— Bagian 10 · كَونه كَاذِبًا مِمَّا لَا معنى لَهُ إِلَّا أَنه … —
Bagian 10
كَونه كَاذِبًا مِمَّا لَا معنى لَهُ إِلَّا أَنه رَسُول وَالْجمع بَين كَونه كَاذِبًا أى لَيْسَ برَسُول وَبَين مَا يدل على انه رَسُول مُسْتَحِيل قطعا
وَبِهَذَا يتَبَيَّن ضعف قَول بعض الْأَصْحَاب بِجَوَاز ظُهُور المعجزة على يَد الْكذَّاب بل لَو قدر كذب من ظَهرت المعجزة على يَده من غير مَا دلّت المعجزة مِنْهُ على صدقه لقد كَانَ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى الْعقل جَائِزا وَلما كَانَ وُقُوعه بِالنّظرِ إِلَيْهِ مُمْتَنعا وَعند هَذَا فَلَا بُد من التنيبه لدقيقة شدت عَن مطولات الْكتب وجهابذة الْمُتَكَلِّمين وهى أَنه لَو قَالَ النبى آيَة صدقى ظُهُور جمل اَوْ نَاقَة فى هَذَا الصندوق أَو هَذِه الصَّخْرَة وَذكر من نَعته وَصفته مَعَ سبق علمنَا بِعَدَمِ ذَلِك ثمَّ ظهر على وفْق قَوْله ودعواه فعلى قَوْلنَا بِجَوَاز ظُهُور الخارق على يَد من لَيْسَ بنبى يجوز ان يكون قد أُوتى بمخبر خَبره قبل التحدى وَعند ذَلِك فالخارق إِنَّمَا هُوَ علمه بذلك واطلاعه عَلَيْهِ لَا نفس خَبره عِنْد التحدى وَبعد الْعلم بِهِ فَإِن ذَلِك لَيْسَ بمعجز وَإِلَّا كَانَ كل من أخبر عَن ذَلِك بعد مَا حصل لَهُ الْعلم بِهِ أَن يكون خَبره معجزا وَهُوَ هوس
ْد التحدى وَبعد الْعلم بِهِ فَإِن ذَلِك لَيْسَ بمعجز وَإِلَّا كَانَ كل من أخبر عَن ذَلِك بعد مَا حصل لَهُ الْعلم بِهِ أَن يكون خَبره معجزا وَهُوَ هوس وَإِذا لم يكن الخارق المعجز إِلَّا مَا قضى بِجَوَاز سبقه على التحدى فقد سبق إِلَى فهم بعض المجوزين لذَلِك القاصرين عَن الْإِحَاطَة بقواعد خَواص الْمُتَكَلِّمين أَن ذَلِك لَا يكون آيَة وَلَا دَلِيلا على الصدْق وَلَا يعلم أَن ذَلِك يجر إِلَى إبِْطَال اعجاز الْقُرْآن وَجعله دَلِيلا ١٢٩ أمصدقا لتحَقّق هَذَا الْمَعْنى فِيهِ بل وَيلْزم مِنْهُ ابطال سَائِر المعجزات لجَوَاز أَن يكون قد أعلم الله ذَلِك الشَّخْص بِأَنَّهُ سيشق الْبَحْر فى وَقت كَذَا وسيقلب الْعَصَا حَيَّة إِلَى غير ذَلِك وأنى يكون ذَلِك وَالله تَعَالَى بِمَا منحه من هَذَا لاطلاع الخارق والإحاطة بالمعجزة مَعَ عمله بِأَنَّهُ سيتحدى ويستند فى الِاسْتِدْلَال والإعجاز إِلَى مَا أظفره بِهِ ينزل منزلَة التَّصْدِيق لَهُ بالْقَوْل وَإِن تَأَخَّرت معرفَة ذَلِك إِلَى حِين وَهل بَين ذَلِك وَبَين مَا لَو كَانَ حُصُوله مُقَارنًا للدعوى فرق فى هَذَا الْمَعْنى نعم شَرط ذَلِك أَلا يكون هَذَا الخارق قبل التحدى قد ظهر للنَّاس مِنْهُ واشتهر عَنهُ
فَإِن إِظْهَاره لَهُم عِنْد دَعوته لَا ينزل فى نظر الْعُقَلَاء منزلَة التَّصْدِيق وَهَذَا بِخِلَافِهِ إِذْ لم يكن ظُهُوره لَهُم على يَده إِلَّا مُقَارنًا لدعوته وَمن نظر فِيمَا قَرَّرْنَاهُ بالتحقيق انْدفع عَنهُ خيال اشْتِرَاط عدم سبق المعجزة مُطلقًا فى تَنْزِيله منزلَة التَّصْدِيق وَمَا أُشير اليه من إِلْزَام إفحام الرُّسُل فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو قيل بِوُجُوب الْإِمْهَال فى النّظر وَالِاعْتِبَار بالعبر وَهُوَ إِنَّمَا يلْزم الْمُعْتَزلَة حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِوُجُوب الامهال عِنْد الاستمهال وَلَا محيص لَهُم عَنهُ فَأَما على رأى أهل الْحق فَلَا وأنى يجب ذَلِك على من ظهر صدقه فى مقَالَته بالدلالات الْوَاضِحَة والمعجزات الائحة لَا سِيمَا وَهُوَ متصد للدعوة الشامخة والكلمة الباذخة وَمَا فِيهَا من صَلَاح نظام الْخلق والإرشاد إِلَى السَّبِيل الْحق الذى بِهِ يكون معاشهم فى الدُّنْيَا وَحُصُول سعادتهم فى الْأُخْرَى وَإِنَّمَا ذَلِك مبْنى على فَاسد أصُول الْخُصُوم فى التحسين والتقبيح وَقد أبطلناه بل وَلَو وَقع الْإِلْزَام على أصلهم بقبح التَّأَخُّر والإمهال فى النّظر حَيْثُ لم يرشدهم إِلَى الْمصَالح ويحذرهم من المهالك ويعرفهم طَرِيق السَّعَادَة ليسلكوها ومفاوز المخافة ليرهبوها بعد مَا ظهر صدقه واتضحت كَلمته بالمعجزات القاطعة والبراهين الساطعة لم يَجدوا إِلَى دفع ذَلِك سَبِيلا كَيفَ وَأَن مَا يجب النّظر لأَجله فالنبى قَائِم بصدده ومتكفل بأوده من تَعْرِيف ذَات البارى وَصِفَاته وَمَا يتَعَلَّق بِأَحْكَام الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى وَلِهَذَا إِذا فحص عَن أَحْوَال الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وجدناهم فى الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى معرفَة وحدانيته سابقين وَلذَلِك على دَعْوَى النُّبُوَّة مقدمين وَعند ذَلِك فَلَيْسَ طلب الْإِمْهَال مَعَ مَا ظهر من صدق الرَّسُول ودعوته إِلَى مَا فِيهِ صَلَاح نظام الْمَدْعُو مَعَ إِمْكَان وُقُوع الهلكة على تَقْدِير التَّأَخُّر إِلَّا كَمَا لَو قَالَ الْوَالِد لوَلَده مَعَ مَا عرف من شفقته وحنوه ورأفته إِن بَين يَديك فى هَذَا الطَّرِيق سبعا
ع الهلكة على تَقْدِير التَّأَخُّر إِلَّا كَمَا لَو قَالَ الْوَالِد لوَلَده مَعَ مَا عرف من شفقته وحنوه ورأفته إِن بَين يَديك فى هَذَا الطَّرِيق سبعا
أَو مهلكة وَإِيَّاك وسلوكه وَكَانَ ذَلِك فى نَفسه مُمكنا فَقَالَ الْوَلَد لَا أمتنع من ذَلِك مَا لم أعرف السَّبع أَو الْمهْلكَة لقد كَانَ ذَلِك مَه فى نظر أهل الْمعرفَة يعد مستقبحا ومخالفا للْوَاجِب وَلَو لم ينْتَه فَهَلَك كَانَ ملوما مذموما غير مَعْذُور وَأما مَا ذَكرُوهُ من قبح الْبعْثَة إِلَى من علم الله أَنه لَا يُؤمن فَهُوَ أَيْضا مبْنى على أصلهم فى التلكيف لما لَا يُطَاق والقبح وَالْحسن وَقد أفسدناه ثمَّ يلْزم الصابئة الملتزمين لتصديق شِيث وَإِدْرِيس وَمن الْتزم من البراهمة بِتَصْدِيق آدم وابراهيم الْمَنْع من إِحَالَة تَصْدِيق غَيرهم من الْمُرْسلين فَإِنَّهُ مهما وجد دَلِيل يدل على صدق بعض المخبرين بطرِيق الْيَقِين لم يمْتَنع وجود مثل ذَلِك فى حق غَيره أَيْضا وَمَا انْفَرَدت بِهِ التناسخية فَهُوَ فرع أصلهم فى التناسخ وَقد أبطلناه وَعند ذَلِك فَلَا بُد من معرف يعرف بالطرق الجيدة وَالْأَحْوَال السديدة الَّتِى يتَعَلَّق بهَا صَلَاح الْخلق فى مآلهم فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يعرف الْعقل إِذْ الافعال مِمَّا لَا تقبح وَلَا تحسن لذواتها حَتَّى يسْبق الْعقل بدرك الصَّالح وَالْفَاسِد مِنْهَا بل لَعَلَّ الْعقل قد يقبح مَعَ النَّفس بغض الْأَفْعَال الَّتِى تحصل بهَا الملاذ وتتعلق بهَا الْأَغْرَاض إِذا قطع النّظر عَمَّا يتَعَلَّق بهَا من الملاذ ثمَّ العَبْد إِذا انْتهى إِلَى الْعَالم العلوى أَو السُّفْلى جَزَاء على فعله فَمَا يَفْعَله فى حَالَة خسته اَوْ فِي حَالَة رفعته مِمَّا يُوجب اقْتِضَاء زِيَادَة فى حَاله يبْقى مِمَّا لَا مُقَابل لَهُ لانتهائه فى دَرَجَة الثَّوَاب إِلَى مَا لَا دَرَجَة للثَّواب بعْدهَا وَكَذَلِكَ فى دَرَجَة الْعقَاب أَيْضا وَهُوَ مِمَّا يفضى إِلَى
لَا مُقَابل لَهُ لانتهائه فى دَرَجَة الثَّوَاب إِلَى مَا لَا دَرَجَة للثَّواب بعْدهَا وَكَذَلِكَ فى دَرَجَة الْعقَاب أَيْضا وَهُوَ مِمَّا يفضى إِلَى
