— Bagian 7 · وَالْجَوَاب —
Bagian 7
وَالْجَوَاب أما وُقُوع الْأَفْعَال على حسب الدواعى والأغراض فَذَلِك مِمَّا لَا يدل على صَلَاحِية الْقُدْرَة الْحَادِثَة للإيجاد إِذْ الْخلَل لائح فِي خلاله والزلل وَاقع فى أرجائه من حَيْثُ إِن الْأَشْيَاء مِنْهَا مَا يَقع على حسب الدواعى وَلَا يُضَاف إِلَى الْقُدْرَة الْحَادِثَة وَلَا يدل على صلاحيتها للإيجاد وَذَلِكَ كَمَا فى حُصُول الرى عِنْد الشّرْب والشبع عِنْد الْأكل وَحُصُول الألوان فِي صناعَة الصَّبْغ وَنَحْو ذَلِك وَمِنْهَا مَا لَا يَقع على حسب الداعية وَالْغَرَض وَذَلِكَ كَمَا فِي أَفعَال النَّائِم والغافل والساهى وَنَحْو ذَلِك وَمَعَ ذَلِك هى مُضَافَة إِلَى الْقُدْرَة الْحَادِثَة على أصلهم وَحَيْثُ لم يَصح مَا عولوا عَلَيْهِ طردا وعكسا لم يجز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ أصلا وَمَا نجده من التَّفْرِقَة بَين الْحَرَكَة الاضطرارية والاختيارية فَهُوَ سبيلنا فِي إِثْبَات الْكسْب على من أنكرهُ من الجبرية وَقَالَ إِن الْقُدْرَة الْحَادِثَة لَا تعلق لَهَا بِالْفِعْلِ أصلا وَلُزُوم التَّأْثِير من وُقُوع التَّفْرِقَة هُوَ محز الْخلاف وَمَوْضِع الانحراف بل التَّفْرِقَة قد تحصل بِمُجَرَّد تعلق الْقُدْرَة بِأَحَدِهِمَا دون الآخر وَإِن لم يكن لَهَا تَأْثِير فِي إيجاده وَذَلِكَ على نَحْو وُقُوع التَّفْرِقَة بَين مَا تعلق بِهِ الْعلم وَبَين غَيره وَبَين مَا تعلّقت بِهِ الْإِرَادَة وَبَين غَيره وَإِذ ذَاك فَلَا يلْزم أَن يُقَال إِذا جَازَ تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة بِالْفِعْلِ من غير تَأْثِير كَمَا فِي الْعلم وَنَحْوه جَازَ تعلقهَا بِغَيْرِهِ من الْحَوَادِث كَمَا فِي الْعلم فَإِن حَاصله يرجع إِلَى دَعْوَى مُجَرّدَة فِي المعقولات ومحض استرسال فِي اليقينيات وَهُوَ غير مَقْبُول وَكَون الْوُجُود قَضِيَّة وَاحِدَة مِمَّا لَا يُوجب تعلق الْقُدْرَة بِهِ بطرِيق الْعُمُوم وَمَا هُوَ اعتذارنا فِي تَخْصِيص تعلق الْقُدْرَة بِهِ من غير تَأْثِير هُوَ أَن من مُوجب اعْتِقَادهم
لَا يُوجب تعلق الْقُدْرَة بِهِ بطرِيق الْعُمُوم وَمَا هُوَ اعتذارنا فِي تَخْصِيص تعلق الْقُدْرَة بِهِ من غير تَأْثِير هُوَ أَن من مُوجب اعْتِقَادهم
أَن الرُّؤْيَة تتَعَلَّق بالموجود من غير تَأْثِير وَلَا تتَعَلَّق بِكُل مَوْجُود فَمَا هُوَ اعتذارهم ثمَّ هُوَ اعتذارنا هَهُنَا أَيْضا وَمَا اعْتَمدهُ القاضى أَبُو بكر ﵀ فِي منع تَعْلِيق الْقُدْرَة بحدوث الْفِعْل من حَيْثُ إِن الْوُجُود قَضِيَّة عَامَّة فإمَّا ان يعْتَرف ان نفس الْوُجُود هُوَ نفس الْمَوْجُود اَوْ زَائِد عَلَيْهِ فَإِن كَانَ الأول فقد بَطل القَوْل بالتعميم وَإِن كَانَ الثانى فَهُوَ لَازم لَهُ فِي تعلقهَا بحدوث الصّفة الزَّائِدَة أَيْضا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَجْعَل التَّعَلُّق بحدوث الصّفة من حَيْثُ هُوَ مَخْصُوص بهَا وَعند ذَلِك فَيجب قبُول القَوْل بِأَن تعلق الْقُدْرَة الْحَادِثَة لَيْسَ إِلَّا بحدوث مَخْصُوص بِفعل مَخْصُوص وَلَا محيص عَنهُ ثمَّ وَلَو قدر تعلق الْقُدْرَة بزائد على نفس الْفِعْل فَلَا يلْزم أَن يُقَال بتأثيرها فِيهِ أَيْضا لما أسلفناه فِي نفس الْفِعْل وَمَا اعْتمد عَلَيْهِ بعض الْأَصْحَاب فِي إبِْطَال قَول القاضى فِي أَن مَا ثَبت تعلق الْقُدْرَة بِهِ مَجْهُول غير مَعْلُوم فلست أرَاهُ مرضيا وَمَا أُشير إِلَيْهِ من امْتنَاع وُقُوع التَّكْلِيف وَتعذر القَوْل بالمجازاة على الْأَفْعَال بالثواب وَالْعِقَاب وَأَن ذَلِك تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فسيرد وَجه الِانْفِصَال عَنهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَا يخص الإسفرايينى فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من إِثْبَات مَخْلُوق بَين خالقين فقد سبق وَجه إحالته وَظهر زيف مقَالَته فِيمَا مضى فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته
يخص الإسفرايينى فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من إِثْبَات مَخْلُوق بَين خالقين فقد سبق وَجه إحالته وَظهر زيف مقَالَته فِيمَا مضى فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته
وَعند هَذَا فَيجب أَن نختم الْكَلَام بِذكر الْكسْب والخلق تمييزا لكل وَاحِد مِنْهُمَا عَن الآخر أما الْكسْب فَأحْسن مَا قيل فِيهِ إِنَّه الْمَقْدُور بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَة وَقيل هُوَ الْمَقْدُور الْقَائِم بِمحل الْقُدْرَة وَأما الْخلق فَإِنَّهُ وَإِن أطلق باعتبارات مُخْتَلفَة كالتقدير والهم باشئ والعزم عَلَيْهِ والإخبار بالشئ على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ فَالْمُرَاد بالخلق الْمُضَاف إِلَى الْقُدْرَة الْقَدِيمَة إِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن الْمَقْدُور بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَة وَإِن شِئْت قلت هُوَ الْمَقْدُور الْقَائِم بِغَيْر مَحل الْقُدْرَة عَلَيْهِ وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فكاف لمن لَدَيْهِ أدنى حَظّ من التفطن وَالله الْمُسْتَعَان
الْقَاعِدَة الثَّانِيَة فِي نفى الْغَرَض وَالْمَقْصُود عَن أَفعَال وَاجِب الْوُجُود مَذْهَب أهل الْحق أَن البارى تَعَالَى خلق الْعَالم وأبدعه لَا لغاية يسْتَند الإبداع إِلَيْهَا وَلَا لحكمة يتَوَقَّف الْخلق عَلَيْهَا بل كل مَا أبدعه من خير وَشر ونفع وضر لم يكن لغَرَض قَادَهُ إِلَيْهِ وَلَا لمقصود أوجب الْفِعْل عَلَيْهِ بل الْخلق وَأَن لَا خلق لَهُ جائزان وهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سيان وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك طوائف الإلهيين وجهابذة الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين وَذَهَبت طوائف الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن البارى لَا يَخْلُو فعله عَن غَرَض وَصَلَاح لِلْخلقِ إِذْ هُوَ يتعالى ويتقدس عَن الْأَغْرَاض وَعَن الضَّرَر والانتقاع فرعاية الصّلاح فِي فعله وَاجِبَة نفيا للعبث فِي الحكم عَن حكمته وابطالا للسفه عَنهُ فِي إبداعه وصنعته واما الْأَصْلَح فهم فِيهِ مُخْتَلفُونَ طَائِفَة ألحقته بالصلاح فِي وجوب الرِّعَايَة وَطَائِفَة أحالت القَوْل بِوُجُوبِهِ بِنَاء على أَن مَا من صَالح إِلَّا وفوقه مَا هُوَ أصلح مِنْهُ إِلَى غير نِهَايَة ثمَّ بنوا على وجوب رِعَايَة الصّلاح والأصلح بِاتِّفَاق مِنْهُم وجوب الثَّوَاب
أَن مَا من صَالح إِلَّا وفوقه مَا هُوَ أصلح مِنْهُ إِلَى غير نِهَايَة ثمَّ بنوا على وجوب رِعَايَة الصّلاح والأصلح بِاتِّفَاق مِنْهُم وجوب الثَّوَاب
على الطَّاعَات والآلام الْغَيْر الْمُسْتَحقَّة كَمَا فِي حق الْبَهَائِم وَالصبيان وَوُجُوب الْعقَاب وإحباط الْعَمَل على الْعِصْيَان وَوُجُوب قبُول التَّوْبَة والإرشاد بعد الْخلق وإيصال الْعقل إِلَى وُجُوه الْمصَالح بالإقدار عَلَيْهَا وإقامته الْآيَات والحجج الداعية إِلَيْهَا ثمَّ التزموا على فَاسد أصلهم أَن مَا ينَال العَبْد فِي الْحَال أَو الْمَآل من الآلام والأوجاع والنفع والضر وَالْخَيْر وَالشَّر وَنَحْوه فَهُوَ الصَّالح لَهُ وَلم يتحاشوا جحد الضَّرُورَة ومكابرة الْعقل فِي أَن خُلُود أهل النَّار فِي النَّار هُوَ الصَّالح لَهُم والأنفع لنفوسهم وَمِمَّا فَارق بِهِ البغداديون الْبَصرِيين القَوْل بِوُجُوب ابْتِدَاء خلق الْخلق وتهيئة أَسبَاب التَّكْلِيف من إِكْمَال الْعقل واستعداد الْآلَات للتكليف إِلَى غير ذَلِك والبصريون لَا يرَوْنَ أَن شَيْئا من ذَلِك وَاجِب بل ابتداؤه بِفضل من الله تَعَالَى وإنعام من غير تحقق وَلَا تحتم وَلَا إِلْزَام وَنحن الْآن نبتدئ بمأخذ أهل الْحق والكشف عَنهُ ثمَّ نشِير بعد ذَلِك إِلَى مَأْخَذ أهل الضلال والإبانة عَن معرضها فِي معرض الِاعْتِرَاض والانفصال
َام وَنحن الْآن نبتدئ بمأخذ أهل الْحق والكشف عَنهُ ثمَّ نشِير بعد ذَلِك إِلَى مَأْخَذ أهل الضلال والإبانة عَن معرضها فِي معرض الِاعْتِرَاض والانفصال
