— Bagian 9 · وَمَا اشاروا إِلَيْهِ فى ذَلِك فَهُوَ يُنَاقض مَ… —
Bagian 9
وَمَا اشاروا إِلَيْهِ فى ذَلِك فَهُوَ يُنَاقض مَذْهَبهم فِي إِدْرَاك الْقُوَّة الوهمية لما تُدْرِكهُ من الْمَعْنى الذى يُوجب نفره الشَّاة من الذِّئْب فَإِنَّهُ لَا محَالة غير متجزئ وَإِن كَانَت لَا تُدْرِكهُ إِلَّا إدراكا جزئيا أى بِحَسب شكل شكل وَصُورَة صُورَة وَمَعَ ذَلِك فهى نَفسهَا لَا تدْرك الا بِآلَة جرمانية وَلِهَذَا قضى بفواتها عِنْد فَوَات الْبدن فَمَا هُوَ الِاعْتِذَار لَهُم ايضا فِي إِدْرَاك الْقُوَّة الوهمية بالآلة الجرمانية لما لَيْسَ بمتجزئ هُوَ اعتذارنا فِي إِدْرَاك مَا ندركه مِمَّا لَيْسَ بمتجزئ ثمَّ كَيفَ يُنكر كَون النَّفس مادية مُمكنَة مَعَ مَا عرف من أصلهم أَن جِهَة الامكان لَا تقوم إِلَّا بمادة وَالنَّفس مُمكنَة الْوُجُود وَلَا محَالة فَإِذا قد ظهر امْتنَاع دلَالَة الْعقل على بَقَاء النَّفس بعد فَوَات الْبدن ثمَّ وَلَو قدر بَقَاؤُهَا بعد فَوَات الْبدن عقلا كَمَا ثَبت ذَلِك سمعا بقوله ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا﴾ الأية وَقَوله ﵇ إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي حواصل طيور خضر معلقَة تَحت الْعَرْش وَقد بَان لَهَا من النَّعيم والألم بعد الْمُفَارقَة نَحْو مَا تخيلوه فَلَيْسَ بمستبعد عقلا وَلَا شرعا إِذْ لَيْسَ فِيهِ تنَاقض عقلى وَلَا مَحْذُور شرعى وَالْأَمر فِيهِ قريب والخطب فِيهِ يسير وَإِنَّمَا الداهية الدهياء والمصيبة الطخياء استنهاك جَانب الشَّرْع الْمَنْقُول وَالرَّدّ لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول من حشر الأجساد وَمَا أعد لَهَا من النَّعيم والألم فِي الْمعَاد
المصيبة الطخياء استنهاك جَانب الشَّرْع الْمَنْقُول وَالرَّدّ لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول من حشر الأجساد وَمَا أعد لَهَا من النَّعيم والألم فِي الْمعَاد
وإنكار الْجمع فِي الشَّقَاء وَالنَّعِيم بَين الجسمية والروحانية من غير دَلِيل عقلى وَلَا نقل سمعى اسْتندَ اليه من أنكر بعث الأجساد وأحكامها فِي الْمعَاد فمبنى على فَاسد اصلهم فِي القَوْل بالقدم وَقد أبطلناه بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَأما التناسخية فقد سلكت الفلاسفة فِي الرَّد عَلَيْهِم مسلكا وَهُوَ انهم قَالُوا كل بدن فَإِنَّهُ مُسْتَحقّ لذاته نفسا تدبره وَتنظر فى أَحْوَاله وتوجد عِنْد وجوده بشوق جبلى وميل طبيعى على نَحْو ميل الْحَدِيد إِلَى المغناطيس فَلَو صَحَّ التناسخ وانتقال نفس من بدن إِلَى بدن لَأَدَّى إِلَى اجْتِمَاع نفسين فِي بدن وَاحِد وهى النَّفس الَّتِى يَسْتَحِقهَا لذاته وَالنَّفس الَّتِى انْتَقَلت إِلَيْهِ من غَيره وَذَلِكَ محَال فَإِن الْوَاحِد منا لَا يشْعر بِأَن لَهُ أَكثر من وَاحِدَة وهى الْمُدبرَة لَهُ فَلَو كَانَ لنا نفسان لقد كُنَّا نشعر بهما وبتدبير كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فَإِنَّهُ لَا معنى لوُجُود النَّفس فِي الْبدن إِلَّا أَنَّهَا مُدبرَة لَهُ ومشغولة بِالنّظرِ فِي أَحْوَاله لَا بِمَعْنى أَنَّهَا فِيهِ منطبعة على نَحْو انطباع الْأَعْرَاض فِي الْأَجْسَام وَهُوَ غير سديد فَإِن الْبدن وَإِن اسْتحق لذاته نفسا فاجتماع نفسين فِيهِ إِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ مَا يسْتَحقّهُ يجب أَن يكون بَدْء وجوده مَعَ وجوده غير منتقل إِلَيْهِ من بدن آخر وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُسلمهُ الْخصم بل لَهُ أَن يَقُول الْبدن وان اسْتحق لذاته نفسا تدبره فَلَا مَانع
وجوده مَعَ وجوده غير منتقل إِلَيْهِ من بدن آخر وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُسلمهُ الْخصم بل لَهُ أَن يَقُول الْبدن وان اسْتحق لذاته نفسا تدبره فَلَا مَانع
من أَن تكون هى مَا انْتَقَلت إِلَيْهِ من الْبدن الآخر وَذَلِكَ لَا يفضى إِلَى اجْتِمَاع نفسين أصلا وَلَا خلاص مِنْهُ فَإِذا الطَّرِيق العقلى اللَّائِق بالمنهج الفسلفى أَن يُقَال لَو قيل بانتقال النَّفس من بدن إِلَى بدن فَلَا بُد وَأَن تكون مَوْجُودَة فِيمَا انْتَقَلت عَنهُ أَولا وَإِلَّا فوجودها لَا محَالة مَعَ وجود مَا قيل إِنَّهَا منتقلة إِلَيْهِ وَإِذا كَانَت مَوْجُودَة فِي الْبدن الأول فإمَّا أَن يكون اختصاصها بِهِ لمخصص أَو لَا لمخصص فَإِن كَانَ لَا لمخصص فَلَيْسَ هُوَ بِنَا أولى من غَيره وَإِن كَانَ لمخصص فَلَا بُد وان يكون تخصصها بِمَا انْتَقَلت إِلَيْهِ أَيْضا بمخصص كَمَا كَانَ اختصاصها بِالْأولِ لمخصص وَعند هَذَا فالمخصص لَهَا بِكُل وَاحِد من البدنين إِمَّا أَن يكون وَاحِدًا أَو مُخْتَلفا فَإِن كَانَ وَاحِدًا فَلَا يخفى أَن فرض وجود البدنين مَعًا جَائِز وَإِن اسْتَحَالَ وجودهما مَعًا بِالْفِعْلِ من حَيْثُ إِن أَحدهمَا مُتَقَدم وَالْآخر مُتَأَخّر وَعند فرض اجْتِمَاعهمَا إِمَّا أَن تُوجد تِلْكَ النَّفس لَهما أَو لأَحَدهمَا لَا جَائِز أَن تكون لَهما لما سبق وَلَا جَائِز أَن تكون لأَحَدهمَا لعدم الْأَوْلَوِيَّة
مَاعهمَا إِمَّا أَن تُوجد تِلْكَ النَّفس لَهما أَو لأَحَدهمَا لَا جَائِز أَن تكون لَهما لما سبق وَلَا جَائِز أَن تكون لأَحَدهمَا لعدم الْأَوْلَوِيَّة وعَلى هَذَا التَّقْسِيم إِن كَانَ الْمُخَصّص مُخْتَلفا فَإِنَّهُ إِذا فرض وجود البدنين مَعًا فإمَّا أَن تكون النَّفس لَهما أَو لأَحَدهمَا لَا جَائِز أَن تكون لَهما لما سبق وَإِن كَانَت لأَحَدهمَا فالذى أوجب تخصصها لَيْسَ ذَلِك لَهُ أولى من إِيجَابه لتخصصها بِالْبدنِ الآخر مَعَ اتِّحَاد النَّفس وَفرض تساوى البدنين فِي جَمِيع احوالهما لضَرُورَة تساويهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَأَن لَا اولوية لأَحَدهمَا على الآخر ثمَّ إِنَّه إِمَّا أَن يكون مُسَاوِيا لما يُوجب تخصصها بِالْبدنِ الآخر أَو أرجح مِنْهُ فِي الِاقْتِضَاء والتخصيص فَإِن كَانَ مُسَاوِيا فَلَا أَوْلَوِيَّة وَإِن كَانَ راجحا فالبدن الآخر إِمَّا أَن يبْقى عريا عَن النَّفس وَهُوَ محَال وَإِن وجد لَهُ نفس أُخْرَى فَسَوَاء كَانَ اختصاصها بِهِ بذلك الْمُخَصّص الْمَرْجُوح أَو بمخصص آخر فَإِنَّهُ يلْزم أَن يكون تنْتَقل إِلَيْهِ نفس الْبدن الآخر عِنْد فرض عَدمه وَذَلِكَ مفض
إِلَى اجْتِمَاع نفسين فِي بدن وَاحِد وَهُوَ مِمَّا لَا يشْعر بِهِ أحد وَحُصُول نفس الْإِنْسَان وَهُوَ لَا يشْعر بهَا محَال كَمَا سبق وَهَذِه المحالات كلهَا إِنَّمَا لَزِمت من فرض التناسخ وَأما المسلك اللَّائِق بالمنهاج الاسلامى فَهُوَ أَن ذَلِك إِن وَقع مسلسلا إِلَى غير النِّهَايَة أفْضى إِلَى القَوْل بقدم الكائنات الفاسدات وَقد عرف مَا فِيهِ وَإِن وقف الْأَمر فِي الِابْتِدَاء على وجود نفس لبدن مَا خسيس أَو نَفِيس لم تستحقه بِنَاء على فعل لَهَا سَابق ووقف الْأَمر فِي الِانْتِهَاء على بدن لَا تسْتَحقّ بعده غَيره بِنَاء على مَا تَفْعَلهُ عِنْد مفارقتها لَهُ فَهُوَ وان كَانَ مَقْدُورًا لله تَعَالَى وجائزا فِي الْعقل فَالْقَوْل بِهِ مُخَالف لما اعتقدوه ومجانب لما أصلوه مَعَ أَنه لم يدل عَلَيْهِ عقل وَلَا ألجأ اليه نقل بل هُوَ مُخَالف لما جَاءَ بِهِ السّمع ومضاد لما ورد بِهِ الشَّرْع من أَحْكَام الْمعَاد وَحشر الْأَنْفس والأجساد فَلَا سَبِيل اليه وَعند ذَلِك فَلَا بُد من الْإِشَارَة إِلَى تَحْقِيق مَذْهَب أهل الْحق فِي أَحْكَام الْمعَاد من الْحَشْر والنشر ومساءلة مُنكر وَنَكِير وَعَذَاب الْقَبْر والصراط وَالْمِيزَان وَالْجنَّة وَالنَّار وَغير ذَلِك فَأَما الْحَشْر فَهُوَ عبارَة عَن إِعَادَة الْخلق بعد الْعَدَم ونشئاتهم بعد الرمم وَقد اخْتلف فِيهِ الإسلاميون
زَان وَالْجنَّة وَالنَّار وَغير ذَلِك فَأَما الْحَشْر فَهُوَ عبارَة عَن إِعَادَة الْخلق بعد الْعَدَم ونشئاتهم بعد الرمم وَقد اخْتلف فِيهِ الإسلاميون
فَذَهَبت الْمُعْتَزلَة على مُوجب أصلهم فِي إنقسام الْأَعْرَاض إِلَى بَاقِيَة وَغير بَاقِيَة إِلَى منع جَوَاز إِعَادَة الْأَعْرَاض الْغَيْر الْبَاقِيَة كالحركات والأصوات وَنَحْوهَا وَزَعَمُوا أَنه لَو تصور وجودهَا فِي وَقْتَيْنِ يفصلهما عدم لجَاز القَوْل بوجودهما فِي وَقْتَيْنِ متتاليين وَذَلِكَ فِي الْأَعْرَاض الْغَيْر الْبَاقِيَة محَال وَمن الْأَصْحَاب من زَاد على هَؤُلَاءِ لحيث منع من جَوَاز إِعَادَة الْأَعْرَاض مُطلقًا وَزعم أَن الْإِعَادَة لِمَعْنى فَلَو جَازَ إِعَادَة الْأَعْرَاض للَزِمَ أَن يقوم الْمَعْنى بِالْمَعْنَى وَهُوَ مُمْتَنع وَمذهب أهل الْحق من الإسلاميين أَن إِعَادَة كل مَا عدم من الحادثات فَجَائِز عقلا وواقع سمعا وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن يكون جوهرا أَو عرضا فَإِنَّهُ لَا إِحَالَة فِي القَوْل بقبوله للوجود وَإِلَّا لما وجد بل مَا قبل الْوُجُود فِي وَقت كَانَ قَابلا لَهُ فِي غير ذَلِك الْوَقْت أَيْضا وَمن أنشأه فِي الأولى قَادر على أَن ينشئه فِي الْأُخْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه الْمُبين الْوَارِد على لِسَان الصَّادِق الْأمين ﴿قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة وَهُوَ بِكُل خلق عليم﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي أحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ إِن الْإِنْسَان لكفور﴾ وَمَا قيل من اسْتِحَالَة إِعَادَة الْأَعْرَاض المتجددة شَاهدا فمأخوذ من القَوْل باستحالة استمرارها وَهُوَ غير مُسلم ثمَّ لَا يلْزم من جَوَاز وجودهَا فِي زمنين منفصلين بَينهمَا عدم أَن يُقَال بوجودها