تَعْطِيل طَاعَة من هُوَ فى الدرجَة الْعليا عَن الثَّوَاب ومعصية من هُوَ فى الدرجَة السُّفْلى عَن الْعقَاب وَهُوَ مِمَّا يقبح على مُوجب اعتقاداتهم وَلَا محيص عَنهُ وَلَا يتخيلن أَن إِنْكَار الرسَالَة مِمَّا يستدعى الْإِقْرَار بهَا من جِهَة الْخَبَر عَن الله تَعَالَى بِأَن لَا إرْسَال وَلَا رَسُول كَمَا ظن بعض الْأَصْحَاب إِذْ الْخَيْر بذلك ونفيه إِنَّمَا يسْتَند عِنْدهم إِلَى الدَّلِيل العقلى لَا إِلَى التَّوْقِيف السمعى وَذَلِكَ لَا يلْزم مِنْهُ الِاعْتِرَاف بالرسالة أصلا إِلَى غير ذَلِك من قضايا الْعُقُول فَإِذا قد تنخل من مَجْمُوع مَا ذَكرْنَاهُ عِنْد النّظر اللبيب والفهم الأريب جَوَاز الارسال وَامْتِنَاع لُزُوم الْمحَال وسيتضح ذَلِك زِيَادَة إِيضَاح بِبَيَان وُقُوعهَا بِالْفِعْلِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَمن جُمْلَتهَا الْقُرْآن الْمجِيد الذى ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ فَإِن من نظر بِعَين الِاعْتِبَار وَله قدم راسخ فى الاختبار اعْلَم أَن الْقُرْآن من أظهر المعجزات وأبلغ مَا تخرق بِهِ الْعَادَات وَأَن ذَلِك مِمَّا لَا يدْخل تَحت طوق الْبشر وَلَا يُمكن تَحْصِيله بفكر وَلَا نظر لما اشْتَمَل من النّظم الْغَرِيب والأسلوب الْمُخَالف لما استنبطه البلغاء من الاوزان والأساليب مَعَ الجزالة والبلاغة وَجمع الْكثير من الْمعَانى السديدة فِي الْأَلْفَاظ الوجيزة الرشيقة وَإِلَيْهِ الاشارة بقوله ﵇ أُوتيت جَوَامِع الْكَلم واختصرت لى الْحِكْمَة اختصارا وَذَلِكَ كَمَا دلّ على وحدانيته وَعظم صمديته والإرشاد لمن ضل إِلَى مَعْرفَته بقوله ﴿يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل﴾ فانه بَيِّنَة على أَن ذَلِك كُله لَيْسَ إِلَّا بمشيئته وإرادته وَأَنه مَقْدُور بقدرته وَإِلَّا فَلَو كَانَ ذَلِك بِالْمَاءِ وَالتُّرَاب وَالْفَاعِل لَهُ الطبيعة لما وَقع الِاخْتِلَاف وَمِمَّا كثرت مَعَانِيه وَقل لَفظه على أتم بلاغة وَأحسن فصاحة قَوْله تَعَالَى ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ فَإِنَّهُ مَعَ قلَّة أَلْفَاظه ورطوبتها قد دلّ على الْعَفو عَن المذنبين وصلَة القاطعين وَإِعْطَاء المانعين وتقوى الله وصلَة الْأَرْحَام وَحبس اللِّسَان وغض الطّرف وَغير ذَلِك من الْمعَانى وَمن أَرَادَ زِيَادَة الاختبار فَعَلَيهِ بِالِاعْتِبَارِ وَالنَّظَر فى مجمله ومفصله ومحكمه ومتشابهه
بس اللِّسَان وغض الطّرف وَغير ذَلِك من الْمعَانى وَمن أَرَادَ زِيَادَة الاختبار فَعَلَيهِ بِالِاعْتِبَارِ وَالنَّظَر فى مجمله ومفصله ومحكمه ومتشابهه
فَإِنَّهُ يجد فى طى ذَلِك الْعجب العجاب ويحقق بِمَا أمكنه من إِدْرَاكه إعجازه لذوى الْعُقُول والألباب وان أبلغ وَأحسن مَا نطقت بِهِ بلغاء الْعَرَب من ذوى الأحساب والرتب المختصين من بَين الْأُمَم المميزين عَن سَائِر أَصْنَاف الْعَجم بِمَا منحهم الله تعال بِهِ من اللِّسَان العربى الْمُبين إِذا نسبه إِلَى الْكَلَام الربانى وَاللَّفْظ اللاهوتى وجد النِّسْبَة بَينهمَا على نَحْو مَا بَين اللِّسَان العربى والأعجمى ولعلم من نَفسه مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الإعجاز والبلاغة والايجاز وَإِن ذَلِك مِمَّا تتقاصر عَن الاتيان بِمثلِهِ أَرْبَاب اللِّسَان وتكل عَن معارضته الانس والجان ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ فَإنَّك أَلا ترى إِلَى فصيح قَول الْعَرَب فى معنى ارتداع سافك الدَّم بِالْقَتْلِ الْقَتْل أنفى للْقَتْل وفى قَوْله تَعَالَى ﴿فِي الْقصاص حَيَاة﴾ وَمَا بَينهمَا من الْفرق فى الجزالة والبلاغة والتفاوت فى الْحُرُوف الدَّالَّة على الْمَعْنى وَمن كَانَ أَشد تدربا وَمَعْرِفَة بأوزان الْعَرَب ومذاهبها فى اللُّغَات وأساليبها فِي الْعبارَات كَانَ أَشد معرفَة بإعجاز الْقُرْآن وأسبق إِلَى التَّصْدِيق وَالْإِيمَان كَمَا أَن من كَانَت مَعْرفَته بِعلم الطبيعة فى زمن إِبْرَاهِيم وَعلم السحر فى زمن مُوسَى والطب فى زمن عِيسَى أَشد كَانَ أَشد معرفَة بالإعجاز وأسبق للتصديق وَالْقَبُول لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول
ة فى زمن إِبْرَاهِيم وَعلم السحر فى زمن مُوسَى والطب فى زمن عِيسَى أَشد كَانَ أَشد معرفَة بالإعجاز وأسبق للتصديق وَالْقَبُول لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول كَيفَ وَالْعرب مَعَ شدَّة بأسها وَعظم مراسها ومنعتهم عَن أَن يدخلُوا فى حكم حَاكم ونبوتهم عَن أَن يقبلُوا رسم راسم مِنْهُم من أجَاب بِالْقبُولِ وأذعن بِالدُّخُولِ وَمِنْهُم من نكل عَن الْجَواب واعتضد بالقبائل وَالْأَصْحَاب وَلم يرض غير القيل والقال وَالْحَرب والنزال فاستنزل بالعنف عَن رتبته وَأخذ بالقهر مَعَ نبوته فَلَو أَن ذَلِك مِمَّا لَهُم سَبِيل إِلَى
معارضته أَو إبداء سُورَة فى مُقَابلَته مَعَ أَنهم أهل اللِّسَان وفصحاء الزَّمَان لقد كَانُوا يبالغون فى ذَلِك مَا يَجدونَ إِلَيْهِ سَبِيلا لإفحام من يدعى كَونه نَبيا أَو رَسُولا إِذْ هُوَ أقرب بالطرق إِلَى إفحامه وأبلغها فى دحره وانحسامه وادراء لما ينالهم فى طَاعَته ومخالفته من الأوصاب وكفا لما يلحقهم فى ذَلِك من الأنصاب وخراب الْبِلَاد وَنهب الْأَمْوَال واسترقاق الْأَوْلَاد لَا سِيمَا وَقد تحدى بذلك تحدى التَّعْجِيز عَن الاتيان بِمثلِهِ فَقَالَ فَأتوا بِكِتَاب مثله بل بِعشر سور من مثله بل سُورَة وَاحِدَة فَلم يَجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا إِلَّا أَن مِنْهُم من وقف على معجزته وَعرف وَجه دلَالَته فواحد لم يَسعهُ إِلَّا الدُّخُول فى الْإِيمَان والمبادرة إِلَى الاذعان وَوَاحِد غلبت عَلَيْهِ الشقاوة واستحكمت مِنْهُ الطغاوة فخذل بِذَنبِهِ ونكص على عقبه وَقَالَ ﴿أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه﴾ ﴿إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾
ن وَوَاحِد غلبت عَلَيْهِ الشقاوة واستحكمت مِنْهُ الطغاوة فخذل بِذَنبِهِ ونكص على عقبه وَقَالَ ﴿أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه﴾ ﴿إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ وَمِنْهُم من حمله فرط جَهله وقصور عقله على الْمُعَارضَة والإتيات بِمثلِهِ كَمَا نقل من ترهات مُسَيْلمَة فى قَوْله الْفِيل والفيل وَمَا أَدْرَاك مَا الْفِيل لَهُ ذَنْب طَوِيل وخرطوم وثيل وَقَوله والزارعات زراعا فالحاصدات حصدا والطاحنات طحنا إِلَى غير ذَلِك من كَلَامه وَلَا يخفى مَا فى ذَلِك من الركاكة والفهاهة وَمَا فِيهِ من الدّلَالَة على جهل قَائِله وَضعف عقله وسخف رَأْيه حَيْثُ ظن أَن هَذَا الْكَلَام الغث الرث الذى هُوَ مضحكة الْعُقَلَاء ومستهزأ الأدباء معَارض لما أعجزت الفصحاء معارضته واعيه الألباء مناقضته من حِين الْبعْثَة إِلَى زَمَاننَا هَذَا
بل لَو نقر الْعَاقِل على مَا فِيهِ من الْإِخْبَار بقصص الماضين وأحوال الْأَوَّلين على نَحْو مَا وَردت بِهِ الْكتب السالفة والتواريخ الْمَاضِيَة مَعَ مَا عرف من حَال النبى ﷺ من الأمية وَعدم الِاشْتِغَال بالعلوم والدراسات بل وَمَا فِيهِ من الْإِخْبَار عَمَّا تحقق بعد مَا أخبر بِهِ من الغائبات كَمَا فى قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ وَقَوله ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ وَقَوله ﴿وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذونها﴾ وَقَوله ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ لقد كَانَ ذَلِك كَافِيا لَهُ فى معرفَة إعجاز الْقُرْآن وصادا لَهُ عَن المكابرة والبهتان وَمن جملَة آيَاته ومعجزاته الظَّاهِرَة حنين الْجذع الْيَابِس إِلَيْهِ وَسَلام الغزالة عَلَيْهِ وَكَلَام الذِّرَاع المسموم لَهُ وتسبيح الْحَصَى فى يَده وَلَا محَالة أَن هَذِه كلهَا من الخوارق للعادات وَلَيْسَت مِمَّا يدْخل تَحت وسع شئ من الْمَخْلُوقَات وانه نبى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾
أَن هَذِه كلهَا من الخوارق للعادات وَلَيْسَت مِمَّا يدْخل تَحت وسع شئ من الْمَخْلُوقَات وانه نبى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾
وللخصوم على مَا ذَكرْنَاهُ أسئلة السُّؤَال الأول أَنهم قَالُوا مَا ذكرتموه من كَون الْقُرْآن معجزا لَا بُد من أَن تثبتوا بطرِيق قطعى يقينى أَنه مِمَّا ظهر على يَده واقترن بدعوته اقتران التَّصْدِيق والا فَلَا نَأْمَن أَن ذَلِك من خلق الْأَوَّلين أَو تخرصات الْمُتَأَخِّرين ثمَّ إِن ذَلِك وَلَو كَانَ مُسلما فَلَا بُد أَن تبينوا وَجه الإعجاز فِيهِ وَذَلِكَ يتَعَذَّر من جِهَة أَن الْقُرْآن قد يُطلق بِمَعْنى المقروء وَقد يُطلق بِمَعْنى الْقِرَاءَة فَإِن كَانَ المقروء هُوَ المعجز فَذَلِك عنْدكُمْ صفة قديمَة قَائِمَة بِذَات الرب تَعَالَى وَالصّفة الْقَدِيمَة يَسْتَحِيل أَن تكون معجزا إِذْ لَا اخْتِصَاص لَهَا بحادث دون حَادث وَإِن كَانَ المعجز هُوَ الْقِرَاءَة الَّتِى هى فعله وَكَسبه فَلَيْسَتْ معْجزَة فانها لَا تنزل منزلَة التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَقُوله كَمَا سلف وَأما مَا ذكرتموه من وَجه إعجازه فى النّظم والبلاغة والفصاحة فَأنْتم فى ذَلِك مُخْتَلفُونَ فَقَائِل إِن المعجز هُوَ النّظم دون الفصاحة وَقَائِل الفصاحة دون النّظم وَقَائِل إِن المعجز فِيهِ صرف الدواعى عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَقَائِل إِن المعجز فِيهِ هُوَ الْمَجْمُوع وَهَذَا الِاخْتِلَاف مِمَّا يُوجب خَفَاء الاعجاز فِيهِ والمعجز يجب أَن يكون وَجه إعجازه ظَاهرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جلّ من هُوَ معْجزَة بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَدَلِيل عَلَيْهِ ظهورا لَا يكون فِيهِ شكّ وَلَا رِيبَة وَمَا ذكرتموه من عجز بلغاء الْعَرَب عَن مُقَابلَته وكلالهم عَن معارضته فَإِنَّمَا يتَحَقَّق