فمما اعْتمد عَلَيْهِ أهل التَّحْقِيق فِي هَذَا الطَّرِيق أَن قَالُوا لَو كَانَ إبداع البارى تَعَالَى لما أبدعه يسْتَند إِلَى غَرَض مَقْصُود لم يخل إِمَّا ان يُقَال بعوده إِلَى الْخَالِق أَو إِلَى الْمَخْلُوق فَإِن كَانَ عَائِدًا إِلَى الْخَالِق لم يخل إِمَّا أَن يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَونه أولى من لَا كَونه أَو لَا كَونه أولى من كَونه أَو أَن كَونه وَأَن لَا كَونه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سيان فَإِن قيل إِن كَونه أولى من لَا كَونه فَلَا محَالة أَن وَاجِب الْوُجُود يَسْتَفِيد بذلك الْفِعْل كَمَا لَا وتماما لم يكن لَهُ قبله لكَونه أولى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَتَركه وَأَن لَا يَفْعَله نُقْصَانا وَذَلِكَ يُوجب افتقار الْأَشْرَف إِلَى الأخس فِي إِفَادَة كمالاته لَهُ وَأَن يكون نَاقِصا قبله ونعوذ بِاللَّه من هَذَا الضلال بل هُوَ الْغنى الْمُطلق وَله الْكَمَال الأتم وَالْجمال الْأَعْظَم وَهُوَ مبدأ الكمالات ومنتهى المطالب والأمنيات وَإِلَيْهِ الافتقار فِي جَمِيع الْحَالَات وَلَيْسَ لَهُ فِي فعله مَطْلُوب يكمله وَلَا لَهُ قصد إِلَى ثَنَاء أَو مدح يحصله بل هُوَ الْغنى لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ على كل شئ قدير وَإِن قيل إِن لَا كَونه أرجح من كَونه أَو أَنَّهُمَا متساويان فَالْقَوْل بِجعْل مثل هَذَا غَرضا ومقصودا مَعَ أَنه لَا فرق بَين كَونه وَأَن لَا كَونه أَو أَن لَا كَونه أولى من كَونه من أمحل المحالات
مَا متساويان فَالْقَوْل بِجعْل مثل هَذَا غَرضا ومقصودا مَعَ أَنه لَا فرق بَين كَونه وَأَن لَا كَونه أَو أَن لَا كَونه أولى من كَونه من أمحل المحالات
وَإِن قيل بِرُجُوعِهِ إِلَى الْمَخْلُوق من صَلَاح أَو نفع فأى فَائِدَة فِي خلق مَا فِي الْعَالم من الجمادات والعناصر والمعدنيات وَغير ذَلِك من أَنْوَاع النباتات مَعَ أَنَّهَا لَا تَجِد بذلك لَذَّة وَلَا ألما وَلَا فرق لَهَا بَين كَونهَا وَأَن لَا كَونهَا بل وأى فَائِدَة لنَوْع الْحَيَوَان فِي ذَلِك أَو لتكليف نوع الْإِنْسَان مَعَ مَا يجد فِيهِ من الآلام والأوصاب والمشاق والأوجاع وكل مَا تَجِد النَّفس من تحلمه حرجا وكل عَاقل إِذا رَاجع نَفسه بَين الْوُجُود وَأَن لَا وجود فَإِنَّهُ يود لَو أَنه لم يكن مَوْجُودا لما أعد لَهُ فِي الأولى والعقبى وَلِهَذَا نقل عَن الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلين والأولياء الصَّالِحين التكره لذَلِك والتبرم بِهِ حَتَّى إِن بَعضهم قَالَ يَا ليتنى كنت نسيا منسيا وَقَالَ آخر يَا ليتنى لم تلدنى أمى وَقَالَ آخر يَا ليتنى لم أك شَيْئا بل وأى نفع وَصَلَاح للْعَبد فِي خلوده فِي الْجَحِيم وإقامته فِي الْعَذَاب الْأَلِيم وَكَذَا اى مصلحَة فِي انظار إِبْلِيس وإضلاله وإماتة الْأَنْبِيَاء مَعَ هدايتهم وَهل من زعم ان فِي ذَلِك صلاحا أَو نفعا إِلَّا خارقا لحجاب الهيبة بارتكاب جحد الضروة ثمَّ الذى يقطع دابر هَذَا الخيال وَدفع هَذَا الْإِشْكَال إبداء مَا وَقع من أَفعَال الله تَعَالَى
مَعَ تَسْلِيم الْخصم ضَرُورَة أَنه لَا صَلَاح فِيهِ وَلَا أصلحية وَذَلِكَ أَنا لَو فَرضنَا ثَلَاثَة أَطْفَال مَاتَ أحدهم وَهُوَ مُسلم قبل الْبلُوغ وَبلغ الْآخرَانِ وَمَات أَحدهمَا مُسلما وَالْآخر كَافِرًا فَمن مُقْتَضى أصولهم على مَا استدعاه التَّعْدِيل ان تكون رُتْبَة الْمُسلم الْبَالِغ فَوق رُتْبَة الصبى لكَونه أطَاع بَالغا وتخليد الْكَافِر فِي الْجَحِيم لكَونه كَانَ عَاصِيا فَلَو قَالَ الصبى يَا رب الْعَالمين لم اخترمتنى دون الْمرتبَة الْعلية والرفعة السّنيَّة الَّتِى أعطيتهَا لأخى وَلم تَمنعهُ إِيَّاهَا وَلم لَا أحييتنى إِلَى حِين الْبلُوغ لأطيعك فَتحصل لى هَذِه الرُّتْبَة وأى مصلحَة لى فِي إماتتى قبل الْبلُوغ وقطعى عَن هَذِه الرُّتْبَة فَلَا جَوَاب الا ان يَقُول لَهُ لأنى علمت مِنْك انك لَو بلغت لعصيتنى فَكَانَ اخترامك هُوَ الأنفع لَك وانحطاطك إِلَى هَذَا الرُّتْبَة أصلح لنَفسك لَكِن ذَلِك مِمَّا يُوجب اخترام كل من علم الله كفره عِنْد الْبلُوغ وَلَا يبْقى لإحياء ذَلِك الْكَافِر الْبَالِغ معنى وَلَا يتَّجه عَنهُ جَوَاب فقد بَان من هَذِه الْجُمْلَة أَن الْغَرَض فِي أَفعَال الله تَعَالَى وَوُجُوب رِعَايَة الصّلاح والأصلح عَلَيْهِ مُسْتَحِيل وَمَا يخص رِعَايَة الْأَصْلَح أَن يُقَال مقدورات الله تَعَالَى فِي الْأَصْلَح غير متناهية ورعاية مَا لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف فِيهِ على حد وَضَابِط مُمْتَنع ثمَّ وَلَو وَجب فِي حَقه رِعَايَة الصّلاح والأصلح للَزِمَ أَن تكون الهبات والنوافل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أفعالنا وَاجِبَة لما فِيهَا من صلاحنا إِذْ الرب تَعَالَى لَا ينْدب
َقه رِعَايَة الصّلاح والأصلح للَزِمَ أَن تكون الهبات والنوافل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أفعالنا وَاجِبَة لما فِيهَا من صلاحنا إِذْ الرب تَعَالَى لَا ينْدب
إِلَى مَا صَلَاح لنا فِيهِ وَلَا معنى للْفرق فِي ذَلِك بَين الْغَائِب وَالشَّاهِد أصلا كَيفَ وَأَن أصل الْخصم فِيمَا يرجع إِلَى وجوب رِعَايَة الصّلاح والأصلح فِي حق البارى تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا بِالنّظرِ إِلَى الشَّاهِد وَهُوَ مُمْتَنع لما حققناه فِي غير مَوضِع كَيفَ وَقد سلم أَن الْوَاحِد منا لَا يجب عَلَيْهِ رِعَايَة الصّلاح والأصلح فِي حق نَفسه مَعَ تمكنه من تَحْصِيله فَأنى يَصح الْقيَاس على هَذَا الأَصْل مَعَ تحقق هَذَا الْفَصْل وَهل ذَلِك إِلَّا خبط فِي عشواء وَإِذا تحقق مَا قَرَّرْنَاهُ من امْتنَاع الْغَرَض فِي أَفعاله وَوُجُوب رِعَايَة الصّلاح والأصلح لزم مِنْهُ هدم مَا بنى عَلَيْهِ من وجوب الثَّوَاب وَالْعِقَاب والخلق والتكليف وَغير ذَلِك مِمَّا عددناه من مَذْهَبهم فَإِنَّهُم لم يقضوا بِوُجُوبِهِ إِلَّا بِنَاء على رِعَايَة الصّلاح والأصلح لَا محَالة ثمَّ إِن الْوَاجِب قد يُطلق على السَّاقِط وَمِنْه يُقَال للشمس والحائط إنَّهُمَا واجبان عِنْد سقوطهما وَقد يُطلق على مَا يلْحق بتاركه ضَرَر وَقد يُطلق على مَا يلْزم من فرض عَدمه الْمحَال وَالْمَفْهُوم من إِطْلَاق اسْم الوجب لَيْسَ الا مَا ذَكرْنَاهُ وَمَا سواهُ فَلَيْسَ بِمَفْهُوم وَلَا محَالة أَن الْوَاجِب بِالِاعْتِبَارِ الأول غير مُرَاد والثانى فقد بَان أَنه مُسْتَحِيل فِي حق الله تَعَالَى لانْتِفَاء الْأَغْرَاض عَنهُ وَالثَّالِث أَيْضا لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهِ إِذْ الْخُصُوم متفقون على وجوب التَّمْكِين مِمَّا كلف بِهِ العَبْد وَكَيف يُمكن حمل الْوُجُوب
عَنهُ وَالثَّالِث أَيْضا لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهِ إِذْ الْخُصُوم متفقون على وجوب التَّمْكِين مِمَّا كلف بِهِ العَبْد وَكَيف يُمكن حمل الْوُجُوب
على هَذَا الِاعْتِبَار مَعَ الِاعْتِرَاف بتكليف أَبى جهل بِالْإِيمَان وَهُوَ مَمْنُوع مِنْهُ لعلم الله تَعَالَى أَن ذَلِك مِنْهُ غير وَاقع وَلَا هُوَ إِلَيْهِ وَاصل فَإِن قيل لَو لم يكن فعل وَاجِب الْوُجُود لغَرَض مَقْصُود مَعَ ان الدَّلِيل قد دلّ على كَونه حكيما فِي أَفعاله غير عابث فِي إبداعه لَكَانَ عابثا والعبث قَبِيح والقبيح لَا يصدر من الْحَكِيم الْمُطلق وَالْخَيْر الْمَحْض وَإِذا لَا بُد لَهُ فِي فعله من غَرَض يَقْصِدهُ ومطلوب يعتمده نفيا للنقص عَنهُ وتنزيها لَهُ عَن صُدُور الْقَبِيح مِنْهُ وَمَا ذكرتموه من تعلق النَّقْص والكمال بِهِ بِالنّظرِ إِلَى الْغَرَض وَالْمَقْصُود فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ ذَلِك الْغَرَض عَائِدًا اليه وكماله ونقصه متوقفا عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ الْغنى الْمُطلق واستغناء كل مَا سواهُ لَيْسَ إِلَّا بِهِ بل عوده إِنَّمَا هُوَ الى الْمَخْلُوق وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجب كمالا وَلَا نُقْصَانا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَاجِب الْوُجُود وَإِذا ثَبت أَنه لَا بُد من حِكْمَة وَفَائِدَة ففائدة خلق العناصر والمركبات والمعدنيات وَغير ذَلِك من الجمادات الْعِنَايَة بِنَوْع الْحَيَوَان لأجل انتظام أَحْوَاله فِي مهماته وأفعاله وَالِاسْتِدْلَال بِمَا فِي طيها من الْآيَات والدلائل الباهرات على وجود وَاجِب الْوُجُود ووحدانية المعبود وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله ﵇ كنت كنزا لم أعرف فخلقت خلقا لأعرف بِهِ