جددة شَاهدا فمأخوذ من القَوْل باستحالة استمرارها وَهُوَ غير مُسلم ثمَّ لَا يلْزم من جَوَاز وجودهَا فِي زمنين منفصلين بَينهمَا عدم أَن يُقَال بوجودها
فيهمَا من غير انْفِصَال بِعَدَمِ بل من الْجَائِز أَن يكون وجودهَا مَشْرُوطًا بِوَقْت مُقَدّر كَمَا كَانَت مَشْرُوطَة بِالْمحل إِجْمَاعًا وَسبق الْعَدَم على أصلهم مُطلقًا وَمن قضى باستحالة إِعَادَة الْأَعْرَاض لما فِيهِ من قيام الْمَعْنى بِالْمَعْنَى فَإِنَّمَا لزمَه ذَلِك من الْجَهْل بِمَعْنى الْإِعَادَة والغفلة عَن معنى الْبَعْث وَلَيْسَ الْمَعْنى بِهِ غير الْخلق ثَانِيًا كَمَا فِي الْخلق الأول وتسميته إِعَادَة إِنَّمَا كَانَ بِالْإِضَافَة إِلَى النشأة الأولى وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب قيام الْمَعْنى بِالْمَعْنَى وَإِلَّا للَزِمَ القَوْل باستحالة وجودهَا أَولا وَهُوَ مُمْتَنع فَإِذا قد ثَبت مَذْهَب أهل الْحق وفاز أهل السَّبق وَلم يبْق إِلَّا القَوْل فِي الْعَدَم وَهُوَ أَنه هَل هُوَ للجواهر والأعراض أم للأعراض دون الْجَوَاهِر وَالْجَوَاب أَن ذَلِك كُله مُمكن من جِهَة الْعقل وَلَيْسَ تعْيين ذَلِك وَاقعا من ضَرُورَة عقلية وَلَا نقلية فتعيين شئ من ذَلِك يكون غباء هَذَا حكم الْحَشْر والنشر وَعَذَاب الْقَبْر ومساءلته وَنصب الصِّرَاط وَالْمِيزَان وَخلق النيرَان والجنان والحوض والشفاعة لِلْمُؤمنِ والعاصى وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فَكل ذَلِك مُمكن فِي نَفسه أَيْضا وَقد وَردت بِهِ القواطع السمعية والأدلة الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة من السّلف وَمن تَابعهمْ من الْخلف مِمَّا اشتهاره مغن عَن ذكره فَوَجَبَ التَّصْدِيق بِهِ
والإذعان لقبوله والانقياد إِلَيْهِ والتعويل عَلَيْهِ على وفْق مَا اشْتهر عَن النبى ﷺ وصحابته وَالْعُلَمَاء من أمته فَإِن قَالَ قَائِل من الْمُعْتَزلَة المقرين بِالدّينِ الخارقين لقواعد الْمُسلمين كَيفَ يُمكن القَوْل بِعَذَاب الْقَبْر ومساءلته مَعَ أَنا نرى الْمَيِّت ونشاهده وَلَا نحس عِنْد وَضعه فِي اللَّحْد بِصَوْت سُؤال وَلَا جَوَاب وَلَا نشاهد فِي حَاله لَا نعيما وَلَا عذَابا لَا سِيمَا إِذا افترست لَحْمه الوحوش وَالسِّبَاع وأكلته طيور الْهَوَاء أَو سمك المَاء أم كَيفَ يُمكن القَوْل بِوَضْع الصِّرَاط وَالْمِيزَان وَخلق الْجنَّة وَالنَّار فِي الْآن فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون ذَلِك كُله لفائدة أَو لَا لفائدة فالفائدة الْمَطْلُوبَة من نصب الصِّرَاط لَيست إِلَّا العبور عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُتَعَذر جدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطائع وَالْعَاص مَعًا لكَونه كَمَا قيل أحد من السَّيْف وأدق من الشعرة والفائدة من نصب الْمِيزَان لَيست إِلَّا وزن الْأَعْمَال وَذَلِكَ أَيْضا مُتَعَذر لِأَنَّهَا إِمَّا أَن توزن فى حَال عدمهَا أَو بعد إعدامها الْقسم الأول محَال جدا وَالْقسم الثانى محَال لما بَيناهُ فِيمَا مضى ثمَّ وَلَو قدر إِعَادَة الْأَعْرَاض المتجددة فوزنها لَا محَالة أَيْضا مُتَعَذر وحركة الْمِيزَان بهَا ممتنعة وَإِن كَانَت حَرَكَة الْمِيزَان بِسَبَب ثقل مَا خلقت مِنْهُ الْحَرَكَة فَلَيْسَ ذَلِك وزن الْحَرَكَة وَأما الْفَائِدَة فِي خلق الْجنَّة وَالنَّار فَلَيْسَ إِلَّا لأجل الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَذَلِكَ قبل يَوْم الْحَشْر والحساب مُتَعَذر لَا محَالة
َكَة وَأما الْفَائِدَة فِي خلق الْجنَّة وَالنَّار فَلَيْسَ إِلَّا لأجل الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَذَلِكَ قبل يَوْم الْحَشْر والحساب مُتَعَذر لَا محَالة
بل وَكَيف يُمكن القَوْل بِقبُول الشَّفَاعَة وَإِثْبَات الْعَفو للعاصى وَمن اقْتَرَف شَيْئا من المعاصى وَبِمَ الْإِنْكَار على الجبائى حَيْثُ زعم أَن من زَادَت زلاته على طاعاته فِي الْمِقْدَار واخترم على الْإِصْرَار من غير تَوْبَة كَانَ مسلوب الْإِيمَان مخلدا فِي النَّار وَبِمَ الرَّد على غَيره من الْمُعْتَزلَة حَيْثُ أوجب ذَلِك باقتراف كَبِيرَة وَاحِدَة كَانَت نَاقِصَة عَن الطَّاعَة أَو زَائِدَة أم بِمَ الْإِنْكَار على الْخَوَارِج حَيْثُ أوجبوا التَّكْفِير بإرتكاب ذَنْب وَاحِد مستندين فِي ذَلِك إِلَى مَا عرف من قَضِيَّة إِبْلِيس وَمَا ورد فِي الْقُرْآن من الْآيَات الدَّالَّة على تخليد العاصى مثل قَوْله تَعَالَى ﴿من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خطيئته فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ وَقَوله ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا﴾ وَقَوله ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات والدلالات الواضحات وَمن اسْتحق الخلود فِي النَّار وَكَانَ مغضوبا عَلَيْهِ كَيفَ يسْتَحق الغفران قُلْنَا أما إِنْكَار عَذَاب الْقَبْر مَعَ مَا اشْتهر من حَال النبى ﷺ وَالصَّحَابَة من الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ وَالْخَوْف والحذر وَقَول النبى ﵇ حَيْثُ عبر على قبرين
ِنْكَار عَذَاب الْقَبْر مَعَ مَا اشْتهر من حَال النبى ﷺ وَالصَّحَابَة من الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ وَالْخَوْف والحذر وَقَول النبى ﵇ حَيْثُ عبر على قبرين
فَقَالَ إنَّهُمَا يعذبان وَقَول الله تَعَالَى ﴿وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ وَلَا معول لأرباب الْعُقُول عَلَيْهِ واستبعاد ذَلِك على أَنه غير محسوس من الْمَيِّت فَمن أدْرك بعقله حَال النَّائِم فِي مَنَامه وَمَا يَنَالهُ من اللَّذَّات والتألمات بِسَبَب مَا يُشَاهِدهُ من حسن وقبيح مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من سُكُون ظَاهر جِسْمه وخمود جوارحه بل وَكَذَا حَال المحموم وَالْمَرِيض فِي حَالَة انغماره لم يتقاصر فهمه عَن دَرك عَذَاب الْقَبْر ونعيمه وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن تكون أَجزَاء الْبدن مجتمعة أَو مفرقة فَإِن من أسْكنهُ الْأَلَم فِي حَالَة الِاجْتِمَاع قَادر أَن يسكنهُ ذَلِك فِي حَالَة الِافْتِرَاق وَذَلِكَ لَا يستدعى أَن يكون محسوسا وَلَا مشاهدا وعَلى هَذَا يخرج استبعاد سُؤَاله وَجَوَابه أَيْضا وَمِمَّا يُؤَكد رفع هَذَا الاستبعاد مَا علم من حَال رَسُول الله ﷺ فِي حَالَة الوحى ومخاطبة جِبْرِيل لَهُ وَالنَّاس حوله لَا يسمعُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن الْأَجْزَاء المستقلة بالفهم وَالْجَوَاب من الْإِنْسَان إِنَّمَا هى أَجزَاء باطنة يعلمهَا الله تَعَالَى فِي الْقلب فَيجوز أَن يخلق الله لَهَا الْحَيَاة والفهم وَالْجَوَاب وَإِن كَانَ باقى الْجِسْم معطلا لَا يشْعر بِهِ صَاحبه وَذَلِكَ كَمَا نشاهده ونعلمه من حَال النَّائِم والمغمى عَلَيْهِ لصرع أَو مرض أَو غَيره عِنْد مخاطبته اَوْ محاورته لمن يتخيل لَهُ فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ من حَالَته وَلَيْسَ الْخطاب وَالسُّؤَال لمُجَرّد الرّوح الْمُفَارقَة الَّتِى أجْرى الله تَعَالَى الْعَادة بِوُجُود
حَيَاة الْبدن عِنْد مقارنتها والفوات عِنْد فَوَاتهَا إِذْ هُوَ مُخَالف للظواهر الْوَارِدَة بِهِ وَلَا هُوَ للبدن على هَيئته إِذْ هُوَ مُخَالف للحس والعيان وَذَلِكَ محَال وإنكار الصِّرَاط وَالْمِيزَان وَخلق الْجنَّة وَالنَّار فِي الْآن بِنَاء على إِنْكَار حُصُول الْفَائِدَة فمأخوذ من أصولهم الْفَاسِدَة فِي وجوب الْغَرَض فِي أَفعَال الله تَعَالَى وَقد أبطلناه ثمَّ وَلَو قدر ذَلِك فَلَعَلَّ لَهُ فِيهِ لطفا وصلاحا لَا تقف الْعُقُول عَلَيْهِ وَلَا تهتدى الأذهان إِلَيْهِ بل البارى تَعَالَى هُوَ المستأثر بِعِلْمِهِ وَحده لَا يعلم تَأْوِيله غَيره ثمَّ كَيفَ يُنكر جَوَاز العبور على الصِّرَاط والمشى عَلَيْهِ مَعَ أَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى مقدورات الله تَعَالَى وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ والمشى فِي الْهَوَاء وَالْوُقُوف على المَاء وشق الْبَحْر وقلب الْعَصَا حَيَّة وَغير ذَلِك من المعجزات والأمور الخارقة للعادات أيسر وأسهل فَغير بعيد أَن يخلق الله تَعَالَى الْقُدْرَة على ذَلِك لما أطاعه وَلَا يخلقها لمن عَصَاهُ وَأما الْوَزْن بالميزان فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون للصحف الْمُشْتَملَة على الْحَسَنَات والسيئات الْمَكْتُوب فِيهَا أَفعَال العَبْد من خَيره وشره ونفعه وضره ويخلق الله تَعَالَى فِيهَا ثقلا
