سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الصالحي الشامي (w. 942 H).

Bagian 9 dari 173 5757 halaman

— Bagian 9 · لامتثال، فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب با… —

Bagian 9

لامتثال، فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة. فعلم أن اللفظ الأول من تصرّف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه. وقد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظٌ تصرف فيه الراوي، وغيره أثبت منه. كحديث أنس في نفي قراءة البسملة. وقد أعلّه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بذلك وقال: إنّ الثابت من طريق آخر نفي سماعها، ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه، فأخطأ.

قال الشيخ رحمه الله تعالى: ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا الشافعي عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة. ثم رأيت طريقاً أخرى للحديث مثل لفظ رواية معمر وأزيد وضوحاً. وذلك أنه قد صرّح فيه بأن السائل أراد أن يسأل عن أبيه ﷺ، فعدل عن ذلك تجملاً وتأدباً. فروى الحاكم في المستدرك وصححه عن لقيط بن عامر [ (١) ] ﵁ أنه قال: يا رسول الله هل أحد ممن مضى منا في جاهليته في خير؟ فقال رجل من عرض قريش: إن أباك المنتفق في النار. فكأنّه وقع حرّ بين جلد وجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل، فقلت: وأهلك يا رسول الله؟ فقال: «ما أتيت عليه من قبر قرشيّ ولا عامري مشرك فقل: أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوؤك» . هذه الرواية لا إشكال فيها، وهي أوضح الروايات وأبينها. ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضاً بالأدلة الآتية في المسلك الأول والحديث إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرر في الأصول. تتمة: ثبت في الحديث الصحيح أن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وأنه في ضحضاح من النار في رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، وهذا مما يدل على أن أبوي النبي ﷺ ليسا في النار. لأنّهما لو كانا فيها لكانا أهون عذاباً من أبي طالب، لأنهما أقرب منه مكاناً، وأبسط عذراً، فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا. بخلاف أبي طالب، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذاباً. فليس أبواه من أهلها. وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.

يهما الإسلام فامتنعا. بخلاف أبي طالب، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذاباً. فليس أبواه من أهلها. وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة. تنبيه: أجاب جماعة عن الأحاديث الواردة في عدم نجاة الأبوين بأنها وردت قبل ورود الآيات والأحاديث الآتية في المسلك الأول. كما أجابوا بذلك عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار. وقالوا: الناسخ لأحاديث الأطفال قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وإذا علم ما تقرر فللعلماء رضي الله تعالى عنهم في والدي المصطفى ﷺ مسالك: الأول: أنهما لم تبلغهما دعوة أحد وذلك لمجموع أمور: تأخر زمانهما وبعد ما بين

الأنبياء السابقين. فإن آخر الأنبياء قبل بعثة نبينا ﷺ: عيسى ﷺ. وكانت الفترة بينه وبين بعثة نبينا ﷺ نحو ستمائة سنة، ثم أنهما كانا في زمن جاهلية. وقد طبق الجهل الأرض شرقاً وغرباً وفقد من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفراً يسيراً من أحبار أهل الكتاب مفرّقين في أقطار الأرض كالشام وغيرها. ولم يعهد لهما تقلب في الأسفار سوى إلى المدينة ولا عمّرا عمراً طويلاً بحيث يقع لهما فيه التنقيب، فإن والده ﷺ صحح الحافظ العلائي أنه عاش من العمر نحو ثماني عشرة سنة. ووالدته ﷺ ماتت وهي في حدود العشرين تقريباً. ومثل هذا العمر لا يسع الفحص عن المطلوب في مثل ذلك الزمان لا سيما وهي امرأة مضنونة محجبة في البيت عن الاجتماع بالرجال، والغالب على النساء أنهن لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع، خصوصاً في زمان الجاهلية الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلاً عن نسائه. ولهذا لما بعث رسول الله ﷺ تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا: «أبعث الله بشراً رسولاً» وقالوا: «لو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين» . فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بعث بما هم عليه، فإنهم لم يجدوا من يبلغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدثورها وفقد من يعرفها، إذ كان بينهم وبين زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلاف سنة، وحكم من لم تبلغه الدعوة أنه يموت ناجياً بشرطه الآتي في الأحاديث الآتية، وأنه لا يعذب ابتداء قبل الامتحان كما سيأتي بيان ذلك. هذا مذهبنا لا خلاف فيه بين أئمتنا الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول. وقد نص على ذلك إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم والمختصر، وتبعه جميع الأصحاب فلم يشذّ أحد منهم بخلاف، واستدلوا على ذلك بعدّة آيات منها قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن قتادة في الآية قال: «إن الله ليس بمعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر أو تأتيه من الله بينة» ومنها قوله تعالى:

بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن قتادة في الآية قال: «إن الله ليس بمعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر أو تأتيه من الله بينة» ومنها قوله تعالى: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ومنها قوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أوردهما الزركشي في شرح جمع الجوامع استدلالاً على قاعدة أن شكر المنعم ليس بواجب عقلاً بل بالسمع، وهذه القاعدة أي قاعدة شكر المنعم مرجعها إلى قاعدة كلامية وهي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وإنكارهما متفق عليه بين الأشاعرة كما هو معروف في كتب الكلام والأصول. وقد أطنب الأئمة في تقريرها. وترجع مسألة من لم تبلغه الدعوة إلى قاعدة ثانية أصولية وهي: أن الغافل لا يكلّف وهذا هو الصواب في الأصول للآية الثانية.

ثم اختلفت عبارة الأصحاب فيمن لم تبلغه الدعوة، وأحسنها من قال: إنه ناج. وإياها اختار السبكي رحمه الله تعالى. ومنهم من قال: على الفطرة. ومنهم من قال: مسلم. قال الغزالي رحمه الله تعالى: التحقيق أن يقال: في معنى المسلم. وقد مشى على هذا المسلك في والدي سيدنا رسول الله ﷺ قوم من العلماء فصرّحوا بأنهما لم تبلغهما الدعوة. حكاه عنهم سبط ابن الجوزي رحمه الله تعالى في «مرآة الزمان» ومشى عليه الإمام الآبي في شرح مسلم. وكان شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي يعول عليه ويجيب به إذا سئل عنهما. وقد ورد في أهل الفترة أحاديث كثيرة أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار. والمصحّح منها ثلاثة: الأول،

عنهما. وقد ورد في أهل الفترة أحاديث كثيرة أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار. والمصحّح منها ثلاثة: الأول، حديث الأسود ابن سريع رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أربعة يحتجّون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم: ورجل مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. وأما الأحمق فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه، فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار. فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها فيسحب إليها» . الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه موقوفاً، مثل حديث الأسود بن سريع [ (١) ] . رواهما الإمام أحمد وإسحاق في مسنديهما والبيهقي في كتاب الاعتقاد، وإسنادهما صحيح. ورواه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق آخر عنه. الثالث: حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطوع عبادك. فيقول لهم ربهم: أرأيتكم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم. فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا فيرجعون إلى ربهم فيقولون: ربنا أجرنا منها. فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها. فينطلقون حتى إذا رأوها

فرقوا ورجعوا فقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين. فقال النبي ﷺ: لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً وسلاماً» . رواه البزّار والحاكم وصححه وأقره الذهبي. وورد من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مرفوعاً قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول. ويقول المعتوه: أي رب لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً. ويقول المولود: لم أدرك العمل. قال: فترفع لهم نار فيقال لهم: ردوها. أو قال: ادخلوها. فيدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب» . رواه البزار من طريق عطية العوفي [ (١) ] وفيه ضعف. والترمذي يحسّن حديثه [ (٢) ] خصوصاً إذا كان له شاهد، وحديثه هذا له عدة شواهد تقتضي الحكم بحسنه وثبوته. ومن حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الله ﵎ لعنقٍ من جهنم، ابرزي. فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه: فيقول من كتب عليه الشقاء يا ربّ أندخلها ومنها كنا نفرق، ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعاً فيقول الله: قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشدّ تكذيباً ومعصية. فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار» [ (٣) ] . رواه البزار وأبو يعلى. ومن حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ عقلاً: يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني. وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب. إني آمركم بأمر فتطيعون؟ فيقولون: نعم.

ب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني. وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب. إني آمركم بأمر فتطيعون؟ فيقولون: نعم.

فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. قال: ولو دخلوها ما ضرّتهم فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعاً، ثم يأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك فيقول الرب: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون، ضميهم. فتأخذهم» . رواه الطبراني وأبو نعيم [ (١) ] . قال الحافظ رحمه الله تعالى في الإصابة في ترجمة أبي طالب في القسم الرابع من حرف الطاء من الكنى، بعد أن أورد قصة الامتحان: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعاً فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن، وثبت أنه في ضحضاح من النار. وذكر الحافظ عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى قصة الامتحان أيضاً في والدي رسول الله ﷺ وسائر أهل الفترة وقال: أن منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب إلا أنه لم يقل إن الظن في أبوي النبي ﷺ أن يجيبا. ولا شك أن الظن بهما أن يوفقهما الله تعالى حينئذ للإجابة، لشفاعة النبي ﷺ، كما رواه تمام في فوائده بسند ضعيف من حديث ابن عمر مرفوعا: «إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي» الحديث. وروى الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ سئل عن أبويه فقال: «ما سألتهما ربي وإني لقائم يومئذ المقام المحمود» [ (٢) ] . فهذا تلويح بأنه يرجى لهما الخير عند قيامه المقام المحمود، وذلك بأن يشفع لهما ليوفقا للطاعة عند الامتحان. ولا شك في أنه ﷺ يقال له عند قيامه في ذلك المقام: سل تعط واشفع تشفع، كما في الأحاديث الصحيحة، فإذا سأل ذلك أعطيه. وينضم إلى ذلك ما رواه أبو سعد النيسابوري في «شرف المصطفى» وعمر الملا في سيرته عن عمران بن حصين مرفوعاً: سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي. فأعطاني ذلك» وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قال: من رضا محمد ﷺ إن لا يدخل أحدا من أهل بيته النار.

ي. فأعطاني ذلك» وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قال: من رضا محمد ﷺ إن لا يدخل أحدا من أهل بيته النار.

فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً، لأن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه أفاد ذلك قوة، كما تقرر في علم الحديث. وروى الطبراني عن أم هانئ رضي الله تعالى عنها، أن النبي ﷺ قال: «ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي، وإن شفاعتي تنال حاء وحكم» [ (١) ] . قال في النهاية: حاء وحكم: قبيلتان جافيتان من وراء رمل يبرين. انتهى. ويبرين بمثناة تحتية فباء موحدة فراء فمثناة تحتية فنون ويقال يبرون. قال أبو عبيد البكري: هو رمل معروف في ديار بني سعد بن تميم. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خلفة الآبي [ (٢) ] في شرح مسلم في شرح حديث: «إن أبي وأباك في النار» [ (٣) ] وأورد قول الإمام النووي فيه أي الحديث: إن من مات كافراً في النار ولا تنفعه قرابة الأقربين. ثم قال الآبي: انظر هذا الإطلاق وقد قال السهيلي رحمه الله تعالى: ليس لنا أن نقول ذلك. فقد قال ﷺ: «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات» . وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ولعله يصح ما جاء أنه ﷺ أحيا [الله] له أبويه فآمنا به، ورسول الله ﷺ فوق هذا. ولا يعجز الله ﷾ شيء. ثم أورد قول النووي وفيه أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار، وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأنه بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل. ثم قال: قلت: تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولم يدركوا الثاني، كالأعراب الذي لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي ﷺ. والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين. ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي ﷺ. ولما دلت القواطع على أنه لا يعذب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين.

رسولين. ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي ﷺ. ولما دلت القواطع على أنه لا يعذب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين. فإن قلت: صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن وغيره. قلت: قد

أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب بثلاثة أجوبة: الأول أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع. الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء والله أعلم بالسبب. الثالث: قصر التعذيب في هذه الأحاديث على من بدّل وغيّر الشرائع وشرع من الضلال ما لا يعذر به. فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام: الأول من أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقس بن ساعدة [ (١) ] وزيد بن عمرو بن نفيل. ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبّع وقومه. الثاني: من بدّل وغيّر وأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلّل وحرّم وهم الأكثر، كعمرو ابن لحيّ أول من سيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي. وزادت طائفة على ما شرعه أن عبدوا الجن والملائكة وخرقوا البنين والبنات، واتخذوا بيوتاً جعلوا لها سدنة وحجاباً يضاهون بها الكعبة كاللات والعزى ومناة. الثالث: من لا يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع ديناً، بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله. وفي الجاهلية من كان كذلك. فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام فيحمل من صحّ تعذيبه على أهل القسم الثاني بكفرهم بما لا يعذرون به. وأما القسم الثالث فهم أهل فترة حقيقةً، وهم غير معذّبين للقطع كما تقدم. وأما القسم الأول فقد قال ﷺ في كل من قسّ وزيد: إنه يبعث أمة وحده. وأما تبّع ونحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين. انتهى. ما أورده الآبي رحمه الله تعالى. المسلك الثاني: أنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفيّة دين جدهما إبراهيم ﷺ، كما كان زيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه في الجاهلية. ومال إلى هذا المسلك الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى. وزاد أن آباءه ﷺ كلهم إلى آدم كانوا على التوحيد. كما قال في كتابه «أسرار التنزيل» ما نصه: قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه. واحتجوا عليه بوجوه. منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً. ويدل عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ . قيل معناه: أنه كان ينقل نوره من

ء ما كانوا كفاراً. ويدل عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ . قيل معناه: أنه كان ينقل نوره من

ساجد إلى ساجد قال: وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد ﷺ كانوا مسلمين، وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله: «وتقلبك في الساجدين» على وجوه أخرى، وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان. قال: ومما يدل على أن آباء محمد ﷺ. ما كانوا مشركين قوله ﵊: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فوجب أن لا يكون أحد من أجداده ﷺ مشركاً. انتهى كلام الإمام فخر الدين. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد وجدت له أدلة قوية ما بين عام وخاص. فالعام مركب من مقدمتين: إحداهما: إنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن كل جد من أجداده ﷺ خير أهل قرنه لحديث البخاري: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه» وتقدمت أحاديث كثيرة في هذا المعنى في باب فضل العرب وفي باب طهارة أصله ﷺ. الثانية: أنه قد ثبت أن الأرض لم تخل من سبعة مسلمين فصاعداً يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض. فروى عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر في التفسير بسند صحيح على شرط الشيخين عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعداً فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها» . وروى الإمام أحمد في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرطهما، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض.

خلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرطهما، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض. وإذا قرنت بين هاتين المقدمتين أنتج ما قاله الإمام. لأنه إن كان كل جد من أجداده ﷺ من جملة السبعة المذكورين في زمانه فهو المدعى. وإن كان غيرهم لزم أحد أمرين: إما أن يكون غيرهم خيراً منهم، وهو باطل لمخالفته الحديث الصحيح، وإما أن يكونوا خيراً منه وهم على الشرك وهو باطل بالإجماع، وفي التنزيل: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ فثبت أنهم على التوحيد ليكونوا خير أهل الأرض كل في زمانه. وأما الخاص فروى ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «ما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام» . وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار في مسنده والحاكم وصححه، عن ابن عباس

رضي الله تعالى عنهما قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا. وفي التنزيل حكاية عن نوح ﷺ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً» وسام بن نوح مؤمن بنص القرآن والإجماع، بل ورد في أثر أنه نبي رواه ابن سعد والزبير بن بكار في الموفقيات وابن عساكر عن محمد بن السائب، وولده أرفخشذ صرح بإيمانه في أثر عن ابن عباس. رواه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر وفيه أنه أدرك جدّه نوحاً وأنه دعا له أن يجعل الله تعالى الملك والنبوة في ولده. وولد أرفخشذ إلى تارح ورد التصريح بإيمانهم. روى ابن سعد من طريق محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ أن الناس ما زالوا ببابل وهم على الإسلام من عهد نوح إلى أن ملكهم نمرود فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا. فعرف من مجموع هذه: الآثار أن أجداد النبي ﷺ كانوا مؤمنين بيقين من آدم إلى زمن نمرود. وفي زمنه كان إبراهيم ﷺ. وآزر إن كان والد إبراهيم فيستثنى من سلسلة النسب وإن كان عمه فلا استثناء. وهذا القول، أعني أن آزر ليس أبا إبراهيم، ورد عن جماعة من السلف. رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد، من طرق بعضها صحيح. ورواه ابن المنذر عن ابن جريج بسند صحيح وابن أبي حاتم عن السّدّي بسند صحيح. وقد وجه من حيث اللغة بأن العرب تطلق لفظ الأب على العم إطلاقاً شائعاً وإن كان مجازاً. وبسط الشيخ الكلام على ذلك، وتركته لأنه خلاف الظاهر. وقد صحت الأحاديث في البخاري وغيره وتضافرت نصوص العلماء بأن العرب من عهد إبراهيم وهم على دينه ولم يكفر أحد منهم إلى عهد عمرو بن عامر الخزاعي، وهو الذي يقال له عمرو بن لحي، فهو أول من عبد الأصنام وغير دين إبراهيم وحمل العرب على ذلك فتبعته. وكان عمرو بن لحي قريباً من زمن كنانة جد النبي ﷺ ولهذا مزيد بيان يأتي قبيل أبواب البعثة. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ما يشهد لإيمان عدنان ومعدّ وربيعة ومضر وخزيمة وأسد وإلياس وكعب بن لؤي. وسيأتي بيان ذلك في تراجمهم.