وَمَا يلْحق الْإِنْسَان من مشقة التَّكْلِيف والآلام فِي الدُّنْيَا فبالنظر إِلَى مَا يَنَالهُ على ذَلِك من الثَّوَاب فِي العقبى قَلِيل من كثير ﴿مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مائَة حَبَّة وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء﴾ وَلَا محَالة أَن فَوَات الْخَيْر الْكثير دفعا للشر الْيَسِير شَرّ كثير والتزام الشَّرّ الْيَسِير رِعَايَة للخير الْكثير خير كثير وَفَائِدَة خُلُود أهل النَّار فِي النَّار كفهم عَن الْكفْر وَالْفساد والعناد والشقاق والنفاق ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ من ذَلِك فَهُوَ الْأَصْلَح لَهُم ثمَّ لَا يُنكر أَن الْعلَّة قد تخفى وتدق عَن أَن تصل إِلَيْهِ أفهام الْخلق كَمَا فِي إماتة الْأَنْبِيَاء وإنظار ابليس وإحياء من علم كفره إِلَى حَيْثُ الْبلُوغ وَنَحْوه فمجرد استبعاد الْعلَّة لخفائها وَعدم الِاطِّلَاع عَلَيْهَا مِمَّا لَا يُفِيد لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم الِاطِّلَاع عَلَيْهَا القَوْل بانتفائها فِي نَفسهَا وَلَا يلْزم من وجوب رِعَايَة الصّلاح فِي حق الله تَعَالَى وجوب النَّوَافِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى أفعالنا لكَونهَا صَالِحَة فَإِن رِعَايَة ذَلِك بطرِيق الْوُجُوب بِالنِّسْبَةِ إِلَى أفعالنا مِمَّا يُوجب الكد والجهد فِي حَقنا وَلَا كَذَلِك البارى تَعَالَى فانه قَادر على نفع الْغَيْر وصلاحه من غير أَن يلْتَحق بِهِ جهد وَلَا ضَرَر فَلذَلِك جَازَ القَوْل بِإِيجَاب الْفِعْل الصّلاح فِي حق البارى دون غَيره وَلِهَذَا الْمَعْنى لم نقل بِوُجُوب رِعَايَة الصّلاح والأصلح فِي حق الْوَاحِد منا مَعَ تمكنه مِنْهُ وَلَيْسَ القَوْل بِوُجُوب رِعَايَة الصّلاح فِي حق الْغَائِب بِالْقِيَاسِ على الشَّاهِد ليلزم مَا ذكرتموه بل هُوَ مُسْتَند إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ من إِحَالَة صُدُور الْقَبِيح والعبث عَن وَاجِب الْوُجُود كَمَا بَيناهُ
قِيَاسِ على الشَّاهِد ليلزم مَا ذكرتموه بل هُوَ مُسْتَند إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ من إِحَالَة صُدُور الْقَبِيح والعبث عَن وَاجِب الْوُجُود كَمَا بَيناهُ
وَمَا ذكرتموه من امْتنَاع رِعَايَة الْأَصْلَح فَإِنَّمَا يلْزم أَن لَو لم يكن مَا تجب رعايته مُقَدرا ومضبوطا وَضبط ذَلِك وَتَقْدِيره مِمَّا يعلم الله تَعَالَى أَن الزِّيَادَة عَلَيْهِ مِمَّا يُوجب للْعَبد العتو والطغيان والكفران والعناد وَلَا محَالة أَن رِعَايَة مثل ذَلِك لَا يفضى إِلَى محَال وَمَا وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ من أَقسَام مدلولات الْوَاجِب مِمَّا لَا ننكره وَلَا ننكر امْتنَاع الْوُجُوب فِي حق الله تَعَالَى بالإعتبار الأول والثانى إِنَّمَا النزاع فِي الِاعْتِبَار الثَّالِث فَإِن معنى كَون الْفِعْل وَاجِبا على الله تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا أَنه يلْزم من فرض عَدمه الْمحَال وَذَلِكَ الْمحَال لَيْسَ هُوَ لَازِما من فرض عدم الْفِعْل لذاته بل لغيره فَمَعْنَى كَون الصّلاح فِي الْفِعْل وَاجِب الرِّعَايَة أَنه يلْزم من فرض عَدمه الْعَبَث فِي حق الله وَهُوَ محَال وَمعنى كَون الثَّوَاب على إيلام الْحَيَوَان وَاجِبا أَنه يلْزم الظُّلم من فرض عَدمه فِي حق الله تَعَالَى وصدور الْقَبِيح مِنْهُ وَهُوَ محَال وَلِهَذَا صَارَت التناسخية إِلَى أَن ذَلِك لَا يَقع إِلَّا جَزَاء مِنْهُ لَهَا على مَا فرطت واقترفت من الْكَبَائِر وَالْجِنَايَة حِين كَانَت أَنْفسهَا فِي قوالب أشرف وَأحسن من قوالب الْحَيَوَان وَمن النَّاس من جعله قبيحا لعَينه وذاته ثمَّ مِنْهُم من اضافه إِلَى ظلمه كالتناسخية وَمِنْهُم من لم يسلم وجوده كالبكرية فَمَا ظَنك بِهِ مَعَ خلوه عَن الْجَزَاء الْمُقَابل وعَلى هَذَا كل مَا يُوصف بالوجود من أَفعَال الله تَعَالَى
خية وَمِنْهُم من لم يسلم وجوده كالبكرية فَمَا ظَنك بِهِ مَعَ خلوه عَن الْجَزَاء الْمُقَابل وعَلى هَذَا كل مَا يُوصف بالوجود من أَفعَال الله تَعَالَى
أما قصَّة أَبى جهل فَلَا احتجاج بهَا فَإِن مَا كلفه بِهِ مُمكن فِي نَفسه ومتمكن مِنْهُ بِكَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ فَلم يكن مَا أوجبناه من التَّمْكِين غير وَاقع وَلَا مُتَصَوّر وَالْجَوَاب إننا لَا ننكر كَون البارى تَعَالَى حكيما وَذَلِكَ بتحقق مَا يتقنه من صَنعته ويخلقه على وفْق علمه بِهِ وبإرادته لَا بِأَن يكون لَهُ فِيمَا يَفْعَله غَرَض ومقصود والعبث إِنَّمَا يكون لَازِما لَهُ بِانْتِفَاء الْغَرَض عَنهُ أَن لَو كَانَ قَابلا للفوائد والاغراض وَإِلَّا فتسميته غَرضا عَن طَرِيق التَّوَسُّع وَالْمجَاز هُوَ غير مُمكن كمن يصف الرِّيَاح فِي هبوبها والمياه عِنْد خريرها وَالنَّار عِنْد زئيرها بِكَوْنِهَا عابثة إِذْ لَا غَرَض لَهَا وَلَا غَايَة تستند إِلَيْهَا وَلَا يخفى مَا فِي ذَلِك من التحجير بِوَضْع مَا أصل لَهُ فِي الْوَضع وَأما تقبيح صدوره من البارى تَعَالَى فمبنى على فَاسد أصلهم فِي التحسين والتقبيح وَالرَّدّ عَلَيْهِم فِي ذَلِك يستدعى تَقْرِير الْمَذْهَب من الْجَانِبَيْنِ وتمهيد الْقَاعِدَة من كلا الطَّرفَيْنِ فَنَقُول مُعْتَقد الْمُعْتَزلَة أَن الْحسن والقبح لِلْحسنِ والقبيح صِفَات ذاتيات وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك الفلاسفة ومنكروا النبوات ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فِي مدارك الْإِدْرَاك لذَلِك فَقَالَت الْمُعْتَزلَة
والفلاسفة الْمدْرك قد يكون عقليا وَقد يكون سمعيا فَمَا يدْرك بِالْعقلِ مِنْهُ بديهى كحسن الْعلم وَالْإِيمَان وقبح الْجَهْل والكفران وَمِنْه نظرى كحسن الصدْق المضر وقبح الْكَذِب النافع وَمَا يدْرك بِالسَّمْعِ فكحسن الطَّاعَات وقبح ارْتِكَاب المنهيات وَأما منكرو النبوات فقد منعُوا أَن يكون إِدْرَاكهَا إِلَّا بالعقول دون شرع الْمَنْقُول وَأما أهل الْحق فَلَيْسَ الْحسن والقبح عِنْدهم من الْأَوْصَاف الذاتية للمحال بل إِن وصف الشئ بِكَوْنِهِ حسنا أَو قبيحا فَلَيْسَ الا لتحسين الشَّرْع أَو تقبيحه إِيَّاه بِالْإِذْنِ فِيهِ اَوْ الْقَضَاء بالثواب عَلَيْهِ وَالْمَنْع مِنْهُ اَوْ الْقَضَاء بالعقاب عَلَيْهِ اَوْ تقبيح الْعقل لَهُ بِاعْتِبَار أُمُور خارجية وَمَعَان مُفَارقَة من الْأَعْرَاض بِسَبَب الْأَغْرَاض والتعلقات وَذَلِكَ يخْتَلف بإختلاف النّسَب والإضافات فالحسن إِذا لَيْسَ إِلَّا مَا أذن فِيهِ أَو مدح على فعله شرعا أَو مَا تعلق بِهِ غَرَض مَا عقلا وَكَذَا الْقَبِيح فِي مُقَابلَته
وَإِطْلَاق الْأَصْحَاب أَن الْحسن والقبيح لَيْسَ إِلَّا مَا حسنه الشَّرْع أَو قبحه فتوسع فِي الْعبارَة إِذْ لَا سَبِيل إِلَى جحد أَن مَا وَافق الْغَرَض من جِهَة الْمَعْقُول وَأَن لم يرد بِهِ الشَّرْع الْمَنْقُول أَنه يَصح تَسْمِيَته حسنا كَمَا يُسمى مَا ورد الشَّرْع بتسميته حسنا كَذَلِك وَذَلِكَ كاستحسان مَا وَافق الْأَغْرَاض من الْجَوَاهِر والأعراض وَغير ذَلِك وَلَيْسَ المُرَاد بإطلاقهم إِن الْحسن مَا حسنه الشَّرْع أَنه لَا يكون حسنا إِلَّا مَا أذن فِيهِ أَو أخبر بمدح فَاعله وَكَذَا فِي جَانب الْقبْح أَيْضا وَبعد هَذَا فَلم يبْق إِلَّا الرَّد على أهل الضلال وَهُوَ أَن يُقَال
حسنا إِلَّا مَا أذن فِيهِ أَو أخبر بمدح فَاعله وَكَذَا فِي جَانب الْقبْح أَيْضا وَبعد هَذَا فَلم يبْق إِلَّا الرَّد على أهل الضلال وَهُوَ أَن يُقَال الْحَاكِم بالْحسنِ والقبح على مَا حكم بِكَوْنِهِ حسنا أَو قبيحا إِمَّا الْعقل أَو الشَّرْع لَا محَالة فَإِن كَانَ الْحَاكِم هُوَ الْعقل فَلَا محَالة أَن مَا حكم الْعقل بِهِ من التحسين والتقبيح لَو خلى ودواعى نَفسه فِي مبدأ نشوئه إِلَى حِين وَفَاته من غير الْتِفَات إِلَى الشَّرَائِع والعادات والأمور الاصطلاحيات والموافقات للأغراض والمنافرات لم يجد إِلَى الحكم الْجَزْم بذلك سَبِيلا وَإِذا لم يكن فِي الحكم بِهَذِهِ الْأُمُور بُد من النّظر إِلَى مَا قدرناه فهى لَا محَالة مُخْتَلفَة بِالنِّسْبَةِ وَالْإِضَافَة إِذْ رب شئ حكم عَلَيْهِ عقل إِنْسَان مَا بِكَوْنِهِ حسنا لكَونه مُوَافقا لغرضه أَو لما فِيهِ من مصْلحَته أَو دفع مفسدته أَو لكَونه جَارِيا على مُقْتَضى عَادَته وَعَادَة قومه عرفا أَو شرعا وَقد يحكم عَلَيْهِ عقل غَيره بِكَوْنِهِ قبيحا لكَونه مُخَالفا لَهُ فِيمَا وَافق غَرَضه وَذَلِكَ كَالْحكمِ على ذبح الْحَيَوَان بالْحسنِ والقبح بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل الشَّرَائِع الْمُخْتَلفَة وكالحكم بالْحسنِ