مل أَن يكون للصحف الْمُشْتَملَة على الْحَسَنَات والسيئات الْمَكْتُوب فِيهَا أَفعَال العَبْد من خَيره وشره ونفعه وضره ويخلق الله تَعَالَى فِيهَا ثقلا
وخفة على حسب التَّفَاوُت الذى يُعلمهُ تَعَالَى فِي حَسَنَاته وسيئاته وَيحْتَمل أَن يكون ميزَان الْأَفْعَال عِنْد الله تَعَالَى بِمَا يَلِيق بالأفعال وهوالمستأثر بِعِلْمِهِ وَحده لَا على نَحْو الْمِيزَان اللَّائِق بالكميات من المدخرات والمعدودات وَغَيرهَا من الموزونات شَاهدا وَأما إِنْكَار الشَّفَاعَة للمذنبين والعصاة من الْمُسلمين فَذَلِك إِنَّمَا هُوَ فرع مَذْهَب أهل الضلال فِي القَوْل بِوُجُوب الثَّوَاب وَلُزُوم الْعقَاب على الله تَعَالَى وَقد بَينا مَا فِي ذَلِك من الْخلَل وأوضحنا مَا فِيهِ من الزلل فَإِن الثَّوَاب من الله تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا بفضله وَالْعِقَاب لَيْسَ إِلَّا بعدله وَهُوَ المتحكم بِمَا يَشَاء فِي خلقه ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ وَمَا ذَكرُوهُ من الْآيَات والظواهر السمعيات فَمَحْمُول على الْكَافرين المستحلين لما يأتونه المستوجبين لما يقترفونه دون العصاة من الْمُؤمنِينَ وَمن أذْنب ذَنبا من الْمُسلمين وَدَلِيل التَّخْصِيص فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَمَعَ قيام الدَّلِيل الْمُخَصّص لَهَا يمْتَنع القَوْل بتعميمها
َوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَمَعَ قيام الدَّلِيل الْمُخَصّص لَهَا يمْتَنع القَوْل بتعميمها
فَإِن قيل إِن هَذِه الْآيَة مَحْمُولَة على حَالَة التَّوْبَة ومخصوصة بهَا وَهَذَا وَإِن كَانَ على خلاف الظَّاهِر لَكِن يجب القَوْل بِهِ مُحَافظَة على مَا ذَكرْنَاهُ من الظَّوَاهِر إِذْ لَيْسَ تَخْصِيص مَا ذَكرْنَاهُ مُحَافظَة على الظَّاهِر بِأولى من الْعَكْس بل هُوَ الاولى لما فِيهِ من تَخْصِيص ظَاهر وَاحِد بظواهر مُتعَدِّدَة ثمَّ إِن فِي الْآيَة مَا يدل على أَن الْمَغْفِرَة والشفاعة لَا تحصل إِلَّا أَن تتَعَلَّق الْمَشِيئَة بمفغرته وَإِلَّا لما كَانَ لتخصيص الْمَغْفِرَة بِحَالَة الْمَشِيئَة معنى وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب خُلُود بعض المذنبين وَهُوَ خلاف مَا تعتقده قُلْنَا أما مَا ذَكرُوهُ من جِهَة التَّخْصِيص فَحمل دلَالَة الْآيَة عَلَيْهَا مُمْتَنع وَذَلِكَ أَن الْعَفو والغفران حَالَة التَّوْبَة عِنْدهم وَاجِب جزم ولازم حتم وَهُوَ مِمَّا يمْنَع تَعْلِيقه بِالْمَشِيئَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فرق فِي الْآيَة بَين الْمعْصِيَة بالْكفْر وَغَيره فِي حَالَة التَّوْبَة فَالْفرق غير مُتَحَقق لَا محَالة فَلَو صَحَّ مَا ذَكرُوهُ من جِهَة التَّخْصِيص لم يلْزم تَخْصِيص عُمُوم الْآيَة بِمَا دون الْكفْر من المعاصى وَتَأْويل الظَّوَاهِر لما ذَكرُوهُ من الظَّوَاهِر كَيفَ وَأَن مَا ذَكرُوهُ من الظَّوَاهِر فَمنهمْ من قيدها بِفعل الْكَبَائِر دون الصَّغَائِر وَمِنْهُم من زَادهَا تقييدا حَتَّى اشْترط فِي ذَلِك زِيَادَة مِقْدَار الْكَبِيرَة على مَا لَهُ من الْحَسَنَات وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا ريب فِي تخصيصها بِمَا بعد التَّوْبَة وَلَيْسَ شئ من ذَلِك متحققا فِيمَا ذكرنَا من الظَّوَاهِر فالمحافظة عَلَيْهِ يكون أولى لَا سِيمَا وَأَن مَا من ظَاهر أبدوه إِلَّا وَقد اقْترن بِمَا يدل على تَخْصِيصه بِمَا نذكرهُ فَإِن مُخَالفَة جَمِيع الْحُدُود وتعديها وإحاطة الْخَطِيئَة من كل وَجه إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي حق الْكَافِر
دون الْمُسلم وَكَذَلِكَ اللَّعْنَة وَالْغَضَب فِي حق من قتل إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي حق من كَانَ لذَلِك مسحلا مُعْتَقدًا وَبِمَا حققناه يَقع التقصى عَن كل مَا يهول بِهِ من هَذَا الْقَبِيل وَلَيْسَ فِي تَعْلِيق الغفران لما دون الكفران بِالْمَشِيئَةِ مَا يُوجب امْتنَاع وُقُوع الغفران بِالنِّسْبَةِ إِلَى جملَة المذنبين بِمَا دون الشّرك وَلَا يلْزم مِنْهُ مُخَالفَة شئ من الْآيَة أصلا لجَوَاز تعلق الْمَشِيئَة بالمغفرة للْجَمِيع فَإِن قيل فَإِن اسْتمرّ لكم فِي هَذِه الظَّوَاهِر مَا ذكرتموه من التأويلات واستقام مَا أشرتم إِلَيْهِ من التخصيصات فَكيف يحمل قَوْله ﵇ لَا ينَال شفاعتى أهل الْكَبَائِر من أمتى على مَعْصِيّة الْكفْر مَعَ أَنه قد أدرجهم فِي أمته وأدخلهم فِي مِلَّته قُلْنَا هَذَا الحَدِيث مَعَ ضعفه فِي سَنَده فَلَيْسَ فِي إضافتهم إِلَى مِلَّته مَا ينافى كَون الْكَبِيرَة الصادرة مِنْهُم هى الكفران والشرك بعد الْإِيمَان فَإِنَّهُ قد يُسمى الشئ باسم مَا كَانَ عَلَيْهِ تجوزا وتوسعا وَهُوَ الأولى فَإِنَّهُ قد روى عَن النبى ﷺ بالرواية الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة أَنه قَالَ ادخرت شفاعتى لأهل الْكَبَائِر من أمتى فَلَو لم يكن
ا وتوسعا وَهُوَ الأولى فَإِنَّهُ قد روى عَن النبى ﷺ بالرواية الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة أَنه قَالَ ادخرت شفاعتى لأهل الْكَبَائِر من أمتى فَلَو لم يكن
الحَدِيث الأول مَحْمُولا على كَبِيرَة الْكفْر للَزِمَ مِنْهُ تَعْطِيل أحد الْحَدِيثين عَن الْعَمَل بِهِ مُطلقًا وَلَا يخفى أَن التعطيل أبعد من التَّأْوِيل على مَا لَا يخفى كَيفَ وَأَن الْأَدِلَّة الْوَارِدَة فِي بَاب الشَّفَاعَة مَعَ اخْتِلَاف ألفاظها أَكثر من أَن تحصى فهى إِلَى التَّمَسُّك بهَا أقرب وَأولى فَمن ذَلِك مَا روى عَن النبى ﷺ فِي أثْنَاء حَدِيث مطول مَشْهُور أَنه قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أخر سَاجِدا بَين يدى ربى فَيَقُول لى يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتى أمتى فَيُقَال انْطلق من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال شعيرَة من إِيمَان فَأخْرجهُ وأنطلق وَأخرجه ثمَّ أَسجد ثَانِيَة وثالثة فَإِذا كَانَ الرَّابِعَة قلت رب ائْذَنْ لى فِيمَن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَيَقُول الرب وعزتى وجلالى لأخْرجَن مِنْهَا كل من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَهُوَ حَدِيث مروى فِي الصِّحَاح وَأما الْقَضَاء بِانْتِفَاء إِيمَان من اخترم عَاصِيا قبل التَّوْبَة وَالْقَوْل بتكفيره فالانفصال عَنهُ يستدعى تَحْقِيق معنى الْإِيمَان والكفران والكشف عَن معنى التَّوْبَة وَتَحْقِيق الأوبة وَأما الْإِيمَان فَهُوَ فِي اللُّغَة عبارَة عَن التَّصْدِيق وَمِنْه قَول بنى يَعْقُوب وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا أى بمصدق وَفِي عرف اسْتِعْمَال أهل الْحق من الْمُتَكَلِّمين عبارَة عَن التَّصْدِيق بِاللَّه وَصِفَاته وَمَا جَاءَت بِهِ أنبياؤه ورسالاته وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله ﵇ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق
مُتَكَلِّمين عبارَة عَن التَّصْدِيق بِاللَّه وَصِفَاته وَمَا جَاءَت بِهِ أنبياؤه ورسالاته وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله ﵇ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق
بِاللَّه وباليوم الآخر كَأَنَّك ترَاهُ فَمن وَفقه الله لهَذَا التَّصْدِيق وأرشده إِلَى هَذَا التَّحْقِيق فَهُوَ الْمُؤمن الْحق عِنْد الله وَعند الْخلق وَإِلَّا فقد شقى الشقاوة الْكُبْرَى وَحكم بِكُفْرِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى لِأَن الْكفْر وَإِن كَانَ فِي اللُّغَة عبارَة عَن التغطية والستر فَهُوَ فى عرف أهل الْحق من الْمُتَكَلِّمين عبارَة عَن السّتْر والتغطية للقدر الذى يصير بِهِ الْمُؤمن مُؤمنا لَا غير وَلَيْسَ الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَقَط كَمَا زعمت الكرامية وَلَا إِقَامَة الْعِبَادَات والتمسك بالطاعات كَمَا زعمت الخارجية فَإنَّا نعلم من حَال النبى ﷺ عِنْد إِظْهَار الدعْوَة انه لم يكتف من النَّاس بِمُجَرَّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَلَا الْعَمَل بالأركان مَعَ تَكْذِيب الْجنان بل كَانَ يُسمى من كَانَت حَاله كَذَلِك كَاذِبًا ومنافقا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى تَكْذِيبًا لِلْمُنَافِقين عِنْد قَوْلهم ﴿نشْهد إِنَّك لرَسُول الله﴾ ﴿وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ وَمِنْه أَيْضا شَهَادَة الْكتاب الْعَزِيز بكذبه وسلب إيمَانه فِي قَوْله ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر وَمَا هم بمؤمنين﴾ وَمَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة وأقوال الْأمة فِي ذَلِك أَكثر من أَن يُحْصى ثمَّ لَا يخفى قبح القَوْل بِأَن الْإِيمَان مُجَرّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ من حَيْثُ إفضائه إِلَى تَكْفِير من لم يظْهر مَا أبطنه من التَّصْدِيق وَالطَّاعَة وَامْتِنَاع اسْتِحْقَاقه للشفاعة وَالْحكم