وَدَلِيل عَلَيْهِ ظهورا لَا يكون فِيهِ شكّ وَلَا رِيبَة وَمَا ذكرتموه من عجز بلغاء الْعَرَب عَن مُقَابلَته وكلالهم عَن معارضته فَإِنَّمَا يتَحَقَّق
أَن لَو ثَبت أَنه تحدى عَلَيْهِم بِهِ ومنعهم من الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَذَلِكَ غير مَعْلُوم فَلَا بُد من إثْبَاته ثمَّ وَلَو ثَبت أَنه تحداهم بِهِ فَمَا الذى يؤمننا من أَن الْمُعَارضَة وَقعت واتفقت الْأَهْوَاء على دَفعهَا وإبطالها أَو صرف الله دواعى الْخلق عَن نقلهَا وأنساهم إِيَّاهَا أَو أَن خوف السَّيْف مَنعهم من إظهارها أَو أَنهم لم يتَعَرَّضُوا بالمعارضة لإعراضهم عَن النّظر فى أَن ذَلِك مِمَّا يُوجب إفحامه وَإِبْطَال دَعوته أَو أَن إعراضهم كَانَ قصدا لإهانته وإخماله بترك معارضته أَو لاعتقادهم أَن السَّيْف والسنان أقرب إِلَى إخماد ثائرته وإطفاء جمرته من الاتيان بمعارضته والتطويل فى محاورته وَإِلَّا فَكيف يعجزون عَن الاتيان بِمثلِهِ وَهُوَ غير خَارج عَن حُرُوف المعجم الَّتِى يتَكَلَّم بهَا الْعَرَب والعجم والأمكن والألسن كَيفَ وَإنَّهُ مَا من أحد إِلَّا وَهُوَ قَادر على أَن يأتى مِنْهُ بِالْكَلِمَةِ والكلمات وَالْآيَة والآيات وَمن كَانَ قَادِرًا على ذَلِك كَانَ قَادِرًا على كُله لَكِن غَايَة مَا يقدر أَنه يتَمَيَّز عَلَيْهِم بِنَوْع فصاحة وجزالة وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل إِذْ التَّفَاوُت فِيمَا بَين النَّاس فِي ذَلِك وَاقع لَا محَالة وَلَيْسَ لَهُ حد يُوقف عِنْده إِذْ مَا من فصيح إِلَّا وَلَعَلَّ ثمَّ من هُوَ أفْصح مِنْهُ فَغير مُمْتَنع أَن تنتهى الفصاحة فى حق شخص إِلَى حد يعجز عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَذَلِكَ لَا يُوجب جعله نَبيا وَإِلَّا للَزِمَ أَن من كَانَ دونه فى الدرجَة أَن يكون نَبيا وَكَلَامه معجزا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من هُوَ دونه وَأَن يكون هُوَ متبوعا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من هُوَ دونه وتابعا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من هُوَ أفْصح مِنْهُ
ثمَّ إِنَّه يمْتَنع أَن يكون معجزا من وَجْهَيْن الْوَجْه الأول أَنه من الْجَائِز أَن يكون ذَلِك قد حصل لَهُ قبل التحدى بِالنُّبُوَّةِ وادعاء الرسَالَة وَلم يظْهر عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا مَانع على أصلكم من إِجْرَاء الخوارق على يَد من لَيْسَ بنبى وعَلى تَقْدِير جَوَاز تقدمه على التحدى يخرج عَن أَن يكون دَالا على صدقه من حَيْثُ إِن المعجزة لم تدل إِلَّا من جِهَة أَنَّهَا نازلة منزلَة التَّصْدِيق بالْقَوْل وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا مَعَ وجودهَا عِنْد الدَّعْوَى لَا قبلهَا كَمَا سبق وَلَيْسَ إِظْهَار ذَلِك عِنْد الدَّعْوَى خارقا كَمَا فى الْإِحْيَاء وشق الْبَحْر وَنَحْوه بل هُوَ مَحْض تِلَاوَة وتكرار وَلَا افْتِرَاق فِيهِ بَين إِنْسَان وإنسان وَإِنَّمَا الخارق إِظْهَاره إِلَيْهِ وإطلاعه عَلَيْهِ وَمَعَ جَوَاز سبقه يمْتَنع أَن يكون دَالا على صدقه وَالْوَجْه الثانى أَن من حفظه وَمضى بِهِ إِلَى أهل بلد لم تبلغهم الدعْوَة وَلم يسمعوا بِمثلِهِ وَلَا بِمن ورد على يَده فتحدى بِهِ عَلَيْهِم فَلَا بُد من أَن يُوجب التَّصْدِيق أَو التَّكْذِيب فَإِن أوجب التَّصْدِيق فَهُوَ مَعْلُوم كذبه وَأَن أوجب التَّكْذِيب مَعَ مَا ظهر لَهُم على يَده من الخارق أفْضى إِلَى إفحام الرُّسُل وَإِبْطَال المجزات وَظُهُور الْآيَات وَلذَلِك لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِمثل مَا ينْقل ويحفظ أَن يكون معجزا دَالا على صدق الرسَالَة بل المعجزات يجب ان تكون كشق الْبَحْر وإحياء الْمَوْتَى وقلب الْعَصَا حَيَّة إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى ظُهُوره على يَد غير نبى فَإِذا قد ثَبت انه لَا إعجاز فِي الْقُرْآن ثمَّ وَلَو كَانَ معجزا بِنَاء على كَونه خارقا لوَجَبَ أَن يكون مَا ظهر من الْعُلُوم الرياضية كالهندسية والحسابية معجزا وَأَن يجب التَّصْدِيق لمن أَتَى بِهِ عِنْد تحديه بالرسالة ودعواه للنبوة وَهُوَ محَال
َن يكون مَا ظهر من الْعُلُوم الرياضية كالهندسية والحسابية معجزا وَأَن يجب التَّصْدِيق لمن أَتَى بِهِ عِنْد تحديه بالرسالة ودعواه للنبوة وَهُوَ محَال
وَمَا ذكرتموه من تَسْبِيح الْحَصَى وانشقاق الْقَمَر وتكليم الغزالة وحنين الْجذع وَنَحْو ذَلِك فآحاد هَذِه الامور غير مَعْلُومَة وَلَا منقولة بطرِيق التَّوَاتُر وَإِنَّمَا هى مستندة إِلَى الْآحَاد وهى مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى التَّمَسُّك بهَا فى القطعيات وَإِثْبَات النبوات وزادت العنانية على هَؤُلَاءِ فَقَالُوا قد ثَبت أَن مُوسَى الكليم كَانَ نَبيا صَادِقا بِمَا ظهر على يَده من شقّ الْبَحْر وقلب الْعَصَا حَيَّة وَبَيَاض يَده إِلَى غير ذَلِك وَقد نقل عَنهُ بالتواتر خلق عَن سلف أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ هَذِه الشَّرِيعَة مُؤَبّدَة عَلَيْكُم لَازِمَة لكم مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض فقد كذب كل من أدعى نسخ شَرِيعَته وتبديل مِلَّته فَلَو قُلْنَا إِن مُحَمَّدًا كَانَ نَبيا وَإِن شَرعه نَاسخ بطرِيق الصدْق للَزِمَ أَن يكون مُوسَى الكليم فِيمَا قَالَه كَاذِبًا وَهُوَ محَال وزادت الشمعنية على العنانية بِأَن قَالُوا لَو جَازَ أَن يكون مُحَمَّد نَبيا لجَاز القَوْل بنسخ الشَّرَائِع والنسخ فى نَفسه محَال فَإِنَّهُ اذا أَمر بشئ فَذَلِك يدل على حسنه وَكَونه مرَادا وَأَن فِيهِ مصلحَة فَلَو نهى عَنهُ انْقَلب الْحسن قبيحا والمصلحة مفْسدَة وَمَا كَانَ مرَادا غير مُرَاد وَيلْزم من ذَلِك البداء والندم بعد الْأَمر والطلب وَهُوَ مُمْتَنع فى حق الله تَعَالَى ثمَّ إِن مَدْلُول النّسخ فى الْوَضع لَيْسَ إِلَّا الرّفْع وَذَلِكَ لَا سَبِيل إِلَى تحَققه فِيمَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ فَإِنَّهُ أما أَن يكون الرّفْع لما وَقع أَو لما لم يَقع فَإِن كَانَ لما وَقع فَهُوَ محَال وَإِن كَانَ لما لم يَقع فَرفع غير الْوَاقِع محَال أَيْضا كَمَا وَقع فى الْوَاقِع
الرّفْع لما وَقع أَو لما لم يَقع فَإِن كَانَ لما وَقع فَهُوَ محَال وَإِن كَانَ لما لم يَقع فَرفع غير الْوَاقِع محَال أَيْضا كَمَا وَقع فى الْوَاقِع
وَأما العيسوية مِنْهُم فَإِنَّهُم قَالُوا سلمنَا ظُهُور المعجزات على يَده واقترانها بدعوته لكنه إِنَّمَا ادّعى الرسَالَة للْعَرَب خَاصَّة لَا إِلَى الْأُمَم كَافَّة فَلَا بُد لبَيَان عُمُوم دَعْوَاهُ من دَلِيل قَاطع وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ وَالْجَوَاب عَن كَلِمَات أهل الزيغ عَن الصَّوَاب أما إِنْكَار ظُهُور الْقُرْآن على يَده واقترانه بدعوته فمما لَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا فى حق من رفع نقاب الْحيَاء عَن وَجهه وارتكب جحد الضَّرُورَة الْحَاصِلَة من أَخْبَار التَّوَاتُر بذلك فَإِن مَا من عصر من الْأَعْصَار وَلَا قطر من الأقطار إِلَّا وَالنَّاس فِيهِ بأسرهم مطبقون الموافقون والمخالفون على أَن ذَلِك مِمَّا لم يظْهر إِلَّا على يَده وَلَا صدر إِلَّا من جِهَته وَاسْتقر ذَلِك فى الْأَنْفس على نَحْو اسْتِقْرَار الْعلم بالملوك الْمَاضِيَة والأمم السالفة والبلاد النائية فَمن تفوه بإنكاره فقد ظَهرت مخازيه وَسَقَطت مكالمته وَكَانَ كمن أنكر وجود مَكَّة وبغداد وَوُجُود من اشْتهر من هَؤُلَاءِ الْعباد وَنَحْو ذَلِك وَبِه ينْدَفع تشكيك من شكك على نفى الْعلم الْحَاصِل بالأخبار الْوَارِدَة على لِسَان الْجمع الْكثير والجم الْغَفِير بِأَن مَا من وَاحِد إِلَّا وَالْكذب فى حَقه مُمكن وَحُصُول الْعلم بِخَبَرِهِ مُمْتَنع وَذَلِكَ لَا ينتفى عَنهُ بِسَبَب انظمامه إِلَى من هُوَ مثله فى الرُّتْبَة وَلَا حَاجَة إِلَى الإطناب وَأما جَوَاز الإعجاز من جِهَة الْقِرَاءَة والمقروء فتهويل لَا حَاصِل لَهُ فَإنَّا لَا نقُول