ا لَهُ فِيمَا وَافق غَرَضه وَذَلِكَ كَالْحكمِ على ذبح الْحَيَوَان بالْحسنِ والقبح بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل الشَّرَائِع الْمُخْتَلفَة وكالحكم بالْحسنِ
والقبح على سَمُرَة اللَّوْن مثل بِالنِّسْبَةِ إِلَى من يستحسنها أَو يستقبحها وكالحكم بقبح الْكَذِب الذى لَا غَرَض فِيهِ وَحسنه إِذا قصد بِهِ إحقان دم نبى أَو ولى من غاشم يقْصد قَتله وهلم جرا فِي كل مَا يقْضى الْعقل بِاعْتِبَارِهِ على كَون الشئ حسنا أَو قبيحا وَلَو كَانَ ذَلِك ذاتيا لما اخْتلف بِاعْتِبَار النّسَب والإضافات بل لوَجَبَ أَن يكون متحققا مَعَ تحقق الذَّات وان تَغَيَّرت الْحَالَات كَمَا فِي سَائِر الذاتيات وان كَانَ الْحَاكِم بِهِ الشَّرْع فَلَا محَالة أَنه قد يحكم بِكَوْن الْقَتْل مثلا أَو الْكَذِب قبيحا فِي حق الْعَاقِل الْقَاتِل لَا لغَرَض وَلَا يحكم بقبح ذَلِك فِي حق الصبى وَالْمَجْنُون بل وَقد يحكم بِحسن شَرِيعَة مَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قوم ويقبحها بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخَرين وَلِهَذَا صَحَّ القَوْل بنسخ الشَّرَائِع وَلَو كَانَ الْقَضَاء فِيهِ بالْحسنِ أَو الْقبْح على شئ مَا لذاته وَنَفسه لَا لنَفس الْخطاب لما تصور أَن يخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الْأُمَم والأعصار على مَا حققناه فَإِن قيل لَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكرتموه لوَجَبَ أَن من أَرَادَ قَضَاء حَاجَة وَكَانَ سَبيله فِيهَا إِمَّا الصدْق وَإِمَّا الْكَذِب وهما بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَضَاء حَاجته سيان أَن لَا يرجح الصدْق على الْكَذِب وَأَن من رأى شخصا فِي الْهَلَاك وَهُوَ قَادر على إنقاذه وخلاصه وَلَيْسَ لَهُ فِي إنقاذه غَرَض وَلَا هُوَ متدين بدين بل رُبمَا أوجب ذَلِك عِنْده تعبا ونصبا أَن لَا يرجح عِنْده الإنقاذ على عَدمه وَهُوَ مِمَّا تقضى الْعُقُول السليمة برده وإبطاله وَإِذا ثَبت التَّرْجِيح فَلَو لم يكن ذَلِك لحسنه فِي ذَاته وَإِلَّا كَانَ عَبَثا وسفها ثمَّ كَيفَ ننكر ذَلِك وَالْعقل الصَّرِيح
يقْضى ببديهته على حسن الْعلم وَالْإِيمَان وقبح الْجَهْل والكفران من غير توقف على أَمر خَارج أصلا وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ لَا محَالة معاند مجاحد مَعَ أَن اتِّفَاق الْعُقَلَاء على ذَلِك مِمَّا يخصمه قُلْنَا مَا ذكرتموه من الإلزامات واعتمدتموه من الخيالات مهما قطع النّظر فِيهَا عَمَّا ذَكرْنَاهُ من الْمَقَاصِد والأغراض فالترجيح لَا محَالة يكون مُمْتَنعا والمحتج بِهِ يكون مُنْقَطِعًا وَمهما لم يكن بُد من الْأَغْرَاض فِيمَا حكم الْعقل بحسنه أَو قبحه امْتنع أَن يكون ذَلِك لَهُ ذاتيا كَمَا مهدناه وَمن قضى بِإِطْلَاق التحسين لما حسنه أَو التقبيح لما قبحه من غير اقْتِصَار على مُتَعَلق الْغَرَض فَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لذهوله عَن محز الْغَلَط ومثار الفرط وَهُوَ إِمَّا حبه لنَفسِهِ وشغفه بِمَا تعلق بِهِ غضه فَإِنَّهُ قد يحكم إِذْ ذَاك قطعا بِحسن مَا وَافق غَرَضه وقبح مَا خَالفه من غير الْتِفَات إِلَى غَرَض الْغَيْر لكَونه غير مشغوف بِهِ وَذَلِكَ كمن يحكم بِحسن صُورَة مَا أَو قبحها لما وَافق من غَرَضه أَو خَالف مُطلقًا وَإِن جَازَ أَن يكون غَرَض غَيره مُخَالفا لغرضه وَقد يكون ذَلِك لكَون مَا يحكم بحسنه أَو قبحه مِمَّا يُوَافق الْأَغْرَاض غَالِبا وَمُخَالفَة لَهَا نَادرا فَيحكم عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ حسنا أَو قبيحا مُطلقًا لخفاء مَوضِع الْمُخَالفَة عَلَيْهِ وندرته فِي وُقُوعه وَذَلِكَ كمن يحكم على الْكَذِب بِأَنَّهُ قَبِيح مُطلقًا فَلَا يلْتَفت إِلَى حسنه عِنْدَمَا يُسْتَفَاد بِهِ عصمَة دم نبى أَو ولى لندرته وخفائه فِي نَفسه ومثارات الْغَلَط فِي ذَلِك
بِأَنَّهُ قَبِيح مُطلقًا فَلَا يلْتَفت إِلَى حسنه عِنْدَمَا يُسْتَفَاد بِهِ عصمَة دم نبى أَو ولى لندرته وخفائه فِي نَفسه ومثارات الْغَلَط فِي ذَلِك
متكثرة مُتعَدِّدَة لَا محَالة وَلَا مُسْتَند للْحكم بِجِهَة الْإِطْلَاق إلاها حَتَّى لَو فرض شخص مَا متنبها عِنْد حكمه على مَا حكم فِيهِ لجَمِيع مَوَاضِع الْغَلَط ومواقع الزلل لما تصور مِنْهُ الْقَضَاء بذلك مُطلقًا وَمَا ذَكرُوهُ من ادِّعَاء الضَّرُورَة للْعلم بِحسن الْعلم وَالْإِيمَان وقبح الْجَهْل والكفران فَمن أحَاط بِمَا ذَكرْنَاهُ وَفهم مَا قَرَّرْنَاهُ بَان لَهُ وَجه فَسَاده من غير توقف ثمَّ كَيفَ يقنع بالاسترسال فِي ادِّعَاء ذَلِك مَعَ ان أَكثر الْعُقَلَاء فِي ذَلِك لَهُم مخالفون وهم عَمَّا يَدعُونَهُ مدافعون وَلَو كَانَ مُجَرّد ذَلِك كَافِيا لاكتفى بِهِ من جحد الصَّانِع وَقضى بالتجسيد والتشبيه وَذَلِكَ مِمَّا يبطل القضايا الْعَقْلِيَّة والأمور النظرية وَهُوَ مُمْتَنع وَلَيْسَ اتِّفَاق بعض الْعُقَلَاء عَلَيْهِ مِمَّا يُوجب كَونه ضَرُورِيًّا وَإِلَّا للَزِمَ أَن مَا اتّفق عَلَيْهِ الْخُصُوم أَيْضا ضرورى لكَوْنهم من جملَة الْعُقَلَاء بل أَكْثَرهم وَذَلِكَ يفضى إِلَى كَون الشئ لوَاحِد مَعْلُوما نَفْيه وإثباته فِي حَالَة وَاحِدَة بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ مُمْتَنع كَيفَ وَكم من شئ اتّفق عَلَيْهِ أَكثر الْعُقَلَاء وَلَيْسَ بضرورى كَمَا فِي حدث الْعَالم وَوُجُود الصَّانِع وَنَحْوه بل لَو قدر اتِّفَاق الْمُخَالف لَهُم بِحَيْثُ وَقع الإطباق على ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يَنْقَلِب أَلْبَتَّة ضَرُورِيًّا على معنى أَنه لَو خلى الْإِنْسَان ودواعى نَفسه يحكم بِهِ من غير توقف على أَمر مَا لم يبْق إِلَّا قَوْلهم إِن الِاضْطِرَار إِلَى معرفَة كَون الْحسن والقبح ذاتيا وَاقع لَا محَالة وَإِنَّمَا النزاع فِي مدركه وَمن تنبه لما أَشَرنَا إِلَيْهِ علم أَن ذَلِك غلط من قَائِله لوَجْهَيْنِ
معرفَة كَون الْحسن والقبح ذاتيا وَاقع لَا محَالة وَإِنَّمَا النزاع فِي مدركه وَمن تنبه لما أَشَرنَا إِلَيْهِ علم أَن ذَلِك غلط من قَائِله لوَجْهَيْنِ الْوَجْه الأول أَن مَا حكمُوا بتقبيحه فَنحْن قد نحكم بتحسينه وَذَلِكَ كإيلام الْحَيَوَان وتعذيب الانسان من غير ثَوَاب وَلَا لغَرَض مَقْصُود فَكيف يدعى الْمُوَافقَة على نفس الْحسن والقبح وَكَونه ذاتيا
الْوَجْه الثانى أَنه وَإِن وَقع الِاتِّفَاق على تَحْسِين كل مَا حسنوه وتقبيح كل مَا قبحوه فَلم يَقع الِاتِّفَاق على كَون الْحسن والقبح ذاتيا وَلَا يلْزم من الِاتِّفَاق على كَون الشئ الْوَاحِد حسنا أَو قبيحا أَن يكون قد سلم كَون الْحسن والقبح لَهُ ذَا تبين وَلَا يلْزم من عدم جَوَاز اتصاف البارى بِكَوْنِهِ جَاهِلا أَن يكون ذَلِك لكَون الْقبْح للْجَهْل وَصفا لزاما وَأَنه لذاته قَبِيح بل لكَون الدَّلِيل الْقَاطِع قد دلّ على وجوب الْعلم لَهُ وَكَونه عَالما وَلَو جَوَّزنَا أَن يكون جَاهِلا لجوزنا أَن لَا يكون عَالما وَذَلِكَ خلاف مَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيل الْقَاطِع والا فَلَو جَوَّزنَا النّظر إِلَى مُجَرّد الْجَهْل لم يقتض ذَلِك كَون الْقبْح لَهُ ذاتيا فَإِنَّهُ وان صَحَّ تقبيحه بِالنِّسْبَةِ إِلَى من خَالف غَرَضه بِسَبَب عدم اطِّلَاعه على المعلومات وإحاطته بالمعقولات فقد علم بحسنه من وَافق جهل هَذَا الْجَاهِل غَرَضه وَذَلِكَ كَمَا نحكم على كَون الْقَتْل قبيحا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَقْتُول وأوليائه وتحسينه بِالنِّسْبَةِ إِلَى حساده واعدائه وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ وَبِهَذَا التَّحْقِيق يَقع التفصى عَن كل مَا يرد من هَذَا الْقَبِيل وَإِذا بَطل أَن يكون الْحسن والقبح ذاتيا لم يبْق معنى لِلْحسنِ والقبح إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ وَيلْزم مِنْهُ منع جَوَاز إِطْلَاق الْقبْح على أَفعَال الله تَعَالَى لعدم وُرُوده على لِسَان الشَّرْع الْمَنْقُول وَعدم تَأْثِير مُخَالفَته لأغراض أَصْحَاب الْعُقُول