بنقيضه لمن أظهر ضد مَا أبطن من الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى وَرَسُوله والطغاوة فِي الدّين والعداوة للْمُسلمين بل أَشد قبحا مِنْهُ جعل الْإِيمَان مُجَرّد الْإِتْيَان بالطاعات والتمسك بالعبادات لما فِيهِ من الْإِفْضَاء إِلَى هدم الْقَوَاعِد السمعية وَحل نظام الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَإِبْطَال مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة من جَوَاز خطاب العاصى بِمَا دون الشّرك قبل التَّوْبَة بالعبادات الْبَدَنِيَّة وَسَائِر الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وصحتها مِنْهُ أَن لَو أَتَى بهَا وبإدخاله فِي زمرة الْمُؤمنِينَ وإدراجه فِي جملَة الْمُسلمين حَتَّى إِنَّه لَو مَاتَ فَإِنَّهُ يغسل وَيصلى عَلَيْهِ ويدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين وَلَو لم يكن مُؤمنا لما جَازَ القَوْل بِصِحَّة مَا أَتَى بِهِ من الْعِبَادَات وَلَا غير ذَلِك مِمَّا عددناه وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَيْضا فَسَاد قَول الحشوية إِن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالأركان نعم لَا ننكر جَوَاز إِطْلَاق اسْم الْإِيمَان على هَذِه الْأَفْعَال وعَلى الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ أى صَلَاتكُمْ وَقَوله ﵇ الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا أَولهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَآخِرهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق لَكِن إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لَهَا من جِهَة أَنَّهَا دَالَّة على التَّصْدِيق بالجنان
َن لَا إِلَه إِلَّا الله وَآخِرهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق لَكِن إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لَهَا من جِهَة أَنَّهَا دَالَّة على التَّصْدِيق بالجنان
ظَاهرا وَالْعرب قد تستعير اسْم الْمَدْلُول لدليله بِجِهَة التجور التَّوَسُّع كَمَا تستعير اسْم السَّبَب لمسببه فعلى هَذَا مهما كَانَ مُصدقا بالجنان على الْوَجْه الذى ذَكرْنَاهُ وَإِن أخل بشئ من الْأَركان فَهُوَ مُؤمن حَقًا وَانْتِفَاء الْكفْر عَنهُ وَاجِب وَإِن صَحَّ تَسْمِيَته فَاسِقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أخل بِهِ من الطَّاعَات وارتكب من المنهيات وَلذَلِك صَحَّ إدراجه فِي خطاب الْمُؤمنِينَ وإدخاله فِي جملَة تكليفات الْمُسلمين بقوله ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْآيَات وَقَوله ﵇ لَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يزنى حِين يزنى وَهُوَ مُؤمن فَإِنَّهُ وَإِن صَحَّ لم يَصح حمله على نفى الْإِيمَان بِمَعْنى الطَّاعَة والإذعان لتعذر الِاشْتِقَاق من اسْم أَيْمَان فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ حَالَة الاستحلال وَيحْتَمل أَنه أوردهُ فِي معرض الْمُبَالغَة فِي الزّجر والردع وَهُوَ وَإِن كَانَ خلاف الظَّاهِر لكنه أولى لما فِيهِ من الْجمع بَينه وَبَين مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على كَونه مُؤمنا وَإِبْطَال التعطيل لما ذَكرْنَاهُ مُطلقًا نعم لَا ننكر إِمْكَان دُخُول الشَّك والريبة لما يحصل من التَّصْدِيق بالجنان ثَابتا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَيْسَ بمعصوم بِنَاء على شُبْهَة وخيال وَلذَلِك كَانَ بعض السّلف يَقُول أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله وَلَيْسَ المُرَاد بِمَا علقه على الْمَشِيئَة إِلَّا اسْتِمْرَار مَا هُوَ حَاصِل عِنْده عِنْد الله من التَّصْدِيق والطمأنينة لَا نفس التَّصْدِيق الْحَاصِلَة فَإِن تَعْلِيق
ا علقه على الْمَشِيئَة إِلَّا اسْتِمْرَار مَا هُوَ حَاصِل عِنْده عِنْد الله من التَّصْدِيق والطمأنينة لَا نفس التَّصْدِيق الْحَاصِلَة فَإِن تَعْلِيق
مَا حصل بِالْمَشِيئَةِ محَال وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل وَإِن فسر الْإِيمَان بِالطَّاعَةِ أَو القَوْل أَيْضا وَبِهَذَا الِاعْتِبَار ايضا يَصح القَوْل بِزِيَادَة إِيمَان النبى الْمَعْصُوم على إِيمَان غَيره أى من جِهَة تطرق الشَّك إِلَى غير الْمَعْصُوم دون الْمَعْصُوم أما أَن يكون من جِهَة تطرق الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان إِلَيْهِ من حَيْثُ هُوَ تَصْدِيق فَلَا كَمَا لَا يَصح ذَلِك بَين علم وَعلم أصلا وَأما التَّوْبَة فهى وَإِن كَانَت فِي اللُّغَة عبارَة عَن الرُّجُوع فهى فِي عرف اسْتِعْمَال الْمُتَكَلِّمين عبارَة عَن النَّدَم على مَا وَقع بِهِ التَّفْرِيط من الْحُقُوق من جِهَة كَونه حَقًا وَمِنْه قَوْله ﵇ النَّدَم تَوْبَة فعلى هَذَا من ترك الْمعْصِيَة من غير عزم على ترك معاودتها عِنْد كَونه لذَلِك أَهلا والندم والتألم على مَا اقْتَرَف أَولا من جِهَة أَنه لم يكن لَهُ ذَلِك مُسْتَحقّا لم يكن إِطْلَاق اسْم التَّوْبَة فِي حَقه بِالنّظرِ إِلَى عرف الْمُتَكَلِّمين مِمَّا يجوز لَكِن ذَلِك مِمَّا لَا يجب على العَبْد استدامته فِي سَائِر أوقاته وتذكره فِي جَمِيع حالاته وَإِلَّا لزم مِنْهُ اختلال الصَّلَوَات أَو لَا يكون تَائِبًا فِي بعض الْأَوْقَات وَهُوَ خلاف
إِجْمَاع الْمُسلمين وَلَيْسَ من شَرط صِحَة التَّوْبَة والإقلاع عَن ذَنْب فِي زمن من الْأَزْمَان أَلا يعاوده فِي زمن آخر إِذْ التَّوْبَة مهما وجدت فهى عبَادَة ومأمور بهَا وَلَيْسَ من شَرط صِحَة الْعِبَادَة المأتى بهَا فِي زمن أَلا يَتْرُكهَا فِي زمن آخر وَلَيْسَ من شَرط صِحَة التَّوْبَة أَيْضا والاقلاع عَن ذَنْب الإقلاع عَن غَيره من الذُّنُوب كَمَا زعم أَبُو هَاشم وَإِلَّا كَانَ من أسلم بعد كفره وآمن بعد شقائه ونفاقه إِذا استدام زلَّة من الزلات وهفوة من الهفوات أَلا يكون مقلعا عَمَّا الْتَزمهُ من أوزار كفره وَألا يترقى على من هُوَ على غيه وجحوده وَذَلِكَ مِمَّا يُخَالف إِجْمَاع الْمُسلمين وَمَا ورد بِهِ الشَّرْع الْمَنْقُول وَاتفقَ عَلَيْهِ أَرْبَاب الْعُقُول وَبِهَذَا ينْدَفع قَول الْقَائِل إِن مَا وَجَبت التَّوْبَة عَنهُ فَإِنَّمَا كَانَ لقبحه وَذَلِكَ لَا يخْتَلف فِيهِ ذَنْب وذنب فَلَا يَصح النَّدَم على قَبِيح مَعَ الْإِصْرَار على قَبِيح غَيره وَالله الهادى إِلَى الرشاد
القانون السَّابِع فى النبوات وَالْأَفْعَال الخارقة للعادات ويشتمل على طرفين
تمهيد الطّرف الأول من هَذَا القانون فِي بَيَان جَوَازهَا فِي الْعقل والثانى فِي بَيَان وُقُوعهَا بِالْفِعْلِ وَقبل الْخَوْض فى ذَلِك لَا بُد من تَفْسِير معنى النُّبُوَّة لكى يكون التوارد بالنفى والاثبات على محز وَاحِد فَنَقُول لَيست النُّبُوَّة هى معنى يعود إِلَى ذاتى من ذاتيات النبى وَلَا إِلَى عرض من أعراضه اسْتحقَّهَا بِكَسْبِهِ وَعَمله وَلَا إِلَى الْعلم بربه فَإِن ذَلِك مِمَّا يثبت قبل النُّبُوَّة وَلَا إِلَى علمه بنبوته إِذْ الْعلم بالشئ غير الشئ ﴿وَلَكِن الله يمن على من يَشَاء من عباده﴾ فَلَيْسَتْ إِلَّا موهبة من الله تَعَالَى ونعمة مِنْهُ على عَبده وَهُوَ قَوْله لمن اصطفاه واجتباه إِنَّك رسولى ونبيى وَإِذا عرف محز الْخلاف فنعود إِلَى بَيَان الْأَطْرَاف
بة من الله تَعَالَى ونعمة مِنْهُ على عَبده وَهُوَ قَوْله لمن اصطفاه واجتباه إِنَّك رسولى ونبيى وَإِذا عرف محز الْخلاف فنعود إِلَى بَيَان الْأَطْرَاف