إِن المعجز هُوَ الصّفة الْقَدِيمَة الْقَائِمَة بِذَات الرب تَعَالَى وَلَا مَا يتَعَلَّق من الْقِرَاءَة بكسب الْقَارئ بل وَجه الإعجاز فِيهِ قد يَتَقَرَّر من وَجْهَيْن فَتَارَة نقُول إِن المعجز هُوَ إِظْهَار ذَلِك المقروء الْقَائِم بِالنَّفسِ على لِسَان الرَّسُول بِمَا خلق الله من الْعبارَات الدَّالَّة عَلَيْهِ فَلَا يكون كَلَامه الدَّال هُوَ المعجز وَلَا الْمَدْلُول بل إِظْهَار ذَلِك الْمَدْلُول بِكَلَامِهِ عِنْد تحديه بنبوته وَلَا محَالة أَن ذَلِك مِمَّا يتقاصر عَن تَحْصِيله أَرْبَاب الْفِكر ويكل دونه حذاق أهل النّظر وَذَلِكَ كَمَا ذَكرْنَاهُ فى قَضِيَّة المتحدى باظهار مَا فى الصندوق وَنَحْوه وَتارَة نقُول إِن المعجز هُوَ هَذِه الْعبارَات وَهَذِه الْكَلِمَات من جِهَة مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الفصاحة والبلاغة وَالنّظم الْمَخْصُوص وَذَلِكَ مِمَّا لَا يدْخل تَحت قدرَة النبى وَلَا هُوَ مُتَوَقف على إِرَادَته بل هُوَ مَقْدُور ومخلوق لله تَعَالَى وَمَا هُوَ مَقْدُور لَهُ ومتعلق كَسبه فَلَيْسَ إِلَّا حفظه وتلاوته ونسبته إِلَيْهِ كنسبته إِلَيْنَا فَإنَّا نعلم من أَنْفُسنَا عِنْد قِرَاءَته والشروع فى تِلَاوَته أَن مَا هُوَ مُتَعَلق كسبنا مِنْهُ لَيْسَ إِلَّا الْقِرَاءَة والتلاوة دون النّظم والبلاغة وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الفصاحة لَكِن لما اخْتصَّ بِإِظْهَار ذَلِك على لِسَانه بطرِيق الوحى عَن ربه مُقَارنًا لدعوته وَكَانَ مِمَّن تكل عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ قوى الْبشر ويعجز عَن معارضته ذَوُو الْقدر كَانَ ذَلِك دَلِيلا على صدقه كَمَا سلف وَمن صفت فطرته واشتدت قريحته وَكَانَ نَاظرا أريبا علم أَن مَا من آيَة من الْقُرْآن إِلَّا وهى لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من النّظم البديع وَالتَّرْتِيب البليغ وَالْمعْنَى معْجزَة وَأَنه من عِنْد رب الْعَالمين وعَلى قدر سَلامَة الْفطر وَصِحَّة النّظر يَقع التَّفَاوُت
هِ من النّظم البديع وَالتَّرْتِيب البليغ وَالْمعْنَى معْجزَة وَأَنه من عِنْد رب الْعَالمين وعَلى قدر سَلامَة الْفطر وَصِحَّة النّظر يَقع التَّفَاوُت
بَين الناظرين فى إعجاز الْقُرْآن الْعَظِيم فَرب شخص يكون عِنْده بِالنّظرِ إِلَى نظمه وَحده معْجزَة وبالنظر إِلَى بلاغته معْجزَة وَرب شخص يكون الإعجاز عِنْده من الْأَمريْنِ وعَلى هَذَا التَّفَاوُت يكون الِاخْتِلَاف بَين الْآيَة وَالسورَة وَالْكتاب برمتِهِ فى الاعجاز فالخفاء إِن وَقع فى إعجازه بِالنِّسْبَةِ إِلَى نظمه أَو بلاغته أَو بِالنّظرِ إِلَى آيه وسوره فَلَا خَفَاء بِأَن مَجْمُوع ذَلِك يكون خارقا معجزا وَلَا اخْتِلَاف فِيهِ عِنْد الْقَائِلين بِهِ وَأما إِنْكَار تحديه بِالْقُرْآنِ للْعَرَب وإفحامه ذوى الْأَدَب فَهُوَ أَيْضا مِمَّا علم بِالضَّرُورَةِ وَالنَّقْل الْمُتَوَاتر كَمَا علم وجوده وَظُهُور الْقُرْآن على يَده وَلَا حجَّة لإنكاره كَيفَ وَالْقُرْآن مشحون بقوارع من الْآيَات دَالَّة على التحدى ونعى الْعَرَب مثل قَوْله ﴿فَأتوا بِكِتَاب من عِنْد الله﴾ ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وَقَوله ﴿لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات فَكيف يُقَال بإنكار وُقُوع التحدى ثمَّ مَا من آيَة من هَذِه الْآيَات الا وهى منقولة على لِسَان التَّوَاتُر وَهُوَ سَوَاء فى سَائِر الْآيَات وَذَلِكَ مِمَّا يمْتَنع مَعَه القَوْل بِكَوْنِهَا مؤلفة بعد النبى ﵇ أَو أَنَّهَا مجمعة لغيره من الْأَنَام فَإِذا ثَبت تحديه بِهِ الْعَرَب وأرباب الْفضل مِنْهُم وَالْأَدب فَلَو وَقعت الْمُعَارضَة مِنْهُم لاشتهر ذَلِك ولتوفرت الدواعى على نَقله كَمَا توفرت على نقل غَيره إِمَّا على لِسَان الْمُوَافق أَو الْمُخَالف إِذْ السُّكُوت عَن مثل هَذَا والتواطؤ على تَركه مِمَّا تقضى الْعَادة الْجَارِيَة
مَا توفرت على نقل غَيره إِمَّا على لِسَان الْمُوَافق أَو الْمُخَالف إِذْ السُّكُوت عَن مثل هَذَا والتواطؤ على تَركه مِمَّا تقضى الْعَادة الْجَارِيَة
بإحالته وَالْمُدَّعى لذَلِك لَيْسَ هُوَ فى ضرب الْمِثَال إِلَّا كمن يدعى ظُهُور نبى آخر بعد النبى ﵇ أَو وجود إِمَام قبل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَو أَن الْبَحْر نشف فى بعض الْأَوْقَات أَو الدجلة اَوْ الْفُرَات وَلَا يخفى مَا فى ذَلِك من الْإِبْطَال وَلَا يُمكن أَن يكون خوف السَّيْف مَانع من نقل ذَلِك وإظهاره فى الْعَادة كَمَا لم يمْنَع دَعْوَى الْمُعَارضَة فى كل زمَان وَإِن كَانَ ذَلِك لما فى الْقُرْآن بل الْوَاجِب بِالنّظرِ إِلَى الْعَادَات وَمُقْتَضى الطباع النَّقْل لمثل مَا هُوَ من هَذَا الْقَبِيل وَلَو على سَبِيل الْإِسْرَار كَمَا قد جرت بِهِ عَادَة النَّاس فِي التحدث بمساوئ مُلُوكهمْ وَإِظْهَار معايبهم وَإِن كَانَ خوف السَّيْف قَائِما فى حَقهم لَا سِيمَا وبلاد الْكفَّار متسعة وَكلمَة الْكفْر فى غير مَوضِع شائعة فَلَو كَانَ ذَلِك مِمَّا لَهُ وُقُوع قد أشيع كَمَا أشيع غَيره مِمَّا لَيْسَ بموافق للدّين وَلَا يتقبله أحد من الْمُسلمين وَلَا جَائِز أَن يُقَال إِن ترك الْمُعَارضَة مَحْمُول على الإهمال أَو على الْغَفْلَة عَن كَون الْمُعَارضَة مُوجبَة للإفحام أَو على اعْتِقَاد ان السَّيْف أبلغ فى دحره وردعه وَإِبْطَال جعوته فَإِن النبى ﷺ قد كَانَ يقرعهم بالعى ويردد عَلَيْهِم تعجيزهم فى الْأَحْيَاء وَيَقُول ﴿فَأتوا بِسُورَة مثله وَادعوا من اسْتَطَعْتُم من دون الله﴾ مَعَ أَن الْعَرَب قد كَانَت فى محافلها تتفاخر بمعارضة الركيك من الشّعْر وتتناظر فى مجالسها بِمُقَابلَة السخيف من النثر وَلَا محَالة أَن الْقُرْآن فى نظر من لَهُ أدنى ذوق من الْعَرَبيَّة وَأَقل نِصَاب من الْأُمُور الأدبية لَا يتقاصر عَن فصيح أَقْوَال الْعَرَب وبديع فصولهم فى النّظم
والنثر بل والخطب فَكيف يخْطر بعقل عَاقل أَو يتَوَهَّم واهم أَن الْعَرَب مَعَ مَا أَتَوْهُ من الْعقل الغزير وَمن حسن التَّصَرُّف وَالتَّدْبِير تتاركوا مُعَارضَة الْقُرْآن إخساسا بِهِ وإهمالا أَو لغفلتهم أَن ذَلِك مِمَّا يدْفع الضَّرَر عَنْهُم اَوْ لِأَن السَّيْف أنجع واوقع لَهُم مَعَ مَا كَانَ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ من شدَّة الْبَأْس وَعظم المراس وَالْقُوَّة الباهرة والعزمة الْحَاضِرَة والنصرة الحاصرة وهم يُمكنهُم دفع ذَلِك كُله بفصل أَو سُورَة يَقُولهَا وَاحِد مِنْهُم إِن هَذَا لَهو الخسران الْمُبين وَلَا ننكر أَن هَذِه المثلات وَوُقُوع هَذِه الِاحْتِمَالَات بِالنّظرِ إِلَى الْعقل وَإِلَى ذواتها ممكنات لَكِنَّهَا كَمَا اوضحناه بِالنّظرِ إِلَى الْعَادة من المستحيلات وَلَا يلْزم أَن مَا كَانَ مُمكنا بِاعْتِبَار ذَاته أَن لَا يلْزم الْمحَال من فرض وجوده أَو عَدمه بِاعْتِبَار غَيره كَمَا حققناه فى غير مَوضِع من هَذَا الْكتاب ثمَّ إِن هَذِه الِاحْتِمَالَات إِن كَانَ الْخصم كتابيا فهى أَيْضا لَازِمَة لَهُ فى إِثْبَات نبوة من انْتَمَى إِلَيْهِ وَالْقَوْل بتصحيح رِسَالَة من اعْتمد عَلَيْهِ وَذَلِكَ كالنصارى وَالْيَهُود وَغَيرهم من أهل الْجُحُود فَمَا هُوَ اعتذاره عَنْهَا هُوَ اعتذارنا عَنْهَا هَهُنَا وَلَا يلْزم من كَون الْقُرْآن مركبا من الْحُرُوف والأصوات أَن لَا يكون خارقا وَلَا معجزا لما بَيناهُ من اشتماله على النّظم البديع وَالْكَلَام البليغ الذى عجزت عَنهُ بلغاء الْعَرَب وفصحاؤهم وقدرة بعض النَّاس على الْإِتْيَان بِمَا شابه مِنْهُ كلمة أَو كَلِمَات لَا توجب الْقُدْرَة على مَا وَقع بِهِ الإعجاز وَإِلَّا كَانَ لكل من أمكنه الْإِتْيَان
عض النَّاس على الْإِتْيَان بِمَا شابه مِنْهُ كلمة أَو كَلِمَات لَا توجب الْقُدْرَة على مَا وَقع بِهِ الإعجاز وَإِلَّا كَانَ لكل من أمكنه الْإِتْيَان