ثمَّ كَيفَ السَّبِيل إِلَى جحد انْتِفَاء الْغَرَض عَن أَفعاله مَعَ وُقُوع مَا بَيناهُ من الْأَفْعَال الَّتِى لَا غَرَض فِيهَا وَمَا قيل من أَن فَائِدَة خلق الحادثات المعدنيات وَغَيرهَا إِنَّمَا هُوَ انتظام حَال نوع الانسان وَالِاسْتِدْلَال بهَا على وجوب وجوده وَعظم جَلَاله فِي وحدانيته فَلَا يصلح أَن يكون غَرضا وَإِلَّا لوَجَبَ حُصُوله من كل وَجه على نَحْو لَا يخْتَلف من وَجه مَا والا عد عَاجِزا عَن تَحْصِيل غَرَضه من ذَلِك الْوَجْه وَلم كَانَ هَلَاكه لما خلق لأجل صَلَاحه وانتظام أَحْوَاله وَذَلِكَ كَمَا فِي حق الغرقى والحرقى والمسمومين والهلكى بالرياح الْعَاصِفَة كَمَا مضى فِيمَن هلك من الْأُمَم السالفة بل وَكم من تَارِك النّظر فِي الْآيَات والدلائل الباهرات وَلم يلْتَفت إِلَى مَا فِيهَا من جِهَات الاستدلالات وَلِهَذَا لَو نسبنا النَّاظر الْمُؤمن إِلَى الجاحد الْكَافِر لم يجده إِلَّا قَلِيلا من كثير ثمَّ لَا محَالة أَن فَائِدَة الِاطِّلَاع على وجوب وجود وَاجِب الْوُجُود وَمَعْرِفَة وحدانيته لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بعودها إِلَيْهِ إِذْ هُوَ يتعالى ويتقدس عَن الْأَغْرَاض كَمَا سبق فَلَا بُد وَأَن يعود إِلَى النَّاظر وَتلك الْفَائِدَة عِنْد الْبَحْث عَنْهَا لَا تخرج عَن الالتذاذ بِنَفس الْمعرفَة وَالثَّوَاب عَلَيْهَا وَذَلِكَ كُله مَقْدُور أَن يحصله الله تَعَالَى للْعَبد من غير وَاسِطَة بِأَن يخلق لَهُ الْعلم بديا بمعرفته وَأَن ينيله الثَّوَاب الجزيل بِدُونِ النّظر إِلَى نظره وطاعته وعَلى هَذَا يخرج القَوْل بِوُجُوب التَّكْلِيف أَيْضا وَلَا يَصح أَن يُقَال إِن الثَّوَاب على النّظر والمشاق اللَّازِمَة بالفكر والتزام الطَّاعَات بِفعل المأمورات وَاجْتنَاب المنهيات ألذ من أَن يكون بديا لانْتِفَاء الْمِنَّة والامتنان فَإنَّا نلوذ بجناب الجبروت ونستعيذ بعظمة الملكوت مِمَّن يتجاسر على
المأمورات وَاجْتنَاب المنهيات ألذ من أَن يكون بديا لانْتِفَاء الْمِنَّة والامتنان فَإنَّا نلوذ بجناب الجبروت ونستعيذ بعظمة الملكوت مِمَّن يتجاسر على
الإفصاح بِهَذَا الافتضاح ويتفوه بالتكبر على الله تَعَالَى والتجنب من الدُّخُول فِي منته والإشتمال بنعمته وَكَيف السَّبِيل إِلَى الْخُرُوج عَن ذَلِك وَأَيْنَ المفر مِنْهُ وَهل أصَاب إيجاده مبرأ من الْآفَات مُمكنا من اللَّذَّات أَو خلق مَا يصدر عَنهُ من الطَّاعَات وأنواع الْعِبَادَات إِلَّا بِفضل من الله تَعَالَى بديا من غير سَابِقَة طَاعَة أَو فعل عبَادَة وَهل نعمه السَّابِقَة إِلَيْنَا الْمُشْتَملَة علينا مِمَّا يُمكن القَوْل بعْدهَا أَو التَّعَرُّض لحصرها ثمَّ إِن الْخصم معترف بِأَن مَا يَفْعَله العَبْد من الطَّاعَات وَاجِب عَلَيْهِ وملجأ إِلَيْهِ شكرا مِنْهُ لله تَعَالَى على مَا أولى من مننه وأسبغ من جزيل نعمه فَكيف يسْتَحق الثَّوَاب على مَا أدّى من الْوَاجِبَات وَالْجَزَاء على مَا حتم عَلَيْهِ من الطَّاعَات وانواع الْعِبَادَات أم كَيفَ السَّبِيل إِلَى الْجمع بَين القَوْل بِوُجُوب الطَّاعَة على العَبْد شكرا وَالثَّوَاب على البارى جَزَاء وَهل ذَاك إِلَّا دور مُمْتَنع من جِهَة أَن الشُّكْر لَا يجب إِلَّا بعد سَابِقَة الثَّوَاب المتطول بِهِ لَا مَا وَقع بطرِيق الْوُجُوب فَإِن ذَلِك لَا يسْتَحق شكرا وَالْجَزَاء الْوَاجِب لَا يكون إِلَّا بعد سَابِقَة خدمَة وَطَاعَة مُتَبَرّع بهَا لَا مَا وَقع بطرِيق الْإِيجَاب وَقَوله تَعَالَى ﴿ولتجزى كل نفس بِمَا كسبت﴾ وَقَوله ﴿ليجزي الَّذين أساؤوا بِمَا عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى﴾ فَلَيْسَ المُرَاد بهَا التَّعْلِيل وَإِنَّمَا المُرَاد بهَا
بت﴾ وَقَوله ﴿ليجزي الَّذين أساؤوا بِمَا عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى﴾ فَلَيْسَ المُرَاد بهَا التَّعْلِيل وَإِنَّمَا المُرَاد بهَا
تَعْرِيف الْحَال فِي الْمَآل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ وَقَوله ﴿وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ ولتبتغوا من فَضله﴾ وعَلى هَذَا يخرج كل مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب من الْآيَات والدلالات السمعيات وَنحن لَا ننكر أَن ذَلِك مِمَّا يَقع وانما ننكر كَونه مَقْصُودا بالتكليفات وَالْأَمر بالطاعات حَتَّى يُقَال إِنَّه خلق لكذا أَو لعِلَّة كَذَا بل تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا بل ويكفى الْخصم من سخف عقله وزيف رَأْيه أَن عَادَتْ حِكْمَة خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض والنجوم وَالشَّجر وَالْجِبَال وإظهال الْآيَات والدلائل والمعجزات وَإِيجَاب الطَّاعَات والعبادات وتصريف الْخَلَائق بَين المأمورات والمنهيات إِلَى لَذَّة يجدهَا بعض المخلوقين فِي مُقَابلَة طَاعَته تزيد على اللَّذَّة الَّتِى يجدهَا بطرِيق الِابْتِدَاء والتفضل مَعَ أَن الله تَعَالَى قَادر على أَن يخلق لَهُ أَضْعَاف تِلْكَ اللَّذَّة فِي التفضل الابتدائى من غير تَعب وَلَا نصب إِن الله على كل شئ قدير ثمَّ الذى يقطع بِهِ دابر العناد ويخمد ثائرة الْإِلْحَاد الْتِزَام خُلُود أهل النَّار فِي النَّار بكبيرة وَاحِدَة إِذا مَاتُوا قبل الإقلاع عَنْهَا وَالتَّوْبَة مِنْهُمَا وَمَا قيل من أَن ذَلِك هُوَ الْأَصْلَح لَهُم لعلمه بهم أَنهم لَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ فَغير مُفِيد مَعَ الْعلم بقدرة الله تَعَالَى على مَنعهم مِنْهَا وإماتتهم قبل الْوُصُول إِلَيْهَا وإقدارهم على التَّوْبَة قبل الأوبة فَمَا الْفَائِدَة فِي تمكينهم من الكفران وإقدارهم على الْعِصْيَان ومنعهم من التَّوْبَة وَلَقَد كَانَ قَادِرًا على التجاوز والامتنان والصفح عَنهُ والغفران فَلَو فعل ذَلِك لقد
كَانَ أليق بِحِكْمَتِهِ وَأقرب إِلَى رأفته من أَن يعذبهم بالنيران ويحرمهم نعيم الْجنان فَإنَّا قد وجدنَا المديح للغافر لَا سِيمَا فِي حق من لَا يتَضَرَّر بالغفران وَلَا ينْتَفع بالانتقام بل هما بالنسة إِلَى جلال عَظمته وقدوس صمديته سيان فَمَا باله اسْتَأْثر بالأنتقام على الإنعام بالغفران وبالعقاب على الامتنان بل لَا يحسن فِي الْعقل فِي معرض المجازاة مُقَابلَة مَعْصِيّة وَاحِدَة بالخلود فِي الْعَذَاب الْمُقِيم الأبدى السرمدى بل لَو قيل إِن الْعقل يقبح ذَلِك لقد كَانَ هُوَ الْأَلْيَق فَانْظُر إِلَى هَؤُلَاءِ كَيفَ تخبطوا فِي الْحَقَائِق لقُصُور أفهامهم وَضَلُّوا فِي ظلمات أوهامهم واشكر الله على مَا منحك مِمَّا حرم منع غَيْرك إِن الله يجزى الشَّاكِرِينَ وَمَا هول بِهِ من أَن انْتِفَاء الْحِكْمَة غير لَازم من عدم تعلق الْعلم بوجودها فَصَحِيح لَكِن الْمُدعى هَهُنَا إِنَّمَا هُوَ تعلق الْعلم بعدمها على مَا شهد بِهِ الْعقل الصَّرِيح وَفرق بَين عدم تعلق الْعلم بِوُجُود الشئ وَبَين تعلق الْعلم بِعَدَمِ الشئ إِذْ الْوُجُود مَعَ الأول مُتَصَوّر وَمَعَ الثانى مُمْتَنع فقد تحقق من هَذِه الْجمل أَن الْغَرَض وَالصَّلَاح وَوُجُوب رعايته مُمْتَنع فِي حق وَاجِب الْوُجُود والذى يشْهد بذلك ويؤكده مَا أسلفناه من الإلزامات وقدمناه من الإشكالات فِي اعْتِبَار إِيجَاب النَّوَافِل وَاعْتِبَار إِيجَاب رِعَايَة الصّلاح والأصلح فِي الشَّاهِد وَمَا ذَكرُوهُ من الْفرق فَهُوَ يرجع على قاعدتهم فِي إِيجَاب الطَّاعَة وَالشُّكْر على العبيد بالإبطال وَإِن نظر إِلَى مَا يسْتَحقّهُ من الثَّوَاب فِي مُقَابلَته فَهُوَ بَاطِل لما أَثْبَتْنَاهُ وَمَعَ بُطْلَانه فَلم لَا قيل بِهِ فِي مَحل الْإِلْزَام وَمَا الْفرق بَين الصُّورَتَيْنِ وَمَا الْفَاصِل
مُقَابلَته فَهُوَ بَاطِل لما أَثْبَتْنَاهُ وَمَعَ بُطْلَانه فَلم لَا قيل بِهِ فِي مَحل الْإِلْزَام وَمَا الْفرق بَين الصُّورَتَيْنِ وَمَا الْفَاصِل
بَين الْحَالين وَهل ذَلِك إِلَّا مَحْض خيال لَا أصل لَهُ وَمُجَرَّد استرسال لَا سَنَد لَهُ نَعُوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان والتخبط فِي الْأَدْيَان وَمَا قيل من أَن مُسْتَند ذَلِك لَيْسَ إِلَّا نفى الْعَبَث والقبح عَن أَفعَال وَاجِب الْوُجُود فمبنى على أصلهم فِي التحسين والتقبيح وَقد أوضحنا فَسَاده وَمَا قيل فِي تَقْرِير الْأَصْلَح مِمَّا لَا ثُبُوت لَهُ على محك النّظر وَلَا مقرّ لَهُ فِي ميدان العبر فَإِنَّهُ مَا من أَمر يقدر أَن الانسان سيطغى عَنهُ إِلَّا والرب تَعَالَى قَادر على أَن يعصمه مِنْهُ ويمنعه عَنهُ وَإِذ ذَاك فَلَا يطغى وَاعْتِبَار الْأَصْلَح فِي حَقه يكون أولى كَيفَ وَأَن هَذَا ينْقض قاعدتهم فِي التَّكْلِيف رِعَايَة لمصْلحَة العَبْد مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ يكفر وَيفجر فَإِذا يمْتَنع رِعَايَة الْأَصْلَح نفيا للطغيان وَيمْتَنع التَّكْلِيف رِعَايَة لدفع الكفران وَهُوَ مِمَّا يعسر دَفعه على الْخُصُوم ويصعب حلّه على أَرْبَاب الفهوم وَإِذا ثَبت مَا مهدناه لزم القَوْل بِانْتِفَاء الْوُجُوب عَن جَمِيع أَفعَال وَاجِب الْوُجُود لما سبق وَلَا يروعنك تَفْسِير وجوب فعل الله تَعَالَى بِلُزُوم الظُّلم والعبث عَلَيْهِ بِفَرْض عَدمه كَمَا فِي الثَّوَاب على الطَّاعَة وإيلام الْحَيَوَان البرئ فَإِن ذَلِك يستدعى بَيَان قبوليته لِأَن يَتَّصِف بالظلم والعبث وكل مَا يُوجب لَهُ فِي ذَاته نقصا وَذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ بل الظُّلم وكل صفة منقصة مسلوبة عَنهُ لِامْتِنَاع اتصافه بهَا وَذَلِكَ على نَحْو سلب الظُّلم والعبث عَن الْحَيَوَانَات والجمادات وَغير ذَلِك من النباتات إِذْ الظُّلم يتَصَوَّر مِمَّن يُصَادف