النَّفس الناطقة الْقَرِيبَة النِّسْبَة من الْجَوَاهِر الكروبية والجواهر الروحانية لم يكن فِي الْعقل بُد من حُصُول لطف المبدأ الأول وَإِضَافَة الْجُود مِنْهُ عَلَيْهِم لتتم لَهُم النِّعْمَة فِي الدُّنْيَا والسعادة فِي الْأُخْرَى وكل وَاحِد من النَّاس قَلما يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وفكرته وَحَوله وقوته فى تَحْصِيل أغراضه الدنياوية ومقاصده الآخروية إِلَّا بِمعين ومساعد لَهُ من نَوعه وَإِذ ذَاك فَلَا بُد من أَن تكون بَينهم معاملات من عُقُود بياعات وإجارات ومناكحات إِلَى غير ذَلِك مِمَّا تتَعَلَّق بِهِ الْحَاجَات وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بالإنقياد والاستسخار من الْبَعْض للْبَعْض وقلما يحصل الانخضاع والانقياد من الْمَرْء لصَاحبه بِنَفسِهِ مَعَ قطع النّظر عَن مخوفات ومرغبات دينية وأخروية وَسنَن يتبعونها وآثر يقتدون بهَا وَذَلِكَ كُله إِنَّمَا يتم بِبَيَان ومشرع يخاطبهم ويفهمهم من نوعهم وَفَاء بِمُوجب عناية المبدأ الأول بهم ثمَّ يجب أَن يكون الْبَيَان مؤيدا من عِنْد الله تَعَالَى بالمعجزات وَالْأَفْعَال الخارقة للعادات الَّتِى تتقاصر عَنْهَا قوى غَيره من نَوعه بِحَيْثُ يكون ذَلِك مُوجبا لقبُول قَوْله والانقياد لَهُ فِيمَا يسنه ويشرعه وَيَدْعُو بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى عِبَادَته والانقياد لطاعته وَمَا الله عَلَيْهِ من وجوب الْوُجُود لَهُ وَمَا يَلِيق بِهِ وَمَا لَا يَلِيق بِهِ وَأَحْكَام الْمعَاد وَأَحْكَام المعاش ليتم لَهُم النظام ويتكامل لَهُم اللطف والإنعام وَذَلِكَ كُله فالعقل يُوجِبهُ لكَونه حسنا وَيحرم انتفاءه لكَونه قبيحا
كَام الْمعَاد وَأَحْكَام المعاش ليتم لَهُم النظام ويتكامل لَهُم اللطف والإنعام وَذَلِكَ كُله فالعقل يُوجِبهُ لكَونه حسنا وَيحرم انتفاءه لكَونه قبيحا
وَأعلم ان مبْنى هَذَا الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ على فَاسد أصُول الْخُصُوم فِي الْحسن والقبح ورعاية الصّلاح والأصلح ووجوبه وَقد سبق إِبْطَاله بِمَا فِيهِ مقنع وكفاية وَأما الغلاة من النفاة الجاحدين لوُجُوب الْوُجُود فَإِنَّهُم قَالُوا النُّبُوَّة لَيست من صفة رَاجِعَة إِلَى نفس النبى بل لَا معنى لَهَا الا التَّنْزِيل من عِنْد رب الْعَالمين وَعند ذَلِك فالرسول لَا بُد لَهُ أَن يعلم أَنه من عِنْد الله تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يكون الا بِكَلَام ينزل عَلَيْهِ أَو بِكِتَاب يلقى إِلَيْهِ إِذْ الْمُرْسل لَيْسَ بمحسوس وَلَا ملموس وَمَا الذى يُؤمنهُ من أَن يكون الْمُخَاطب لَهُ ملكا اَوْ جنيا وَمَا ألْقى إِلَيْهِ لَيْسَ هُوَ من عِنْد الله تَعَالَى وَمَعَ هَذِه الِاحْتِمَالَات فقد وَقع شكه فِي رسَالَته وَامْتنع القَوْل الْجَزْم بنبوته ثمَّ إِن مَا يكلمهُ وَينزل عَلَيْهِ إِمَّا أَن يكون جرمانيا أَو روحانيا فَإِن كَانَ جرمانيا وَجب أَن يكون مشاهدا مرئيا وَإِن كَانَ روحانيا فَذَلِك مِنْهُ مُسْتَحِيل كَيفَ وَأَن مَا جَاءَ بِهِ لم يخل إِمَّا أَن يكون مدْركا بالعقول أَو غير مدرك بهَا فَإِن كَانَ الأول فَلَا حَاجَة إِلَى الرَّسُول بل الْبعْثَة تكون عَبَثا وسفها وَهُوَ قَبِيح فِي الشَّرْع وَإِن كَانَ الثانى فَمَا يأتى لَا يكون مَقْبُولًا لكَونه غير مَعْقُول فالبعثة على كل حَال لَا تفِيد
وَأَيْضًا فَإِن النُّفُوس الإنسانية كلهَا من نوع وَاحِد فَوَجَبَ أَن يسْتَقلّ كل مِنْهَا بدرك مَا أَدْرَكته الْأُخْرَى وَلَا تتَوَقَّف على من يحكم عَلَيْهَا فِيمَا تهتدى إِلَيْهِ وَمَا لَا تهتدى إِلَيْهِ فَإِن ذَلِك مِمَّا يقبح من الْحَكِيم عقلا وَمِمَّا يدل على الْعَبَث فِي بعثته تعذر الْوُقُوف على صدق مقَالَته فَإِن وجوب التَّصْدِيق لَهُ بِنَفس دَعْوَاهُ مَعَ ان الْخَبَر مَا يَصح دُخُول الصدْق وَالْكذب فِيهِ مُسْتَحِيل وَإِن كَانَ بِأَمْر خَارج إِمَّا بِأَن تقع المشافهة من الله تَعَالَى بتصديقه أَو باقتران أَمر مَا بقوله يدل على صدقه فَهُوَ أَيْضا مُسْتَحِيل إِذْ المشافهة من الله تَعَالَى بِالْخِطَابِ متعذرة وَلَو لم تكن متعذرة لاستغنى عَن الرَّسُول وَمَا يقْتَرن بقوله إِمَّا أَن يكون مَقْدُورًا لَهُ أَو لله تَعَالَى فَإِن كَانَ مَقْدُورًا لَهُ فَهُوَ أَيْضا مَقْدُور لنا فَلَا حجَّة لَهُ فِي صدقه وان كَانَ مَقْدُورًا لله تعإلى فإمَّا أَن يكون مُعْتَادا أَو غير مُعْتَاد فَإِن كَانَ مُعْتَاد فَلَا حجَّة فِيهِ أَيْضا وَإِن كَانَ غير مُعْتَاد بِأَن يكون خارقا للعادات فَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يدل على صدقه فِي دَعوته إِذْ هُوَ فعل الله تَعَالَى وَهُوَ مَشْرُوط بمشيئته وتخصصه مَنُوط بإرادته وَرُبمَا لَا يتَصَوَّر فِي جَمِيع الْحَالَات وَلَا يساعد فِي سَائِر الْأَوْقَات وَكم من نبى سَأَلَ إِظْهَار المعجزات فِي بعض الْأَوْقَات فَلم يتَّفق لَهُ مَا سَأَلَهُ فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَعَلَّ اقترانها بدعوته فِي بعض الاوقات كَانَ من قبيل الاتفاقات لَا بِقصد التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَقُوله وَالتَّحْقِيق لَهُ ثمَّ إِن كَانَ ظُهُور هَذِه الْآيَات واقترانها بقوله فِي بعض الْأَوْقَات دَلِيلا على
ات لَا بِقصد التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَقُوله وَالتَّحْقِيق لَهُ ثمَّ إِن كَانَ ظُهُور هَذِه الْآيَات واقترانها بقوله فِي بعض الْأَوْقَات دَلِيلا على
فَعدم اقترانها بِهِ فى بعض الْأَوْقَات دَلِيل على كذبه وَلَيْسَ أحد الْأَمريْنِ بِأولى من الآخر والذى يدل على ذَلِك أَنا ألفينا كل مُدع قد اباح مَا تحظره الْعُقُول مثل ذبح الْحَيَوَان وإيلامه وتسخيره وَمثل السعى بَين الصَّفَا والمروة وَالطّواف بِالْبَيْتِ وتقبيل الْحجر والعطش فى أَيَّام الصّيام وَالْمَنْع من الملاذ الَّتِى بهَا صَلَاح الْأَبدَان وَذَلِكَ كُله قَبِيح والقبيح لَا يَأْمر بِهِ الْحَكِيم فهم فِيمَا ادعوهُ كاذبون وَفِيمَا انتحوه متخرصون ثمَّ وَإِن قارنت لدعواه فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَلم تُوجد فى غَيرهَا من الْحَالَات فهى مِمَّا لَا تَمْيِيز فِيهَا عَن الكرامات وَالسحر والطلسمات وَغير ذَلِك من الْعُلُوم كالسحر والتنجيم من الْأَفْعَال العجيبة والأمور المعجزة الغريبة الَّتِى لَا وُقُوع لَهَا فى جَمِيع الاوقات وَلَا سَبِيل إِلَيْهَا فِي سَائِر الْحَالَات بل هى على نمط المعجزات والأمور الخارقة للعادات وَمَعَ جَوَاز أَن يكون مَا أَتَى بِهِ من هَذَا الْقَبِيل فَلَيْسَ على القَوْل بصدقه تعويل ثمَّ وان تميز مَا أَتَى بِهِ عَن هَذِه الْأَحْوَال وتجرد عَن هَذِه الْأَفْعَال فَلَا محَالة أَن من أصلكم جَوَاز انقلاب العوائد واطراد مَا لم يعْهَد وَعند اطرادها فَلَا يخفى أَنَّهَا تخرج عَن أَن تكون معْجزَة لكَونهَا لَا اخْتِصَاص لَهَا بِهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمَا الذى يؤمننا من اطراد معجزته وَعُمُوم وُقُوعهَا بعد تحديه بنبوته ثمَّ وَلَو قدر عدم اطرادها فَذَلِك أَيْضا مِمَّا لَا يدل على صَدَقَة بل لَعَلَّه كَاذِب فِي دَعوته والبارى تَعَالَى مُرِيد لضلالنا برسالته وَأَن مَا يَدْعُو اليه من الْخَيْر هُوَ عين الشَّرّ وَمَا ينْهَى
ل على صَدَقَة بل لَعَلَّه كَاذِب فِي دَعوته والبارى تَعَالَى مُرِيد لضلالنا برسالته وَأَن مَا يَدْعُو اليه من الْخَيْر هُوَ عين الشَّرّ وَمَا ينْهَى
عَنهُ من الشَّرّ هُوَ عين الْخَيْر فَإِنَّهُ لَا إِحَالَة فِيهِ على أصلكم حَيْثُ أحلتم كَون الْحسن والقبح ذاتيا ثمَّ وَإِن اسْتَحَالَ ذَلِك فى حق الله تَعَالَى فَلَا محَالة أَن الْعلم برسالة الرَّسُول وَالْقَوْل بتصديقه يتَوَقَّف على معرفَة وجود الْمُرْسل وَصِفَاته وَمَا يجوز عَلَيْهِ وَمَا لَا يجوز بتوسط الحادثات والكائنات والممكنات وَذَلِكَ كُله لَيْسَ هُوَ مِمَّا يَقع بديهة فَإِنَّهُ لَو خلى الانسان ودواعى نَفسه فِي مبدأ نشوئه من غير الْتِفَات إِلَى أَمر آخر لم يحصل لَهُ الْعلم بشئ من ذَلِك أصلا فَعِنْدَ إرْسَال الرَّسُول إِمَّا أَن يجوز للمرسل اليه النّظر والابتهال بالفكر وَالِاعْتِبَار بالعبر أَو لَا يجوز لَهُ ذَلِك فَإِن قيل بِالْجَوَازِ فَلَا يخفى أَن زمَان النّظر غير مُقَدّر بِقدر بل هُوَ مُخْتَلف باخْتلَاف الاحوال والاشخاص وتقلب أَحْوَالهم والاشتداد والضعف فِي أفهامهم وَذَلِكَ مِمَّا يفضى إِلَى تَعْطِيل النبى عَن التَّبْلِيغ لرسالاته وافحامه فِي دَعوته وَلَا فَائِدَة إِذْ ذَاك فى بعثته وَإِن لم يُمْهل فى النّظر فَذَلِك قَبِيح لَا محَالة من جِهَة أَنه كلفه التَّصْدِيق بِمَا لَا يُطيق أوجب عَلَيْهِ التَّقْلِيد والانقياد من غير دَلِيل إِلَى الِاعْتِقَاد وَذَلِكَ قَبِيح لَا تستحسنه الْعُقُول ثمَّ إِنَّه إِمَّا أَن يكون مُرْسلا إِلَى من علم الله أَنه لَا يُؤمن أَو لَا يكون مُرْسلا إِلَيْهِ فَإِن كَانَ مُرْسلا إِلَيْهِ فالعقاب على مُخَالفَته ظلم وَهُوَ قَبِيح من الحكم الْعدْل وزادت التناسخية على هَؤُلَاءِ فَقَالُوا الْأَفْعَال الانسانية إِن كَانَت على منهاج قويم وَسنَن مُسْتَقِيم ارْتَفَعت نفس فاعلها إِلَى الملكوت بِحَيْثُ تصير نَبيا أَو ملكا وَإِن كَانَت أَفعاله على منهاج أَفعَال
