سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الصالحي الشامي (w. 942 H).

Bagian 89 dari 173 5757 halaman

— Bagian 89 · ة، ويأتي مدعاة الضعيف [ (٥) ] . —

Bagian 89

ة، ويأتي مدعاة الضعيف [ (٥) ] . وروى البخاري عن البزّار رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل التراب، وقد وارى التراب بياض إبطه.

وروى الدّارمي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف، ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي لهما حاجتهما [ (١) ] . وروى الخرائطي عنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ لا يستنكف أن يمشي مع الضعيف، والأرملة، فيفرغ لهم من حاجاتهم [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: ما رأيت رسول الله ﷺ يأكل متّكئا، ولا يطأ عقبه رجلان [ (٣) ] . وروى أبو الشيخ عن ابن عباس، وابن سعد عن أنس رضي الله تعالى عنهم قال: كان رسول الله ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك، زاد أنس: ويقول: «لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع لقبلت [ (٤) ] . وروى الخطيب في الرّواية عن مالك عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد إلى أي طعام دعا، ويقول: «لو دعيت إلى كراع لأجبت [ (٥) ] » . وروى الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويعود المريض، ويشهد الجنازة، ويأتي دعوة المملوك، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، على إكاف من ليف [ (٦) ] . وروى الترمذي- وصحّحه- والبيهقي عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه وعن أمّه قال: كان رسول الله ﷺ يبدأ من لقيه بالسلام [ (٧) ] . وروى الإمام أحمد في الزهد، وابن عساكر- وقال هذا حديث مرسل- وقد جاء معناه في الأحاديث المسندة عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: والله ما كان رسول الله ﷺ

تغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب، ولا يغدى عليه بالجفان، ولا يراح بها عليه، ولكنه كان بارزا، من أراد أن يلقى نبي الله ﷺ لقيه، كان يجلس على الأرض، ويطعم ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، ويلعق يده. وروى ابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كلّم رجلا فأرعد، فقال: «هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» [ (١) ] . وروى ابن ماجه عن عبد الله بن بسر قال: أهديت إلى رسول الله ﷺ شاة فجثا على ركبتيه، فأكل، فقال أعرابي: يا رسول الله ما هذه الجلسة؟ فقال: «إن الله ﷿ جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كانت امرأة في عقلها شيء قالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: «يا أم فلان انظري أي الطرق شئت» قال: «أقضي لك حاجتك» ، فقام معها يناجيها، حتى قضت حاجتها [ (٣) ] . وروى أبو بكر الشافعي وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ في طريق، ومعه ناس من أصحابه، فتعرضت له امرأة فقالت: يا رسول الله لي إليك حاجة، فقال: «يا أم فلان اجلسي في أدنى نواحي السكك، حتى أجلس إليك، ففعلت، فجلس إليها، حتى قضى حاجتها» [ (٤) ] . وروى ابن أبي شيبة عن يعقوب بن يزيد قال: كان رسول الله ﷺ يتّبع غبار المسجد بجريدة [ (٥) ] . وروى البخاري في الأدب عن عدي بن حاتم أنه أتى رسول الله ﷺ فإذا عنده امرأة وصبيان، أو صبي، فذكر قربهم من النبي ﷺ، قال: فعرفت أنه ليس ملك كسرى وقيصر. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فما ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة في الحاجة.

له تعالى عنه قال: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فما ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة في الحاجة.

وروى عبد بن حميد عن عدي بن حاتم قال: أتينا رسول الله ﷺ، وهو جالس في المسجد فقال القوم: هذا عديّ، وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي قال: فقام معي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: لنا إليك حاجة، فقام معهما، حتى قضى حاجتهما. وروى أبو ذر الهروي في دلائله عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أخبره أن مسكينة مرضت، فأخبر رسول الله ﷺ بمرضها، وكان رسول الله ﷺ يعود المساكين، ويسأل عنهم. وروى الإمام أحمد والبخاري وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن كانت الأمة من المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فتنطلق بها في حاجتها فلم ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت [ (١) ] . وروى ابن إسحاق الزجاجي في تاريخه عن عكرمة رحمه الله تعالى: قال العباس رحمه الله تعالى: يا رسول الله إني أراهم قد آذوك، وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشا تكلمهم فيه، فقال رسول الله ﷺ: «لا أزال بين أظهرهم يطئون عقبي وينازعوني ثوبي، ويؤذيني غبارهم، حتى يكون الله هو الذي يرحمني منهم» [ (٢) ] . وروى أبو داود، وابن ماجة، وابن حبّان، وقاسم بن ثابت، والطبراني عن أبي سعيد وغيره من الصحابة قال: مر النبي ﷺ بغلام- زاد الطّبراني أنه معاذ بن جبل يسلخ شاة، فقال له رسول الله ﷺ: «تنحّ حتى أريك، فإني لا أراك تحسن تسلخ» ، فأدخل رسول الله ﷺ يده بين الجلد واللحم، فدخس بها حتى ترادّت إلى الإبط، ثم قال: «يا غلام هكذا فاسلخ» [ (٣) ] . وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاءه خدم أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاءوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها [ (٤) ] . وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ مر على صبيان، فسلم عليهم [ (٥) ] .

يه، فربما جاءوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها [ (٤) ] . وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ مر على صبيان، فسلم عليهم [ (٥) ] .

وروى البخاري في الأدب المفرد عن حسنة بن خالد وسواء بن خالد رضي الله تعالى عنهما: أنهما أتيا رسول الله ﷺ وهو يعالج حائطا، أو بناء له. وروى الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ دخل مكة، وذقنه على رحله متخشّعا [ (١) ] . وروى أبو يعلى عنه قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة استشرفه الناس، فوضع رأسه على رحله متخشعا [ (٢) ] . وروى الحاكم عن عبد الله بن بريدة رضي الله تعالى عنه أن رجلا أتى رسول الله ﷺ بحمار، وهو يمشي، فقال له: اركب يا رسول الله، فقال: «إن صاحب الدابة أحق بصدر دابته، إلا أن يجعل له» ، قال: قد فعلت [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد وابن عدي وابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يخيط ثوبه، ويخصف نعله، وفي رواية لأحمد ويرقع دلوه، وعنده أيضا: يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه [ (٤) ] . وروى البخاري في الأدب عن حسنة بن خالد وسواء بن خالد أنهما أتيا رسول الله ﷺ وهو يعالج حائطا له، فأعاناه، وهذا يتعين حمله على أوقاته، فإنه ثبت إنه لو كان له خدم كفوه فتارة يكون بنفسه، وتارة يكون بغيره، وتارة يكون بالمشاركة. وروى ابن عدي عن أنس أنه سئل عن خلق رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويلبس الصوف، وإن أهدي إليه كراع قبل، وإن دعي إلى ذراع أجاب، وكان يعتقل البعير [ (٥) ] . وروى أبو داود عنه رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله ﷺ يهنأ بعيرا له. وروى ابن أبي شيبة عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتبع الجنازة، ويعود المريض، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، وكان يوم خيبر على حمار، ويوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، وتحته إكاف من لبد.

وروى ابن المبارك عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان يجلس للأكل محتفزا [ (١) ] . وروى أبو داود الطيالسي عن ابنة خباب أنها أتت النبي ﷺ بشاة، فاعتقلها فحلبها، وقال: «ائتني بأعظم إناء لكم» فأتيناه بجفنة العجين، فحلب فيها حتى ملأها، قال: «اشربوا أنتم وجيرانكم» [ (٢) ] . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عبد الله بن عبد العزيز العمري قال: كان رسول الله ﷺ مهما استكفى أهله من شيء لم يكن يستكفيهم صب الوضوء لنفسه، وإعطاءه المسكين بيده، ويكفيهم إجّانة الثياب. وروى أبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله كل جعلني الله فداك متكئا، فإنه أهون عليك، قال: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» [ (٣) ] . وروى الإمام البخاري في الأدب، وفي الصحيح عن أنس قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى النبي ﷺ يوم ولد، والنبي ﷺ في عباءة يهنأ بعيرا له. وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو الشيخ عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخدم نفسه، ويخصف نعله، ويعمل ما تعمل الرجال في بيوتهم، ويكون في مهنة أهله، يعنى خدمة أهله، فإذا سمع المؤذن خرج إلى الصلاة [ (٤) ] . وروى ابن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: رأى رسول الله ﷺ سعدا فقال عنده، فلما أبردوا جاءوا بحمار لهم عربيّ قطوف قال: فغطوا لرسول الله ﷺ بقطيفة عليه، وركب، فأراد سعد أن يردف ابنه خلف رسول الله ﷺ ليرد الحمار، فقال رسول الله ﷺ: «إن كنت باعثه فاحمله بين يدي» ، قال: بل خلفك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «إن أهل الدابة هم أولى بصدرها» ، فقال سعد: لا أبعثه معك، ولكن ردّ الحمار، قال: «فنرده وهو هملاج فريغ لا يسابق» [ (٥) ] .

