منهم لتركوا» ، قال: فإذا أبشّر الناس، قال: بلى، فقال عمر يا رسول الله إنك إن بعثت إلى الناس بهذا يتكلوا عن العبادة، فناداه أن ارجع [ (١) ] . وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعباد من رسول الله ﷺ. وروى الشيخان عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجدانه من بكائه [ (٢) ] .
له تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجدانه من بكائه [ (٢) ] . وروى مسلم، وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ تلا قول الله ﷿ في إبراهيم إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم ٣٦] وقال في عيسى ﵇: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة ١١٨] فرفع يديه، وقال: «اللهم أمتي، أمتي، وبكى» فقال الله ﷿: «يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل له، واسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله ﷿: «يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نشوؤك ﷺ» [ (٣) ] . وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والإمام أحمد عن زيد بن ثابت
رضي الله تعالى عنهما قالا: خرج رسول الله ﷺ من جوف الليل يصلي في المسجد، فصلى رجال صلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، ففقدوا صوت رسول الله ﷺ، فجعل بعضهم يتنحنح، ليخرج إليهم، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى صلاته أقبل على الناس، ثم تشهد وقال: «أمّا بعد: فإنه لم يخف عني شأنكم الليلة، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة، فتعجزوا عنها، فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» [ (١) ] . وروى الشيخان، والنسائي، وأبو الشيخ عن مالك بن الحويرث- رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله ﷺ رحيما، رفيقا، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، فسألنا عمن تركنا عند أهلنا، فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا عندهم» [ (٢) ] . وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس فخرج حسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، فعثر، فسقط على وجهه، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر يريده، فأخذه الناس، فأتوه به فقال: «قاتل الله الشيطان، إن الولد فتنة، والله: ما علمت أني نزلت من المنبر حتى أوتيت به» [ (٣) ] . وروى الطبراني عن زيد بن هالة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أنه دخل علي رسول الله ﷺ، وهو راقد، فاستيقظ، فقام هالة إلى صدره، وقال: هالة، هالة، كأنه سرّ به لقرابته من خديجة [ (٤) ] . وروى البخاري في الأدب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ نزل منزلا فأخذ رجل بيض حمّرة، فجاءت ترفّ على رأس رسول الله ﷺ. فقال: «أيكم فجع هذه في بيضها؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله أخذت بيضها، فقال: «اردده، رحمة لها» [ (٥) ] . وروى ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: صلى بهم رسول الله ﷺ بأقصر سورتين في القرآن، فلما قضى الصلاة، قال له أبو سعيد أو معاذ:
. وروى ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: صلى بهم رسول الله ﷺ بأقصر سورتين في القرآن، فلما قضى الصلاة، قال له أبو سعيد أو معاذ:
صليت صلاة ما رأيتك صليت مثلها قط، قال: «أنا سمعت بكاء الصبي خلفي وترصّف النساء، أردت أن تفرغ له أمه» . وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن ابن علي رضي الله تعالى عنهما، وعنده الأقرع بن حابس التّميمي فقال الأقرع: لي عشرةً من الولد، ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله ﷺ وقال: «إن من لا يرحم لا يرحم» [ (١) ] . ورويا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: إنكم تقبّلون الصبيان، وما نقبلهم، فقال رسول الله ﷺ: «أو أملك لك أن نزع الله تعالى الرحمة من قلبك» [ (٢) ] . وروى محمد بن عمر الأسلمي في مغازيه عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم رضي الله تعالى عنه قال: لما سار رسول الله ﷺ من العرج في فتح مكة رأى كلبة تهرّ على أولادها وهن حولها يرضعنها، فأمر رجلا من أصحابه يقال له جعيل بن سراقة أن يقوم حذاءها، لا يعرض أحد من الجيش لها، ولا لأولادها. وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأحببت ألّا أتخلف خلف سرية تخرج في سبيل الله، ولكن لا أجد ما أحملهم عليه، ولا يجدون ما يتحملون عليه، وشق عليهم أن يتخلفوا بعدي. الحديث» [ (٣) ] . وروى الإمام مالك رحمه الله تعالى وغيره عنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، ومع كل صلاة» [ (٤) ] . وروى ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ استعذر أبا بكر من عائشة ولم يظن رسول الله ﷺ أن ينال منها بالذي نال منها، فرفع أبو بكر يده، فلطمها، وصكّ في صدرها، فوجد النبي ﷺ من ذلك، وقال: «يا أبا بكر ما أنا بمستعذرك أبدا» [ (٥) ] . وروى مسلم وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دخل معه على ابنه إبراهيم، فدعا رسول الله ﷺ بالصبي فضمه إليه، وروى ما شاء الله أن يقول،
) ] . وروى مسلم وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ دخل معه على ابنه إبراهيم، فدعا رسول الله ﷺ بالصبي فضمه إليه، وروى ما شاء الله أن يقول، قال أنس: فلقد رأيته، وهو يكبد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ، فدمعت عينا رسول الله ﷺ، فقال:
«تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، وإنّا بك با إبراهيم محزونون» [ (١) ] . وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو؟ فأغضباه، فلعنهما، وسبهما، فلما خرج قلت له: يا رسول الله من أصاب منك خيرا فما أصاب هذان منك خيرا، فقال رسول الله ﷺ: «أو ما علمت ما عاهدت عليه ربي ﷿؟» . قالت: قلت: وما عاهدت عليه ربك؟ قال: «قلت اللهم أيّما رجل سببته أو لعنته، أو جلدته فاجعلها له مغفرة، وعافية وكذا وكذا» [ (٢) ] . وروى الترمذي وصحّحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما غرت على أحد من أزواج رسول الله ﷺ ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، وما ذلك إلا لكثرة ذكر رسول الله ﷺ لها، وإن ليذبح الشاة فيتبع بها صدائق خديجة رضي الله تعالى عنها فيهديها لهن [ (٣) ] . وروى أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لقد دخل على رسول الله ﷺ يوما فقال: «صنعت اليوم شيئا، وددت أني لم أصنعه، دخلت البيت، فأخشى أن يجيء رجل من أفق من الآفاق، فلا يستطيع دخوله، فيرجع، وفي نفسه منه شيء» [ (٤) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق: البرّ: بكسر الموحدة: كل فعل مرض. الشفقة: بشين معجمة، ففاء، فقاف مفتوحتين، فتاء تأنيث. الرحمة: الرفق والتعطف، فهو ﷺ رحيم بالمؤمنين. العهد: بعين مهملة مفتوحة، فهاء ساكنة، فدال: الوصية، والتقدم إلى المرء في الشيء والموثق واليمين. فقام هالة إلى صدره: أي ضمه. حمّرة: بحاء مهملة مضمومة، فميم مشددة، فراء مفتوحتين، فتاء تأنيث: طائر صغير كالعصفور. ترصّف النساء: بمثناة فوقية فراء مفتوحتين، فصاد مهملة مشددة ففاء: وجدهن على أولادهن. كلبة تهرّ على أولادها تقدم الكلام عليه. يكبد بنفسه: بتحتية مفتوحة، فكاف ساكنة، فموحدة مكسورة، فدال مهملة: أي يحصل له بسبب طلوعها ضيق وشدة.