الْحَيَوَانَات والتشبه بالسفليات والانغماس فِي الرذائل والشهوات انحطت نَفسه إِلَى دَرَجَة الْحَيَوَانَات أَو أَسْفَل مِنْهَا وَهَكَذَا على الدَّوَام كلما انْقَضى عصر ودور وَلَيْسَ ثمَّ عَالم جَزَاء وَلَا حِسَاب وَلَا كتاب وَلَا حشر وَلَا عِقَاب وَذَلِكَ كُله مِمَّا عرف بالعقول على طول الدَّهْر فَلَا حَاجَة بالإنسان إِلَى من هُوَ مثله يحسن لَهُ فعلا أَو يقبح لَهُ فعلا إِذْ لَا يزَال فى فعل يجزى أَو فى جَزَاء على فعل وَهَكَذَا على الدَّوَام وَالطَّرِيق فِي الِانْفِصَال عَن كَلِمَات أهل الضلال أَن يُقَال أما مَا أشاروا إِلَيْهِ من تعذر علمه بمرسله فبعيد إِذْ لَا مَانع من أَن يُعلمهُ الْمُرْسل لَهُ أَنه هُوَ الله تَعَالَى وَذَلِكَ بِأَن يَجْعَل لَهُ على ذَلِك آيَات وَدَلَائِل ومعجزات بِحَيْثُ تتقاصر عَنْهَا قوى سَائِر الْحَيَوَانَات الْمَخْلُوقَات أَو بِأَن يكون مَا أنزل إِلَيْهِ وَألقى عَلَيْهِ يتَضَمَّن الْإِخْبَار عَن الغائبات والأمور الخفيات الَّتِى لَا يُمكن مَعْرفَتهَا إِلَّا لخالق البريات أَو بِأَن يخلق لَهُ الْعلم الضَّرُورِيّ بذلك إِن الله على كل شئ قدير وَلَيْسَ الْمَطْلُوب لهَذَا الشَّخْص من قبل الله تَعَالَى بمستحيل وَلَا نزُول الوحى
بِأَن يخلق لَهُ الْعلم الضَّرُورِيّ بذلك إِن الله على كل شئ قدير وَلَيْسَ الْمَطْلُوب لهَذَا الشَّخْص من قبل الله تَعَالَى بمستحيل وَلَا نزُول الوحى
إِلَيْهِ مَعَ الْأمين جِبْرِيل فَإِنَّهُ غير بعيد أَن تشمله الْعِنَايَة من المبدأ الأول بتكميل فطرته وتصفية جَوْهَر نَفسه وتنقيته بِحَيْثُ يتهيأ لقبُول هَذِه الْأَسْرَار ويستعد لدرك هَذِه الْأَنْوَار فَيرى مَلَائِكَة الله على صور مُخْتَلفَة وَيسمع وحيها وحدة دون غَيره من الْحَاضِرين وَيخْتَص بِهِ دونهم أَجْمَعِينَ إِن الله تَعَالَى ﴿يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾ وَلَيْسَ مَا يرَاهُ النبى من اخْتِلَاف صور الْملك لتبدل حَقِيقَته أَو لتبدل صورته وشكله بل الذى يظْهر أَنَّهَا أنوار روحانية وجواهر عقلية تظهر فى الخيال على اخْتِلَاف تِلْكَ الأشكال وَيكون تعلقهَا بِهِ فى ضرب الْمِثَال على نَحْو تعلق الْأَنْفس الناطقة بالأبدان فَإِذا اشْتَدَّ صفاء نَفسه بِحَيْثُ صَارَت مُتَّصِلَة بعالم الْغَيْب انطبعت تِلْكَ الأشكال فِي الْقُوَّة الخيالية وارتقمت فِيهَا تِلْكَ الكمالات اللاهوتية ثمَّ انطبع مَا حصل فى الخيال من الإدراكات الظَّاهِرَة فِي الْحَواس الْبَاطِنَة فَإِذا ذَاك يرى من الْأَشْخَاص والصور وَيسمع من الْأَصْوَات مَا تتقاصر عَن الْإِحَاطَة بِهِ قوى الْبشر فَمَا يرَاهُ من الصُّور هى مَلَائِكَة الله وَمَا يسمعهُ من الْكَلَام هُوَ كَلَام الله ووحيه الموحى بِهِ إِلَيْهِ وَأقرب مِثَال يقربهُ الى الذِّهْن ويصوره فى الْوَهم مَا نشاهده فى بعض النَّاس فَإِنَّهُ قد يقل شواغله الْبَدَنِيَّة وينصرف عَن اشْتِغَاله بمتعلقات حواسه الظَّاهِرَة بِسَبَب يبوسة تغلب على مزاجه أَو لأمر مَا بِحَيْثُ يصير كالمبهوت وَحِينَئِذٍ قد يرى من الصُّور وَيسمع من الْأَصْوَات حسب مَا يرَاهُ النَّائِم فى مَنَامه وَإِن كَانَ مستيقظا بل وَمثل هَذَا قد وجد لبَعض المرضى والمصروعين وَبَعض المتكهنين وَالْمَقْصُود من هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّقْرِيب بالمثال وَإِلَّا فَهَذِهِ صفة نقص وَالْأولَى صفة تَمام وَكَمَال
ض المرضى والمصروعين وَبَعض المتكهنين وَالْمَقْصُود من هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّقْرِيب بالمثال وَإِلَّا فَهَذِهِ صفة نقص وَالْأولَى صفة تَمام وَكَمَال وَمَا أُشير إِلَيْهِ من الشُّبْهَة الثَّانِيَة فمندفعة وَذَلِكَ أَنه لَا مَانع من أَن يرد النبى بِمَا هُوَ فِي نَفسه مَعْقُول وَيكون تحذيره وترغيبه تَأْكِيدًا وَيكون ذَلِك بِمَثَابَة إِقَامَة أَدِلَّة مُتعَدِّدَة
الْمَدْلُول وَاحِد وَهُوَ لَا يُسمى عَبَثا كَيفَ وَإِنَّا قد بَينا ان الْعَبَث والقبح منفى عَن وَاجِب الْوُجُود فِي جَمِيع افعاله ثمَّ نقُول إِن الرَّسُول لَا يأتى إِلَّا بِمَا لَا تستقل بِهِ الْعُقُول بل هى متوقفة فِيهِ على الْمَنْقُول وَذَلِكَ كَمَا فِي مسالك الْعِبَادَات ومناهج الديانَات والخفى مِمَّا يضر وينفع من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَغير ذَلِك مِمَّا تتَعَلَّق بِهِ السَّعَادَة والشقاوة فى الأولى وَالْأُخْرَى وَتَكون نِسْبَة النبى إِلَى تَعْرِيف هَذِه الْأَحْوَال كنسبة الطَّبِيب إِلَى تَعْرِيف خَواص الادوية والعقاقير الَّتِى يتَعَلَّق بهَا ضَرَر الْأَبدَان ونفعها فَإِن عقول الْعَوام قد لَا تستقل بدركها وَإِن عقلتها عِنْدَمَا يُنَبه الطَّبِيب عَلَيْهَا وكما لَا يُمكن الِاسْتِغْنَاء عَن الطَّبِيب فِي تَعْرِيف هَذِه الْأُمُور مَعَ أَنه قد يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهَا والتوصل بطول التجارب إِلَيْهَا لما يفضى إِلَيْهِ من الْوُقُوع فِي الْهَلَاك والأضرار لخفاء المسالك فَكَذَلِك النبى وَبِهَذَا التَّحْقِيق ينْدَفع مَا وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ من الشُّبْهَة الثَّالِثَة أَيْضا فَإِن قيل إِن تَخْصِيص هَذَا الشَّخْص بالتعريف دون غَيره من نَوعه ميل إِلَيْهِ وحيف على غَيره وَهُوَ قَبِيح قُلْنَا فعلى هَذَا يلْزم التَّسْوِيَة بَين الْخَلَائق فى أَحْوَالهم وَألا تفَاوت بَين أفعالهم بِحَيْثُ لَا يكون هَذَا عَالما وَهَذَا جَاهِلا وَلَا هَذَا زَمنا وَهَذَا مَاشِيا وَلَا هَذَا أعمى وَهَذَا بَصِير إِلَى غير ذَلِك من أَنْوَاع التَّفَاوُت فِي الكمالات وَحُصُول الملاذ والشهوات وَإِلَّا عد
ذَلِك مِنْهُ قبيحا وَهُوَ محَال لكنه وَاقع فَإِذا مَا هُوَ الِاعْتِذَار هَهُنَا للخصم هُوَ الِاعْتِذَار بِعَيْنِه لنا فِي محز الْخلاف وَأما مَا ذَكرُوهُ من تعذر الْوُقُوف بالعقول على صدق الرَّسُول فتصريح بتعجيز الله تَعَالَى عَن تَصْدِيق من اصطفاه ونبأه واتخذه وَسِيلَة إِلَى إصْلَاح نظام الْخلق بالإرشاد إِلَى السَّبِيل الْحق ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ بل من لَهُ الْخلق وَالْأَمر وَله التَّصَرُّف فى عباده بالبذل وَالْمَنْع والشطر وَالْجمع كَمَا كَانَ قَادِرًا على تَعْرِيف الْخَلَائق بِنَفس ربوبيته والتصديق بإلهيته قَادر على أَن يعرفهُمْ صدق من اصطفاه واجتباه لحمل أَمَانَته إِمَّا بِأَن يخلق لَهُم علما ضَرُورِيًّا بذلك أَو بالإخبار عَن كَونه رَسُولا كَمَا قَالَ تَعَالَى فى حق آدم للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ وَلَا يلْزم من تصور الْخطاب من الْمُرْسل الِاسْتِغْنَاء عَن الرَّسُول فَإِن ذَلِك حجر وتحكم على الْحَاكِم فى مَمْلَكَته وَهُوَ خلاف الْمَعْقُول بل لله تَعَالَى أَن يصطفى من عباده ﴿الله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾ وَقد يكون التَّعْرِيف للصدق بِإِظْهَار المعجزات على يَد مدعى النبوات على وَجه تدين لَهُ الْعُقُول السليمة بالإذعان وَالْقَبُول وَذَلِكَ أَنه إِذا قَالَ أَنا رَسُول وَآيَة صدقى فِي قولى إتيانى بِمَا لَا تَسْتَطِيعُونَ الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعْضكُم لبَعض ظهيرا من إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص وشق الْبَحْر وقلب الْعَصَا حَيَّة وَغير ذَلِك من الْآيَات فَإِذا مَا ظهر ذَلِك على يَده مُقَارنًا لدعوته قطع كل عقل سليم ولب مُسْتَقِيم بتصدقيه فى قَوْله وتحقيقه وأذعن إِلَى اتِّبَاعه وتقليده إِذْ الْعقل الصَّرِيح يقْضى بِأَن ظُهُور الخارق للْعَادَة مُقَارنًا لدعوته وَعجز النَّاس عَن معارضته مَعَ توفر دواعيهم على
ن إِلَى اتِّبَاعه وتقليده إِذْ الْعقل الصَّرِيح يقْضى بِأَن ظُهُور الخارق للْعَادَة مُقَارنًا لدعوته وَعجز النَّاس عَن معارضته مَعَ توفر دواعيهم على
مُقَابلَته وإفحامه فى رسَالَته ينْهض دَلِيلا قَاطعا على صدق مقَالَته وَإِظْهَار البارى تَعَالَى ذَلِك على يَده مُقَارنًا لدعوته ينزل منزلَة الْخطاب إِنَّه رَسُول وَإنَّهُ صَادِق فِيمَا يَقُوله إِذْ لَو كَانَ ذَلِك اتِّفَاقًا لما وَقع على وفْق إخْبَاره وعَلى حسب إيثاره واختياره إِذْ هُوَ مُمْتَنع بِالنّظرِ إِلَى الاستحالة العادية وَلَا سِيمَا إِن وَقع ذَلِك مِنْهُ متكررا وَلَيْسَ ذَلِك فى ضرب الْمِثَال إِلَّا كَمَا لَو كَانَ بعض الْمُلُوك جَالِسا فى رتبته قَاعِدا على سَرِير مَمْلَكَته وَالنَّاس مجتمعون لخدمته قيَاما فى طَاعَته فَقَامَ وَاحِد من عرض النَّاس وَقَالَ يأيها النَّاس إنى رَسُول هَذَا الْملك إِلَيْكُم بِكَذَا وَكَذَا وَآيَة صدقى على ذَلِك أَنى إِذا طلبت مِنْهُ أَن يقوم ثَلَاث مَرَّات أَو يُحَرك كَفه أَو يَده مثلا فعل وَلَو أَرَادَ وَاحِد مِنْكُم لم يجد إِلَيْهِ سَبِيلا فَإِنَّهُ إِذا أَتَى لَهُ بذلك لم يتمار أحد من الْحُضُور وَلَا يداخله شكّ أَو فتور أَنه صَادِق فِيمَا ادَّعَاهُ حقيق فِيمَا أَتَاهُ والذى يُؤَكد ذَلِك إِسْنَاد تَصْدِيقه إِلَى مُتَوَقف على مَشِيئَة البارى تَعَالَى وإرادته دون مَشِيئَته هُوَ إِرَادَته سرعَة اقترانها بدعوته وَإِلَّا فَلَو كَانَت المعجزة مستندة إِلَى حوله وقوته لم ينتهض من ذَلِك دَلِيل على كَونه رَسُول رب الْعَالمين فَإِنَّهُ لم ينزل اقتران المعجزة بِدَعْوَاهُ منزلَة التَّصْدِيق لَهُ من الله تَعَالَى كَمَا إِذا كَانَت المعجزة من خلق الله وَفعله وداخلة تَحت مَشِيئَته وَحَوله والمكابر لذَلِك جَاحد لما أنعم الله عَلَيْهِ من الْعقل السنى والنطق النفسانى