تي قبيل أبواب البعثة. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى ما يشهد لإيمان عدنان ومعدّ وربيعة ومضر وخزيمة وأسد وإلياس وكعب بن لؤي. وسيأتي بيان ذلك في تراجمهم. ثم قال: فتلخص من مجموع ما سقناه: أن أجداده ﷺ من آدم إلى كعب بن لؤي ومن ولده مرّة مصرّح بإيمانهم، إلا آزر فإنه مختلف فيه. فإن كان والد إبراهيم فإنه مستثنى، وإن كان عمه كما هو أحد القولين فيه فهو خارج عن الأجداد وسلمت سلسلة النسب. وبقي بين مرّة وعبد المطلب أربعة أجداد لم أظفر فيهم بنقل. وعبد المطلب يأتي الكلام عليه في ترجمته إن شاء الله تعالى.

ويرحم الله الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي حيث قال: تنقّل أحمدٌ نوراً مبيناً ... تلألأ في وجوه الساجدينا تقلّب فيهم قرناً فقرناً ... إلى أن جاء خير المرسلينا المسلك الثالث: أن الله تعالى أحياهما له ﷺ حتى آمنا به. وهذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة من الأئمة وحفاظ الحديث واستندوا إلى حديث ورد بذلك لكن إسناده ضعيف. وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وليس بموضوع، وقد نصّ ابن الصلاح في علوم الحديث وسائر من تبعه على أن ابن الجوزي تسامح في كتابه الموضوعات فأورد فيه أحاديث وحكم بوضعها وليست بموضوعة بل هي ضعيفة فقط، وربما تكون حسنة أو صحيحة. قال الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته: وأكثر الجامع فيه إذ خرج ... لمطلق الضعف عنى أبا الفرج وقد ألف شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر [ (١) ] رحمه الله تعالى كتاباً سماه: «القول المسدّد في الذّب عن مسند أحمد» أورد فيه جملة من الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وهي في مسند أحمد. ودرأ عنها أحسن الدرء، ووهّم ابن الجوزي في حكمه عليها بالوضع، وبيّن أن منها ما هو ضعيف فقط من غير أن يصل إلى حد الوضع، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو صحيح، وأبلغ من ذلك أن منها حديثاً مخرّجاً في صحيح مسلم. حتى قال شيخ الإسلام: هذه غفلة شديدة من ابن الجوزي حيث حكم على هذا الحديث بالوضع وهو في أحد الصحيحين. انتهى.

ذلك أن منها حديثاً مخرّجاً في صحيح مسلم. حتى قال شيخ الإسلام: هذه غفلة شديدة من ابن الجوزي حيث حكم على هذا الحديث بالوضع وهو في أحد الصحيحين. انتهى. وسبقه إلى شيء من هذا التعقب شيخه حافظ عصره زين الدين العراقي، ورأيت في فهرست مصنفات شيخ الإسلام أنه شرع في تأليف تعقبات على ابن الجوزي، ولم أقف على هذا التأليف، وقد تتبّعت أنا منه جملة من الأحاديث ليست بموضوعة، فمنها ما هو في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومستدرك الحاكم وغيرها من الكتب المعتمدة وبيّنت حال كل حديث منها ضعفاً وحسناً وصحة في تأليف حافل، يسمى: «النكت البديعات على الموضوعات» .

وهذا الحديث الذي نحن في ذكره خالف ابن الجوزي فيه كثير من الأئمة والحفاظ فذكروا أنه من قسم الضعيف الذي يجوز روايته في الفضائل والمناقب، لا من قسم الموضوع، منهم الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، والحافظ أبو القاسم، ابن عساكر والحافظ أبو حفص ابن شاهين، والحافظ أبو القاسم السهيلي، والإمام القرطبي، والحافظ محب الدين الطبري، والعلامة ناصر الدين بن المنير، والحافظ فتح الدين بن سيد الناس، ونقله عن بعض أهل العلم. ومشى عليه الصلاح الصّفدي في نظم له والحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في أبيات له فقال: حبا الله النبي مزيد فضلٍ ... على فضلٍ وكان به رؤوفا فأحيا أمّه وكذا أباه ... لإيمانٍ به فضلا لطيفا فسلّم فالقديم بذا قديرٌ ... وإن كان الحديث به ضعيفا وأخبرني بعض الفضلاء أنه وقف على فتيا بخط شيخ الإسلام ابن حجر أنه أجاب فيها بهذا، إلا أني لم أقف على ذلك، وإنما وقفت على كلامه الذي قدمته في المسلك الثاني. وقال السهيلي رحمه الله تعالى في أوائل «الروض الأنف» بعد إيراد حديث أنه ﷺ سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما ما نصه: «والله قادر على كل شيء وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه ﷺ أهلٌ أن يختصه بما شاء من كرامته» . وقال في موضع آخر من الكتاب في حديث أنه ﷺ قال لفاطمة: «لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك» ما نصه: «في قوله: جدّ أبيك ولم يقل جدك يعني أباه تقوية للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره: أن الله تعالى أحيا أمه وأباه وآمنا به» انتهى. مع أن الحديث الذي أورده السهيلي لم يذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وإنما أورد ابن الجوزي حديثاً آخر من طريق آخر في إحياء أمه فقط وفيه قصة بلفظٍ غير لفظ الحديث الذي أورده السهيلي. فعلم أنه حديث آخر مستقل وقد جعل هؤلاء الأئمة هذا الحديث ناسخاً للأحاديث الواردة لما يخالف ذلك، ونصوا على أنه متأخر عنها فلا تعارض بينه وبينها.

سهيلي. فعلم أنه حديث آخر مستقل وقد جعل هؤلاء الأئمة هذا الحديث ناسخاً للأحاديث الواردة لما يخالف ذلك، ونصوا على أنه متأخر عنها فلا تعارض بينه وبينها. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: فضائل النبي ﷺ لم تزل تتوالى وتتابع إلى آخر مماته، فيكون هذا مما فضّله الله به وأكرمه. قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما به بممتنع عقلا ولا شرعا، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵊ يحيِ الموتى وكذلك نبينا ﷺ قال: وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته ﷺ وفضيلته؟.

وبسط الشيخ رحمه الله تعالى الكلام على ذلك في «مسالك الحنفا» ويأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في باب وفاة أمه ﷺ. خاتمة وجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديث مسلم ونحوه على ظاهرها من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره، ومع ذلك قالوا: لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك. قال السهيلي في الروض الأنف بعد إيراده حديث مسلم: وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه ﷺ: «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات» [ (١) ] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية. وسئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية رحمه الله تعالى عن رجل قال: إن أبا النبي ﷺ في النار. فأجاب: بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ قال ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه: أنه في النار. ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس وهو الوقف. قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه «الفجر المنير» : الله أعلم بحال أبويه ﷺ. وقال الباجيّ [ (٢) ] في شرح الموطّأ: قال بعض العلماء: أنه لا يجوز أن يؤذى النبي ﷺ بفعل مباح ولا غيره، وأما غيره من الناس فيجوز أن يؤذى بمباح وليس له المنع منه، ولا يأثم فاعل المباح وإن وصل ذلك إلى أذى غيره. قال: ولذلك قال النبي ﷺ إذ أراد علي ابن أبي طالب أن يتزوج ابنة أبي جهل: «إنما فاطمة بضعة مني وإني لا أحرّم ما أحل الله، ولكن لا والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبداً» .

أبي طالب أن يتزوج ابنة أبي جهل: «إنما فاطمة بضعة مني وإني لا أحرّم ما أحل الله، ولكن لا والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبداً» . فجعل حكمها في ذلك حكمه أنه لا يجوز أن تؤذى بمباح. واحتج على ذلك بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً. وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً فشرط على المؤمنين أن يؤذوا بغير ما اكتسبوا. وأطلق الأذى في خاصة النبي ﷺ من غير شرط. انتهى.

وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي عتبة قال: حدثنا نوفل بن الفرات. وكان عاملاً لعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. قال: كان رجل من كتّاب الشام مأموناً عندهم استعمل رجلا على كورة الشام وكان أبوه يزنّ بالمانيّة [ (١) ] فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال: ما حملك على أن تستعمل رجلاً على كورة من كور المسلمين كان أبوه يزنّ بالمانيّة؟ قال: أصلح الله أمير المؤمنين وما على من كان أبوه كان أبو النبي ﷺ مشركاً. فقال عمر آه. ثم سكت ثم رفع رأسه ثم قال: أأقطع لسانه؟ أأقطع يده ورجله؟ أأضرب عنقه؟ ثم قال: لا يلي شيئاً ما بقيت. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد سئلت أن أنظم في هذه المسألة أبياتاً أختم بها هذا التأليف فقلت: إنّ الذي بعث النبي محمداً ... أنجى به الثقلين مما يجحف ولأمه وأبيه حكمٌ شائعٌ ... أبداه أهل العلم فيما صنّفوا فجماعةٌ أجروهما مجرى الذي ... لم يأته خبر الدعاة المسعف والحكم فيمن لم تجئه دعوة ... أن لا عذاب عليه حكمٌ يؤلف فبذاك قال الشافعية كلهم ... والأشعريّة ما بهم متوقّف وبسورة الإسراء فيه حجّة ... وبنحو ذا في الذكر آيٌ تعرف ولبعض أهل الفقه في تعليله ... معنىً أدقّ من النسيم وألطف ونحا الإمام الفخر رازيّ الورى ... منحىً به للسامعين تشنّف إذ هم على الفطر الذي ولدوا ولم ... يظهر عناد منهم وتخلّف قال الألى ولد النبي المصطفى ... كلٌّ على التوحيد إذ يتحنّف من آدم لأبيه عبد الله ما ... فيهم أخو شركٍ ولا مستنكف فالمشركون كما بسورة توبةٍ ... نجسٌ وكلّهم بطهرٍ يوصف وبسورة الشعراء فيه تقلّبٌ ... في الساجدين فكلّهم متحنّف هذا كلام الشيخ فخر الدين في ... أسراره هطلت عليه الذّرّف فجزاه ربّ العرش خير جزائه ... وحباه جنّات النّعيم تزخرف فلقد تديّن في زمان الجاهل ... يّة فرقةٌ دين الهدى وتحنّفوا زيد بن عمرو بن نوفل هكذا الصدّ ... يق ما شركٌ عليه يعكف قد فسّر السّبكي بذاك مقالةً ... للأشعريّ وما سواه مزيّف