سول الله، فقال رسول الله ﷺ: «إن أهل الدابة هم أولى بصدرها» ، فقال سعد: لا أبعثه معك، ولكن ردّ الحمار، قال: «فنرده وهو هملاج فريغ لا يسابق» [ (٥) ] .

وروى الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا استقبله الرجل وصافحه، لا ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه، حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له [ (١) ] . وروى ابن سعد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يعمل عمل البيت أكثر ما يعمل الخياطة [ (٢) ] . وروى أبو ذر الهروي في دلائله، وابن عساكر من طرق عن ابن عباس والإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وابن عساكر عن عائشة، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، وجبريل معه على الصّفا، فقال له رسول الله ﷺ: «والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد كفّ سويق، ولا سفة من دقيق» ، فلم يكن كلامه بأسرع من أن يسمع هدّة من السماء أفظعته فقال رسول الله ﷺ: «أمر الله تعالى القيامة أن تقوم؟» فقال: لا ولكن هذا إسرافيل نزل إليك حيث سمع الله تعالى كلامك هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة، وفي حديث ابن عباس، فأقبل جبريل يدنو من الأرض، ويدخل بعضه في بعض، ويتضاءل، قال أبو هريرة: فأتاه إسرافيل، وفي حديث عائشة: أتاني ملك حجزته تساوي الكعبة فقال: إن الله تعالى سمع كلامك، وأمرني أن أعرض عليك- إن أحببت- أن أسير معك جبال تهامة زمردا، وياقوتا، وذهبا، وفضة فعلت، فإن شئت نبيا ملكا، وإن شئت نبيا عبدا، فالتفت إلى جبريل كالمستشير له، فأشار إليه جبريل بيده إن تواضع لربك، فعرفت أنه ناصح لي وقلت بل نبيا عبدا، ثلاث مرات، فشكر لي ربي ﷿ ذلك، فقال «أنت أول من تشق عنه الأرض، وأول شافع» قال ابن عباس وعائشة: فما أكل رسول الله ﷺ طعاما متّكئا حتى لقي ربه [ (٣) ] .

ثلاث مرات، فشكر لي ربي ﷿ ذلك، فقال «أنت أول من تشق عنه الأرض، وأول شافع» قال ابن عباس وعائشة: فما أكل رسول الله ﷺ طعاما متّكئا حتى لقي ربه [ (٣) ] . وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أوتي رسول الله ﷺ بطعام، فقلت: ألا تأكل وأنت متكئ أهون عليك؟ قالت فأصغى بجبهته، حتى كاد يمسح بها الأرض، قال: «آكل كما يأكل العبد، وأنا جالس» ، فما رأيته أكل متكئا حتى مضى لسبيله [ (٤) ] . وروى الدارقطني في الإفراد، وابن عساكر عن الحسن عن أنس رضي الله تعالى عنه

قال: لبس رسول الله ﷺ الصوف واحتذى المخصوف، وأكل بشعا، ولبس خشنا، قال الحسن: البشع غليظ الشعير. وروى ابن عساكر عن حبيب بن أبي ثابت رحمه الله تعالى قال: قلت لأنس بن مالك: حدثنا بما سمعت من رسول الله ﷺ، ولا تحدثنا عن غيره، وفي رواية عنه قال: سئل أنس عن خلق رسول الله ﷺ فقال: كان يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويجلس على الأرض، ويعتقل العنز، ويحلبها، ويأكل على الأرض، ويقول: إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، - وسمعته يقول: «لو دعيت إلى كراع لقبلت» ، وثيابه عليها، قال: وأحسبه: ينام عليها. وروى ابن عدي بسند ضعيف عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو يأكل متكئا، فقال: المتكئ من النعمة فاستوى قاعدا، فما رؤي بعد ذلك متّكئا، وقال: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد» . وروى ابن عساكر- من طرق حسنها- عن يحيى بن سعد الأنصاري عن علي بن حسين رضي الله تعالى عنهما مرسلا قال: قيل للنبي ﷺ لو اتخذنا لك شيئا ترتفع عليه، تكلّم الناس، فقال: «لا أزال بينكم تطئون عقبي، حتى يكون الله ﷿ يرفعني، ثم قال: لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله ﷿ اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا» قال يحيى: فذكرتها لسعيد بن المسيّب فقال: صدق، إن كان نبيا عبدا، وبعد ما اتخذه نبيا، كان عبدا. وروى أيضا عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويأتي مدعاة الضعيف [ (١) ] .

ا، وبعد ما اتخذه نبيا، كان عبدا. وروى أيضا عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويأتي مدعاة الضعيف [ (١) ] . وروى أيضا وأبو يعلى عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويخصف النعل، ويرقع القميص، ويقول: «من رغب عن سنتي فليس مني» [ (٢) ] . وروى أيضا وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويركب الحمار، ويردف معه، ويجيب دعوة المسكين ويوضع طعامه بالأرض، ويلعق أصابعه، وكان يوم خيبر على حمار، ويوم بني قريظة والنّضير على حمار خطامه من حبل من ليف، وتحته إكاف من ليف [ (٣) ] . وروى أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان في رسول الله ﷺ ثلاث

خصال ليست في الجبارين، كان يركب الحمار وكان لا يدعوه أسود ولا أحمر إلا أجابه، وكان يجد التّمرة ملقاة، فيلقيها في فيه [ (١) ] . وروى ابن عساكر عنه قال: كان العبد الأسود يأتي رسول الله ﷺ فيأخذ بيده، فيمضي به حيث شاء، إلا قفل بحاجته. وروى البخاري وابن عساكر عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويواسينا بالقليل والكثير. وروى عن البيهقي وابن عساكر عن سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم [ (٢) ] . وروى ابن منده وابن عساكر عن عاصم بن حدرة قال: ما أكل رسول الله ﷺ على خوان قط، ولا مشى معه بسواد وما كان له بواب قط. وروى ابن عساكر- وقال هذا حديث غريب جدا من حديث جرير- عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقام بين يديه، فاستقبلته رعدة، فقال رسول الله ﷺ: «هوّن عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: قلت لأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ما ترى فيما قد ظهر من هذا الملبس، والمشرب، والمطعم؟ فقال: يا ابن أخي: كل لله، واشرب لله، والبس لله، واركب لله، وكل شيء من ذلك دخله هوى ومدح، أو مباهاة، أو رياء، أو سمعة فهو معصية وسرف، وتعالج في بيتك من الخدمة ما كان رسول الله ﷺ يعالج في بيته، كان يعلف الناضح، ويعتقل البعير، ويقم البيت، ويحلب الشاة، ويخصف النعل ويرقع الثوب، ويأكل مع خادمه، ويطحن عنه إذا دعاه، ويشتري التمر من السوق، فلا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده، أو يجعله في طرف ثوبه، فيبلغ به إلى أهله، ويصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدئا على من استقبله من صغير أو كبير، أسود أو أحمر، حر أو عبد، من أهل الصلاة لا يستحي أن يجيب إذا دعي، وإن كان أشعث أغبر، ولا يحقر ما دعى إليه، وإن لم يجد إلا حشفة لا يرفع عشاء لغذاء، ولا غذاء لعشاء، يصبح سبعة أبياته ما بات لهم كسرة خبز، ولا شربة سويق، هيّن المؤنة، لين الخلق،

قر ما دعى إليه، وإن لم يجد إلا حشفة لا يرفع عشاء لغذاء، ولا غذاء لعشاء، يصبح سبعة أبياته ما بات لهم كسرة خبز، ولا شربة سويق، هيّن المؤنة، لين الخلق،

كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طليق الوجه، بسّام من غير ضحك، محزون من غير عبوس، شديد من غير عنف، متواضع في غير مذلّة، جواد في غير سرف، رحيم بكل ذي قربى ومسلم، رقيق القلب، دائم الإطراق، لم يبشم قط من شبع، ولم يمد يده إلى طمع قط، قال أبو سلمة: فحدثت عائشة بهذا الحديث كله عن أبي سعيد فقالت: ما أخطأك حرفا، ولقد قصّر أما أخبرك أن رسول الله ﷺ لم يمتلئ شبعا قط، ولم يبث إلى أحد شكوى، وإن كانت الفاقة أحب إليه من اليسار، والغنى، إن كان ليظل جائعا يلتوي ليلته حتى يصبح فلا يمنعه ذلك من صيام يومه، ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى بكنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها، من مشارقها ومغاربها لفعل، قالت: وربما بكيت رحمة مما أراني له من الجوع فأمسح بطنه بيدي وأقول: نفسي لك الغداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك، ويمنع الجوع، ويقول: يا عائشة: إن إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم، فأكرم مثابهم، وأجزل ثوابهم، أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي دونهم فالصبر أياما يسيرة أحب إلي مما ينقص حظي غدا في الآخرة، فما من شيء أحب إلي من اللّحوق إلى إخواني في سنده ميسرة بن عبد ربه.