ْتِنَاع اتصافه بهَا وَذَلِكَ على نَحْو سلب الظُّلم والعبث عَن الْحَيَوَانَات والجمادات وَغير ذَلِك من النباتات إِذْ الظُّلم يتَصَوَّر مِمَّن يُصَادف
تصرفه ملك غَيره من غير علمه أَو مُخَالفَة من هُوَ دَاخل تَحت تصرفه وَحكمه وَذَلِكَ كُله منفى عَن البارى تَعَالَى ثمَّ إِن ذَلِك مبْنى على أصولهم فِي التحسين والتقبيح وَقد أبطلناه ثمَّ كَيفَ السَّبِيل إِلَى تَفْسِير الْوَاجِب فِي حَقه بِمَا يلْزم من فرض عَدمه الْمحَال مَعَ مَا أسلفناه من قصَّة أَبى جهل وتكليف غَيره مِمَّن مَاتَ على كفره بِالْإِيمَان وَمُجَرَّد الْإِمْكَان غير كَاف فِي التَّمْكِين إِلَّا مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ والاسترسال بِكَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ قبل الْفِعْل مَعَ مَا عرف من أصلنَا فِي الِاسْتِطَاعَة وانها لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل غير مُفِيد ثمَّ وَلَو كَانَ مَقْدُورًا فَلَا بُد وَأَن يكون وُقُوعه بِالْفِعْلِ متصورا وَلَو تصور وُقُوعه بِالْفِعْلِ لانقلب الْعلم السَّابِق جهلا وَذَلِكَ محَال فِي حق البارى تَعَالَى لما سلف وَامْتِنَاع وُقُوع الْمحَال لَا فرق فِيهِ بَين أَن يكون لَازِما عَن الشئ بِاعْتِبَار ذَاته وَبَين أَن يكون لَازِما عَنهُ بِاعْتِبَار غَيره فِيمَا يرجع إِلَى نفس الْمَقْصُود وَهُوَ الْوُقُوع وَمن جحد ذَلِك فليسل الله تَعَالَى أَن يرزقه عقلا وَمن أنكر حُلُول الآلام بِالْحَيَوَانِ وإلمامه بهَا فجحده لبديهيته يغنى عَن مكالمته وَلسَانه يُنَادى على نَفسه بفضيحته فَإِن ذَلِك غير متقاصر عَن جحد كَونهَا حَيَّة ومتحركة وَغير ذَلِك مِمَّا لَهَا من الصِّفَات المحسوسة وَمن زعم أَن ذَلِك قَبِيح لعَينه فقد تبين فَسَاد أَصله فِي التحسن والتقبيح ثمَّ وَلَو كَانَ كَذَلِك للَزِمَ أَن من شرب دَوَاء كرها أَو احْتجم أَو انفصد أملا لإِزَالَة دَاء ممرض أَن يعد ذَلِك مِنْهُ قبيحا على نَحْو مَا إِذا ألْقى نَفسه فِي تهلكة وَهُوَ خلاف الْمَعْقُول وَأما الثنوية فقد أبطلنا عَلَيْهِم قواعدهم والتناسخية فسنبين فِيمَا يأتى زيف عقائدهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ الهادى لطرق الرشاد
الْقَاعِدَة الثَّالِثَة فِي حُدُوث الْمَخْلُوقَات وَقطع تسلسل الكائنات وَقد اضْطَرَبَتْ فِيهِ الآراء وَاخْتلف فِيهِ الْأَهْوَاء فَذَهَبت طوائف من الإلهيين كالرواقيين والمشائيين وَمن تَابعهمْ من فلاسفة الإسلاميين إِلَى القَوْل بِوُجُوب مَا وَجب عَن الْوَاجِب بِذَاتِهِ مَعَ وجوده وَإِن قيل لَهُ حَادث فَلَيْسَ إِلَّا بِمَعْنى أَن وجوب وجوده لغيره وَأَن لَهُ مبدأ يسْتَند إِلَيْهِ ويتقدم عَلَيْهِ تقدما بِالذَّاتِ على نَحْو تقدم الْعِلَل والمعلولات لَا بِمَعْنى أَن حُدُوثه من عدم بل هُوَ أزلى أبدى لم يزل وَلَا يزَال وَكَذَلِكَ حكم مَا وَجب عَمَّا وَجب وجوده بِالْوَاجِبِ بِذَاتِهِ وهلم جرا على مَا ذَكرْنَاهُ من تَفْصِيل مذاهبهم وإيضاح قواعدهم فِيمَا لَا يقبل الْفساد كالأجرام الفلكية ونفوسها والعقول الَّتِى هى مبادئ لَهَا فهى قديمَة أزلية لم تزل وَلَا تزَال وَمَا هُوَ قَابل للاستحالة كالحركات وامتزاجات أَو الْفساد كالصور الجوهرية للعناصر والمركبات فهى وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا حَادِثا لكنه لَا أول لَهَا ينتهى إِلَيْهِ بل هى لَا تتناهى مُدَّة وَلَا عدَّة وَمَا من كَائِن فَاسد إِلَّا وَقَبله كَائِن آخر إِلَى مَال يتناهى وَلم يوجبوا التناهى على أصلهم إِلَّا فَمَا لَهُ تَرْتِيب وضعى كالامتدادات أَو تَرْتِيب طبيعى وآحاده موجوده مَعًا كالعلل والمعلولات وَأما مَا سواهُ فَالْحكم بِأَن
لتناهى على أصلهم إِلَّا فَمَا لَهُ تَرْتِيب وضعى كالامتدادات أَو تَرْتِيب طبيعى وآحاده موجوده مَعًا كالعلل والمعلولات وَأما مَا سواهُ فَالْحكم بِأَن
لَا نِهَايَة لَهُ غير مُسْتَحِيل كالحركات الدورية والنفوس الإنسانة بعد الْمُفَارقَة للأجرام الْبَدَنِيَّة كَمَا سلف وَذهب أهل الْحق من الإسلاميين وَغَيرهم من أهل الشَّرَائِع الماضين وَجَمَاعَة من الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين إِلَى أَن كل مَوْجُود سوى الْوَاجِب بِذَاتِهِ فموجود بعد الْعَدَم وكائن بعد أَن لم يكن وَأَن الحكم لَهُ بالمعية مَعَ الْوَاجِب الأبدية وَاللَّازِم للسرمدية مِمَّا لَا سَبِيل أليه وَلَا معول لأرباب الْعُقُول عَلَيْهِ بل البارى تَعَالَى كَائِن وَلَا كَائِن ومتقدم بالوجود وَلَا مَوْجُود وَأَن مَا أبدعه لم يكن مَعَه بل هُوَ الْمُنْفَرد بالأبدية المتوحد بالسرمدية خَالق الْخلق بعد الْعَدَم ومعيدهم بعد الرمم إِن الله على كل شئ قدير وَعند هَذَا فَلَا بُد من الْبَحْث عَن مطمح نظر الْفَرِيقَيْنِ والكشف عَن مقصد الطَّائِفَتَيْنِ ولتكن الْبِدَايَة بِتَقْدِيم النّظر فِي طرق أهل الْحق أَولا وَإِبْطَال شبه أهل الضلال والانفصال عَنْهَا ثَانِيًا وَالْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة يَقع فِي طرفين أطرف فِي إبِْطَال القَوْل بِلُزُوم الْقدَم ب وطرف فِي إِثْبَات الْحُدُوث بعد الْعَدَم
هَا ثَانِيًا وَالْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة يَقع فِي طرفين أطرف فِي إبِْطَال القَوْل بِلُزُوم الْقدَم ب وطرف فِي إِثْبَات الْحُدُوث بعد الْعَدَم
أما الطّرف الأول فقد سلك المتكلوم فِيهِ بَيَان افتقار الْعَالم إِلَى صانع مبدع أَولا ثمَّ بَيَان إبِْطَال الإيجاد بِالذَّاتِ ثَانِيًا فَقَالَ بَعضهم فِي بَيَان وَجه الافتقار إِلَى الصَّانِع الْمُبْدع إِنَّا لَو قَدرنَا قدم الْجَوَاهِر فَلَيْسَ تَخْلُو عَن اجْتِمَاع وافتراق إِذْ لَا جَائِز أَن تكون لَا مجتمعة وَلَا مفترقة وعَلى كل تَقْدِير فَنحْن نعلم جَوَاز تبدل الِاجْتِمَاع والافتراق عَلَيْهَا وَعند ذَلِك فَلَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون مُسْتَحقَّة لذَلِك لذواتها أَو بِاعْتِبَار أَمر خَارج لَا جَائِز أَن تكون مُسْتَحقَّة لذَلِك لذواتها فَإِن مَا ثَبت للذات يَدُوم بدوام الذَّات وَلَا يتَصَوَّر عَلَيْهِ التبدل أصلا فَإِذا لَا بُد أَن يكون الْمُخَصّص لَهَا بذلك أمرا خَارِجا لَا محَالة وَاعْلَم أَن التَّعَرُّض لإِظْهَار هَذَا الْمِقْدَار لَيْسَ بمفيد لِأَن الْخصم مَا يَدْفَعهُ أَو يمنعهُ وَإِنَّمَا هُوَ لإسناد الْعلم بِهِ إِلَى الدَّلِيل ولدفع شغب معاند مجاحد خَارج عَن هَذَا الْقَبِيل فَإِذا كَانَ كَذَلِك فالعلم بِصِحَّة مَدْلُول هَذَا الدَّلِيل يتَوَقَّف على حصر الْجَوَاهِر والموجودات فِيمَا هُوَ قَابل للاجتماع والافتراق إِذْ رُبمَا يَقُول الْخصم بِوُجُود جَوَاهِر مُجَرّدَة عَن الْمَادَّة وعلائق الْموَاد لَا تقبل الِاجْتِمَاع والافتراق وَلَا يَصح القَوْل بِكَوْنِهَا مجتمعة وَلَا مُتَفَرِّقَة لكَونهَا عقولا مَحْضَة
رّدَة عَن الْمَادَّة وعلائق الْموَاد لَا تقبل الِاجْتِمَاع والافتراق وَلَا يَصح القَوْل بِكَوْنِهَا مجتمعة وَلَا مُتَفَرِّقَة لكَونهَا عقولا مَحْضَة