اهل ... يّة فرقةٌ دين الهدى وتحنّفوا زيد بن عمرو بن نوفل هكذا الصدّ ... يق ما شركٌ عليه يعكف قد فسّر السّبكي بذاك مقالةً ... للأشعريّ وما سواه مزيّف

إذ لم تزل عين الرضا منه على ال ... صّدّيق وهو بطول عمر أحنف عادت عليه صحبة الهادي فما ... في الجاهليّة للضّلالة يقرف فلأمّه وأبوه أحرى سيّما ... ورأت من الآيات ما لا يوصف وجماعةٌ ذهبوا إلى إحيائه ... أبويه حتى آمنا لا خرّفوا وروى ابن شاهين حديثاً مسنداً ... في ذاك لكنّ الحديث مضعّف هذي مسالك لو تفرّد بعضها ... لكفى فكيف بها إذا تتألّف وبحسب من لا يرتضيها صمته ... أدباً ولكن أين من هو منصف صلّى الإله على النبي محمّدٍ ... ما جدّد الدين الحنيف محنّف ابن عبد المطلب عبد المطلب: مفتعل من الطلب. يكنى أبا الحارث، وأبا البطحاء، واسمه شيبة الحمد. قال السهيلي: وهو الصحيح. وقيل عامر. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: ولا يصح: واختلف لم سمّي شيبة. فقيل: إنه ولد وفي رأسه شيبة وكانت ظاهرة في ذؤابته. وقيل: لأن أباه وصّى أمه بذلك. ولقّب عبد المطلب لأن أباه هاشماً قدم المدينة تاجراً فنزل على عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي النجار. ذكر هذا النسب مصعب. وقال الزهري: عمرو بن زيد بن عدي بن النجّار. وقال ابن إسحق رحمه الله تعالى: زيد بن عمرو بن أسد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجّار.

النسب مصعب. وقال الزهري: عمرو بن زيد بن عدي بن النجّار. وقال ابن إسحق رحمه الله تعالى: زيد بن عمرو بن أسد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجّار. فلمح ابنته سلمى بنت عمرو فأعجبته فخطبها إلى أبيها فأنكحه إياها وشرط عليه أنها لا تلد ولداً إلا في أهلها. فمضى هاشم ولم يبنِ بها حتى رجع، فبنى بها عند أهلها وسكن معها سنين، ثم ارتحل إلى مكة بها، فلما أثقلت خرج بها فوضعها عند أبيها ومضى إلى الشام فمات بغزة من وجهه ذلك. وولدت عبد المطلب فمكث بالمدينة سبع سنين أو ثمانياً، ثم إن رجلا من أهل تهامة من بني الحارث بن عبد مناف مرّ بالمدينة فإذا غلمان ينتضلون وإذا غلام فيهم إذا أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء. فقال له الرجل: ممن أنت يا غلام؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. فانصرف الرجل حتى قدم مكة فوجد المطلب بن عبد مناف جالساً في الحجر فقال له: قم يا أبا الحارث. فقام إليه فقال: تعلّم أني جئت الآن من يثرب فوجدت غلماناً ينتضلون. وقصّ عليه ما رأى من عبد المطلب. قال: وإذا أظرف غلام رأيته قط ولا يحسن أن يترك مثله. قال المطّلب: أغفلته والله! أما والله لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى آتيه. فأعطاه الحارث ناقته فركبها.

ال: وإذا أظرف غلام رأيته قط ولا يحسن أن يترك مثله. قال المطّلب: أغفلته والله! أما والله لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى آتيه. فأعطاه الحارث ناقته فركبها.

فخرج المطلب بن عبد مناف حتى أتى المدينة عشيّاً ثم خرج براحلته حتى أتى بني عديّ ابن النجار فإذا بغلمان من بين ظهراني المجلس، فلما نظر إلى ابن أخيه قال: هذا ابن هاشم؟ فقال القوم: نعم. وعرف القوم المطّلب. فقالوا: نعم هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخذه فالساعة لا تعلم أمه فإنها إن علمت حلنا بينك وبينه. فأناخ راحلته ثم دعاه فقال: يا بن أخي أنا عمّك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك فاركب. فو الله ما كذب أن جلس على عجز الرّحل وجلس المطّلب على الرحل ثم بعث راحلته فانطلق به. فلما علمت أمه أن عمه ذهب به علقت تدعو من حزنها على ابنها وقالت: كنّا ولاة حمّه ورمّه [ (١) ] ... حتّى إذا قام على أتمّه انتزعوه غيلةً من أمّه ... وغلب الأخوال حقّ عمّه وقيل إنه أخذه بإذن أمّه. ولما دخل المطلب مكة دخل ضحوةً مردفه خلفه والناس في أسواقهم ومجالسهم، فقاموا يرحّبون به ويقولون: من هذا معك؟ فيقول هذا عبدي ابتعته بيثرب. ثم خرج به حتى جاء الحزورة فابتاع له حلّة، ثم أدخله على امرأته خديجة ابنة سعيد بن سعد بن سهم، فلما كان العشي ألبسه الحلّة ثم أجلسه في مجلس بني عبد مناف وأخبرهم خبره. وجعل بعد ذلك يخرج في تلك الحلّة فيطوف في سكك مكة وكان أحسن الناس وجها فيقولون: هذا عبد المطلب. لقول المطلب: هذا عبدي. فثبت اسمه عبد المطلب. وترك شيبة. وكان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله ويبرّهم. حمّة: بحاء مهملة يجوز ضمها وفتحها يعني قليلة. رمّة: براء يجوز فتحها وضمها يعني كثيرة.

د المطلب. وترك شيبة. وكان عبد المطلب يكثر زيارة أخواله ويبرّهم. حمّة: بحاء مهملة يجوز ضمها وفتحها يعني قليلة. رمّة: براء يجوز فتحها وضمها يعني كثيرة. وروى البلاذري عن محمد بن السائب وغيره قالوا: كان عبد المطلب من حلماء قريش وحكمائها، وكان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان في جوار عبد المطلب يهودي يقال له أذينة وكان اليهودي يتسوّق في أسواق تهامة بماله، فغاظ ذلك حرباً فألّب عليه فتيان قريش وقال: هذا العلج الذي يقطع إليكم ويخوض في بلادكم بمالٍ جمّ كثير من غير جوار ولا خيل، والله لو قتلتموه وأخذتم ماله ما خفتم تبعة ولا عرض لكم أحدٌ يطلب دمه. فشدّ عليه عامر بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وصخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقتلاه. فجعل عبد المطلب لا يعرف له قاتلاً، فلم يزل يبحث

عن أمره حتى عرف خبره، فأتى حرب بن أمية فأنّبه بصنيعه وطلب دم جاره، فأجار حرب قاتليه ولم يسلمهما وأخفاهما، وطالبه عبد المطلب بهما فتغالظا في القول حتى دعاهما المحك واللجاج إلى المنافرة، فجعلا بينهما النجاشيّ صاحب الحبشة، فأبى أن يدخل بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي جد عمر بن الخطاب، فقال لحرب: يا أبا عمرو تنافر رجلاً هو أطول منك قامة، وأوسم منك وسامة، وأعظم منك هامة، وأقل منك لامة. وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا، وأطول منك مددا، وإني لأقول قولي هذا، وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصيت في العرب، جلد المريرة، تحبك العشيرة، ولكنك نافرت منفراً. فنفر عبد المطلب، فغضب حرب. وأغلظ لنفيل وقال: من انتكاس الدهر جعلت حكما. وكانت العرب تتحاكم إليه فقال في ذلك نفيل: أولاد شيبة أهل المجد قد علمت ... عليا معدّ إذا ما هزهز الورع وشيخهم خير شيخ لست تبلغه ... أنيّ وليس به سخفٌ ولا طمع يا حرب ما بلغت مسعاتكم هبعاً ... يسقي الحجيج وماذا يبلغ الهبع أبوكما واحد والفرع بينكما ... منه العشاش ومنه الناضر الينع فترك عبد المطلب منادمة حرب، ونادم عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة. ولم يفارق حرباً حتى أخذ منه مائة ناقة ودفعها إلى ابن عم اليهودي، وارتجع ماله إلا شيئاً يسيراً كان قد تلف فغرمه من ماله. فقال الأرقم بن نضلة بن هاشم في ذلك: وقبلك ما أردى أميّة هاشمً ... فأورده عمروٌ إلى شرّ مورد أيا حرب قد حاربت غير مقصّر ... شآك إلى الغايات طلاّع أنجد