في معيشتي أن يقصر بي دونهم فالصبر أياما يسيرة أحب إلي مما ينقص حظي غدا في الآخرة، فما من شيء أحب إلي من اللّحوق إلى إخواني في سنده ميسرة بن عبد ربه.

تنبيهان الأول: تقدم في حديث حسن أنه لم يكن له ﷺ بوّاب، عن أنس قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة، وهي تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله، واصبري» ، قالت: إليك عني، فإنك تخلو من مصيبتي، قال: فجاوزها، ومضى، فمر بها رجل فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قالت: ما عرفته؟ قال: إنه لرسول الله ﷺ، قال: فجاءت إلى بابه، فلم تجد عليه بوابا ... الحديث، ولا يخالف هذا حديث أبي موسى أنه كان بوابا لرسول الله ﷺ لما جلس على القف، لأنه ﷺ إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا انفراد من أمره، يرفع الحجاب بينه، وبين الناس، ويبرز لطالب الحاجة إليه، وفي حديث عمر بن الخطاب حين استأذن له الأسود في قصة حلف ألا يدخل على نسائه شهرا، ففيه أنه كان في وقت خلوته بنفسه يتخذ بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه، ولم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي، ويحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما أذن اطمأن قاله الحافظ. الثاني: في بيان غريب ما سبق: التواضع: مصدر تواضع: هو هضم النفس من الملكات المرضية المورثة للمحبة من الله ومن خلقه.

يتضاءل: بتحتية ففوقية فبضاد معجمة ممدودة فهمزة مهملة، فلام. حجزته: بحاء مهملة مضمومة، فجيم، فزاي، موضع شد الإزار ثم قيل للإزار حجزة للمجاورة. الأحداث: بهمزة مفتوحة، فحاء ساكنة، فدال مهملة، فألف فمثلثة: جمع حدث بفتح المهملتين الشاب أول عمره. القطيفة: كساء له خمل، يجعل دثارا. هنيهة: بهاء فنون مفتوحة فتحتية ساكنة، فهاء مفتوحة، فتاء تأنيث قليلا. الطّنفسة: بتثليث الطاء، والفاء أيضا وقد تفتح الطاء وتكسر الفاء: اسم للبساط، ويطلق على حصير من سعف يكون عرضه ذراعا. الكراع: بضم أوله، وهو ما دون الركبة من ساق الإنسان، وما فوق الخف والظلف والحافر من غيره. جثى: بجيم مفتوحة فمثلثة مفتوحة: جلس. تسلخ: بضم اللام وفتحها. تنحى: بفتح النون، فحاء مهملة مشددة، أي زال عن مكانه. أريك: أعلمك. دحس: بمهملات مفتوحات، والدّحس بسكون الحاء: إدخال اليد بين جلد الشاة، وصفاقها: وهو الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر. توارت: أي استترت بالجلد الذي عليها. مهنة أهله: بفتح الميم وكسرها: أي خدمتهم. يفلي: بياء تحتية مضارع [فلي] فلام ثلاثيا: أي يزيل قمله. يخصف: يخرز طاقا على طاق، من الخصف، وهو الجمع والضم، ومنه وطفِقا يَخْصِفان [طه ١٢١] . الإكاف: بكسر الهمزة وضمها: البردعة، أو ما يشد فوقها. اللبد: بلام مكسورة، فموحدة ساكن، فدال مهملة: ما يلبّد من شعر أو صوف. محتفزا: بحاء فمثناة فوقية، ففاء، فزاي مستعجلا. الهملاج: بهاء مضمومة، فميم ساكنة، وآخره جيم واحدة الهماليج: البرذون الحسن المشي بسرعة فارسي معرب. الفريغ: بغين معجمة: أي واسع المشي. هدّة: بهاء فدال، فمثناة فوقية: صوت يشبه الرعد.

ة، وآخره جيم واحدة الهماليج: البرذون الحسن المشي بسرعة فارسي معرب. الفريغ: بغين معجمة: أي واسع المشي. هدّة: بهاء فدال، فمثناة فوقية: صوت يشبه الرعد.

أفظعة: بهمزة مفتوحة، ففاء ساكنة، فظاء مشالة معجمة، فعين مهملة مفتوحتين: اشتد عليه وهابه. احتذى: بهمزة مكسورة، فمهملة ساكنة، ففوقية، فذال معجمة مفتوحتين: انتعل. المخصوف: بميم مفتوحة، فخاء معجمة ساكنة، فصاد مهملة، فواو، ففاء: من الخصف وهو الضم. بشعا: بموحدة مفتوحة، فشين مكسورة، فعين مهملة: الخشن تقدم وهنا: غليظ الشعير. مدعاة الضعيف. الخوان: بخاء معجمة مكسورة، فواو فألف، فنون: ما يوضع عليها الطعام عند الأكل. مشى بسواد: بسين مهملة، فواو مفتوحتين، فألف، فدال مهملة. الرّعدة بكسر الراء وفتحها، وسكون العين المهملة، وبالدال: الاضطراب. القديد: اللحم المملوح المجفف فعيل بمعنى مفعول. الناضح: بنون فألف فضاد معجمة، فحاء مهملة، الجمل يسقى عليه الماء. يقمّ البيت: بفتح التحتية، وضم القاف، وتشديد الميم: يكنسه. حشف: بمهملة فمعجمة مفتوحتين ففاء،: الفاسد اليابس. والدّقل: بمهملة فقاف مفتوحتين، فلام: الرديء من التمر. طليق الوجه: بطاء مهملة مفتوحة، فلام مكسورة فتحتية فقاف: منبسط متهلل. بسّام: بفتح الموحدة، وتشديد المهملة: كثير التبسم. العنف: بعين مهملة مضمومة، فنون ساكنة ففاء: الشدة والمشقة، وكل ما فيه الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله. لم يبشم: بتحتية مفتوحة فموحدة ساكنة فشين معجمة مفتوحة فميم: من البشم، وهي التخمة. خلو من مصيبتي: بخاء معجمة مكسورة، فلام ساكنة، فواو: فارغ البال منها. القف: بقاف مضمومة، ففاء مشددة: هنا: الدّكّة تجعل حول البئر وأصله ما غلظ من الأرض وارتفع حول البئر ويكون يابسا في الغالب، والقف أيضا: واد من أودية المدينة، عليه مال لأهلها.

مشددة: هنا: الدّكّة تجعل حول البئر وأصله ما غلظ من الأرض وارتفع حول البئر ويكون يابسا في الغالب، والقف أيضا: واد من أودية المدينة، عليه مال لأهلها.

الباب الثامن في كراهيته للإطراء، وقيام الناس له ﷺ روى الشيخان عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تطروني كما أطرى النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» [ (١) ] . وروى أحمد، والنّسائي وأبو القاسم البغوي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال: يا محمد يا سيّدنا وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا، فقال رسول الله ﷺ: «أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهويّنكم الشيطان» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والبخاري في الأدب، والترمذي، وصححه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهته لذلك [ (٣) ] . وروى أبو داود عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقمنا إليه، فقال: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضا» [ (٤) ] . وروى الحافظ وأبو نعيم عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ترفعوني فوق حقّي، وفي لفظ: قدري أن الله تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا» [ (٥) ] .

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الإطراء: قال في النهاية مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه. استهواه الشيطان: ذهب به، وقيل استماله، وأضله، فهدى إلى ما دعاه إليه: أي أسرع في الجري.