بِكَلِمَة أَو كَلِمَتَيْنِ من نظم أَو نثر أَن يكون شَاعِرًا ناثرا وأو لَا يَقع الْفرق بَين الألكن والألسن وَلَا يخفى مَا فى ذَلِك من الْعَبَث والزلل فَإنَّا نحس من أَنْفُسنَا الْعَجز عَن بعض مَا نقل عَن فصحاء الْعَرَب من نظم أَو نثر وَإِن كُنَّا لَا نجد أَنْفُسنَا وقدرنا قَاصِرَة عَن الْإِتْيَان مِنْهُ بِكَلِمَة اَوْ كَلِمَات بل وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا نَظِير مَا لَو قيل بِوُجُوب كَون الْجَبَل مَقْدُورًا حمله بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا لكَون بعضه مَقْدُورًا إِذْ هُوَ زيف وسفسطة ثمَّ وَلَو كَانَ ذَلِك مَقْدُورًا لَهُم لقد بَادرُوا إِلَى الْإِتْيَان بِهِ وسارعوا إِلَى دفع مَا تحدى بِهِ على مَا سلف لَكِن لَا ننكر أَن من مقدورات الله تَعَالَى أَن يظْهر على يَد غَيره مَا يعجز عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَتَكون نسبته إِلَى هَذَا المعجز كنسبة هَذَا المعجز إِلَى غَيره من الْكَلَام وَأَن ذَلِك لَو ظهر لَكَانَ مُبْطلًا لرسالته أَن لَو كَانَ التحدى بِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى الْإِتْيَان بِمثلِهِ لَا أَن يكون التحدى بِإِظْهَار مَا هُوَ خارق للْعَادَة على يَده فَقَط أى لم يعْهَد لَهُ فى الْعَادة قبل ذَلِك مِثَال كَمَا سبق تَحْقِيقه وَكَذَا الْكَلَام فِيمَا هُوَ دونه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَيْضا وَأما منع جَوَاز دلَالَته على الصدْق بِنَاء على جَوَاز تقدمه على الدَّعْوَى فقد سبق وَجه إِبْطَاله فِيمَا مضى فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته
ْهِ أَيْضا وَأما منع جَوَاز دلَالَته على الصدْق بِنَاء على جَوَاز تقدمه على الدَّعْوَى فقد سبق وَجه إِبْطَاله فِيمَا مضى فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته وَأما مَا فرض من جَوَاز تحدى من حفظه على أهل بلد لم تبلغهم الدعْوَة فمجرد ظُهُوره على يَده غير كَاف مهما لم يعلم بطرِيق قطعى أَن ذَلِك مِمَّا لم يظْهر على يَد غَيره وَغَايَة مَا فى الْبَاب أَنهم لَو علمُوا ظُهُور ذَلِك على يَد غَيره فَذَلِك لَا يُوجب الْعلم بِعَدَمِ ظُهُوره على يَده هُوَ لَكِن لَعَلَّه لَو تلاه عَلَيْهِم لقد علم أَنه مِمَّا لم يظْهر على يَده من جِهَة اشتماله على شرح أَحْوَال وَأُمُور وَأَحْكَام اخْتصّت بِأَسْبَاب ووقائع حدثت فى زمن النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
لَو ذكرت بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره لقد كَانَ فِي نَفسه يعد لَغوا من القَوْل وسفها من الْكَلَام وَلَا كَذَلِك فى حق النبى ﵇ فَإِنَّهُ قد علم من جِهَة الْقطع أَن ذَلِك مِمَّا لم يظْهر على يَد غَيره بِنَاء على مَا احتف بِهِ من الْقَرَائِن القطعية والأمور اليقينية من نُزُوله على وفْق أَحْوَالهم ومطابقته لأقوالهم وَذَلِكَ كَمَا قى قصَّة بَرَاءَة عَائِشَة وذم أَبى لَهب وَمَا ورد من الْآيَات فِي يَوْم بدر وَأحد إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يمْتَنع تصَوره عِنْد كَونه كَاذِبًا فى دَعْوَاهُ بل البارى تَعَالَى يطبع على قلبه وعقله وَيخْتم على لِسَانه بِحَيْثُ لَا يتَمَكَّن من إبيانه والتحدى بِهِ أصلا وَأما غَيره من الْكتب الغريبة والأمور العجيبة من الرياضيات والهندسيات والحسابيات والأمور الَّتِى لَا يُمكن الْإِتْيَان بِمِثْلِهَا فقد قيل إِن مُسْتَند إظهارها وَسبب اشتهارها لَيْسَ إِلَّا من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَغَايَة مَا زيد فِيهَا تتميم وترتيب وَلَو قدر أَنَّهَا مِمَّا لم يظْهر على يدى نبى فَلَا إِحَالَة فى ذَلِك لما سلف وَعند التحدى بهَا وَثُبُوت كَونهَا خارقة يجب القَوْل بالتصديق وَالْقَبُول بالتحقيق لكَون مَا ظهر على يَده نازلا منزلَة التَّصْدِيق لَهُ بِخلق الله تَعَالَى لَهُ ذَلِك على يَده واقترانه بدعوته كَمَا سبق
بالتصديق وَالْقَبُول بالتحقيق لكَون مَا ظهر على يَده نازلا منزلَة التَّصْدِيق لَهُ بِخلق الله تَعَالَى لَهُ ذَلِك على يَده واقترانه بدعوته كَمَا سبق ثمَّ إِن ذَلِك لَازم للخصم إِن كَانَ كتابيا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظهر على يَد نبيه من المعجزات والآيات وَلَا مخلص لَهُ مِنْهُ وَمَا قيل من آحَاد المعجزات الَّتِى أَشَرنَا إِلَيْهَا من انْشِقَاق الْقَمَر وتسبيح
الْحَصَى وَنَحْوه لم يثبت بطرِيق متواتر فبعيد فَإنَّا نعلم ضَرُورَة أَن مَا من عصر من الْأَعْصَار إِلَّا وَأَصْحَاب الْأَخْبَار وأرباب الْآثَار وَأهل السّير والتواريخ قوم لَا يتَصَوَّر مِنْهُم التواطؤ على الْكَذِب عَادَة وهم بأسرهم متفقون على نقل آحَاد هَذِه الْأَعْلَام وَكَذَا فِي كل عصر إِلَى الصَّدْر الأول ثمَّ وَلَو سلم ذَلِك فى الْآحَاد فَلَا محَالة أَن عُمُوم وُرُودهَا يُوجب الْعلم بصدور المعجزات عَنهُ وَظُهُور الخوارق عَنهُ جملَة كَمَا نعلم بِالضَّرُورَةِ شجاعة عنتر وكرم حَاتِم لِكَثْرَة مَا رَوَاهُ النقلَة عَنْهُمَا من أَحْوَال مُخْتَلفَة تدل على كرم هَذَا وشجاعة هَذَا وَإِن كَانَ نقل كل حَالَة مِنْهُمَا نقل آحَاد لَا نقل تَوَاتر وَأما الرَّد على العنانية فِيمَا تقولوه وإبطالهم فِيمَا تخرصوه فَهُوَ أَنهم مَعَ عجزهم عَن صِحَة السَّنَد فى متن الحَدِيث مُخْتَلفُونَ فَإِن مِنْهُم من قَالَ الحَدِيث هُوَ قَوْله إِن أطعتمونى لما أَمرتكُم بِهِ ونهيتكم عَنهُ ثَبت ملككم كَمَا ثبتَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَيْسَ فى ذَلِك مَا يدل على دوَام الْملك فَلَيْسَ ذَلِك ينافى النّسخ ثمَّ هُوَ مَشْرُوط بِطَاعَتِهِ والائتمار بمأموراته والإنتهاء عَن منهياته وَذَلِكَ مِمَّا لَا يتَحَقَّق فى حَقهم بعده ثمَّ وَإِن قدر أَن الْمَنْقُول هُوَ قَوْله هَذِه الشَّرِيعَة لَازِمَة لكم خَاتِمَة عَلَيْكُم
عَن منهياته وَذَلِكَ مِمَّا لَا يتَحَقَّق فى حَقهم بعده ثمَّ وَإِن قدر أَن الْمَنْقُول هُوَ قَوْله هَذِه الشَّرِيعَة لَازِمَة لكم خَاتِمَة عَلَيْكُم
فَلَا مَانع من أَن يكون ذَلِك مَشْرُوطًا بِعَدَمِ ظُهُور نبى آخر وَيكون هُوَ المُرَاد بِاللَّفْظِ وَمَعَ تصور هَذَا الِاحْتِمَال فَلَا يَقِين وَأما استبعاد أَن يكون الشئ الْوَاحِد حسنا قبيحا طَاعَة مَعْصِيّة مصلحَة مفْسدَة مرَادا غير مُرَاد فقد أَشَرنَا إِلَى إبِْطَال مُسْتَند هَذِه الْأُصُول وَنَبَّهنَا على زيف جَمِيع هَذِه الْفُصُول من التحسين والتقبيح ورعاية الصّلاح والأصلح وَدلَالَة الْأَمر على الْإِرَادَة بِمَا فِيهِ مقنع وكفاية ثمَّ إِنَّه لَا يبعد صُدُور الْأَمر من الله تَعَالَى نَحْو الْمُكَلّفين بِفعل شئ مُطلقًا فى وَقت وَيكون ذَلِك ممدودا فى علم الله إِلَى حِين مَا علم أَنه ينسخه عِنْده لعلمه بِأَن مصلحَة الْمُكَلف فى ذَلِك الْأَمر لاعْتِقَاده لموجبه وكف نَفسه عَمَّا يغويه ثمَّ يقطع عَنهُ التَّكْلِيف فى الْوَقْت الذى علم أَنه سينسخه عِنْده لعلمه بِمَا فِيهِ من الْمصلحَة وكف الْمفْسدَة ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ وَيكون ذَلِك الْفِعْل نَفسه بِالْإِضَافَة إِلَى وَقت مُتَعَلق الْمصلحَة وَالْحسن والإرادة وبالإضافة إِلَى غَيره مُتَعَلق الْقبْح والمفسدة وَالْكَرَاهَة وَذَلِكَ كَمَا أَمر بالصيام نَهَارا وَنهى عَنهُ لَيْلًا وَنَحْو ذَلِك
َالْحسن والإرادة وبالإضافة إِلَى غَيره مُتَعَلق الْقبْح والمفسدة وَالْكَرَاهَة وَذَلِكَ كَمَا أَمر بالصيام نَهَارا وَنهى عَنهُ لَيْلًا وَنَحْو ذَلِك
وعَلى هَذَا ينْدَفع مَا ذَكرُوهُ من البداء والندم فَإِن ذَلِك إِنَّمَا يكون أَن لَو انْكَشَفَ لَهُ فى ثانى الْحَال مَا أوجب لَهُ الْمَنْع عَن الْفِعْل والنهى عَنهُ وَلم يكن قد حصل ذَلِك لَهُ أَولا وَمن اسْتعْمل من الْأَصْحَاب لفظ الرّفْع فى النّسخ فَلَيْسَ الْمَعْنى بِهِ غير قطع اسْتِمْرَار مَا كَانَ لَهُ من الْقُوَّة والاستحكام وَأَن يبْقى لَوْلَا النَّاسِخ وَذَلِكَ على وزان قطع حكم عقد البيع الْمُطلق المستحكم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَسْخ وَهَذَا لَيْسَ بِرَفْع لما وجد وَلَا لما لم يُوجد وَلَا معنى للنسخ عِنْد الْإِطْلَاق بِهِ إِلَّا هَذَا فقد بَطل إِذا مَا تخيلوه وَفَسَد مَا توهموه وَلَا يتوهمن إِضَافَة قطع الِاسْتِمْرَار إِلَى الْكَلَام الذى هُوَ صفة الرب الْكَرِيم فَإِن الْعَدَم عَلَيْهِ مُسْتَحِيل بل المُرَاد إِنَّمَا هُوَ قطع تعلقه بالمكلف وكف الْخطاب عَنهُ وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل وَأما العيسوية فَيمْتَنع عَلَيْهِم بعد التَّسْلِيم بِصِحَّة رسَالَته وَصدقه فى دَعوته إِلَّا الإذعان لكلمته إِذْ لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بتخصيص بعثته إِلَى الْعَرَب دون غَيرهَا من الْأُمَم مَعَ مَا اشْتهر عَنهُ وَعلم بِالضَّرُورَةِ وَالنَّقْل الْمُتَوَاتر من دَعوته إِلَى كَلمته طوائف الْجَبَابِرَة وَغَيرهم من الاكاسرة وتنفيذه إِلَى أقاصى الْبِلَاد وملوك الْعباد وقتال من عانده ونزال من جاحده ثمَّ ذَلِك مُعْتَمد على سَنَد الصَّدْر الأول من الْمُسلمين