مَا إِذا كَانَت المعجزة من خلق الله وَفعله وداخلة تَحت مَشِيئَته وَحَوله والمكابر لذَلِك جَاحد لما أنعم الله عَلَيْهِ من الْعقل السنى والنطق النفسانى وَبعد مَا تقترن المعجزة بِدَعْوَاهُ على سَبِيل مَا يجريه الله وَيثبت صدقه فى ذَلِك بطرِيق الْعلم بِنَاء على مَا احتفت بِهِ من الْقَرَائِن الظَّاهِرَة والدلائل الباهرة فَلَا ينتهض عدمهَا بعد ذَلِك دَلِيلا على كذبه وإبطاله رسَالَته وَإِلَّا لوَجَبَ أَن يَنْقَلِب الْعلم جهلا
وَذَلِكَ محَال وَلَيْسَ انْتِفَاء دَلِيل الْإِثْبَات فى بعض الْأَوْقَات دَلِيلا على إِيجَاب النفى بِخِلَاف دلَالَته فى حَالَة الْإِثْبَات فَلَا تعَارض وَعَلَيْك بمراعاة هَذِه الدقيقة وَالْإِشَارَة إِلَى هَذِه الْحَقِيقَة فَإِن قيل تعلق الْعلم بِتَصْدِيق مثل هَذَا فِي الشَّاهِد ينبنى على قَرَائِن الْأَحْوَال كالأفعال والأقوال من الْمُرْسل وَذَلِكَ مِمَّا يتَعَذَّر الْوُقُوف عَلَيْهِ فِي حق الْغَائِب فَلَا يَصح التَّمْثِيل ثمَّ وَإِن صَحَّ ذَلِك فى حق الْغَائِب وَأَن ذَلِك نَازل مِنْهُ منزلَة التَّصْدِيق بالْقَوْل لَكِن ذَلِك إِنَّمَا يدل على صدقه أَن لَو اسْتَحَالَ الْكَذِب فى حكم الله تَعَالَى وَذَلِكَ إِمَّا أَن يدْرك بِالْعقلِ أَو السّمع لَا سَبِيل إِلَى القَوْل باستحالته عقلا إِذْ قد منعتم أَن يكون الْحسن والقبح ذاتيا وَلَا سَبِيل إِلَى إِدْرَاكه بِالسَّمْعِ إِذْ السّمع مُتَوَقف على صِحَة النُّبُوَّة متوقفة على اسْتِحَالَة الْكَذِب فى حكم الله فَلَو توقف ذَلِك على السّمع كَانَ دورا مُمْتَنعا
ه بِالسَّمْعِ إِذْ السّمع مُتَوَقف على صِحَة النُّبُوَّة متوقفة على اسْتِحَالَة الْكَذِب فى حكم الله فَلَو توقف ذَلِك على السّمع كَانَ دورا مُمْتَنعا قُلْنَا الْمَقْصُود من ضرب الْمِثَال لَيْسَ إِلَّا تقريب الصُّور من الخيال وَإِلَّا فالعلم بِصدق المتحدى بِالنُّبُوَّةِ عِنْد اقتران المعجز الخارق للْعَادَة بِدَعْوَاهُ وَاقع لكل عَاقل بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ إِذا قَالَ أَنا رَسُول خَالق الْخلق إِلَيْكُم ويعضد ذَلِك بِمَا يعلم أَنه لَا يقدر على إيجاده أحد من المخلوقين وَلَا يتَمَكَّن من إحداثه شئ مَا الحادثات علم أَن مبدعه وصانعه لَيْسَ إِلَّا مبدع الْعَالم وصانعه وَذَلِكَ عِنْد كل لَبِيب أريب منزل منزلَة التَّصْدِيق لَهُ بالْقَوْل على نَحْو مَا ضَرَبْنَاهُ من الْمِثَال وَمن جرد نظره إِلَى هَذَا الْقدر من الِاسْتِدْلَال فِي الشَّاهِد أَيْضا وجد من نَفسه أَن الْمُدعى صَادِق فى الْمقَال وَإِن قطع النّظر عَن قَرَائِن الْأَحْوَال
وَلِهَذَا فَإِن من كَانَ غَائِبا من مجْلِس الْملك وَلم يُشَاهد عَرْشه وَلَا حَالَة من الْأَحْوَال لَو نظر إِلَى مُجَرّد هَذَا أوجب ذَلِك عِنْده التَّصْدِيق وَالتَّحْقِيق من غير الْتِفَات إِلَى شئ غَيره وَأما مَا ذَكرُوهُ فى تطرق الْكَذِب إِلَى حكم الله تَعَالَى فتهويل لَيْسَ عَلَيْهِ تعويل لَكِن من الاصحاب من قَالَ فى الْجَواب إِن إِثْبَات الرسَالَة مِمَّا لَا يفْتَقر إِلَى نفى الْكَذِب عَن الله تَعَالَى فى حَالَة الْإِرْسَال فَإِنَّهُ لَا يتَوَقَّف تَصْحِيح الرسَالَة على الْإِخْبَار بِأَنَّهُ رَسُول فى الماضى حَتَّى يَصح أَن يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب بل إظهارالمعجزة على يَده واقترانها بدعوته ينزل منزلَة الْإِنْشَاء لذَلِك وَالْأَمر بِهِ وَجعله رَسُولا فى الْحَال وَهُوَ كَقَوْل الْقَائِل وَكلتك فى أمرى واستنبتك فى أشغالى وَذَلِكَ مِمَّا لَا يستدعى تَصْدِيقًا وَلَا تَكْذِيبًا وَهُوَ غير مرضى فَإِن المعجزة لَو ظَهرت على يَد شخص لم يسْبق مِنْهُ التحدى لم تكن آيَة فِي النُّبُوَّة وَلَا دَلِيلا لَهُ فى الرسَالَة إِجْمَاعًا فَلَو كَانَ ظُهُور المعجزة على يَده ينزل منزلَة الْإِنْشَاء للرسالة وَالْأَمر بالبعثة لوَجَبَ أَن يكون مثل هَذَا هُنَا وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِذا لم يكن بُد من القَوْل بالتحدى علم أَن ذَلِك لَيْسَ ينزل منزلَة الانشاء الْمُطلق بل لَا بُد فِيهِ من الْخَبَر لتصديقه فِيمَا أخبر بِهِ أَنه نبى وَرَسُول لضَرُورَة اشْتِرَاط التحدى سَابِقًا والتصديق بذلك وَالْعلم بِهِ مَعَ قطع النطر عَن بَيَان اسْتِحَالَة الْكَذِب فِي حق الله تَعَالَى محَال والذى يخمد تأثره هَذَا الْإِشْكَال وَيقطع دابر هَذَا الخيال وَإِن كَانَ عِنْد الْإِنْصَاف فى التَّحْقِيق عويصا هُوَ أَن يُقَال إِن القَوْل باستحالة الْكَذِب فى حق الله تَعَالَى مِمَّا لَا يسْتَند إِلَى سمع وَلَا إِلَى التحسين والتقبيح وَإِن حصر مدرك ذَلِك فِي هذَيْن بَاطِل بل الْمدْرك فى ذَلِك أَن يُقَال قد ثَبت كَون البارى تَعَالَى عَالما متكلما
ى سمع وَلَا إِلَى التحسين والتقبيح وَإِن حصر مدرك ذَلِك فِي هذَيْن بَاطِل بل الْمدْرك فى ذَلِك أَن يُقَال قد ثَبت كَون البارى تَعَالَى عَالما متكلما
وَأَن كَلَامه فى نَفسه وَاحِد وَذَلِكَ لَا يقبل الصدْق وَالْكذب وَإِنَّمَا يقبل ذَلِك من جِهَة كَونه خَبرا والخبرية لَهُ من جِهَة مُتَعَلّقه لَا غير فَلَو تعلق خَبره بشئ مَا على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ لم يخل إِمَّا أَن يكون ذَلِك فى حَالَة الْغَفْلَة والذهول أَو مَعَ الْعلم بِهِ فَإِن كَانَ مَعَ الْغَفْلَة فَيلْزم مِنْهُ إبِْطَال الدَّلِيل الْقَاطِع على كَونه عَالما وَإِن كَانَ ذَلِك مَعَ الْعلم بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا محَالة ان تعلق الْخَبَر بِمَا هُوَ مَعْلُوم غير مُسْتَحِيل بل وَاجِب على نَحْو تعلق الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة بمتعلقاتها كَمَا بَيناهُ وَعند ذَلِك فَلَو تعلق الْخَبَر بالمعلوم على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ لم يخل إِمَّا أَن يَصح تعلق الْخَبَر بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ أَو لَا يَصح فَإِن لم يَصح فَهُوَ محَال وَإِن صَحَّ لزم مِنْهُ جَوَاز تعلق الْخَبَر بشئ وَاحِد على مَا هُوَ بِهِ وعَلى خلاف مَا هُوَ بِهِ وَهُوَ محَال إِذْ الْخَبَر يستدعى مخبرا عَنهُ إِذْ الْخَبَر وَلَا مخبر محَال وَإِذا استدعى مخبرا فَالْوَاجِب أَن يكون متصورا فى نَفسه فَإِن تعلق الْخَبَر بمخبر غير مُتَصَوّر نَازل منزلَة الْخَبَر وَلَا مخبر وَعند ذَلِك فَلَا يخفى أَن الْمخبر عَنهُ هَهُنَا غير مُتَصَوّر إِذْ الْجمع بَين الشئ ونقيضه محَال فَلَا يتَصَوَّر أَن يقوم بِنَفس الْقَائِل الْإِخْبَار عَنهُ فَلَو تعلق خبر البارى تَعَالَى بالشئ على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ للَزِمَ مِنْهُ هَذَا الْمحَال وَهُوَ مُمْتَنع وَهَذَا ظَاهر لَا مراء فِيهِ وَلَا شُبْهَة أَو ظن يَعْتَرِيه وَإِذا ثَبت امْتنَاع قيام الْخَبَر الْكَاذِب بِنَفس البارى وَأَن إِظْهَار المعجزة على يَد النبى نَازل منزلَة الْإِخْبَار بالتصديق فَلَو لم تكن دَالَّة على وفْق مَا قَامَ بِالنَّفسِ من الْخَبَر الصَّادِق وَإِلَّا لما كَانَت نازلة منزلَة التَّصْدِيق وَهُوَ مُمْتَنع لما سبق
التصديق فَلَو لم تكن دَالَّة على وفْق مَا قَامَ بِالنَّفسِ من الْخَبَر الصَّادِق وَإِلَّا لما كَانَت نازلة منزلَة التَّصْدِيق وَهُوَ مُمْتَنع لما سبق وَأما مَا ذَكرُوهُ من جَوَاز اطرادها وإظهارها على يَد غَيره أَو يَده فَذَلِك مِمَّا لَا يقْدَح فى دلالتها على صدقه وَأَن اقترانها بدعوته وهى من قبيل الخوارق للعادات نَازل منزلَة التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَقُوله ويتحدى بِهِ بِحَيْثُ تركن النُّفُوس إِلَيْهِ وتطمئن الْقُلُوب بِمَا دَعَا إِلَيْهِ من غير مداخلة شكّ وَلَا ريب فَإِنَّهُ لم يتحد بِأَن معجزته مِمَّا لَا تطرد