وَذَلِكَ أَيْضا مِمَّا لَا يكفى بل لابد من بَيَان أَن مَا حصل بَين الْجَوَاهِر أَو بَعْضهَا من الِاجْتِمَاع أَو الِافْتِرَاق مِمَّا لَا تَقْتَضِيه بذواتها إِذْ رُبمَا لَا يُسلمهُ الْخصم عنادا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض الْجَوَاهِر كالاجتماع الْكَائِن بَين الأجرام الفلكية والجواهر العلوية وَكَذَلِكَ بعض الافتراقات لبَعض الأجرام أَيْضا فمجرد الدَّعْوَى فِي ذَلِك غير كَافِيَة وَلَا شافية وَلَيْسَ يلْزم من جَوَاز تبدل الِاجْتِمَاع والافتراق على بعض الْجَوَاهِر السفلية مثله فِي الْجَوَاهِر العلوية وَلَا كَذَلِك بِالْعَكْسِ لما اشْتَركَا فِيهِ من الجوهرية أَو الجسمية فَإِنَّهُ لَا مَانع من أَن يكون ذَلِك لَهَا بِاعْتِبَار خصوصياتها وَلما وَقع بِهِ الِافْتِرَاق بَين ذواتها وَإِن أمكن بَيَان ذَلِك فَهُوَ مِمَّا يطول ويصعب تَحْقِيقه جدا على أَرْبَاب الْعُقُول وَلِهَذَا انتهج إِمَام الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْمنْهَج بِعِبَارَة أُخْرَى فَقَالَ نعلم قطعا أَن اخْتِصَاص الْعَالم بشكله الْمُقدر مَعَ جَوَاز أَن يكون أَصْغَر من ذَلِك أَو أكبر وفرضه فِي مستقره من غير تيامن وَلَا تياسر واختصاص كل جُزْء من أَجْزَائِهِ بمكانه من الْمُحِيط إِلَى المركز بِحَيْثُ كَانَت الأفلاك مُحِيطَة بالنَّار وَالنَّار مُحِيط بالهواء والهواء بِالْمَاءِ وَالْمَاء بِالتُّرَابِ إِلَى غير ذَلِك من وُجُوه التخصيصات مِمَّا لَا يَسْتَحِيل القَوْل بِفَرْض وجود تِلْكَ الأجرام بذواتها مَعَ غَيرهَا كَأَن يكون الْعَالم أَصْغَر أَو أكبر مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ أَو متيامنا أَو متياسرا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ من مستقره أَيْضا وَلَو كَانَ ذَلِك مِمَّا يثبت لَهَا بِاعْتِبَار
ذواتها لما تصور فرض تبدله أصلا فَإِذا اختصاصها بِهِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار مُخَصص خَارج وَمَا لزم الأول فِي قَضيته فَهُوَ أَيْضا لَازم لهَذَا الْقَائِل على طَرِيقَته مَعَ لُزُوم بَيَان تناهى الأبعاد وَفرض خلاء وَرَاء الْعَالم لضَرُورَة صِحَة فرض التباين والتياسر وَلأَجل ذَلِك فر بعض الْمُحَقِّقين فِي ذَلِك إِلَى بَيَان جِهَة الْإِمْكَان فَقَالَ الْقِسْمَة الْعَقْلِيَّة حصرت المعلومات فِي ثَلَاثَة أَقسَام وَاجِب لذاته وممتنع لذاته وممكن لذاته فَالْوَاجِب هُوَ الْمَوْجُود الذى لَو فرض مَعْدُوما لزم عَنهُ الْمحَال لذاته والممتنع لَو فرض مَوْجُودا لزم عَنهُ لذاته الْمحَال والممكن هُوَ مَا لَو فرض مَوْجُودا أَو مَعْدُوما لم يعرض عَنهُ محَال فالعالم إِمَّا أَن يكون وَاجِبا أَو مُمْتَنعا أَو مُمكنا لَا جَائِز أَن يكون وَاجِبا لِأَن أَجْزَائِهِ متغيرة عيَانًا وضرورى الْوُجُود لَا يتَغَيَّر بِحَال وَلَا جَائِز أَن يكون مُمْتَنعا وَإِلَّا لما وجد فَتعين أَن يكون لذاته مُمكنا وكل مُمكن فترجحه فِي جَانب وجوده أَو عَدمه لَيْسَ إِلَّا بِغَيْرِهِ وَإِلَّا كَانَ وَاجِبا مُمْتَنعا فترجح الْعَالم فِي جَانب وجوده لَيْسَ أَلا بِغَيْرِهِ
مكن فترجحه فِي جَانب وجوده أَو عَدمه لَيْسَ إِلَّا بِغَيْرِهِ وَإِلَّا كَانَ وَاجِبا مُمْتَنعا فترجح الْعَالم فِي جَانب وجوده لَيْسَ أَلا بِغَيْرِهِ
ثمَّ نظم لذَلِك قِيَاسا مركبا مُنْفَصِلا فَقَالَ الْعَالم متغير ومتكثر وكل متكثر ومتغير فَهُوَ مُمكن الْوُجُود بِذَاتِهِ وكل مُمكن الْوُجُود بِذَاتِهِ فوجوده بإيجاد غَيره فوجود الْعَالم بإيجاد غَيره وَذَلِكَ الْغَيْر يَسْتَحِيل أَن يكون مرجحا بِذَاتِهِ لثَلَاثَة أوجه الْوَجْه الأول أَن الْوُجُود والذات لَا اخْتِلَاف فيهمَا بَين مَوْجُود وموجود وهما فِي الْوَاجِب والجائز بِمَعْنى وَاحِد فَلَو أوجب الْوُجُود من حَيْثُ إِنَّه ذَات وَوُجُود لم يكن إيجاده لغيره بذلك الِاعْتِبَار بِأولى من وجوده هُوَ بِغَيْرِهِ بِنَاء على مَا اشْتَركَا فِيهِ من ذَلِك الِاعْتِبَار الْوَجْه الثانى هُوَ أَن الجائزات بأسرها متماثلة من حَيْثُ هى جَائِزَة وهى لم تكن مفتقرة إِلَى الْمُرَجح إِلَّا من حَيْثُ مَا وَقع بَينهَا من الِاشْتِرَاك فِي جِهَة الْإِمْكَان والموجب بِالذَّاتِ لَا يخصص مثلا عَن مثل إِذْ نِسْبَة سَائِر المتماثلات إِلَيْهِ على وتيرة وَاحِدَة وَالْوَجْه الثَّالِث هُوَ أَن الْوَاجِب بِذَاتِهِ مهما لم يكن بَينه وَبَين الْمُوجب مُنَاسبَة أَو تعلق مَا بل انْفَرد كل وَاحِد بحقيقته وخاصيته لم يقْض الْعقل بصدور أَحدهمَا عَن الآخر أصلا وَلَا محَالة أَن البارى تَعَالَى مُنْفَرد بحقيقته عَن جَمِيع المناسبات والتعلقات فإيجاده لغيره بِالذَّاتِ لَا يكون معقولا فَإِذا قد امْتنع الإيجاد بِالذَّاتِ وَتعين أَن يكون بِصفة زَائِدَة بهَا التَّخْصِيص وهى الْمَعْنى بالإرادة وَمَعَ ذَلِك فَلَا يلْزم القَوْل بِلُزُوم الْقدَم
د امْتنع الإيجاد بِالذَّاتِ وَتعين أَن يكون بِصفة زَائِدَة بهَا التَّخْصِيص وهى الْمَعْنى بالإرادة وَمَعَ ذَلِك فَلَا يلْزم القَوْل بِلُزُوم الْقدَم
ولربما قرر بتقرير آخر وَهُوَ أَن الْعَالم مُمكن والممكن جَائِز الْوُجُود وَجَائِز الْعَدَم لَا جَائِز الْوُجُوب وَجَائِز الِامْتِنَاع فاستفادته من الْمُرَجح لَيْسَ إِلَّا وجوده لَا وُجُوبه إِذْ الْوُجُوب عَارض للوجود وَلِهَذَا يَصح أَن يُقَال وجد فَوَجَبَ وَلَا يَصح أَن يُقَال وَجب فَوجدَ وَإِذا كَانَ الْوُجُوب عارضا للوجود فالمستند إِلَى الْمُرَجح إِنَّمَا هُوَ الْوُجُود لَا مَا عرض لَهُ فعلى هَذَا إِذا قيل إِن الْمُمكن وجد بإيجاد غَيره كَانَ مُسْتَقِيمًا لفظا وَمعنى وَإِذا قيل إِنَّه وَجب بايجاب بِغَيْرِهِ كَانَ مختلا لفظا وَمعنى وَإِذا بَطل أَن يكون الْمُسْتَفَاد من الْمُرَجح هُوَ الْوُجُوب بَطل الْإِيجَاب الذاتى للملاءمة بَين وجود الْمُفِيد والمستفيد وَلَقَد فر مِمَّا لَا طَاقَة لَهُ بِهِ إِلَى مَا لَا قبل لَهُ بِهِ وَذَلِكَ أَنه إِن أَرَادَ بالتغير التَّغَيُّر فِي كل أَجزَاء عَالم الْكَوْن وَالْفساد والتبدل بالوجود بعد الْعَدَم والعدم وَبعد الْوُجُود فَذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى ادعائه غَائِبا بطرِيق الْعُمُوم والشمول وَإِن صَحَّ ذَلِك فِي بعض الْجَوَاهِر الصورية وَبَعض الْأُمُور العرضية وَمَعَ امْتنَاع إِسْنَاد ذَلِك إِلَى العيان لَا بُد فِيهِ من الْبَيَان وَإِن أَرَادَ بِهِ التَّغَيُّر فِي أَحْوَال الموجودات وَمَا يتَعَلَّق بهَا من التغيرات فقد الْتزم فِي ذَلِك مَا فر مِنْهُ أَولا وَهُوَ بَيَان انْتِفَاء مَوْجُود لَا يقبل التَّغَيُّر أصلا وَذَلِكَ كَمَا أثْبته الْخصم من الْعُقُول الكروبية والنفوس الروحانية وَبَيَان وجود الْأَعْرَاض وحدثها وانتهائها وَامْتِنَاع عرو الْجَوَاهِر عَنْهَا حَتَّى يَصح القَوْل بِحَدَث الْجَوَاهِر بأصلها وَكَونهَا مُمكنَة الْوُجُود فِي نَفسهَا وَإِلَّا فَلَا يلْزم من قيام شئ متغير بشئ أَن يكون ذَلِك الشئ فِي نَفسه متغيرا وَإِذا لم يكن متغيرا فقد انْتَفَى عَنهُ مَا جعله مُسْتَندا
لبَيَان الْإِمْكَان أَولا وَعند ذَلِك فَلَا يلْزم أَن يكون الْعَالم بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مُمكنا على مَا لَا يخفى وَمَا قيل من أَن الْوُجُود بِالذَّاتِ فِي الْوَاجِب والجائز بِمَعْنى وَاحِد وَلَيْسَ إِيجَاب أَحدهمَا للْآخر بِأولى من الْعَكْس فمما لَا سَبِيل إِلَيْهِ على الرأيين وَذَلِكَ أَنه لَو كَانَ معنى الذَّات والوجود فيهمَا معنى وَاحِدًا للَزِمَ أَن تكون ذَات وَاجِب الْوُجُود ووجوده مُمكنا اَوْ أَن يكون وجود الْجَائِز وذاته وَاجِبا لضَرُورَة الِاشْتِرَاك فِيمَا قيل إِنَّه وَاجِب فِي أَحدهمَا وممكن فِي الآخر فَإِن مَا ثَبت لشئ لنَفسِهِ كَانَ لَازِما لَهُ مهما وجد وَإِن اخْتلفت الْجِهَات والمتعلقات وَلَا يخفى أَن جعل الْوَاجِب بِذَاتِهِ مُمكنا أَو الْمُمكن وَاجِبا من أمحل المحالات إِذْ الْوَاجِب لذاته مَا لَو فرض مَعْدُوما عرض عَنهُ الْمحَال لذاته والممكن مَا لَا يعرض الْمحَال لذاته لَا من فرض وجوده وَلَا عَدمه فَإِذا لَيْسَ الِاشْتِرَاك بَين الوجب والجائز فِي غير اسْم الْوُجُود والذات والاشترك فِي الِاسْم مَعَ اخْتِلَاف الْحَقِيقَة لَا يُوجب الْأَوْلَوِيَّة لعدم ارتباط الإيجاد والإحداث بِمَا وَقع بِهِ الِاشْتِرَاك من الِاسْم وَمَا قيل من أَن الجائزات بأسرها متماثلة ومتساوية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْجُود بِالذَّاتِ فتوسع فِي الدَّعْوَى وَذَلِكَ أَن الْخصم وَإِن سلم أَن وجود الجائزات متساو بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَات الْمُمكن بِحَيْثُ لَو اتّصف بأى مِنْهُمَا كَانَ لم يكن ذَلِك لاختصاصه بمخصص من الذَّات الْقَابِلَة لَهُ بل هى بِالنِّسْبَةِ اليه وَإِلَى غَيره على السوَاء فَلَيْسَ يسلم تساويهما بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَصّص لَا سِيمَا إِن كَانَ مقتضيا لذَلِك بِالذَّاتِ والطبع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْمُخَصّص مُخَصّصا بِالذَّاتِ وَكَانَ لَهُ صَلَاحِية تَخْصِيص جَمِيع الجائزات من الْوُجُود