الباب السابع في تواضعه ﷺ قال الله ﷾ لنبيه ﷺ: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء ٢١٥] يعني ليّن جانبك، وأرفق بهم، أمره الله ﵎ بالتواضع، واللين، والرفق لفقراء المؤمنين، وغيرهم من المسلمين. وروى أبو نعيم وابن عساكر من طرق عن ابن عباس موقوفا، وابن سعد عن عائشة، وأبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم مرفوعا أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس، ومعه جبريل ﵇، إذ انشق أفق السماء، فأقبل جبريل يدنو من الأرض، ويدخل بعضه في بعض، ويتضاءل فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله ﷺ، وفي لفظ: إن الله سبحانه تعالى أرسل إلى النبي ﷺ ملكا من الملائكة حجزته تساوي الكعبة، ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي، وهو إسرافيل ﵇، فقال: «السلام عليك يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، أنا رسول ربك إليك، أمرني أن أخيرك: إن شئت نبيا عبدا، وإن شئت نبيا ملكا» ، فنظرت إلى جبريل ﵇ كالمستشير، فأشار إليّ جبريل بيده، إن تواضع، فقلت، «بل نبيا عبدا، يا عائشة لو قلت: نبيا ملكا، ثم شئت لسارت معي الجبال ذهبا» ، قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يأكل متكئا ويقول: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» للحديث طرق تأتي في باب زهده ﷺ. وروى ابن سعد عن حمزة بن عبيد الله بن عتبة قال: كانت في رسول الله خصال ليست في الجبّارين، كان لا يدعوه أحمر، ولا أسود، إلا أجابه، وكان ربما وجد تمرة ملقاة فيأخذها، فيرمي بها إلى فيه، وإنه ليخشى أن تكون من الصدقة، وكان يركب الحمار عريا، ليس عليه شيء. وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: ركب رسول الله ﷺ حمارا وأردفني خلفه. وروى ابن عدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله ﷺ وقد عقد عباءة بين كتفيه فلقيه أعرابي فقال: لم لبست هذا يا رسول الله؟ فقال: «ويحك، إنما لبست هذا لأقمع به الكبر» [ (١) ] . وروى أبو داود والتّرمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ
هذا يا رسول الله؟ فقال: «ويحك، إنما لبست هذا لأقمع به الكبر» [ (١) ] . وروى أبو داود والتّرمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ
أخذ بيد مجذوم، فأدخله معه في القصعة، ثم قال له: «كل باسم الله، وثقة بالله، وتوكلا عليه» [ (١) ] . وروى ابن أبي شيبة وعلي بن عبد القدير البغوي عن عبد الرحمن بن جبر الخزاعي قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي مع أصحابه إذ أخذّ رجل منهم، فستره بثوب فلما رأى ما عليه، رفع رأسه، فإذا هو علاه قبلي ستر، فقال: «مه» ، فأخذ الثوب، فوضعه، وقال: «إنما أنا بشر مثلكم» [ (٢) ] . وروى الحارث بن أبي أسامة عن يزيد الرّقاشي رضي الله تعالى عنه قال: حج رسول الله ﷺ على رحل رثّ وقطيفة تساوي أربعة دراهم، وقال: «اللهم حجة مبرورة، لا رياء فيها، ولا سمعة» [ (٣) ] . وروى بقي بن مخلد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ كان يقود راحلته، ويمشي هنيهة. وروي أيضا عنه قال ما رفع رسول الله ﷺ شيئا قط، ولا حملت معه طنفسة. وروى ابن الأعرابي عن أبي المثنى الأملوكي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ، ومن قبله من الأنبياء ﵈ يمشون على العصا، يتوكئون عليها، تواضعا لله ﷿. وروى ابن سعد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويردف بعده، ويجيب دعوة المملوك [ (٤) ] . وروى الحاكم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويعقل الشاة، ويأتي مدعاة الضعيف [ (٥) ] . وروى البخاري عن البزّار رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل التراب، وقد وارى التراب بياض إبطه.