وَلَا مِمَّا لَا تظهر على يَد غَيره وَإِنَّمَا تحدى بِمَا هُوَ الخارق واقترانه بدعوته ووقوعه على وفْق مقَالَته وإرادته وَذَلِكَ كَمَا إِذا قَالَ أَنا رَسُول وَآيَة صدقى نزُول الْمَطَر فى هَذِه الْحَالة وَلَيْسَ ثمَّ غيم وَلَا تصاعد أبخرة وَلَا عَلامَة دَالَّة على نزُول الْمَطَر فَإِنَّهُ إِذا نزل الْمَطَر كَانَ ذَلِك آيَة صدقه من حَيْثُ وُقُوعه على وفْق مقَالَته وَعدم دُخُوله تَحت قدرته وَإِن كَانَ نزُول الْمَطَر فى نَفسه لَيْسَ بخارق وَلَا نَادِر وَكَذَلِكَ الْكَلَام فى حق كل من ظهر هَذَا الخارق على يَدَيْهِ مقترنا بالتحدى فَإِنَّهُ يجب القَوْل بتصديقه فِي قَوْله والأجابة لدعوته نعم ان تصور مِنْهُ التحدى والإخبار بِأَن آيَة صدقه أَن مَا ظهر على يَده لَا يظْهر على يَد غَيره فَإِن معجزته لَا تتمّ إِلَّا بِعَدَمِ ظُهُور ذَلِك إِلَّا على يَده إِذْ الإعجاز لَيْسَ إِلَّا فِيهِ فَإِن ظهر على يَد غَيره فَإِن ذَلِكُم لَا يكون آيَة على صدقه بل يتَبَيَّن بِهِ كذبه فى مقَالَته وَأما الْإِشَارَة إِلَى عدم تَمْيِيز المعجزة عَن الكرامات وَالسحر والطلسمات وَغير ذَلِك من الامور العجيبات فَالْجَوَاب الإجمالى فِيهِ هُوَ أَن ادِّعَاء أَن كل مَقْدُور لله تَعَالَى مِمَّا يُمكن تَأتيه بِهَذِهِ الْأُمُور مِمَّا يعلم بُطْلَانه بِالضَّرُورَةِ فَإِن أحدا من الْعُقَلَاء لَا يجوز انْتِهَاء السحر والطلسم وَغَيره من الصَّنَائِع إِلَى فلق الْبَحْر وإحياء الْمَيِّت وإبراء الاكمه والأبرص وَإِن قيل بالتفاوت فقد جوز من جِهَة الْعقل تصور تَصْدِيق للرسول بِمَا لَا يَتَأَتَّى من السحر وَلَا بِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا وَقع مقصودنا هَهُنَا وَلَيْسَ تشوفنا إِلَّا للْفرق من جِهَة التَّفْصِيل فيسدعى ذَلِك تَحْقِيق المعجزة وَبَيَان خواصها الَّتِى لَا يشاركها فِيهَا غَيرهَا فَنَقُول
هَهُنَا وَلَيْسَ تشوفنا إِلَّا للْفرق من جِهَة التَّفْصِيل فيسدعى ذَلِك تَحْقِيق المعجزة وَبَيَان خواصها الَّتِى لَا يشاركها فِيهَا غَيرهَا فَنَقُول
المعجز فى الْوَضع مَأْخُوذ من الْعَجز وَهُوَ فى الْحَقِيقَة لَا يُطلق على غير البارى تَعَالَى لكَونه خَالق الْعَجز وَإِن سمينا غَيره معجزا كَمَا فى فلق الْبَحْر وإحياء الْمَوْتَى فَذَلِك إِنَّمَا هُوَ بطرِيق التَّجَوُّز والتوسع من كَونه سَبَب ظُهُور الإعجاز وَهُوَ الإنباء عَن امْتنَاع الْمُعَارضَة لَا الانباء عَن الْعَجز عَن الْإِتْيَان بِمثل تِلْكَ المعجزة كَمَا يتوهمه بعض النَّاس فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يتَصَوَّر الْعَجز عَنهُ حَقِيقَة فَإِن دخلت تَحت قدرته فالعجز عَمَّا لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة ايضا مُمْتَنع فَإِن قيل إِنَّه معجوز عَنهُ فَلَيْسَ إِلَّا بطرِيق التَّوَسُّع لَا غير وَأما حَقِيقَة المعجزة فهى كل مَا قصد بِهِ ظِهَار صدق المتحدى بِالنُّبُوَّةِ الْمُدعى للرسالة فعلى هَذَا لَا يجوز أَن تكذب الرَّسُول كَمَا إِذا قَالَ أَنا رَسُول وَآيَة صدقى أَن ينْطق الله يدى فَلَو نطقت يَده قائلة إِنَّه كَاذِب فِيمَا يَدعِيهِ لم يكن ذَلِك آيَة على صدقه لَكِن شَرط ذَلِك أَن المكذب مِمَّا يَقع فى جنسه خرق الْعَادة كَمَا ذَكرْنَاهُ من الْمِثَال وَأما إِن كَانَ غير خارق للْعَادَة فَلَا وَذَلِكَ كَمَا إِذا قَالَ آيَة صدقى إحْيَاء هَذَا الْمَيِّت فأحياه الله وَهُوَ ينْطق بتكذيبه فَإِنَّهُ لَا يكون ذَلِك تَكْذِيبًا بل الْوَاجِب تَصْدِيقه من جِهَة أَن الْإِحْيَاء خارق وَكَلَام مثل ذَلِك إِذا كَانَ حَيا غير خارق بِخِلَاف الْيَد وَبِه يتَبَيَّن ضعف من لم يفرق بَين الصُّورَتَيْنِ من الْأَصْحَاب وَلَا يجوز أَن تكون صفة قديمَة وَلَا مخلوقة للرسول وَلَا عَامَّة الْوُقُوع بِحَيْثُ يستوى فِيهَا الْبر والفاجر وَلَا أَن تكون مُتَقَدّمَة على دَعْوَاهُ بأنى رَسُول وآيتى مَا ظهر على يدى
مخلوقة للرسول وَلَا عَامَّة الْوُقُوع بِحَيْثُ يستوى فِيهَا الْبر والفاجر وَلَا أَن تكون مُتَقَدّمَة على دَعْوَاهُ بأنى رَسُول وآيتى مَا ظهر على يدى
سَابِقًا وَلَا مُتَأَخِّرًا عَنْهَا الا أَن تكون وَاقعَة على مَا يخبر بِهِ عَنْهَا بِأَن يَقُول آيَة صدقى ظُهُور الشئ الفلانى فى وَقت كَذَا على صفة كَذَا فَإِن المعجزة إِنَّمَا تدل على الصدْق من حَيْثُ إِنَّهَا تنزل منزلَة الْخطاب بالتصديق وَذَلِكَ لَا يتم عِنْد تحقق هَذِه الامور كَمَا لَا يخفى بل لَا بُد وَأَن تكون خارقة للْعَادَة مقترنه بالتحدى غير مكذبة لَهُ وَلَا مُتَقَدّمَة عَلَيْهِ وَلَا مُتَأَخِّرَة عَنهُ إِلَّا كَمَا حققناه وَلَا يشكك فى منع تقدم المعجزة على التحدى أَن يَقُول آيَة صدقى أَن فى هَذَا الصندوق المغلق كَذَا على كَذَا مَعَ سبق علمنَا بخلوه عَمَّا اخبر بِهِ فانه إِذا ظهر وَإِن جَازَ أَن يكون مخلوقا لله قبل التحدى فَلَيْسَ الإعجاز فى وجوده وَإِنَّمَا هُوَ فى إخْبَاره بِالْغَيْبِ وَإِذا عرفت مَا حققناه من المعجزة وَوُجُود شرائطها فَمَا سواهَا من الْأَفْعَال إِن لم يكن خارقا للْعَادَة فَلَا إِشْكَال وَإِن كَانَ خارقا للْعَادَة فإمَّا أَن يكون ذَلِك على يدى نبى أَو غير نبى فَإِن كَانَ نَبيا فَلَا إِشْكَال أَيْضا وَإِن كَانَ غير نبى بِأَن يكون وليا أَو ساحرا أَو كَاهِنًا أَو غير ذَلِك فد اخْتلفت أجوبة الْمُتَكَلِّمين هَهُنَا فَذَهَبت الْمُعْتَزلَة وَبَعض الْأَصْحَاب إِلَى منع جَوَاز ذَلِك على يدى من لَيْسَ بنبى وَقَالُوا لَو جَازَ ظُهُور مثل ذَلِك على يدى من لَيْسَ بنبى أفْضى ذَلِك إِلَى تَكْذِيب النبى وافترائه وَألا نَعْرِف النبى من غَيره ولجوزنا فى وقتنا هَذَا وُقُوع مَا جرى على أيدى الانبياء من قبلنَا وَذَلِكَ يُوجب لنا التشكك الأن فى كَون الْبَحْر منفلقا وانقلاب الْمَوْتَى أَحيَاء وَذَلِكَ مِمَّا لَا يستريب فى إِبْطَاله عَاقل
وَأما أهل التَّحْقِيق فَلم يمنعوا من جَوَاز إِجْرَاء مثل ذَلِك على يدى من لَيْسَ بنبى لَكِن مِنْهُم من قَالَ إِن ذَلِك لَا يَقع إِلَّا من غير إِيثَار وَاخْتِيَار بِخِلَاف المجزة وَذَلِكَ كُله مِمَّا لَا نرتضيه فَإِنَّهُ مَا من أَمر يقدر من الْأَفْعَال الخارقة وَغير الخارقة إِلَّا وَهُوَ مَقْدُور لله تَعَالَى أَن يظهره على يدى من شَاءَ من عباده على حسب إيثارة واختيارة وإنكار ذَلِك يجر إِلَى التَّعْجِيز وَإِبْطَال كَون الْفِعْل مَقْدُور لله تَعَالَى وَهُوَ مُسْتَحِيل ثمَّ كَيفَ يُنكر وُقُوع مثل ذَلِك مَعَ اشتهار مَا جرى من قصَّة أَصْحَاب الْكَهْف وأمى مُوسَى وَعِيسَى وَمَا تمّ لَهما من الْآيَات الغريبة والأمور العجيبة الَّتِى لم تجر الْعَادة بِمِثْلِهَا وَلم يَكُونُوا أَنْبيَاء إِجْمَاعًا بل وَمَا جرى للسحرة فِي أَيَّام جرجيس ومُوسَى ﵉ وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يفضى إِلَى تَكْذِيب النبى إِذْ لَيْسَ شَرط المعجزة إِلَّا يُؤْتى بِمِثْلِهَا وَإِلَّا لما جَازَ أَن يأتى النبى بِمَا أَتَى بِهِ الأول وَهُوَ خلاف المذهبين بل شَرطهَا أَن تقع موقع التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَدعِيهِ كَمَا سلف وَمَا ذَكرُوهُ من تَجْوِيز انخراق الْعَادَات فى زمننا فَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَحِيل بِالنّظرِ إِلَى الْعَادَات لَا بِالنّظرِ إِلَى العقليات كَمَا سبق تَحْقِيقه فَإِذا الْفرق المرضى لَيْسَ إِلَّا فى أَن المعجزة وَاقعَة على وفْق الدَّعْوَى دون غَيرهَا من الْأَفْعَال وَلَا افْتِرَاق بَينهمَا فى الْجَوَاز العقلى اَوْ فى غير ذَلِك
ى لَيْسَ إِلَّا فى أَن المعجزة وَاقعَة على وفْق الدَّعْوَى دون غَيرهَا من الْأَفْعَال وَلَا افْتِرَاق بَينهمَا فى الْجَوَاز العقلى اَوْ فى غير ذَلِك
لم يبْق إِلَّا قَوْلهم إِن الاضلال على الله تَعَالَى جَائِز وَإِظْهَار المعجزة على يَد الْكَاذِب جَائِز أَيْضا وَذَلِكَ أَيْضا مَوضِع إِشْكَال وَقد أجَاب عَنهُ بعض الْأَصْحَاب فَقَالَ لَو توقف الْعلم بتصديقه على الْعلم بِكَوْن الْمُصدق لَهُ غير قَاصد للإغواء وعَلى كَونه غير كَاذِب لوَجَبَ أَن من حضر مجْلِس الْملك وَقد قَامَ فِيهِ وَاحِد من عرض النَّاس فَادّعى الرسَالَة وَوَقعت المعجزة لَهُ من الْملك على النَّحْو الْمَفْرُوض أَلا يحصل لَهُ الْعلم بصدقه مَعَ قطع النّظر عَن كَون الْملك غير قَاصد للإغواء وَذَلِكَ مُخَالف للضَّرُورَة ومكابر للبديهة وَفِيه نظر فَإِذا السَّبِيل فى الِانْفِصَال عَن هَذَا الخيال أَن يُقَال قد بَينا أَن إِظْهَار المعجزة على يَده فى مقرن دَعْوَاهُ وحصولها على وفْق مقَالَته ينزل منزلَة التَّصْدِيق بالْقَوْل إِنَّك صَادِق فِيمَا تَقول فَلَو كَانَ الرَّسُول كَاذِبًا لَكَانَ الْمُصدق لَهُ كَاذِبًا وَقد بَينا اسْتِحَالَة ذَلِك فى حق الله تَعَالَى فَهَذَا مَعَ تَقْرِير القَوْل بِأَن مَقْصُوده إِنَّمَا هُوَ الإغواء وإلقاء النَّاس فى المضال والأهواء جمع بَين النقيضين وَذَلِكَ أَنه إِذا ثَبت اسْتِحَالَة الْكَذِب فى حق الله تَعَالَى وَأَن إِظْهَار المعجزة على يَده دَلِيل على تَصْدِيقه فى رسَالَته اسْتَحَالَ كَونه كَاذِبًا مِمَّا لَا معنى لَهُ إِلَّا أَنه رَسُول وَالْجمع بَين كَونه كَاذِبًا أى لَيْسَ برَسُول وَبَين مَا يدل على انه رَسُول مُسْتَحِيل قطعا