رهم من الاكاسرة وتنفيذه إِلَى أقاصى الْبِلَاد وملوك الْعباد وقتال من عانده ونزال من جاحده ثمَّ ذَلِك مُعْتَمد على سَنَد الصَّدْر الأول من الْمُسلمين
مَعَ علمنَا بِأَن ذَلِك الجم الْغَفِير وَالْجمع الْكثير مِمَّن لَا يتَصَوَّر عَلَيْهِم التواطؤ على الْبَاطِل عَادَة لَا سِيمَا لما كَانُوا عَلَيْهِ من شدَّة الْيَقِين ومراعاة الدّين فَلَو لم يعلمُوا مِنْهُ ضَرُورَة أَنه مَبْعُوث إِلَى النَّاس كَافَّة وَإِلَى الْأُمَم عَامَّة من الْأسود والأبيض وَإِلَّا لما نقلوا ذَلِك رِعَايَة للدّين مَعَ أَنه ترك الدّين وَكَذَلِكَ أَيْضا من جَاءَ من بعدهمْ على سنتهمْ وهلم جرا إِلَى زمننا هَذَا وَلَو لم يكن نَبيا على الْعُمُوم لزم أَن يكون قد كذب فى دَعْوَاهُ وأبطل فِيمَا أَتَاهُ وَذَلِكَ محَال فى حق الْأَنْبِيَاء وَحقّ من ثَبت عصمتهم بالمعجزات وقواطع الْآيَات وعَلى هَذَا النَّحْو ثُبُوت كَونه خَاتم النَّبِيين وَآخر الْمُرْسلين حَيْثُ قَالَ لَا نبى بعدى وتنزل الْكتاب الْعَزِيز بمصداق ذَلِك تَشْرِيفًا لَهُ وتكريما فَقَالَ ﴿وَخَاتم النَّبِيين﴾ وَعلم ذَلِك فِيمَا مضى من أهل عصره وَلم يزل تتناقلة الْأُمَم والأعصار فى سَائِر الأقطار وَمن لَا يتَصَوَّر عَلَيْهِم التواطؤ على الْكَذِب وَاللَّهْو واللعب وَعلم ذَلِك ضَرُورَة من قَوْله وكتابته فَلَا سَبِيل إِلَى جَحده سمعا وَإِن كَانَ ذَلِك جَائِزا عقلا وَهَذَا آخر مَا أردنَا ذكره من النبوات وَالْأَفْعَال الخارقة للعادات والتوكل على رب الْخيرَات
القانون الثَّامِن فى الْإِمَامَة ويشتمل على طرفين
تمهيد وَاعْلَم أَن الْكَلَام فى الْإِمَامَة لَيْسَ من أصُول الديانَات وَلَا من الْأُمُور اللا بديات بِحَيْثُ لَا يسمع الْمُكَلف الْإِعْرَاض عَنْهَا وَالْجهل بهَا بل لعمرى إِن المعرض عَنْهَا لأرجى حَالا من الواغل فِيهَا فَإِنَّهَا قَلما تنفك عَن التعصب والأهواء وإثارة الْفِتَن والشحناء وَالرَّجم بِالْغَيْبِ فى حق الائمة وَالسَّلَف بالإزراء وَهَذَا مَعَ كَون الخائض فِيهَا سالكا سَبِيل التَّحْقِيق فَكيف إِذا كَانَ خَارِجا عَن سَوَاء الطَّرِيق لَكِن لما جرت الْعَادة بذكرها فى أَوَاخِر كتب الْمُتَكَلِّمين والإبانة عَن تحقيقها فى عَامَّة مصنفات الْأُصُولِيِّينَ لم نر من الصَّوَاب خرق الْعَادة بترك ذكرهَا فى هَذَا الْكتاب مُوَافقَة للمألوف من الصِّفَات وجريا على مُقْتَضى الْعَادَات لكننا نشِير إِلَى تَحْقِيق أُصُولهَا على وَجه الإيجاز وتنقيح فصولها من غير احتياز وَالْكَلَام فِيهَا يشْتَمل على طرفين أطرف فِي وجوب الْإِمَامَة وشرائطها وَبَيَان مَا يتَعَلَّق بهَا ب وطرف فِي بَيَان مُعْتَقد أهل السّنة فى إِمَامَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ
بهَا ب وطرف فِي بَيَان مُعْتَقد أهل السّنة فى إِمَامَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه كَانُوا يعدلُونَ
الطّرف الأول فى وجوب الإماكة وَمَا يتَعَلَّق بهَا مَذْهَب أهل الْحق من الإسلاميين أَن إِقَامَة الإِمَام واتباعه فرض على الْمُسلمين شرعا لَا عقلا وَذهب أَكثر طوائف الشِّيعَة إِلَى وجوب ذَلِك عقلا لَا شرعا وَذهب بعض الْقَدَرِيَّة والخوارج إِلَى أَن ذَلِك لَيْسَ وَاجِبا لَا عقلا وَلَا شرعا وَنحن الْآن نبتدئ بِتَقْدِيم مَذْهَب أهل الْحق أَولا ثمَّ نشِير إِلَى شبه الْمُخَالفين فى معرض الإعتراض وَإِلَى وَجه إِبْطَالهَا عِنْد الِانْفِصَال ثَانِيًا قَالَ أهل الْحق الدَّلِيل الْقَاطِع على وجوب قيام الإِمَام واتبعاه شرعا مَا ثَبت بالتواتر من إِجْمَاع الْمُسلمين فى الصَّدْر الأول بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ على امْتنَاع خلو الْوَقْت عَن خَليفَة وَإِمَام حَتَّى قَالَ أَبُو بكر فى خطبَته الْمَشْهُورَة بعد رَسُول الله ﷺ أَلا إِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَلَا بُد لهَذَا الدّين مِمَّن يقوم بِهِ فبادر الْكل إِلَى تَصْدِيقه والإذغان إِلَى قبُول قَوْله وَلم يُخَالف فى ذَلِك
أَلا إِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَلَا بُد لهَذَا الدّين مِمَّن يقوم بِهِ فبادر الْكل إِلَى تَصْدِيقه والإذغان إِلَى قبُول قَوْله وَلم يُخَالف فى ذَلِك
أحد من الْمُسلمين وَلَا تقاصر عَنهُ أحد من أَرْبَاب الدّين بل كَانُوا مطبقين على الْوِفَاق ومصرين على قتال الْخَوَارِج وَأهل الزيع والشقاق وَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم إِنْكَار ذَلِك وَإِن اخْتلفُوا فى التَّعْيِين وَلم يزَالُوا على ذَلِك مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الخشونة فى الدّين والصلابة فِي الْيَقِين وتأسيس القواقد وَتَصْحِيح العقائد من غير أَن يرهبوا فى الله لومة لائم حَتَّى بَادر بَعضهم إِلَى قتل الْآبَاء والأمهات وَالإِخْوَة وَالْأَخَوَات كل ذَلِك مُحَافظَة على الدّين وذبا عَن حوزة الْمُسلمين وَالْعقل من حَيْثُ الْعَادة يحِيل الِاتِّفَاق من مثل هَؤُلَاءِ الْقَوْم على وجوب مَا لَيْسَ بِوَاجِب لَا سِيمَا مَعَ مَا ورد بِهِ الْكتاب الْعَزِيز من مدحهم وَالسّنة الشَّرِيفَة فى عصمتهم فَقَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَالَ ﵇ أمتى لَا تَجْتَمِع على الْخَطَإِ لَا تَجْتَمِع امتى على ضَلَالَة لم يكن الله بالذى يجمع أمتى على الضَّلَالَة وَسَأَلت الله أَلا يجمع أمتى على الضَّلَالَة فَأَعْطَانِيهَا إِلَى غير ذَلِك من الْأَحَادِيث وهى وَإِن كَانَت آحادها آحادا فهى مَعَ اخْتِلَاف ألفاظها وَكَثْرَتهَا تنزل منزلَة التَّوَاتُر فى حُصُول الْعلم بِمَا دلّت عَلَيْهِ من جِهَة الْعَادة قطعا وَذَلِكَ على نَحْو علمنَا بكرم حَاتِم وشجاعة عنترة كَمَا بَينا فِيمَا سلف ثمَّ كَذَلِك الْعَصْر الثانى وَالثَّالِث وهلم جرا إِلَى زَمَاننَا هَذَا لم يزل النَّاس ينسجون على منوال أهل الصَّدْر الأول ويتبعون آثَارهم ويقتفون أخبارهم على الْخط القويم والمهج الْمُسْتَقيم
لم جرا إِلَى زَمَاننَا هَذَا لم يزل النَّاس ينسجون على منوال أهل الصَّدْر الأول ويتبعون آثَارهم ويقتفون أخبارهم على الْخط القويم والمهج الْمُسْتَقيم
وَلذَلِك من نظر بِعَين الِاعْتِبَار وحلى نَحره بالأخبار وسلك طَرِيق الرشاد وجانب الْهوى والعناد لم يجد من نَفسه الاختلاج بمخالفة شئ من ذَلِك أصلا ثمَّ والذى يُؤَكد ذَلِك النّظر إِلَى مُسْتَند الْإِجْمَاع فَإنَّا نعلم أَن مَقْصُود الشَّارِع من أوامره ونواهيه فى جَمِيع موارده ومصادره من شرح الْحُدُود والمقاصات وَشرع مَا شرع من الْمُعَامَلَات والمناكحات وَأَحْكَام الْجِهَاد وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام فى أَيَّام الْجمع والأعياد إِنَّمَا هُوَ لاصلاح الْخلق معاشا ومعادا وَذَلِكَ كُله لَا يتم إِلَّا بِإِمَام مُطَاع من قبل الشَّرْع بِحَيْثُ يفوضون أزمتهم فى جَمِيع أُمُورهم إِلَيْهِ ويعتمدون فى سَائِر أَحْوَالهم عَلَيْهِ فأنفسهم مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من اخْتِلَاف الاهواء وتشتت الآراء وَمَا بَينهم من الْعَدَاوَة والشحناء قَلما تنقاد بَعضهم لبَعض ولربما أدّى ذَلِك إِلَى هلاكهم جَمِيعًا والذى يشْهد لذَلِك وُقُوع الْفِتَن واختباط الْأُمَم عِنْد موت وُلَاة الْأَمر من الْأَئِمَّة والسلاطين إِلَى حِين نصب مُطَاع آخر وَأَن ذَلِك لَو دَامَ لزادت الهوشات وَبَطلَت المعيشات وَعظم الْفساد فى الْعباد وَصَارَ كل مَشْغُولًا بِحِفْظ نَفسه تَحت قَائِم سَيْفه وَذَلِكَ مِمَّا يفضى إِلَى رفع الدّين وهلاك النَّاس أَجْمَعِينَ وَمِنْه قيل الدّين أس وَالسُّلْطَان حارس الدّين وَالسُّلْطَان توأمان فَإِذا نصب الإِمَام من أهم مصَالح الْمُسلمين وَأعظم عمد الدّين فَيكون وَاجِبا حَيْثُ عرف بِالسَّمْعِ أَن ذَلِك مَقْصُود للشَّرْع وَلَيْسَ مِمَّا يُمكن القَوْل بِوُجُوبِهِ عقلا