يستجريّنّكم: بفتح المثناة التحتية، وسكون السين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وسكون الجيم، وكسر الراء أو فتحها، وتشديد المثناة التحتية الجريّ وهو الوكيل، يقال أجريت جريّا، واستجريت جريّا أي اتخذت وكيلا، يقول: تكلموا بما يحضركم من القول: ولا تتنطّعوا، ولا تسجعوا كأنكم تنطقون عن نيابة الشيطان. الطول: بطاء مهملة مفتوحة، فواو ساكنة، فلام: الفضل والعلو. الجفنة: بفتح الجيم، وسكون الفاء، قال ابن قتيبة: العرب تقول للسيد المطعم الطعام جفنة لأنه يضعها، ويطعم فيها، وإنما أنكر النبي ﷺ هذا منه لأنه تحية أهل الجاهلية، كانوا يثنون بها على رؤسائهم، فقال لهم: قولوا بقولكم أي بقول أهل دينكم، أمرهم أن يثنوا عليه بالدين، وأن يخاطبوه بالنبي والرسول، وقد يكون معناه كراهة التشديق في الخطب، وأمرهم بالاقتصاد في القول، وهذا كما روي أنه ﷺ كان لا يقبل الثناء إلا من مكافئ، قال ابن قتيبة معناه إذا أنعم. الغراء البيضاء: أي أنها مملوءة بالشحم والدهن.

الباب التاسع في شجاعته، وقوته ﷺ قال الله ﷾: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ، وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٨٤] استنبط بعض السلف من الآية أن رسول الله ﷺ مأمور أن لا يفرّ من المشركين إذا واجهوه، ولو كان وحده. وروى أبو زرعة الرازي في دلائل النبوة عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الناس بشدة البطش» [ (١) ] . وروى ابن سعد عن محمد بن الحنفيّة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أشجع الناس، وقال: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا، ما وجدت من شيء، وقال للفرس: وجدناه بحرا، وإنه لبحر، قال: وكان فرسه بطيئا فيه قطاف فما سبق بعد، وهذا من جملة معجزاته ﷺ كونه ركب فرسا قطوفا بطيئا فعاد بحرا لا يسابق، ولا يجارى [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، وابن ماجة عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه [ (٣) ] .

أحمد، وابن ماجة عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه [ (٣) ] . وروى عنه أيضاً قال: لما كنا يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله ﷺ، وكان أشد الناس بأسا يومئذ، وما كان أحد أقرب من المشركين منه. وروى ابن أبي شيبة عن البراء سأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال البراء: ولكن رسول الله ﷺ لم يفر، كانت هوازن ناسا رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، وأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» انتهى، وهذا ما يكون في غاية من الشجاعة التامة لأنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغي، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا مع بغلة ليست للجري، ولا تصلح لكر ولا فر ولا هرب، وهو مع ذلك يركضها إلى وجوههم، وينوّه باسمه، ليعرفه من ليس يعرفه ﷺ.

وروى أبو الشيخ عن عمران بن حصين: ما لقي رسول الله ﷺ كتيبة إلا كان أول من يضرب. وروى الدارميّ عن ابن عمر قال: ما رأيت أحدا أنجد ولا أجود، ولا أشجع من رسول الله ﷺ. وروى الإمام أحمد، ومسلم عن العباس رضي الله تعالى عنه قال: لقد شهدت مع رسول الله ﷺ حنينا، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث، وهو على بغلة شهباء، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها، وهو لا يألوها، يسرع للمشركين، وأبو سفيان آخذ بغرز رسول الله ﷺ، وأقبل المسلمون واقتتلوا هم والكفار ورسول الله ﷺ على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال هذا حين حمي الوطيس وذكر الحديث في غزوة حنين ويأتي.

الله ﷺ، وأقبل المسلمون واقتتلوا هم والكفار ورسول الله ﷺ على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال هذا حين حمي الوطيس وذكر الحديث في غزوة حنين ويأتي. وروى ابن أبي خيثمة عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: لما أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرض لنا فيه صخرة عظيمة شديدة، لا يأخذ فيها المعول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، فلما رآها أخذ ثوبه، وأخذ المعول، فقال: «باسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها، ثم ضرب الثانية فثلغ الثلث الآخر» ثم ضرب الثالثة، فثلغ ثلث الصخر

  • الحديث، ويأتي بكماله في المعجزات، وتقدم في واقعة الخندق، وقصة مصارعة رسول الله ﷺ كانت تقدمت أوائل الكتاب. وروى مسلم عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: كنا إذا اشتد البأس، وحمي الوطيس، استقبلنا القوم بوجه رسول الله ﷺ، وإن الشجاع منا ليحاذي الذي يحاذي رسول الله ﷺ. وروى الطبراني عن علي لما سئل عن موقف رسول الله ﷺ يوم بدر قال: «كان أشدّنا من حاذى ركبته ﷺ.

تنبيهان الأول: قال القاضي وغيره من زعم أن النبي ﷺ هزم يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، ولا يجوز ذلك عليه، إذ هو على بصيرة من أمره، ويقين من عصمته، وفرقوا بينه وبين من قال: إنه جرح أو أوذي بأن الإخبار عن الأذى نقص لا يحسب عليه والإخبار بالانهزام نقص له ﷺ لأنه فعله، كما أن الأذى فعل المؤذي.

وقال ابن دحية فإن قيل: كيف تغّيب رسول الله ﷺ في الغار؟ وظاهر: بين درعين يوم أحد قلنا: أما قصة الغار فلم يكن أذن له في قتال الكفار بعد، أما المظاهرة بين درعين فهو من باب الاستعداد للإقدام، وليقتدي به أصحابه، والمنهزم خارج عن الإقدام جملة، بخلاف المستعد له. [ (١) ] الثاني: في بيان غريب ما سبق: الشجاعة: انقياد النفس في إقدامها مع قوة غضبية وملكة يصدر عنها انقيادها على ما ينبغي في زمن ينبغي، وحال ينبغي. القوة: تمكن من مزاولة أفعال شاقة لاعتدال في الأعضاء. البطش: بموحدة مفتوحة، فطاء مهملة ساكنة، فمعجمة: الأخذ القوي الشديد. فرس بحر: إذا كان واسع الجري. وفرس قطوف إذا ضايق بين خطوه في المشي، قال الأصمعي: فرس بحر إذا كان جوادا وقال أبو عبيدة: البحر: الفرس الذي كلما بعد جرى حتى آخر النجدة، وتثنيتها يبذلها عند طلب التثبيت والسكون إلى الفوت حيث يحمد فعلها. بلا خلاف. الكتيبة: بمثناة فوقية: جماعة عظيمة من الجيش. الوطيس: بواو مفتوحة، وطاء مكسورة ومثناة تحتية ساكنة، وسين مهملة، شيء يشبه التّنّور وقيد ذلك. النجدة: بنون، فجيم: الشجاعة، وقوة البطش.

ظيمة من الجيش. الوطيس: بواو مفتوحة، وطاء مكسورة ومثناة تحتية ساكنة، وسين مهملة، شيء يشبه التّنّور وقيد ذلك. النجدة: بنون، فجيم: الشجاعة، وقوة البطش.

الباب العاشر في كرمه وجوده ﷺ وروي عن الشيخين والإمام أحمد وابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ما سئل رسول الله ﷺ فقال: «لا» [ (١) ] ، ولله در الفرزدق حيث قال: ما قال لا قطّ إلّا في تشهّده ... لولا التّشهّد كانت لاؤه نعم وروى الخرائطي، والطبراني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سئل عن شيء فأراد أن يفعله قال: «نعم» وإن أراد ألا يفعله سكت، وكان لا يقول لشيء لا [ (٢) ] . وروى أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي في دلائله عن محمد بن السّري العسقلاني [قال] : كنت أنا ورجل من أهل عسقلان نطلب المشايخ نقرأ عليهم القرآن فرأيت كأني وصاحبي اختلفنا في آية وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب ٦٨] وقال صاحبي: كثيرا، فلقيت آدم بن أبي إياس فقلنا: نسألك، فقال: وهذا محمد رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، فقلت: يا رسول الله ادع لي، فسكت، فقلت: يا رسول الله، ما لك لا تدعو لي؟ فو الله لقد حدثني سفيان بن عيينة عن محمد بن المنذر عن جابر أنك ما سئلت عن شيء قط فقلت: لا، فتبسم رسول الله ﷺ، ودعا لي، فقلت: يا رسول الله: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب ٦٨] فقال رسول الله ﷺ: «كبيرا كبيرا كبيرا» . وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما سئل رسول الله شيئاً إلا أعطاه ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى أهله فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله ﷺ وما يريد بذلك إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه من الدنيا وما بينها [ (٣) ] ، ويرحم الله تعالى أبا عبد الله محمد المعروف بابن جابر حيث قال: هذا الّذي لا يخش فقرا إذا ... يعطي ولو كثر الأنام وداموا هذا من الأنعام أعطى أملا ... فتحيّرت لعطائه الأفهام