تفسير الغريب الصّفد [ (١) ] : بفتح الصاد والفاء: العطاء. الهبع: بضم الهاء وفتح الباء الموحدة: الفصيل الذي نتج في آخر النتاج. العشاش: بعين مهملة مكسورة وشينين معجمتين: جمع عشّ وهو ما يجمعه الطائر من حطام العيدان. الينع: بفتح المثناة التحتية: وهو من الثمر النضيج الطيب. وروى البلاذري عن محمد بن السائب عن أشياخه قالوا: كان لعبد المطلب ماء يدعى الهرم فغلبه عليه جندب بن الحارث الثقفي في طائفة من ثقيف، فنافرهم عبد المطلب إلى

البلاذري عن محمد بن السائب عن أشياخه قالوا: كان لعبد المطلب ماء يدعى الهرم فغلبه عليه جندب بن الحارث الثقفي في طائفة من ثقيف، فنافرهم عبد المطلب إلى

الكاهن القضاعي، وهو سلمة بن أبي حيّة بن الأسحم بن عامر بن ثعلبة بن سعد بن هذيم، وكان منزله بالشام، فخرج إليه عبد المطلب في نفر من قريش وخرج جندب في جماعة من ثقيف، فلما انتهوا إلى الكاهن خبأوا له رأس جرادة في خرز مزادة، فقال: خبأتم لي شيئاً طار فسطع، وتصوّب فوقع، ذا ذنب جرّار وساق كالمنشار. قالوا: ذه. أي بيّن. قال: إلا ذه فلاذه. يقول: إن لم يكن قولي بياناً، وهو رأس جرادة، في خرز مزادة، في ثني القلادة. قالوا: صدقت. وانتسبوا له، فقال: أحلف بالضياء والظلم، والبيت ذي الحرم، إن الماء ذا الهرم، للقرشي ذي الكرم. فغضب الثقفيون وقالوا: اقض لأرفعنا مكاناً وأعظمنا جفانا. وأشدّنا طعانا. فقال عبد المطلب: اقض لصاحب الخيرات الكبر، ولمن أبوه سيّد مضر، وساقي الحجيج إذا كثر. فقال الكاهن: أما وربّ القلص الرّواسم ... يحملن أزوالاً بقيّ طاسم إنّ سناء المجد والمكارم ... في شيبة الحمد سليل هاشم أبي النبيّ المرتضى للعالم ثم قال: إن بني النّضر كرامٌ ساده ... من مضر الحمراء في قلادة أهل سناً وملوكٌ قاده ... مزارهم بأرضهم عباده إنّ مقالي فاعلموا شهاده ثم قال: إن ثقيفا عبدٌ أبق، فثقف فعتق، فليس له في المنصب الكريم من حق. فلما قضى لعبد المطلب بذي الهرم استعار عبد المطلب قدوراً ثم أمر فنحرت الجزائر ودعا من حوله فأطعمهم وبعث إلى جبال مكة بجزائر منها، فأمر بها فنحرت للطير والسباع شكراً لله. فلذلك قال أبو طالب ولده: ونطعم حتّى تأكل الطّير فضلنا ... إذا جعلت أيدي المنيضين ترعد

جبال مكة بجزائر منها، فأمر بها فنحرت للطير والسباع شكراً لله. فلذلك قال أبو طالب ولده: ونطعم حتّى تأكل الطّير فضلنا ... إذا جعلت أيدي المنيضين ترعد

تفسير الغريب الهرم بفتح الهاء وكسر الراء. وأما بالفتح والسكون فمالٌ لأبي سفيان بن حرب بالطائف أيضاً. القلص بضم القاف واللام وبالصاد المهملة: جمع قلوص، وهي من الإبل بمنزلة الجارية من النساء، وهي الشابة. رواسم: جمع رسوم وهي الناقة التي تؤثر في الأرض من شدة الوطء. الأزوال: بالزاي واللام: النساء. بقي: بالقاف. طاسم بطاء وسين مهملتين وهو حي من عاد. المنيضين: جمع منيض المعالج للشيء يقال: نضت الشيء إذا عالجته.

ونقل البلاذريّ عن محمد بن السائب رحمه الله تعالى أن ركباً من جذام صدروا عن الحج ففقدوا رجلاً منهم غالته بيوت مكة، فلقوا حذافة بن غانم بن عامر بن عوف فأخذوه فربطوه ثم انطلقوا به، فتلقّاهم عبد المطلب مقبلاً من الطائف معه ابنه أبو لهب يقوده وقد ذهب بصره، فلما نظر إليه حذافة هتف به فقال عبد المطلب لابنه أبي لهب: ويلك ما هذا؟ قال: هذا حذافة بن غانم مربوطاً مع ركب. قال: فالحقهم فاسألهم ما شأنهم. فلحقهم فأخبروه فرجع إلى عبد المطلب فأخبره فقال: ما معك. قال: والله ما معي شيء. قال فالحقهم لا أم لك فأعطهم بيدك وأطلق الرجل. فلحقهم أبو لهب فقال: قد عرفتم تجارتي ومالي وأنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهباً وعشراً من الإبل وحمراً وفرساً، وهذا ردائي رهناً بذلك. فقبلوا منه فأطلقوا حذافة فأقبل به، فلما سمع عبد المطلب صوت أبي لهب قال: وأبي إنك لعاصٍ ارجع لا أم لك! قال: يا أبتاه هذا الرجل معي فناداه عبد المطلب: يا حذافة أسمعني صوتك. فقال حذافة: ها أنا ذا بأبي أنت وأمي يا ساقي الحجيج أردفني. فأردفه حتى دخل مكة فقال حذافة: بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه ... يضيء ظلام اللّيل كالقمر البدر كهولهم خير الكهول ونسلهم ... كنسل ملوك لا قصار ولا خزر لساقي حجيج ثم للخير هاشم ... وعبد منافٍ ذلك السّيد الفهر ملوك وأبناء الملوك وسادةٌ ... تفلّق عنهم بيضة الطائر الصقر متى تلق منهم خارجاً في شبابه ... تجده على أحراء والده يجري

... وعبد منافٍ ذلك السّيد الفهر ملوك وأبناء الملوك وسادةٌ ... تفلّق عنهم بيضة الطائر الصقر متى تلق منهم خارجاً في شبابه ... تجده على أحراء والده يجري هم ملأوا البطحاء مجداً وسؤدداً ... وهم نكلوا عنا غواة بني بكر وهم يغفرون الذنب ينقم مثله ... وهم تركوا رأى السفاهة والهجر أخارج إمّا أهلكنّ فلا تزل ... بشيبةٍ منكم شاكراً آخر الدهر والقصيدة أطول مما ذكر وهذه خلاصتها. وروى البلاذري عن محمد بن السائب أن عبد المطلب أول من خضب بالوسمة لأن الشيب أسرع إليه فدخل على بعض ملوك اليمن فأشار عليه بالخضاب فغيّر شيبته بالحنّة ثم علاه بالوسمة، فلما انصرف وصار بقرب مكة جدد خضابه وقد كان تزود من الوسمة شيئاً كثيراً، فدخل منزله وشعره مثل حلك الغراب، فقالت امرأته نتيلة أم العباس: يا شيب ما أحسن هذا الصبغ لو دام. فقال عبد المطلب: لو دام لي هذا السواد حمدته ... وكان بديلاً من شبابٍ قد انصرم تمتّعت منه والحياة قصيرةٌ ... ولا بدّ من موت نتيلة أو هرم وماذا الذي يجدي على المرء خفضه ... ونعمته يوماً إذا عرشه انهدم

ثم أن أهل مكة خضبوا بعده. الوسمة: كنبقة وتسكن: نبت يختضب بورقه. وكان عبد المطلب جسيماً أبيض وسيماً طوالاً فصيحاً ما رآه أحد قط إلا أحبّه، وصار إليه السّقاية والرّفادة، وشرف في قومه وعظم شأنه. وكان يعرف فيه نور النبوة وهيبة الملك. ومكارمه أكثر من أن تحصر، فإنه كان سيد قريش غير مدافع نفساً وأباً وبيتاً وجمالاً وبهاءً وفعالاً. قال الرشاطي رحمه الله تعالى: وكان ممن حرّم الخمر في الجاهلية. وله عدة بنين وبنات يأتي ذكرهم عند ذكر أعمام النبي ﷺ وعماته، وتوفي وله مائة وعشرون سنة، وقيل خمس وثمانون وقيل غير ذلك. تنبيه: قال السهيلي رحمه الله تعالى: ظاهر حديث أبي طالب لمّا قال له رسول الله ﷺ: «قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها» ، فكان آخر كلامه أنه على ملّة عبد المطلب يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك قال: ووجدت في بعض كتب المسعوديّ اختلافاً في عبد المطلب، وأنه قد قيل فيه مات مسلماً لما رأى من الدلالات على نبوته ﷺ وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد. فالله أعلم. غير أن في مسند الدّارميّ وسنن النسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة وقد عزّت قوماً من الأنصار: «لعلك بلغت معهم الكدى» ويروى الكرى بالراء يعني القبور؟ قالت لا. قال: «لو بلغت معهم ذلك ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك» وهذا ظاهر في عدم إسلامه. انتهى. وقد ذكره ابن السكن [ (١) ] في الصحابة لما جاء عنه أنه ذكر إن النبي ﷺ سيبعث كما ذكر بحيرى الراهب وسيف بن ذي يزن وقس بن ساعدة ونظائرهم ممن كان قبل البعثة. والخبر رواه عنه العباس وتقدم. ولم يتعقب الحافظ في الإصابة ابن السكن بشيء غير أنه أورده في القسم الرابع وقد قال في أول الكتاب: إن القسم الرابع فيمن ذكر في كتب الصحابة على سبيل الوهم والغلط، وبيّن ذلك البيان الظاهر الذي يعول عليه على طريق أهل الحديث. إلى آخره.