كَمَا بَيناهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يعْنى بِكَوْنِهِ وَاجِبا عقليا أَن فى فعله فَائِدَة وفى تَركه مضرَّة لذَلِك مَا لَا سَبِيل إِلَى إِنْكَاره أصلا فَإِن قيل الِاحْتِجَاج بِإِجْمَاع الْأمة فرع تصور الْإِجْمَاع وكما زعمتم أَن الْعَادة تحيل اجْتِمَاع الْأمة على الْخَطَإِ فَكَذَلِك أَيْضا بِالنّظرِ إِلَى الْعلمَاء تحيل اجْتِمَاع الْكل على حكم وَاحِد مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من اخْتِلَاف الطباع وتفاوت الْأَزْمَان والسهولة والصعوبة فى الانقياد كَمَا يَسْتَحِيل من حَيْثُ الْعَادة اتِّفَاقهم كَافَّة على الْقيام أَو الْقعُود فى لَحْظَة وَاحِدَة فى يَوْم وَاحِد ثمَّ وَإِن تصور ذَلِك فالاطلاع عَلَيْهِ لكل وَاحِد من أهل الْعَصْر مَعَ انقسام الْمُجْتَهدين إِلَى مَعْرُوف وَإِلَى غير مَعْرُوف وتنائى الْبلدَانِ وتباعد الْعمرَان أَيْضا مُتَعَذر ثمَّ وَإِن قدر أَن ذَلِك كُله مُتَصَوّر لَكِن مَا من وَاحِد نفرضه مِنْهُم إِلَّا وَيجوز عِنْد تَقْدِيره مُنْفَردا أَن يكون فى ذَلِك الحكم مخطئا وَذَلِكَ الْجَوَاز لَا ينْتَقض وَإِن انضاف إِلَيْهِ فى ذَلِك الحكم من أعداد الْمُجْتَهدين مَا لَا يُحْصى والذى يدل على جَوَاز ذَلِك وُرُود النهى بِصفة الْعُمُوم وَهُوَ قَوْله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَلم لم يكن ذَلِك مِنْهُم جَائِزا وَإِلَّا لما نهوا عَنهُ
ا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَلم لم يكن ذَلِك مِنْهُم جَائِزا وَإِلَّا لما نهوا عَنهُ
وَلَو كَانَ ذَلِك حجَّة قَطْعِيَّة فى الشرعيات لما ذكر للَزِمَ أَن يكون ذَلِك حجَّة فى العقليات وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع وَمَا ذكرتموه من الْأَحَادِيث فجملتها آحَاد لَا مُعْتَبر بهَا فى القطعيات والأمور اليقينات وَإِن اسْتدلَّ على صِحَّتهَا بِإِجْمَاع الكافة عَلَيْهَا يلْزم الدّور وَامْتنع الِاسْتِدْلَال ثمَّ وَإِن كَانَت يقينية فمدلول اسْم الْأمة كل من آمن بِهِ من حِين الْبعْثَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ غير مُتَصَوّر فِيمَا نَحن فِيهِ وَمَعَ حمله على أهل الْحل وَالْعقد من أهل كل عصر فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بالضلال أَو الْخَطَأ الْكفْر أَو مَا يُوجب الِاعْتِقَاد الْخَبيث أَو نوعا آخر من أَنْوَاع الْخَطَأ إِذْ تنَاوله لكل ضلال وَخطأ إِن كَانَ فَلَيْسَ إِلَّا بطرِيق الظَّن والتخمين دون الْقطع وَالْيَقِين ثمَّ وَإِن قدر أَن المُرَاد بِهِ الْعِصْمَة من كل خطأ وَالْحِفْظ من كل زلل فَلَا بُد أَن يبين وجود الْإِجْمَاع فِيمَا نَحن فِيهِ وَمَا الْمَانِع من أَن يكون ثمَّ نَكِير وَأَنه لم تتَحَقَّق الْمُوَافقَة إِلَّا من آحَاد الْمُسلمين والذى يدل على ذَلِك قَول عمر رضى الله عَنهُ أَلا إِن بيعَة أَبى بكر كَانَت فلتة وقى الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ أى إِن بيعَة أَبى بكر من غير مشورة وَقد وقى الله شَرها فَلَا نعود إِلَى مثلهَا
بى بكر كَانَت فلتة وقى الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ أى إِن بيعَة أَبى بكر من غير مشورة وَقد وقى الله شَرها فَلَا نعود إِلَى مثلهَا
ثمَّ إِن الْإِجْمَاع لَا بُد وَأَن يعود إِلَى مُسْتَند من الْكتاب وَالسّنة وَلَو كَانَ للْإِجْمَاع مُسْتَند لقد كَانَت الْعَادة تحيل أَن لَا ينْقل مَعَ توفر الدواعى إِلَى نَقله فَحَيْثُ لم ينْقل لَهُ مُسْتَند علم أَنه غير وَاقع فى نَفسه وَأَيْضًا فَإِن تعاون النَّاس على أشغالهم وتوفرهم على إصْلَاح أَحْوَالهم وَأَخذهم على أيدى السُّفَهَاء مِنْهُم وَالْقِيَام بِمَا يجب عَلَيْهِم فى دينهم ودنياهم مِمَّا تحدوهم إِلَيْهِ طباعهم وأديانهم وَيدل على ذَلِك انتظام حَال العربان وَأهل البوادى والقفار الخارجين عَن أَحْكَام السُّلْطَان فَإِذا قَامُوا بذلك فِيمَا بَينهم لم يكن لإِقَامَة وَاحِد مِنْهُم يحكم عَلَيْهِم فِيمَا يَفْعَلُونَهُ ويتأمر عَلَيْهِم فِيمَا يصنعونه تعين لَا سِيمَا وَمَا من مسئلة اجتهادية إِلَّا وَيجوز لكل وَاحِد من الْمُجْتَهدين أَن يُخَالِفهُ فِيهَا بِمَا يُؤدى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَكَيف يكون وَاجِب الطَّاعَة مَعَ جَوَاز الْمُخَالفَة وَمَا الْفَائِدَة فى نَصبه نعم إِن أدّى اجتهادهم إِلَى أَن يقيموا أَمِيرا ورئيسا عَلَيْهِم يتَكَلَّف أُمُورهم ويرتب جيوشهم ويحمى حوزتهم وَيقوم بذلك على وَجه الْعدْل والإنصاف فَلهم ذَلِك من غير أَن يلْزمهُم من تَركه حرج فى الشَّرْع أصلا ثمَّ إِن ذَلِك يستدعى كَون الطَّرِيق متواترا وَقد عرف مَا فِيهِ فِيمَا مضى
ْل والإنصاف فَلهم ذَلِك من غير أَن يلْزمهُم من تَركه حرج فى الشَّرْع أصلا ثمَّ إِن ذَلِك يستدعى كَون الطَّرِيق متواترا وَقد عرف مَا فِيهِ فِيمَا مضى
وَالْجَوَاب هُوَ أَن وُقُوع الِاتِّفَاق من الْأمة على وجوب الصَّلَوَات الْخمس وَصَوْم رَمَضَان وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام يكر على مقالتهم فى منع تصَوره بالإبطال وَمَا يتخيل من امْتنَاع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ كَمَا فرض من الْقيام وَالْقعُود وَالْأكل وَالشرب وَغير ذَلِك فَلَيْسَ إِلَّا لعدم الصَّارِف والباعث لَهُ وَإِلَّا فَلَو تحقق الصَّارِف لَهُم إِلَى ذَلِك لم يكن بِالنّظرِ إِلَى الْعَادة مُمْتَنعا وَلَا محَالة أَن الْأمة متعبدون بِاتِّبَاع النُّصُوص والأدلة الورادة من الْكتاب وَالسّنة ومعرضون للعقاب على تَركهَا وإهمال النّظر إِلَيْهَا فَغير بعيد أَن يَجدوا أَنَّهَا تصرف دواعيهم إِلَى الحكم بمدلوله وتبعثهم على الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَيعرف ذَلِك مِنْهُم بمشافهة أَو نقل متواتر كَمَا عرف أَن مَذْهَب جَمِيع الفلاسفة الإلهيين نفى الصِّفَات وكما عرف التَّثْلِيث من مَذْهَب النَّصَارَى والتثنية من مَذْهَب جَمِيع الْمَجُوس إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور الْمُتَّفق عَلَيْهَا وَإِن اتّفق أَن كَانَ ذَلِك مُسْتَندا إِلَى قَول وَاحِد وَالْكل فى اتِّفَاقهم لَهُ مقلدون وَعَلِيهِ معتمدون كَمَا علم من أَصْحَاب الشافعى الِاتِّفَاق على منع قتل الْمُسلم بالذمى وَالْحر بِالْعَبدِ وَنَحْوه وكما علم من اتِّفَاقهم ان ذَلِك هُوَ مَذْهَب إمَامهمْ فَكَذَلِك نَعْرِف من اتِّفَاق الْأمة أَن ذَلِك مُسْتَند إِلَى قَول نَبِيّهم بل وَمَعْرِفَة ذَلِك من إِجْمَاع الصَّدْر الأول يكون أقرب وَأولى فَإِنَّهُم لم يَكُونُوا بعد قد انتشروا فى الْبِلَاد وَلَا تناءت بهم الأبعاد وَلم يكن عَددهمْ مِمَّا يخرج عَن الْحصْر لَا سِيمَا أهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم
َّهُم لم يَكُونُوا بعد قد انتشروا فى الْبِلَاد وَلَا تناءت بهم الأبعاد وَلم يكن عَددهمْ مِمَّا يخرج عَن الْحصْر لَا سِيمَا أهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم وتخيل الرُّجُوع من الْأمة عَمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ مُتَعَذر لضَرُورَة الْخَطَأ فى أحد الإجماعين وَقد دلّ السّمع وَالْعقل على امْتِنَاعه وَرُجُوع بَعضهم وَإِن كَانَ جَائِزا فَغير قَادِح لكَونه مخصوما ومحجوجا بِمَا تقدم من الْإِجْمَاع السَّابِق الذى دلّ الْعقل والسمع على