عبد الله محمد المعروف بابن جابر حيث قال: هذا الّذي لا يخش فقرا إذا ... يعطي ولو كثر الأنام وداموا هذا من الأنعام أعطى أملا ... فتحيّرت لعطائه الأفهام وأعطاه ﷺ ذلك، لأنه ﵊ علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء، وهو الإحسان، فعالجه به حتى برأ من داء الكفر، وهذا من كمال شفقته، ورحمته ورأفته ﷺ، أي

عامله بكمال الإحسان، وأبعده من حر النيران، إلى برد لطيف الجنان. وروى الدارمي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ حيياً لا يسأل شيئاً إلا أعطى [ (١) ] ولقد أحسن ابن جابر حيث قال:. يروى حديث النّدى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهلّ ومنسجم من وجه أحمد لي ندى ومن يده ... بحر ومن فمه درّ لمنتظم يمّم نبيا يباري الرّيح نافلة ... والمزن من كل هامي الورد خير همي لو عامت الفلك فيما فاض من يده ... لم تلق أعظم بحرا منه أن تعم يحيط كفّاه بالبحر المحيط فلذ ... به ودع كلّ طامي الموج ملتطم لو لم تحط كفّه بالبحر ... ما اشتملت كلّ الأنام وروّت قلب كلّ ظمي وروى الترمذي عن الربيع بن عفراء قال: أتيت رسول الله ﷺ بقناع من رطب، وجرو زغب، فأعطاني ملء كفي حليّا، أو ذهبا، ويرحم الله ابن جابر حيث قال:. لقد كان فعل الخير قرّة عينه ... فليس له فيما سواه مجال فلو سألوا من كفّه ردّ سائل ... أجابهم هذا السؤال محال ولو عرف المحتاج قبل سؤاله ... كفاه، وأغنى أن يكون شؤال يبادر للحسنى ويبذل زاده ... ولو بات مسّ الجوع منه ينال

فّه ردّ سائل ... أجابهم هذا السؤال محال ولو عرف المحتاج قبل سؤاله ... كفاه، وأغنى أن يكون شؤال يبادر للحسنى ويبذل زاده ... ولو بات مسّ الجوع منه ينال وروى البخاري، وابن ماجة، وابن سعد، والطبراني، والإسماعيلي والنّسائي عن سهل ابن سعد رضي الله تعالى عنه أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها، قال سهل: أتدرون ما البردة؟ قالوا، الشّملة، قال: نعم، قالت نسجتها بيدي لأكسوكها فخذها، فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها فخرج إلينا وإنها لإزاره فقال الأعرابي: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هبها لي وفي لفظ، فقال: «نعم» ، فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها فأرسل بها إليه، ثم سأله، وعلم أنه لا يرد سائلا، وفي لفظ: لا يسأل شيئا فيمنعه قال: والله إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، رجوت بركتها حين لبسها رسول الله ﷺ، قال سهل: فكانت كفنه، زاد الطبراني: وأمر النبي ﷺ أن يصنع له غيرها، فمات قبل أن تنزع [ (٢) ] . وروى الطبراني عن أم سنبلة قالت: أتيت رسول الله ﷺ بهدية، فأبى أزواجه أن يقبلنها، فأمرهن رسول الله ﷺ، فأخذنها، ثم أقطعها واديا.

وروى الدّارمي عن هارون بن أبان قال: قدّم للنبي ﷺ سبعون ألف درهم، وهو أكثر مال أتي به قط، فوضع على حصير من المسجد، ثم قام بنفسه، فما رد سائلا، حتى فرغ منه، قالوا: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الكثرة الدراهم، فإن رسول الله ﷺ قسم بين رجلين من النّعم والشاء ما هو أكثر من هذا المال المذكور في هذا الحديث، وذكر ابن فارس في كتابه أسماء النبي ﷺ: أنّه في يوم حنين جاءت امرأة، فأنشدت شعرا تذكره أيام رضاعه في هوازن، فرد عليهم ما أخذ، وأعطاهم عطاء كثيرا، حتى قوّم ما أعطاهم فكان خمسمائة ألف، قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الجود ... وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: أتى رسول الله ﷺ بمال من البحرين فقال: انظروا يعني صبّوه في المسجد، وكان أكثر مال أتى به ﷺ، فخرج رسول الله ﷺ من المسجد، ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطى إلى أن جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فأديت نفسي، وفأديت عقيلا، فقال: «خذ» فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إليّ قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت، قال: «لا أستطيع» ، ثم نثر منه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله: مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت» ، قال: «لا» ثم نثر منه فاحتمله، فألقاه على كاهله، فانطلق فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا منه، فما قام رسول الله ﷺ، وثمّ منها درهم، ورواه ابن أبي شيبة من طريق حميد ابن هلال مرسلا أنه كان أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين قال: وهو أول مال حمل إليه. وروى الشيخان عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي ﷺ فضربه، ودعا له، فسار سيرا لم يسر مثله، ثم قال: «بعنيه بوقيّة» ، قلت: لا، ثم قال: «بعنيه بوقيّة» ، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا المدينة أتيته بالجمل، ونقد لي ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل إلي فقال: «ما كنت لآخذ جملك، هو لك» وفي لفظ البخاري قال ﷺ لجابر في سفر: «بعني جملك» ، فقال: هو لك يا رسول الله، بأبي وأمي، فقال:

نه، ثم انصرفت، فأرسل إلي فقال: «ما كنت لآخذ جملك، هو لك» وفي لفظ البخاري قال ﷺ لجابر في سفر: «بعني جملك» ، فقال: هو لك يا رسول الله، بأبي وأمي، فقال: «بعنيه» فباعه إياه، وأمر بلالا أن ينقده ثمنه، فأنقده ثم قال ﷺ: «اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما» ، انتهى، فعل ذلك رسول الله ﷺ مكافأة لقوله: بل هو لك، فأعطاه الثمن، ورد عليه الجمل، وزاد الدعاء بالبركة. وروى الشيخان عن أبي عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقى جبريل، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان،

فيدارسه في القرآن. فرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة [ (١) ] . وروى التّرمذي والخرائطي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ما عندي شيء أعطيك، ولكن استقرض، حتى يأتينا شيء فنعطيك، فقال عمر: ما كلفك الله هذا، أعطيت ما عندك، فإذا لم يكن عندك فلا تكلف، قال: فكره رسول الله ﷺ قول عمر، حتى عرف في وجهه، فقال الرجل: يا رسول الله، بأبي وأمي أنت، فأعط، ولا تخش من ذي العرش إقلالا، فتبسم وجه رسول الله ﷺ وقال: «بهذا أمرت» . وروى ابن سعد عن أنس والتّرمذي عن علي قالا: كان رسول الله ﷺ أجود الناس [ (٢) ] . وروى بقي بن مخلد وأبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم عن الأجود؟ الله الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل تعلم علما فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاهد في سبيل الله حتى يقتل» [ (٣) ] . وروى ابن أبي خيثمة عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا نعت رسول الله ﷺ قال: كان أجود الناس كفا. وروى ابن أبي شيبة عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس [ (٤) ] . وروى بزّار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل [ (٥) ] .

ل الله ﷺ أجود الناس [ (٤) ] . وروى بزّار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل [ (٥) ] . وروى ابن أبي الدّنيا وغيره عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: دخل رجلان على رسول الله ﷺ يسألانه عن ثمن بعير فأعانهما بدينارين، فخرجا من عنده، فلقيا عمر بن الخطاب، فأثنيا خيرا، وقالا معروفا، وشكرا ما صنع رسول الله ﷺ بهما، فدخل عمر على النبي ﷺ فأخبره بما قالا، فقال رسول الله ﷺ: «لكن فلانا أعطيته ما بين العشرة والمائة فلم يقل ذلك، إن أحدهم يسألني فينطلق بمسألته يتأبّطها، وما هي إلا نار» ، فقال عمر يا رسول الله، فلم تعطهم ما هو نار؟ فقال: «يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» [ (٦) ] . وروى الإمام والخمسة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه إن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، وقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدّخره

عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خير، وأوسع من الصبر» . وروى ابن عدي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن لي مثل جبال تهامة ذهبا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني كذوبا ولا بخيلا» [ (١) ] . وروى البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه أنه بينما هو مع رسول الله ﷺ، ومعه الناس، مقبلا من حنين علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاة نعم لقسمته عليكم لا بخيلا، ولا كذابا، ولا جبانا» [ (٢) ] . وروى أبو جعفر بن جرير الطبري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: حكيت لرسول الله ﷺ حلّة أنمار صوف أسود، فجعل حاشيتها بيضاء، وقام فيها إلى أصحابه، فضرب بيده إلى فخذه فقال: «ألا ترون إلى هذه ما أحسنها!» فقال أعرابي: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هبها لي وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئاً أبدا فيقول: لا، فقال: «نعم» ، فأعطاه الجبة. وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قسم رسول الله ﷺ قسما لأناس، فقلت: يا رسول الله لغير هؤلاء كانوا أحقّ بهذا القسم، فقال: «إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، ولست بباخل» [ (٣) ] . وروى ابن الأعرابي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ عام حنين سأله الناس، فأعطاهم من البقر والغنم والإبل، حتى لم يبق من ذلك شيء، فقال رسول الله ﷺ: «ماذا تريدون؟ أتريدون أن تبخّلوني؟ فو الله ما أنا ببخيل، ولا جبان، ولا كذوب» ، فجذبوا ثوبه حتى بدت رقبته، فكأنما أنظر- حين مدّ يدا من منكبه- شقة القمر من بياضه [ (٤) ] .