في أول الكتاب: إن القسم الرابع فيمن ذكر في كتب الصحابة على سبيل الوهم والغلط، وبيّن ذلك البيان الظاهر الذي يعول عليه على طريق أهل الحديث. إلى آخره.

والظاهر أن إيراده له في القسم الرابع إنما هو لكونه لم يدرك البعثة، فكيف يعدّ من الصحابة كسيف بن ذي يزن فإنه مات بعد المولد بنحو ثلاث سنين، فإنه وإن أقرّ ببعثة النبي ﷺ فلا يسمى صحابياً، لأنه لم يره بعد البعثة، بل لم يره أصلاً. وقال في ترجمة أبي طالب في الكنى، بعد أن أورد قصة الامتحان يوم القيامة: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعاً فينجو. إلى آخره. وتقدم لهذا مزيد بيان في ترجمة ابنة عبد الله. ابن هاشم هاشم: اسم فاعل من الهشم وهو كسر الشيء اليابس والأجوف. واسمه عمرو العلا، وهو منقول إما من العمر بفتح العين الذي هو من العمر بضمها أي البقاء، ذكره أبو الفتح ابن جنيّ رحمه الله تعالى في المبهج وأنشد لأبي القماقم: يا ربّ زد من عمره في عمري ... واستوف منّي يا إلهي نذري ويحكى أن عيسى بن عمر سأل عمرو بن عبيد فقال: لم سميت عمراً؟ فقال له: العمر البقاء أطال الله عَمرك وعُمرك. قال ابن دحية رحمه الله تعالى: إن استعمل العمر في القسم فالفتح لا غير. قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. أو من غيره مما هو مذكور في الروض والزّهر وغيرهما. ولقّب هاشماً لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه، وذلك أن أهل مكة أصابهم جهد وشدة فرحل إلى فلسطين فاشترى منها دقيقاً كثيراً وكعكاً وقدم بذلك إلى مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزوراً وجعلها ثريداً عمّ به أهل مكة، ولا زال يفعل ذلك حتى استكفوا. وهو أول من سنّ الرحلتين، رحلة الشتاء إلى الحبشة ورحلة الصيف إلى الشام.

فخبز ثم نحر جزوراً وجعلها ثريداً عمّ به أهل مكة، ولا زال يفعل ذلك حتى استكفوا. وهو أول من سنّ الرحلتين، رحلة الشتاء إلى الحبشة ورحلة الصيف إلى الشام. قال الرشاطي: كانت قريش تجارتهم لا تعدو مكة، وكانت الأعاجم تقدم عليهم بالسلع فيشترون منهم، حتى ركب هاشم إلى الشام فنزل بقيصر وكان كل يوم يذبح شاة فيصنع جفنة ثريد ويدعو من حوله فيأكلون فذكر ذلك لقيصر أن هاهنا رجلاً من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم، وإنما كانت العجم تضع المرق في الصحاف ثم تأتدم عليه بالخبز، فدعا به قيصر وكلّمه فأعجبه كلامه وأعجب به وجعل يرسل إليه ويدخل عليه، فلما رأى مكانه منه قال: أيها الملك إنّ لي قوماً وهم تجار العرب فإن رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمّنهم وتؤمن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستظرف من أدم الحجاز وثيابه فيمكّنوا من بيعه عندكم فهو أرخص عليكم. فكتب له كتاب أمان لمن أتى منهم فأقبل هاشم بالكتاب فجعل كلما مرّ بحيّ من العرب على طريق الشام أخذ لهم من أشرافهم إيلافاً، والإيلاف أن يأمنوا

عندهم وفي طريقهم وأرضهم بغير حلف، إنما هو أمان الطريق، فأخذ هاشم الإيلاف فيمن بينه وبين الشام حتى قدم مكة فأعطاهم الكتاب، فكان ذلك أعظم بركة. ثم خرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهم يجوزهم ويوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام. ومات في تلك السفرة بغزة. فهذا سبب تسميته بهاشم. كذا قاله الرشاطي رحمه الله تعالى. وما ذكرناه في سبب تسميته هاشماً هو المشهور. ولا مانع أن يكون سمّي ببلاد مكة هاشماً لما تقدم، وببلاد قيصر كذلك. والله تعالى أعلم. وخرج أخوه عبد شمس إلى النجاشي بالحبشة وأخذ لهم كذلك. وخرج أخوهما نوفل إلى الأكاسرة بالعراق وأخذ لهم كذلك. وخرج المطلب إلى حمير باليمن وأخذ لهم كذلك. فكان يقال لهاشم ولعبد شمس وللمطلب ولنوفل، أولاد عبد مناف: المجيزون فسادوا كلهم، فقال فيهم عبد الله بن الزّبعري رضي الله تعالى عنه، ويقال بل أبوه قائل ذلك. قال البلاذري: والأول أثبت: يا أيّها الرجل المحوّل رحله ... هلا نزلت بآل عبد مناف

يهم عبد الله بن الزّبعري رضي الله تعالى عنه، ويقال بل أبوه قائل ذلك. قال البلاذري: والأول أثبت: يا أيّها الرجل المحوّل رحله ... هلا نزلت بآل عبد مناف الآخذون العهد من آفاقها ... والرّاحلون لرحلة الإيلاف والرّائشون وليس يوجد رائشٌ ... والقائلون هلمّ للأضياف والخالطون غنيّهم بفقيرهم ... حتّى يكون فقيرهم كالكافي عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... سفر الشّتاء ورحلة الإيلاف [ (١) ] وروى الزبير بن بكار في الموفقيات، عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: كانت قريش في الجاهلية تحتفد، وكان احتفادها أن أهل البيت منهم كانوا إذا سافت- يعني هلكت- أموالهم خرجوا إلى برازٍ من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا خوفاً من أن يعلم بخلّتهم. حتى نشأ هاشم بن عبد مناف فلما ربل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش إن العزّ مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالاً وأعزّهم نفرا، وإن هذا الاحتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيت رأياً. قالوا: رأيك رشيد، فمرنا نأتمر. قال رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيراً عدده بعدد عياله فيكون يؤازره في الرحلتين رحلة الشتاء ورحلة الصيف، رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظله، وكان ذلك قطعاً

للاحتفاد. قالوا: نعم ما رأيت. فألّف بين الناس. الاحتفاد: خفة العمل والإسراع فيه. وروى البلاذري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: والله لقد علمت قريش إن أول من أخذ لها الإيلاف وأجاز لها العيرات لهاشم، والله ما أخذت قريش حبلاً لسفر ولا أناخت بعيراً لحضر إلا بهاشم. وكان هاشم رجلاً موسراً، وكان يقوم أول يوم من ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب فيقول: يا معشر قريش أنتم سادة العرب أنساباً، وأنتم أقرب العرب بالعرب أرحاماً، يا معشر قريش إنكم جيران بيت الله أكرمكم الله تعالى بولاية بيته وخصّكم بجواره دون بني إسماعيل، حفظ منكم أحسن ما حفظ جارٌ من جاره فأكرموا ضيفه وزوّار بيته، فإنهم يأتون شعثاً غبراً من كلّ بلد على ضوامر كالقداح وقد أرحضوا وثفلوا وقملوا وأرملوا، فاقروهم وأعينوهم، ولو كان لي مال يحمل ذلك كله كفيتكموه وأنا مخرج من طيّب مالي وحلاله ما لم تقطع فيه رحم ولم يؤخذ بظلم ولم يدخل فيه حرام فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل، وأسألكم بحرمة هذا البيت أن لا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيّباً لم يؤخذ ظلماً ولم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ غصباً. فكانت بنو كعب بن لؤي كلها تجتهد في ذلك، ثم يخرجون ذلك من أموالهم حتى إن كان أهل البيت ليرسلون بالشيء اليسير على قدرهم، وكان أهل اليسار منهم ربما أرسل بمائة مثقال هرقلية فيأتون به هاشماً فيضعونه في داره دار النّدوة. وكان هاشم يخرج في كل سنة مالاً كثيراً. وكان يأمر بحياض من أدم فتجعل في موضع زمزم من قبل أن تحفر زمزم ثم يستقي فيها من الآبار التي بمكة فيشرب الحاج. وكان يطعمهم أول ما يطعمهم قبل التروية بيوم بمكة وبمنى وبجمع وعرفة وكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء، ويتفرق الناس لبلادهم. وكان من أحسن الناس وأجملهم، وكانت العرب تسميه قدح النّضار والبدر. قال أبو سعد النيسابوري رحمه الله تعالى في «الشّرف» : كان النور يرى على وجهه كالهلال يتوقّد، لا يراه أحد إلا أحبّه وأقبل نحوه. وبعث إليه قيصر رسولاً ليتزوج ابنته لما وجد في الإنجيل من صفته فأبى.