تصويبه وَمَعَ جَوَاز الِاتِّفَاق وَوُقُوع الْإِجْمَاع يمْتَنع أَن يكون على الحطأ وَإِن كَانَ ذَلِك جَائِزا على كل وَاحِد أَن لَو قدر مُنْفَردا لما تقرر من قبل وَأقرب شَاهد يخصم هَذَا الْقَائِل مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فى جَانب حُصُول الْعلم بالتواتر فى مَسْأَلَة النبوات وَلَا معنى للتطويل بإعادته وَمَا أُشير إِلَيْهِ من الْأَخْبَار الدلة على جَوَاز الْخَطَأ على الْأمة فَلَيْسَتْ ناهية عَن الْإِجْمَاع ليلزم مَا ذَكرُوهُ وَإِنَّمَا النهى فِيهَا مُتَوَجّه على الْآحَاد ثمَّ وَلَو قدر ذَلِك فَلَيْسَ النهى يستدعى وُقُوع المنهى عَنهُ وَلَا جَوَازه فى نَفسه فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ لنَبيه ﴿فَلَا تكونن من الْجَاهِلين﴾ وَقَالَ ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ مَعَ علمه بعصمته وَأَن ذَلِك لَا يَقع مِنْهُ وَلَا يجوز عَلَيْهِ وَلَا شكّ أَن الْعَادة كَمَا تحيل اتِّفَاق الْأمة على الْخَطَأ فى السمعيات كَذَلِك فى العقليات أَيْضا لكننا لَا نحيل تَجْوِيز الْعقل لنقيض الْمُتَّفق عَلَيْهِ من جِهَة الْعقل وَأَن ذَلِك لَا تعرف استحالته إِلَّا من دَلِيل عقلى أَو أَمر يقينى آخر وَلم نتعبد بإزاحه ذَلِك الِاحْتِمَال الواهى بِالنّظرِ إِلَى الدَّلِيل العقلى وَإِلَّا فالاجماع حجَّة فى العقليات بِسَبَب كَونه فى الشرعيات وَعَلَيْكُم بمراعاة هَذَا الْمَعْنى فَإِنَّهُ كثيرا مَا يغلط فِيهِ وَيدل على الِاحْتِجَاج بِهِ مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من الْأَخْبَار والْآثَار وهى وَإِن كَانَت آحادا فَلَا شكّ أَن جُمْلَتهَا تنزل منزلَة التَّوَاتُر كَمَا أسلفناه
ِاحْتِجَاج بِهِ مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من الْأَخْبَار والْآثَار وهى وَإِن كَانَت آحادا فَلَا شكّ أَن جُمْلَتهَا تنزل منزلَة التَّوَاتُر كَمَا أسلفناه
وَأما حمل لفظ الْأمة على من تَابعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَهُوَ وَإِن كَانَ مُقْتَضى اللَّفْظ من حَيْثُ الصِّيغَة قد خُولِفَ إِجْمَاعًا بِإِخْرَاج المجانين وَالصبيان وَمن لَا تفهم لَهُ عَنهُ وَمَعَ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره يجب أَن ينزل على مَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل وَقد دلّت السمعيات والقواطع من الشرعيات على تهديد مُخَالف الْجَمَاعَة الْخَارِج عَن السّمع لَهُم وَالطَّاعَة بِإِخْرَاجِهِ من زمرة الْمُوَحِّدين وسلبه ثوب الدّين مثل قَوْله ﵇ من خرج عَن الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقه الْإِسْلَام من عُنُقه وَقَوله من فَارق الْجَمَاعَة وَمَات فقد مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة إِلَى غير ذَلِك من الْآثَار وقواطع الْأَخْبَار والموافقة والمخالفة والتهديد بِمثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم والخطب الجسيم إِنَّمَا تتَحَقَّق أَن لَو كَانَ الْمُخَالف مَعْصُوما فِيمَا اتاه مصيبا فِيمَا رَآهُ وان تكون مِم وجد دون من لم يُوجد فَوَجَبَ حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ وَإِلَّا فالموافقة والمخالفة إِنَّمَا تتَصَوَّر فى يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ محَال وَأما تَخْصِيص الْخَطَأ والبطلان بالكفران أَو غَيره من أَنْوَاع الْعِصْيَان مَعَ مَا فِيهِ من مُخَالفَة ظَاهر اللَّفْظ فَهُوَ مُخَالف لظَاهِر الْإِطْلَاق بالتهديد لمخالف الْإِجْمَاع من غير تَفْصِيل ومبطل لفائدة التَّخْصِيص بالتنصيص على الْأمة وإيراد ذَلِك فى معرض الإكرم والإنعام والتفضل من جِهَة أَن الْوَاحِد قد يُشَارك الْأمة فى ترك كل مَا تقدم حمل الضلال وَالْخَطَأ عَلَيْهِ من أَنْوَاع الْعِصْيَان وَإِن لم يوافقهم فى أَن كل مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ يكون صَوَابا وحسنا فَلَا سَبِيل إِذا إِلَيْهِ
َلَيْهِ من أَنْوَاع الْعِصْيَان وَإِن لم يوافقهم فى أَن كل مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ يكون صَوَابا وحسنا فَلَا سَبِيل إِذا إِلَيْهِ
وَأما منع وُقُوع الْإِجْمَاع فِيمَا نَحن فِيهِ فبعيد لما أسلفناه والنكير وَإِن كَانَ وُقُوعه بِالنّظرِ إِلَى الْعقل جَائِزا لكنه بِالنّظرِ إِلَى الْعَادة مُسْتَحِيل من جِهَة امْتنَاع وُقُوع التواطؤ على ترك نَقله مَعَ توفر الدواعى والصوارف إِلَيْهِ وَلَيْسَ فى قَول عمر مَا يدل على انْتِفَاء وُقُوع الْإِجْمَاع على وجوب الْإِمَامَة كَمَا هُوَ مقصدنا بل وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضا دلَالَة على انْتِفَاء وُقُوع الْإِجْمَاع على تعْيين أَبى بكر أَيْضا فَإِنَّهُ لَا مَانع من وُقُوع الْإِجْمَاع على ذَلِك بِعَيْنِه وَإِن قدر الِاخْتِلَاف فى التَّعْيِين وَعدم الِاطِّلَاع على مُسْتَند الْإِجْمَاع فَإِنَّمَا يكون قادحا أَن لَو كَانَ ذَلِك مِمَّا تدعوا الْحَاجة إِلَيْهِ وتتوفر الدواعى على نَقله وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ مهما تحقق الِاتِّفَاق وَاسْتقر الْوِفَاق وَظهر دَلِيل وجوب اتِّبَاعه وَقع الِاكْتِفَاء بِهِ عَن مُسْتَنده وَلم يبْق نظر إِلَّا فى مُوَافَقَته ومخالفته وَمَعَ عدم الْحَاجة إِلَى النّظر فى الْمُسْتَند لكَون الْوِفَاق قد صَار وَاجِبا حتما ولازما جزما لم تَنْصَرِف الدواعى إِلَى نَقله وَلم تتوفر البواعث على اتِّبَاعه فَلَا يكون عدم الإطلاع عَلَيْهِ إِذْ ذَاك قادحا كَيفَ وَإنَّهُ لَا يبعد أَن يكون مِمَّا لَا يُمكن نَقله بل يُعلمهُ من كَانَ فى زمن النبى ﵇ ومشاهدا لَهُ بقرائن أَحْوَال وإشارات ثمَّ أَقْوَال وأفعال إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِى لَا يُمكن مَعْرفَتهَا إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ والعيان
وَأما اتِّفَاق النَّاس على مَا لأَجله نصب الإِمَام وَإِن كَانَ ذَلِك جَائِزا فى الْعقل لكنه بِالنّظرِ لما لَا تقبله الْعَادة الْجَارِيَة وَالسّنة المطردة فممتنع بِدَلِيل مَا ذَكرْنَاهُ من أَوْقَات الفترات وَمَوْت الْمُلُوك والسلاطين وَغير ذَلِك مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَلِهَذَا نرى العربان والخارجين عَن حكم السُّلْطَان كالذئاب الشاردة وَالْأسود الكاسرة لَا يبْقى بَعضهم على بعض وَلَا يُحَافِظُونَ فى الْغَالِب على سنة وَلَا فرض وَلم تَكُ دواعيهم إِلَى صَلَاح أُمُورهم وتشوفهم إِلَى الْعَمَل بِمُوجب دينهم بمغن عَن السُّلْطَان إِذْ السَّيْف والسنان قد يفعل مَا لَا يَفْعَله الْبُرْهَان وَمن نظر إِلَى مَا قَرَّرْنَاهُ من الْفَائِدَة الْمَطْلُوبَة من نصب الإِمَام والغاية الْمَقْصُودَة من إِقَامَته لِلْإِسْلَامِ علم أَنه لَا أثر لجَوَاز الْمُخَالفَة لَهُ فِيمَا يَقع من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَأَن ذَلِك غير مَقْصُود فِيهِ الانقياد وَإِذا ثَبت وجوب الْإِمَامَة بِالسَّمْعِ فَهَل التَّعْيِين فِيهَا مُسْتَند إِلَى النَّص أَو الِاخْتِيَار فَذَهَبت الإمامية إِلَى أَن مُسْتَند التَّعْيِين إِنَّمَا هُوَ النَّص وَزَعَمُوا أَن خلَافَة على مَنْصُوص علها من قبل النبى ﷺ بقوله أَنْت منى كهارون من مُوسَى وَقَوله ﵇ بعد مَا وَجَبت طَاعَة الْمُؤمنِينَ لَهُ وَثَبت أَنه أَحَق بهم من أنفسهم
على مَنْصُوص علها من قبل النبى ﷺ بقوله أَنْت منى كهارون من مُوسَى وَقَوله ﵇ بعد مَا وَجَبت طَاعَة الْمُؤمنِينَ لَهُ وَثَبت أَنه أَحَق بهم من أنفسهم
من كنت مَوْلَاهُ فعلى مَوْلَاهُ وَقَوله أَنْت أخى وخليفتى من بعدى على أهلى ومنجز عداتى إِلَى غير ذَلِك من الْآثَار وَالْأَخْبَار ولربما قرروا ذَلِك بطرِيق معنوى وَهُوَ أَن النبى ﵇ إِمَّا أَن يكون عَالما باحتياج الْخلق إِلَى من يقوم بمهماتهم ويحفظ بيضتهم ويحمى حوزتهم وَيقبض على أيدى السُّفَهَاء مِنْهُم وَيُقِيم فيهم الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة على وفْق مَا وَردت بِهِ الْأَدِلَّة السمعية على مَا تقرر أَو لم يكن عَالما لَا جَائِز أَن يُقَال بِكَوْنِهِ غير عَالم إِذْ هُوَ إساءة ظن بِالنُّبُوَّةِ وقدح فى سر الرسَالَة وَكَذَلِكَ أَيْضا إِن كَانَ عَالما وَلم ينص لَا سِيمَا والتنصيص هَهُنَا آكِد من التَّنْصِيص وَإِيجَاب التَّعْرِيف لما يتَعَلَّق بِبَاب الِاسْتِنْجَاء وَالتَّيَمُّم على مَالا يخفى وَهَذَا وَإِن لزم مِنْهُ صُدُور الْخَطَأ من الْأمة تبع مَا عينه وسومح من ادِّعَاء انْتِفَاء النكير فَلَا يخفى أَن صِيَانة النبى عَن الْخَطَأ أولى من صِيَانة الْأمة الَّتِى عصمتها لم تثبت إِلَّا بقوله وبعصمته فَإِذا لَا بُد من التَّنْصِيص وَالْإِشَارَة إِلَى التَّخْصِيص وَلَا جَائِز أَن يُقَال إِنَّه ترك الْأَمر شُورَى فِيمَا بَين الصَّحَابَة وفوض الْأَمر إِلَى اجتهاداتهم وآرائهم ليعلم الْقَاصِر من الْفَاضِل والمجتهد من العيى وَألا لجَاز للصحابة