تنبيهات الأول: قال الحافظ: قوله: ما قال: لا، ليس المراد أنه يعطي ما طلب منه جزما، بل المراد أنه لا ينطق بالرد بلا، إن كان عنده أعطاه، إن كان إلا إعطاء سابغا، وإلا سكت، قال:

ظ: قوله: ما قال: لا، ليس المراد أنه يعطي ما طلب منه جزما، بل المراد أنه لا ينطق بالرد بلا، إن كان عنده أعطاه، إن كان إلا إعطاء سابغا، وإلا سكت، قال:

وقد روينا بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإن لم يرد أن يفعل سكت،. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام لم يقل: لا، منعا للإعطاء، ولا يلزم من ذلك أن يقولها اعتذارا كما في قوله تعالى: «لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة ٩٢] ولا يخفى الفرق بين قوله: (لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ وهو نظير ما في حديث أبي موسى الأشعري لما سأله الأشعريون الحملان فقال ﷺ: «ما عندي ما أحملكم» لكن يشكل عليه أنه ﷺ حلف لا يحملهم فقال: «والله لا أحملكم» ، فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر ما إذا سئل ما ليس عنده، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذاك، حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل كأن لم يعرف العادة، فلو اقتصر على السكوت مع حاجة السائل تمادى في السؤال ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل، والسر في قوله: «لا أجد ما أحملكم» وقوله: «والله لا أحملكم» أن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجوداً عنده، والثاني أنه يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالقرض مثلا، أو بالاستيهاب، إذ لا اضطرار حينئذ. الثاني: قوله ﷺ: فخصها فلانا أفاد المحب الطبري في كتاب الأحكام له أن الرجل السائل عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطّبراني، قال الحافظ: ولم أجد ذلك في معجمه الكبير، لا في مسند سهل، ولا في عبد الرحمن، نعم رواه الطبراني، وقال في آخره: قال قتيبة هو سعد بن أبي وقاص، وقد يقال: تعددت القصة، وفيه بعد. الثالث: قوله ﷺ: الأجود

ي مسند سهل، ولا في عبد الرحمن، نعم رواه الطبراني، وقال في آخره: قال قتيبة هو سعد بن أبي وقاص، وقد يقال: تعددت القصة، وفيه بعد. الثالث: قوله ﷺ: الأجود أفعل تفضيل من جاد يجود، جوداً فهو جواد، بتخفيف الواو، وقومٌ جودٌ، وأجاود، وأجواد. قال النحاس: الجواد: الذي يتفضل على من يستحقّ، ويعطي من لا يسأل، ويعطي الكثير، ولا يخاف الفقر، من قولهم مطر جواد إذا كان كثيراً، وفرس جواد يعدو كثيراً، قبل أن يطلب منه، ثم قيل: هو مرادفٌ للسّخاء، والأصحّ أن السخاء أدنى منه، ولذا يوصف الله تعالى به، والسخي اللّين عند الحاجات، من أرضٌ سخاوية: لينة التراب، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: قال القوم من أعطى البعض فهو سخيّ، ومن أعطى الأدنى، وأبقى لنفسه شيئاً، فهو جواد، ومن قاسى الضر، وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر، وقال السّهروردي في عوارفه: السخاء صفة غريزية، وفي مقابله الشّح. والشح من لوازم صفة النفس قال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن ١٦] فحكم بالفلاح لمن وقي الشّحّ، وحكم بالفلاح أيضا لمن أنفق وبذل فقال: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة ٥] والفلاح اسم لسعادة الدارين، وليس الشح من الآدمي بعجيب لأنه جبليّ فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة، والسخاء أتم وأكمل من الجود. وفي مقابله البخل، وفي مقابلة السخاء الشح، والجود

والبخل يتطرق إليهما الاكتساب بطريق العادة، بخلاف السخاء إذا كان ذلك من ضرورة الغريزة، فكل سخي جواد، وليس كل جواد سخي، والجود يتطرق إليه الرّياء، ويأتي به الإنسان متطلعا إلى غرض الخلق أو الحقّ، بمقابلة من الثناء، أو غيره من الخلق، أو الثواب من الله تعالى، ولا يتطرق الرياء من السخاء لأنه يقع من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض. الرابع: في بيان غريب ما سبق: الكرم: بفتحات الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم قدره. الجود: بضم الجيم: تجنب اكتساب ما لا يحمد وهو ضدّ التقتير. الفاقة: بفاء فألف، فقاف: فقد الدنيا. المنهل: بميم مفتوحة فنون ساكنة فهاء مفتوحة فلام: كل ما يطؤه الطريق، وما كان على غير الطريق لا يدعى منهلا، ولكن يضاف إلى موضعه، أو إلى من هو مختص به، فيقال منهل بني فلان، أو مشربهم، ومواضع نهلهم. المنسجم: بميم مضمومة، فنون ساكنة، فسين مهملة فجيم فميم: السائل. يباري: بتحتية مضمومة، فموحدة فألف فراء فتحتية: يعارض ويجاري ويسابق. المزن: بميم مضمومة، فزاي ساكنة، فنون: الغيم والسحاب وقيل السحاب الأبيض. الطّامي: بطاء مهملة فألف فميم: الكثير. الملتطم: بميم مضمومة، فلام ساكنة، ففوقية مفتوحة، فطاء مهملة مكسورة، فميم: دخل بعضه في بعض لكثرته. القناع: بكسر القاف: طبق يؤكل عليه. الجرو: بجيم مكسورة، فراء ساكنة، فواو: صغار القثاء وقيل الرمان أيضا. زغب: بزاي، وغين معجمة، فباء: صغار عليها زغب أي وبر. المجال: المجال. الكاهل: بكاف فألف فهاء مكسورة فلام: أعلى الظهر. الخراج. البحرين: معروفة. الريح المرسلة: السريعة النفع، قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف ٥٧] . البخل: بموحدة مضمومة، فخاء معجمة، فلام: ضد الكرم. الجبن: بجيم مضمومة، فموحدة ساكنة، فنون: ضد الشجاعة. حلّة أنمار: بهمزة مفتوحة، فنون، وآخره راء: بردة من صوف يلبسها الأعراب.

اء معجمة، فلام: ضد الكرم. الجبن: بجيم مضمومة، فموحدة ساكنة، فنون: ضد الشجاعة. حلّة أنمار: بهمزة مفتوحة، فنون، وآخره راء: بردة من صوف يلبسها الأعراب.

الباب الحادي عشر في خوفه، وخشيته، وتضرعه ﷺ وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «قاربوا، وسدّدوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله» وفي لفظ: لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . ورويا أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ صنع شيئا فرخّص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخطب، فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فو الله إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية» . وروى ابن سعد عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ أرسل وصيفة له فأبطأت عليه، فقال: «لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك» [ (١) ] . وروى الإمام مالك عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلا قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب وأنا أسمع: يا رسول الله إني أصبحت جنبا، وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله ﷺ: «وأنا أصبح جنبا، وأنا أريد الصوم، فأغتسل وأصوم» ، فقال له الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله ﷺ، وقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي» [ (٢) ] . وروى مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ: أيقبّل الصائم؟ فقال رسول الله ﷺ: «سل هذه لأم سلمة» ، فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال له رسول الله ﷺ: «إما أنا، والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له» [ (٣) ] . وروى أبو الحسن بن الضحاك عن صفوان بن عوف قال: كان رسول الله ﷺ يتأوه ويقول: «أوه من عذاب الله أوه من قبل أن لا تنفع أوه» . وروى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ علي ركبته، وقال: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» [ (٤) ] .

رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ علي ركبته، وقال: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» [ (٤) ] .

وروى ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا هبت الريح، أو سمع صوت الرعد تغير لونه، حتى عرف ذلك في وجهه [ (١) ] . وروى سعيد بن منصور، والإمام أحمد وعبد بن حميد والشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا قط ضاحكا، حتى ترى لهواته إنما كان يتبسم، وكان رسول الله ﷺ إذا رأى غيما تلون وجهه، وتغير، ودخل، وخرج، وأقبل، وأدبر، فإذا أمطرت سرّي عنه، قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيت فيما عرف في وجهك الكراهة، فقال: «يا عائشة، وما يؤمنني أن يكون عذاب؟ قد عذب الله ﷿ قوما بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [ (٢) ] [الأحقاف ٢٤] وفي لفظ: وما يدريك كما قال قوم فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ [الأحقاف ٢٤] . وروى الترمذي- وحسنه هو والحافظ المنذري وصححه الحاكم- عن ابن عباس وسعيد بن منصور، وابن عساكر عن أنس، والترمذي في الشمائل وأبو يعلى- برجال ثقات- عن أبي جحيفة، وابن عساكر عن عمران بن حصين، وابن سعد عن محمد بن علي بن الحسين، والطبراني وابن مردويه- بسند صحيح- قال ابن عباس: أن أبا بكر قال: وقال أنس: قال أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله شبت، قال: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت» [ (٣) ] . وهذا الحديث له طرق، وقد أخطأ من ذكره في الموضوعات [ (٤) ] . وروى البيهقي وابن عساكر عن أبي علي الشّبولي- بضم الشين المعجمة، والموحدة- أحد رواة الصحيح قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله ما روي عنك أنك قلت: شيبتني هود؟ قال: «نعم» قلت: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء، وهلاك الأمم؟ قال: «لا، ولكن فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ (٥) ] [هود ١١٢] .

ي عنك أنك قلت: شيبتني هود؟ قال: «نعم» قلت: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء، وهلاك الأمم؟ قال: «لا، ولكن فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ (٥) ] [هود ١١٢] . وروى ابن مردويه، والطبراني- بسند صحيح- عن عقبة بن عامر أن رجلا قال: يا

رسول الله قد شبت، قال: «شيبتني هود وأخواتها» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «شيبتني هود وأخواتها، وذكر القيامة وقصص الأنبياء والأمم» [ (٢) ] . وروى ابن أبي حاتم عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لما نزلت هذه الآية فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ قال رسول الله ﷺ: «شمروا وأثمروا فما رئي ضاحكا» . وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا» [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباس، وسعيد بن منصور، والإمام أحمد، والترمذي- وحسنه- عن أبي سعيد، وأبو نعيم عن جابر رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ قال: «كيف أنعم، وصاحب الصور قد التقم القرن، وحنى جبهته، وأصغى بسمعه، ينتظر متى يؤمر فينفخ؟» قالوا: وماذا نقول يا رسول الله؟ قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل» [ (٤) ] . وروى الحاكم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قرأ رسول الله ﷺ هَلْ أَتى [الإنسان ١] حتى ختمها، ثم قال: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السّماء، وحقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى، والله إني لوددت أني شجرة تعضد» . قال بعض الحفاظ قوله: لوددت أني إلخ مندرج في الخبر من قول أبي ذرّ [ (٥) ] . وروى أبو عبيدة في فضائله، وأحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين،

ال بعض الحفاظ قوله: لوددت أني إلخ مندرج في الخبر من قول أبي ذرّ [ (٥) ] . وروى أبو عبيدة في فضائله، وأحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين،

وابن جرير، وابن أبي داود في الشريعة [ (١) ] ، وابن عدي، وابن نصر، والبيهقي في الشعب عن حمران بن أعين [ (٢) ] عن أبي حرب بن المسوّر أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقرأ ولفظ هنّاد وعبد: أن رسول الله ﷺ قرأ إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً، وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً [المزمل ١٢، ١٣] فلما بلغ إليها صعق. وروى ابن أبي شيبة برجال ثقات، والطبراني عن أبي سعيد، وابن أبي الدّنيا عن أنس رضي الله تعالى عنهما، قال أبو سعيد: إنا يوما عند رسول الله ﷺ فرأيناه كئيبا، فقال بعضنا: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ: «سمعت هدّة، ولم أسمع مثلها، فأتاني جبريل فسألته عنها، فقال: هذه صخرة هدّت من شفير جهنم، من سبعين خريفا، فهذا حين بلغت قعرها، أحبّ أن يسمعك صوتها» ، فما رؤي رسول الله ﷺ ضاحكا ملء فيه حتى قبضه الله تعالى [ (٣) ] . وروى الحارث بن أبي أسامة عن النواس بن سمعان [ (٤) ] رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا مقلّب القلوب، ثبت قلبي على دينك» [ (٥) ] .

تنبيهات الأول: روى عبد بن حميد عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لما أنزل الله تعالى: (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) [الأحقاف ٩] عمل رسول الله ﷺ من الخوف فلما نزلت: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ١، ٢] الآية اجتهد، فقيل له: تجهد نفسك، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟.

َّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ١، ٢] الآية اجتهد، فقيل له: تجهد نفسك، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟.

الثاني: روى الترمذي وغيره عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ متوصلا لإخوانه، ليست له راحة، قال ابن القيم في زاد المعاد: وأما بكاؤه فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق، ولا رفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كان تدمع عيناه حتى يهملا، ويسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفا على أمته، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال، يصاحب الخوف والخشية. الثالث: قوله: «وأشدّهم له خشية» ، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: في هذا الحديث إشكال لأن الخوف والخشية حالةٌ تنشأ عن ملاحظة شدّة النّقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دلّ القاطع على أنه ﷺ غير معذّب، وقال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ [التحريم ٨] فكيف يتصوّر منه الخوف؟ فكيف أشد الخوف؟ قال: والجواب أن الذهول جائز عليه ﷺ، فإذا حصل الذهول عن موجبات نفي العقاب حدث له الخوف، ولا يقال: إن إخباره بشدة الخوف، وعظم الخشية عظم بالنوع لا بكثرة العدد، أي إذا صدر منه الخوف، ولو في زمن فرد كان أشدّ من خوف غيره. الرابع: في بيان غريب ما سبق: الخوف: بخاء معجمة مفتوحة، فواو ساكنة، ففاء: الفزع. الخشية: بخاء معجمة مفتوحة، فشين معجمة، فتحتية مفتوحة، فتاء تأنيث: الخوف. التضرع: بمثناة فوقية، فضاد معجمة مفتوحة، فراء، فعين مهملة: التذلل، والمبالغة في السؤال والرغبة. الفضل: بفاء مفتوحة، فضاد معجمة ساكنة، فلام: الإعطاء لا عن إيجاب ولا وجوب. الوصيفة: بواو فصاد مهملة مكسورة، فتحتية، ففاء فتاء تأنيث: الأمة. أوه: بهمزة مفتوحة وواو ساكنة، فهاء مكسورة، وربما قلبوا الواو فقالوا: آه من كذا، وربما شدّدوا الواو وكسروها، وسكنوا فقالوا: أوّه، وربما حذفوا الهاء فقالوا: أوّ، وبعضهم بفتح الواو مع التشديد فيقول: أوهّ: وهي كلمة تقال عند الشكاية والتوجع. خشي العارض: بعين مهملة، فألف، فراء مكسورة، فضاد معجمة: هنا السحاب الذي يعترض في الأفق.

واو مع التشديد فيقول: أوهّ: وهي كلمة تقال عند الشكاية والتوجع. خشي العارض: بعين مهملة، فألف، فراء مكسورة، فضاد معجمة: هنا السحاب الذي يعترض في الأفق. أطّت: بهمزة مفتوحة، فمهملة مشددة: ملئت لكثرة ما فيها من الملائكة. الصّعدات: الصّعدات بضم الصاد، والعين المهملة، وفتح: الطرقات. تجأرون: بمثناة فوقية، فجيم، فهمزة مفتوحة: تتضرعون رافعي أصواتكم. اللهوات: يأتي الكلام عليه في باب ضحكه.