لشّرف» : كان النور يرى على وجهه كالهلال يتوقّد، لا يراه أحد إلا أحبّه وأقبل نحوه. وبعث إليه قيصر رسولاً ليتزوج ابنته لما وجد في الإنجيل من صفته فأبى. ولهاشم من الأولاد: نضلة، وبه كان يكنى، وعبد المطلب والعقب منه. وأسد والد فاطمة بنت أسد أم سيدنا علي رضي الله تعالى عنهما. وأبو صيفي. والشّفاء، وخلدة. ورقية وحبيبة.

وله من الإخوة: المطلّب، وعبد شمس، وتماضر، وقلابة. وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج، بالجيم، بن ذكوان بن ثعلبة بن الحارث بن بهثة بن سليم السلمية. ونوفل، وأبو عمرو واسمه عبيد. قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: ولا عقب له. وأميمة، أمهم وافدة بنت أبي عدي بن عبد فهم من بني مازن بن صعصعة. وريطة بنت عبد مناف، ولدت في بني هلال بن معيط من بني كنانة وأمها من ثقيف. وقيل إن هاشماً وعبد شمس توأمان وإن أحدهما ولد قبل الآخر. قيل إن الأول هاشم وإن إصبع أحدهما ملتصقة بجهة صاحبه فنحيت فسال دم، فقيل يكون بينهما دم. وولي هاشم بعد أبيه عبد مناف ما كان إليه من السقاية والرفادة فحينئذ حسده أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف فنال من هاشم. فروى البلاذري عن هشام بن محمد بن السائب رحمه الله تعالى قال: كان أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ذا مال فتكلّف أن يفعل كما فعل هاشم في إطعام قريش، فعجز عن ذلك، فشمت به أناس من قريش وعابوه لتقصيره، فغضب ونافر هاشماً على خمسين ناقة سود الحدق. تنحر بمكة وإجلاء عشر سنين، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، وهو جد عمرو بن الحميق وكان منزله عسفان. وكان مع أمية أبو همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عن أمية، فقال الكاهن: والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر. وما اهتدى بعلم مسافر، في منجد وغائر لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أول منها وآخر، وأبو همهمة بذاك خابر. فأخذ هاشم الإبل، فنحرها وأطعم لحمها من حضر. وخرج أمية إلى الشام فأقام عشر سنين. فتلك أول عداوة وقعت بين بني هاشم وأمية. مات هاشم بغزة وله عشرون سنة. ويقال خمس وعشرون سنة.

ها وأطعم لحمها من حضر. وخرج أمية إلى الشام فأقام عشر سنين. فتلك أول عداوة وقعت بين بني هاشم وأمية. مات هاشم بغزة وله عشرون سنة. ويقال خمس وعشرون سنة. قال البلاذري رحمه الله تعالى: وهذا أثبت. وهو أول من مات من بني عبد مناف. ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد. ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق. ومات المطلب بردمان من طريق اليمن. وسلمان بوزن اسم سلمان الفارسي، وردمان بوزنه. ابن عبد مناف عبد مناف: قال السهيلي [مفعل من أناف ينيف إنافة: إذا ارتفع. وقال المفضّل رحمه الله تعالى: الإنافة: الإشراف والزيادة. وبه سمي عبد مناف. ومنه تقول: مائة ونيف أي شيء زائد على المائة] [ (١) ] واسمه المغيرة منقول من الوصف. والهاء فيه للمبالغة. أي أنه يغير على

الأعداء. أو مغير من أغار الحبل إذا أحكمه. ودخلت الهاء للمبالغة، كما دخلت في علاّمة ونسابة. قال السهيلي رحمه الله تعالى: ويجوز أن تكون الهاء في المغيرة للتأنيث، ويكون منقولاً من وصف المؤنث. وكنيته أبو شمس وأمه حبّي بضم الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة الممالة. وكان يقال له قمر البطحاء لجماله. وسبب تلقيبه بعبد مناف أن أمّه حبّى بنت حليل، بضم الحاء المهملة وفتح اللام، ابن حبشية، بضم الحاء المهملة وقيل بفتحها وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء وقيل بتخفيفها، ابن سلول بفتح السين المهملة ولامين الأولى مضمومة، ابن كعب بن خزاعة قد أخدمته مناة، وكان صنماً عظيماً لهم فسمى عبد مناة به. ثم نظر أبوه قصيّ فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة فحوّله عبد مناف. وساد في حياة أبيه وكان مطاعاً في قريش وإياه عنى القائل بقوله: كانت قريشٌ بيضةً فتفلّقت ... فالمحّ خالصه لعبد مناف المحّ بالحاء المهملة: صفرة البيض. وروى البلاذري عن زيد بن أسلم- رحمه الله تعالى- إن رسول الله- ﷺ سمع جارية تنشد: كانت قريشٌ بيضةً فتفلّقت ... فالمحّ [ (١) ] خالصه لعبد الدّار فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «كذا قال الشاعر؟» قال أبو بكر: لا. إنما قال: لعبد مناف. قال: «كذاك» . قال البلاذريّ: وزعموا أنه وجد كتاب في حجر: أن المغيرة أوصى قريشاً بتقوى الله وصلة الرحم. ابن قصي قصيّ بضم القاف وفتح الصاد المهملة: تصغير قصي بفتح القاف، من قصا يقصو إذا أبعد. قاله ابن الأنباري والزجّاجي- رحمهما الله تعالى: واسمه زيد. قال السهيلي: وصغّر قصيّ

ف وفتح الصاد المهملة: تصغير قصي بفتح القاف، من قصا يقصو إذا أبعد. قاله ابن الأنباري والزجّاجي- رحمهما الله تعالى: واسمه زيد. قال السهيلي: وصغّر قصيّ

على فُعيل. لأنهم كرهوا اجتماع ثلاث ياءات، يعني ياء التصغير وياء فعيل المكبر، والياء المنقلبة عن الواو التي هي لام الفعل لتطرّفها وانكسار ما قبلها، فحذفوا إحداهن وهي الياء الثانية التي تكون في فعيل نحو قضيب، فبقي على وزن فُعيل. قال: ويجوز أن يكون المحذوف لام الفعل. يريد المبدلة من لام الفعل، فيكون وزنه فعيّاً وتكون ياء التصغير هي الثانية مع الزائدة. قال الرشاطيّ- رحمه الله تعالى: وإنما قيل له قُصيّ لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج فاطمة بنت سعد بن سيل- بسين مهملة فمثناة تحتية مفتوحتين فلام- لقّب باسم جبل لطوله. واسمه خير ضد شرّ. وفي سعد قال الشاعر: ما أرى في النّاس طرّاً رجلاً ... حضر البأس كسعد بن سيل فارسٌ أضبط فيه عسرة ... وإذا ما وافق القرن نزل وتراه يطرد الخيل كما ... يطرد الحرّ القطاميّ [ (١) ] الحجل ويقال: إن سعدا هذا أول من حلّى السيوف بالفضة والذهب. فولدت له زهرة وقصيّا. فهلك كلاب وقصيّ صغير. فتزوج فاطمة أم قصيّ ربيعة ابن حرام بن ضبّة فاحتملها- ربيعة ومعها قصي صغير. وقال السهيلي: رضيع. قال الرشاطي: فولدت فاطمة لربيعة رزاحا وكان أخاه لأمه، فربيّ في حجر ربيعة، فسمى قصيّاً لبعده عن دار قومه. قال الرشاطي: وقال الخطّابي: سمي قصيّاً لأنه قصا قومه أي تقصّاهم بالشام، فنقلهم إلى مكة.

أخاه لأمه، فربيّ في حجر ربيعة، فسمى قصيّاً لبعده عن دار قومه. قال الرشاطي: وقال الخطّابي: سمي قصيّاً لأنه قصا قومه أي تقصّاهم بالشام، فنقلهم إلى مكة. قال الرشاطي: وإن زيداً وقع بينه وبين آل ربيعة شر فقيل له: ألا تلحق بقومك! وعيّر بالغربة وكان لا يعرف لنفسه أباً غير ربيعة فرجع إلى أمه وشكا إليها ما قيل له. فقالت: يا بني أنت أكرم نفساً وأباً، أنت ابن كلاب بن مرة وقومك بمكة عند البيت الحرام. فأجمع قصي على الخروج، فقالت له أمه: أقم حتى يدخل الشهر الحرام فتخرج في حاج العرب، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة فحج وأقام، فعرفت له قريش قدره وفضله وعظمته وأقرت له بالرياسة والسؤدد، وكان أبعدها رأياً وأصدقها لهجة وأوسعها بذلا، وأبينها عفافا، وكان أول مالٍ أصابه مال رجل قدم مكة بأُدمٍ كثير فباعه وحضرته الوفاة ولا وارث له فوهبه لقصي ودفعه له.

وكانت خزاعة مستولية على الأبطح، وكانت قريش تنزل الشّعاب والجبال وأطراف مكة وما حولها فخطب قصيّ إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبّى، فعرف حليل نسبه فزوجه ابنته وحليل يومئذ يلي الكعبة وأمر مكة. فأقام قصيّ معه وولدت له حبّى أولاده، فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل، وأوصى بولاية البيت لابنته حبّى فقالت: لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه. فجعل ذلك لأبي غبشان، بضم الغين المعجمة وسكون الموحدة بعدها شين معجمة- واسمه المحترش- بميم فحاء مهملة ويقال بمعجمة فتاء مثناة فوقية، فراء فشين معجمة- بن حليل وكان في عقله خلل، فاشترى قصيّ منه ولاية البيت بزقّ خمر وقعود. فضربت به العرب المثل فقالت: أخسر صفقة من أبي غبشان!. فلما أخذ قصي مفتاح البيت إليه أنكرت خزاعة ذلك وكثر كلامها، وأجمعوا على حرب قصيّ وقريش وطردهم عن مكة وما والاها:

المثل فقالت: أخسر صفقة من أبي غبشان!. فلما أخذ قصي مفتاح البيت إليه أنكرت خزاعة ذلك وكثر كلامها، وأجمعوا على حرب قصيّ وقريش وطردهم عن مكة وما والاها: فبادر قصيّ فاستصرخ أخاه رزاح بن ربيعة فحضر هو وإخوته، وكانت بنو صوفة تدفع الناس بالحج من عرفة إذا نفروا من منىً، فلم يجسر أحد من الناس أن ينفر ولا يرمي حتى يرموا، فلما كان هذا العام فعلت بنو صوفة كما كانت تفعل، فأتاهم قصيّ بمن معه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقال لبني صوفة: نحن أولى بهذا منكم. فقاتلوه فاقتتل الناس قتالاً شديداً وكثر القتل في الفريقين فانهزمت صوفة وغلبهم على ما كان بأيديهم من ذلك، فانحازت خزاعة وبنو بكر عن قصيّ، وعلموا أنه سيمنعهم كما منع من ذلك بني صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فاجتمع لحربهم فخرجت خزاعة وبنو بكر فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح وأن يحكموا رجلاً من العرب، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب المعروف بالشدّاخ فقضى بينهم بأن قصيّاً أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وان كل دم أصابته قريش من خزاعة موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابته خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة فيه الديّة. فودوا خمسمائة وعشرين ديّة وثلاثين جريحاً. وأن يخلّى بين قصيّ وبين البيت. فسمي يعمر بن عوف الشدّاخ لما شدخ من الدماء ووضع. فولى قصيّ أمر الكعبة ومكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة فملّكوه عليهم، ولم تكن مكة بها بيت في الحرم وإنما كانوا يكونون بها حتى إذا أمسوا خرجوا لا يستحلون أن يصيبوا فيها جناية، ولم يكن بها بيت قديم. فلما جمع قصيٌّ قريشاً- وكان أدهى من رئي من العرب- قال لهم: هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت؟ فو الله لا يستحل العرب قتالكم ولا يستطيعون

إخراجكم منه وتسكنونه فتسودوا العرب أبداً. فقالوا: أنت سيدنا ورأينا تبع لرأيك. فجمعهم ثم أصبح بهم في الحرم حول الكعبة. وكان قصيّ أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكاً أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، وحاز شرف مكة كله جميعاً. فسمى مجمّعاً لجمعه قومه. وفي ذلك قال الشاعر: أبوكم قصيّ كان يدعى مجمّعاً ... به جمع الله القبائل من فهر وأنتم بنو زيدٍ وزيدٌ أبوكم ... به زيدت البطحاء فخراً على فخر وبنى دار الندوة. والندوة في اللغة: الاجتماع. لأنهم كانوا يجتمعون فيها للمشورة وغير ذلك، فلا تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش، ولا يتشاورون في أمر إلا في داره، ولا يعقدون لواء حرب إلا فيها يعقدها لهم قصي أو بعض بنيه. قال أبو عبيدة: ولما ولي قصي أمر مكة قال: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وجيران بيته، وأهل حرمه، وإن الحاج زوّار بيت الله فهم أضياف الله وأحق الأضياف بالكرامة أضياف الله فترافدوا، فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج حتى يصدروا، ولو كان مالي يسع ذلك قمت به، ففرض عليهم خرجا تخرجه قريش من أموالها فتدفعه إليه فيصنع به طعاماً وشراباً ولبناً وغير ذلك للحاج بمكة وعرفة فجرى ذلك من أمره حتى قام الإسلام. قال السهيلي رحمه الله تعالى: وكان قصيّ يسقي الحجيج في حياض من أدمٍ ينقل إليها الماء من بئر ميمون وغيرها خارج مكة، وذلك قبل أن يحفر العجول. وروى البلاذري عن معروف بن خرّبوذ وغيره قالوا: كانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج مكة ومن حياض ومن مصانع على رؤوس الجبال ومن بئر حفرها مرة بن كعب مما يلي عرفة. فحفر قصي بئراً سماها العجول، وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة وفيها يقول رجّاز الحاج: نروي [من] العجول ثمّ ننطلق ... إنّ قصيّا قد وفى وقد صدق بالشّبع للنّاس وريّ مغتبق وقال آخر: آب الحجيج طاعمين دسما ... أشبعهم زيد قصيّ لحما ولبناً محضاً وخبزاً هشما خرّبوذ بفتح المعجمة وتشديد الراء وبسكونها ثم بموحدة مضمومة وواو ساكنة. وآب. بالمد: رجع.

اعمين دسما ... أشبعهم زيد قصيّ لحما ولبناً محضاً وخبزاً هشما خرّبوذ بفتح المعجمة وتشديد الراء وبسكونها ثم بموحدة مضمومة وواو ساكنة. وآب. بالمد: رجع.

ويروى أن قصياً قال للأكابر من ولده: من عظّم لئيماً شركه في لؤمه، ومن استحسن مستقبحاً شركه فيه، ومن لم تصلحه كرامتكم فداووه بهوانه، فذاك دواء يحسم الداء والعيّ عيّان: عيّ إفحام، وعيّ المنطق بغير سداد، والحسود: العدو الخفيّ، ومن سأل فوق قدره استحقّ الحرمان. وقصيّ أحدث وقود النار بالمزدلفة ليراها من دفع من عرفة. وقسم قصيّ مكارمه بين ولده، فأعطى عبد مناف السقاية والندوة، فكانت فيه النبوّة والثروة. وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء. وأعطى عبد العزّى الرّفادة والضيافة أيام منى، فكانوا لا يجيزون إلا بأمره. وأعطى عبد قصي جلهتي الوادي. فسادت بنو قصي الثلاثة. ومات قصي بمكة فأقام بنوه أمر مكة بعده في قومهم [ (١) ] ودفن بالحجون. فتدافن الناس بعده بالحجون. ابن كلاب كلاب: بكسر الكاف وتخفيف اللام منقول. وفي وجه نقله عن الجمع وجهان: أحدهما: ما ذكره السهيلي: إما من المصدر الذي في معنى المكالبة نحو كالبت العدوّ مكالبةً وكلابا، وإما من الكلاب جمع كلب لأنهم يريدون الكثرة كما سمّوا بسباع وأنمار. والثاني: ما نقله في «المورد» و «الفتح» عن بعضهم أنه كان محبّاً للصيد مولعاً به بالكلاب وجمع منها شيئاً كثيراً، فكان إذا مرّ بكلاب على قوم قيل: هذه كلاب ابن مرة. فبقي لقباً له. فائدة: قيل لأبي الدّقيش الأعرابي: لم تسمون أبناءكم بأشرّ الأسماء نحو كلاب وذئب وعبيدكم بأحسن الأسماء نحو مرزوق ورباح. فقال: إنا لنسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا يريد أن الأبناء عدة للأعداء وسهام في نحورهم فاختاروا لهم هذه الأسماء. قال ابن دحية رحمه الله تعالى: فكان الرجل إذا تشاجر مع كفوه قال: اخرج يا كلب أو يا سباع أو يا نمر أو يا علقمة إلى غير ذلك. وقيل لدفع السّوء عن أبنائهم. واسمه حكيم. ويقال: الحكيم. وقيل: المهذّب. وقيل عروة. نقله الجوّاني في المقدمة.

Bagian 9 dari 173