الباب الثاني عشر في استغفاره، وتوبته ﷺ وروى البخاري والترمذي والطّبراني بأسانيد حسنة، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة» [ (١) ] . وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أستغفرك ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وأنت، المؤخر، وأنت على كل شيء قدير» ، وفيه راو لم يسم، وهو في الصحيح بلفظ: اللهم اغفر لي ما قدمت إلى آخره [ (٣) ] . وروى الإمام أحمد والبخاري في الأدب، ومسلم في الصحيح عن الأغرّ رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله تعالى، فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة» [ (٤) ] . وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والحاكم عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟ إني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة، وأتوب إليه» [ (٥) ] . وروى النّسائي- بسند جيد- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه» قبل أن يقوم من المجلس، مائة مرة [ (٦) ] . وروى ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة، والنسائي

ا هو الحي القيوم، وأتوب إليه» قبل أن يقوم من المجلس، مائة مرة [ (٦) ] . وروى ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة، والنسائي

أيضا قال: إنا كنا نعد على رسول الله ﷺ في المجلس: «رب اغفر لي، وتب عليّ، إنّك أنت التواب الرحيم، مائة مرة» ، وفي لفظ: التواب الغفور. وروى ابن أبي شيبة ومسلم والأربعة عن الأغرّ بن مزينة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله، وفي لفظ: وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» ، وفي رواية: سمعته يقول: «توبوا إلى ربكم، فو الله إني لأتوب إلى ربي ﷿ مائة مرة في اليوم» . وروى محمد بن يحيى بن عمر برجال ثقات عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لزم رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات قبل موته بسنة: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ، قالت فقلت: يا رسول الله لقد لزمت هذه الكلمات، قال: «إن ربي عهد إلي عهدا أو أمرني بأمر، فأنا أتّبعه» ، ثم قرأ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتى ختم السورة.

تنبيهات الأول: استشكل وقوع الاستغفار منه ﷺ، وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية، وأجيب بأجوبة منها: أنه رأى الاشتغال بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة أو مخالطة الناس، والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة، ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله تعالى، والتضرع إليه، ومشاهدته، ومراقبته، ذنبا بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس، ومنها: أن استغفاره تشريع لأمته، أو من ذنوب لأمته، فهو كالشفاعة لهم.

يه، ومشاهدته، ومراقبته، ذنبا بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس، ومنها: أن استغفاره تشريع لأمته، أو من ذنوب لأمته، فهو كالشفاعة لهم. وقال الشيخ شهاب الدين السّهروردي لما كانت روح النبي ﷺ لم تزل في الترقي إلى مقامات القرب تستتبع القلب، والقلب يستتبع النفس، ولا ريب أن حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس، وكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج، فمما نهضت به الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تتقطع علاقة النفس عنه، فيبقى العباد محرومين فكان ﷺ يفزع إلى الاستغفار، لقصور النفس عن ترقي القلب، ومنها: أن في الاستغفار والتوبة معنى لطيفا، وهو استدعاء لمحبة الله تعالى، فإحداثه الاستغفار والتوبة في كل حين استدعاء لمحبة الله تعالى. الثاني: الغين، قال شعبة: سألت الأصمعي ما معنى ليغان على قلبي؟ فقال: عمّن يروى ذلك؟ قلت: عن النبي ﷺ، قال: لو كان قلب غير النبي ﷺ لفسرته، وأما قلبه ﷺ فلا أدري، كان شعبة يتعجب منه، وسئل أبو عبيدة عنه فلم يفسره. وقال الجنيد: لولا أنه حال النبي ﷺ لتكلمت فيه، ولا يتكلم على حال إلا من كان

، وأما قلبه ﷺ فلا أدري، كان شعبة يتعجب منه، وسئل أبو عبيدة عنه فلم يفسره. وقال الجنيد: لولا أنه حال النبي ﷺ لتكلمت فيه، ولا يتكلم على حال إلا من كان

مشرفا عليها، وجملة حاله لا يشرف على نهايتها أحد من الخلق، ونقل الإمام الرافعي رحمه الله تعالى في أماليه عن سيدنا الصديق رضي الله تعالى عنه، أنه مع علو مرتبته تمنى أن يشرف عليها، فقال: ليتني شهدت ما استغفر منه ﷺ انتهى، وتكلم في معناه آخرون بحسب ما انتهى إليه فهمهم، ولهم منهجان: أحدهما حمل الغين على حالة جميلة، ومرتبة عالية اختص بها النبي ﷺ، والمراد من استغفاره: خضوعه، وإظهار حاجته إلى ربه، وملازمته للعبودية، قال أبو سعيد الخرّاز [ (١) ] فيما نقله عنه الإمام الرافعي: الغين شيء لا يجده إلا الأنبياء، وأكابر الأبرار والأولياء، لصفاء أسرارهم، وهو كالغيم الرقيق الذي لا يدوم. قال الرافعي [ (٢) ] : وحمله على عارض غيره أكمل منه، فيبادر إلى الاستغفار، وعلى هذا كثرت التنزيلات والتأويلات، فقيل كان سبب الغين النظر في حال الأمة، واطّلاعه على ما يكون منهم، فكان يستغفر لهم. وقيل: سببه ما يحتاج إليه من التبليغ، ومشاهدة الخلق، فيستغفر منه ليصل إلى صفاء وقته مع الله تعالى. وقيل: ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم. وقيل: ما كان يجده من محبة إسلام أبي طالب. وقيل: لم يزل ﷺ مترقيا من رتبة إلى رتبة، فكلما رقي درجة التفت إلى ما خلفها، وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها، وذلك هو الغين، فيستغفر منه، قال: وهذا ما كان يستحسنه والدي رحمه الله تعالى ويقرره. ومن هؤلاء من نزل الغين على السكينة والاطمئنان، قال البيهقي في الشّعب: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سهل: يعني الصّعلوكي [ (٣) ] أحد أئمة الشافعية يقول: في قوله: ليغان على قلبي وأيد أنّ أحدهما يختص به أهل الإشارة، وهو حملهم إياه على غشية السّكرة التي هي الصحو في الحقيقة، ومعنى الاستغفار على التجسر للكشف

عنها، وأهل الظاهر يحملونها على الخطرات العارضة للقلب، والطلبات الواردة الشاغلة له بهذه الغشية الملابسة. وقال القاضي: هو ما يستغشي القلب، ولا يغطيه كل التغطية، كالغيم الرقيق الذي لا يمنع ضوء الشمس، ثم لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة، وإنما هذا عدد الاستغفار لا الغين، فيكون المراد بهذا الغين الإشارة إلى غفلات قلبه، وفترات نفسه، وسهوها عن مداومة الذكر، ومشاهدة الحق، لما كان ﷺ من مقامات البشر، وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، ومقاومة الولي والعدو، ومصلحة النفس، وأعباء الرسالة، وحمل الأمانة، وهو في هذا كله في طاعة ربه، وعبادة خالقه، ولكن لمّا كان ﷺ أرفع الخلق عند الله تعالى مكانة، وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حالة عند خلوص قلبه، وخلو همه، وتفرده بربه أرفع حاليه، رأى حاله فترته عنها، وشغله بسواها، غمضا من علّي حاله، ورفيع مقامه، فاستغفر من ذلك. وقال الشيخ شهاب الدين السّهروردي: لا تعتقد أن الغين حاله نقص، بل هو حالة كمال، ثم مثل بجفن العين حين يسيل الدمع القذى عن العين مثلا، فإنه يمنع العين عن الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال، هذا محصل كلامه بعبارة طويلة، قال: فهكذا بصيرة النبي ﷺ متعرضة للأغبرة الثائرة من أنفاس الأخيار، فدعت الحاجة إلى ستر حدقة بصيرته، صيانة لها، ووقاية عن ذلك، وقيل: هو حالة الخشية، وإعظام الاستغفار شكرها، ومن ثم قال المحاسبي: خوف المقربين خوف إجلال وإعظام، وقيل: هو السكينة التي تغشي قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية والشكر لما أولاه. وذكر ابن عطاء الله في كتاب لطائف المنن: أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي [ (١) ] قدس الله سره قال: رأيت رسول الله ﷺ فسألته عن حديث: إنه ليغان على قلبي، فقال: «يا مبارك ذلك غين الأنوار» . الثالث: في بيان غريب ما سبق: الاستغفار: استدعاء المغفرة، وطلبها من الشفاعة، وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة. المقدّم: بميم مضمومة، فقاف مفتوحة، فدال مهملة مكسورة، فميم: الذي يقدم الأشياء، ويضعها في مواضعها: ضد المؤخر، فمن استحق التقديم قدمه. المؤخر: بميم مضمومة، فهمزة مفتوحة، فخاء معجمة مكسورة، فراء: الذي يؤخر

Bagian 89 dari 173