ا لذَلِك بِالذَّاتِ والطبع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْمُخَصّص مُخَصّصا بِالذَّاتِ وَكَانَ لَهُ صَلَاحِية تَخْصِيص جَمِيع الجائزات من الْوُجُود
والعدم من غير أَوْلَوِيَّة لأَحَدهمَا فَهُوَ إِمَّا أَن يكون مُخَصّصا لكل وَاحِد من جِهَة مَا خصص الآخر مِنْهُمَا فَهُوَ محَال إِذْ المخصصات الْمُخْتَلفَة مُسْتَحِيل أَن تستند فِي جَانب مخصصها إِلَى شئ وَاحِد من كل جِهَة وَإِن كَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار جِهَات فَلَا يكون الِاقْتِضَاء بِالذَّاتِ وَلَا يكون مُسْتَند سَائِر الممكنات إِلَى مُجَرّد الذَّات قَضِيَّة وَاحِدَة بل الذَّات لَا تكون مقتضية إِلَّا لشئ وَاحِد إِن اقْتَضَت غَيره فَلَيْسَ إِلَّا بِاعْتِبَار صِفَات زَائِدَة عَلَيْهَا فَإِذا لفظ الْإِيجَاب بِالذَّاتِ يلازمه نفى الِاشْتِرَاك فِيهِ والتساوى فِي نِسْبَة الموجبات الْمُخْتَلفَة إِلَيْهِ فَالْقَوْل بِوُجُوب التساوى إِذْ ذَاك تنَاقض والذى يُوضح مَأْخَذ هَذَا الْمَنْع مَا اشْتهر من مُعْتَقد الْخصم من أَن نِسْبَة إِيجَاد البارى تَعَالَى لما أوجده بِذَاتِهِ كنسبة إِيجَاب حَرَكَة الْيَد لحركة الْخَاتم وَلَا يخفى أَنه وَإِن كَانَت حَرَكَة الْخَاتم وسكونها بِالنِّسْبَةِ الى ذَات الْخَاتم سيان فَلَيْسَ يلْزم أَن يكون سُكُون الْخَاتم وحركتها بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَرَكَة الْيَد سيان بل الْعقل يقْضى باستحالة سُكُون الْخَاتم مَعَ حَرَكَة الْيَد وَوُجُوب حركتها عِنْد حَرَكَة الْيَد
اتم وحركتها بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَرَكَة الْيَد سيان بل الْعقل يقْضى باستحالة سُكُون الْخَاتم مَعَ حَرَكَة الْيَد وَوُجُوب حركتها عِنْد حَرَكَة الْيَد وَأما ادِّعَاء الْمُنَاسبَة وَوُجُوب التَّعَلُّق بَين الْمُوجب بِالذَّاتِ وَمَا أوجبه إِن أُرِيد بِهِ أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا على حَقِيقَته بِحَيْثُ يلْزم من وجود أَحدهمَا وجود الآخر فَذَلِك مِمَّا لَا نزاع فِيهِ وَإِنَّمَا الشَّأْن بَيَان أَنه لم يثبت للبارى تَعَالَى وَلما أوجبه الْحَقِيقَة الَّتِى يكون بهَا أَحدهمَا عِلّة وَالْآخر معلولا وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التعسف وَإِن أُرِيد بالمناسبة الْمُسَاوَاة والمشابهة فِي أَمر مَا فَذَلِك أَيْضا تحكم غير مَقْبُول ثمَّ كَيفَ يُمكن القَوْل بذلك وَلَو وَقع لم يخل إِمَّا أَن يكون الْإِيجَاب بِاعْتِبَارِهِ أَو بِاعْتِبَار مَا وَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ بَين حَقِيقَة الْمُوجب والموجب فَإِن كَانَ بِاعْتِبَارِهِ فَلَيْسَ جعل أَحدهمَا عله للْآخر بِأولى من الْعَكْس لضَرُورَة التساوى بَينهمَا فِي ذَلِك الْمَعْنى وَإِن كَانَ بِاعْتِبَار مَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف فَلَا حَاجَة إِلَى القَوْل بالمشابهة وَلَا الْمُسَاوَاة فِي شئ مَا
ى بَينهمَا فِي ذَلِك الْمَعْنى وَإِن كَانَ بِاعْتِبَار مَا وَقع بِهِ الِاخْتِلَاف فَلَا حَاجَة إِلَى القَوْل بالمشابهة وَلَا الْمُسَاوَاة فِي شئ مَا
وَمَا قيل من أَن المستفيد لَيْسَ لَهُ من الْمُفِيد غير الْوُجُود وَأما الْوُجُوب فعارض وتابع للوجود فَلَا يُوجب مُقَارنَة وجود المستفيد لوُجُود مفيده فَهُوَ يشْعر بِعَدَمِ الْإِحَاطَة بمقصود الْخصم من قَوْله الْعَالم وَاجِب الْوُجُود للْوَاجِب بِذَاتِهِ ومنشأ ذَلِك إِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاف جِهَات حَقِيقَة الْوُجُوب مَعَ اتِّحَاد لفظ الْوُجُوب فَإِن وجوب الْوُجُود مِنْهُ مَا هُوَ ثَابت لذات الْوُجُود وَهُوَ غير مُرَاد فِيمَا نَحن فِيهِ وَمِنْه مَا هُوَ مَشْرُوط بِأَمْر خَارج عَن الذَّات ثمَّ ذَلِك مِنْهُ مَا هُوَ مَشْرُوط بِنَفس الْوُجُود كَقَوْلِنَا زيد وَاجِب الْوُجُود فى حَالَة كَونه مَوْجُودا وَمِنْه مَا هُوَ مَشْرُوط بِمَا هُوَ مُتَعَلق عِلّة الْوُجُود فِي الْعقل كَمَا فِي قَوْلنَا بِوُجُوب وجود الْمَعْلُول بِالنّظرِ إِلَى علته وَيكون معنى كَون أَنه وَاجِب الْوُجُود بِالنّظرِ إِلَى علته أَنه لَو فرض مَعْدُوما عِنْد وجود علته لزم الْمحَال وَلَا يخفى أَن الْوُجُوب بِالِاعْتِبَارِ الأول تَابع للوجود وَلَا يَصح أَن يُقَال بذلك الِاعْتِبَار إِنَّه وَجب فَوَجَبَ بل وجد فَوَجَبَ وَأما الْوُجُوب بالإعتبار الثانى فَإِنَّهُ لَا محَالة مُتَعَلق عِلّة الْوُجُود فَإِنَّهُ يَصح أَن نقُول وَإِن قَطعنَا النّظر عَن الْمَوْجُود إِنَّه وَاجِب الْوُجُود بِمَعْنى أَنه يلْزم من فرض عَدمه لوُجُود علته الْمحَال وعَلى هَذَا الِاعْتِبَار يَصح أَن يُقَال أَنه وَجب فَوجدَ أى لما لزم الْمحَال من فرض عَدمه عِنْد وجود علته وجد وَلَا يَصح أَن يُقَال وجد فَوَجَبَ إِذْ يلْزم الْمحَال من فرض عَدمه لوُجُود علته
َنه وَجب فَوجدَ أى لما لزم الْمحَال من فرض عَدمه عِنْد وجود علته وجد وَلَا يَصح أَن يُقَال وجد فَوَجَبَ إِذْ يلْزم الْمحَال من فرض عَدمه لوُجُود علته وعَلى هَذَا إِن أُرِيد بمتابعة الْوُجُوب للوجود مَا هُوَ بِالِاعْتِبَارِ الأول فَلَا خَفَاء بِصِحَّتِهِ لكنه مِمَّا لَا يُفِيد إِذْ هُوَ غير مُرَاد للخصم وَإِن أُرِيد بِهِ الِاعْتِبَار الثانى فَلَا خَفَاء بفساده وَلَا يخفى أَن ذَلِك مِمَّا يُوجب الْمُلَازمَة بَين الوجودين والمعية بَين الذاتين إِذْ يَسْتَحِيل أَن يُقَال إِنَّه يلْزم الْمحَال من فرض عَدمه مهما وجدت علته مَعَ جَوَاز فرض تَأَخره عَنْهَا وَلَيْسَ الْمَعْنى بِكَوْنِهِ وَاجِبا بِالْوَاجِبِ بِذَاتِهِ إِلَّا هَذَا وَلَا سَبِيل إِلَى مدافعته
وَلَيْسَ من السديد مَا قيل فِي معرض الْإِلْزَام للخصم وَإِبْطَال القَوْل بالقدم إِنَّك مُوَافق على تَسْمِيَة البارى فَاعِلا والعالم حَادِثا فَلَو كَانَ وجود الْعَالم ملازما لوُجُود البارى تَعَالَى مُلَازمَة لَا يُمكن القَوْل بدفعها كملازمة الظل للشجرة والمعلول لِلْعِلَّةِ لامتنع تَسْمِيَته فَاعِلا كَمَا يمْتَنع تَسْمِيَة الشَّجَرَة فاعلة للظل وَالْعلَّة فاعلة للملعول من جِهَة أَن الْفَاعِل عبارَة عَمَّن يصدر مِنْهُ الْفِعْل مَعَ الْإِرَادَة للْفِعْل وعَلى سَبِيل الِاخْتِيَار وَأَيْضًا لامتنع تَسْمِيَة الْعَالم حَادِثا إِذْ الْحَادِث هُوَ مَا لَهُ أول ووجوده بعد مَا لم يكن فَإِن الْخصم إِنَّمَا يعْنى بِكَوْن البارى فَاعِلا للْعَالم أَن وجوده لَازم لوُجُوده لَا غير وَذَلِكَ إِن لم يُوَافق الْوَضع اللغوى فَلَا يرجع حَاصِل السُّؤَال إِلَّا إِلَى مناقشة لفظية ومجادلة قولية وَلَا اعْتِبَار بِهِ وَتَسْمِيَة الْعَالم حَادِثا إِنَّمَا هُوَ عِنْده بِمَعْنى أَنه فِي جَانب وجوده مفتقر إِلَى غَيره وَإِن لم يكن لَهُ أول وَمعنى كَونه قَدِيما أَنه لَا أول لوُجُوده إِذْ الْقَدِيم قد يُطلق عِنْده على مَا لَا أول لوُجُوده وَإِن كَانَ وجوده مفتقرا إِلَى غَيره وَقد يُطلق على مَا لَا يفْتَقر فِي وجوده إِلَى غَيره كَمَا سبق من أَن تَسْمِيَة الْعَالم قَدِيما ومحدثا إِنَّمَا هُوَ باعتبارين مُخْتَلفين وَلَا مشاحة فِي الإطلاقات بعد فهم غور الْمَعْنى وَلَا يلْزم على هَذَا أَن يُقَال إِذا كَانَ الْعَالم لَا أول لوُجُوده امْتنع القَوْل بإيجاده بِغَيْرِهِ إِذْ لقَوْل بإيجاد الْمَوْجُود محَال فَإِن من حقق مواقع الْإِجْمَاع من إِيجَاد
ِذا كَانَ الْعَالم لَا أول لوُجُوده امْتنع القَوْل بإيجاده بِغَيْرِهِ إِذْ لقَوْل بإيجاد الْمَوْجُود محَال فَإِن من حقق مواقع الْإِجْمَاع من إِيجَاد
الحادثات بعد الْعَدَم سلم أَنه لَا أثر فِي الإيجاد لسبق الْعَدَم فَإِن ايجاد الموجد لَهُ إِمَّا أَن يتَعَلَّق بِهِ فِي حَال وجوده أَو فِي حَالَة عَدمه أَو فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا لَا جَائِز أَن يكون مُتَعَلقا بِهِ فِي حَال عَدمه إِذْ هُوَ الْمحَال وَبِه نفس فَسَاد الْقسم الثَّالِث أَيْضا فبقى أَن يكون مُتَعَلق بِهِ فِي حَال وجوده فَإِنَّهُ لَو قطع النّظر فِي تِلْكَ الْحَالة عَن الموجد لما وجد الْمَعْلُول وَلَيْسَ استناد الموجد إِلَى الموجد من جِهَة وجوده حَتَّى يطرد ذَلِك فِي كل مَوْجُود بل الصَّحِيح أَن إِسْنَاده إِلَيْهِ لَيْسَ إِلَّا من جِهَة إِمْكَانه وَذَلِكَ وَإِن استدعى سبق الْإِمْكَان على الْوُجُود بِالذَّاتِ فَهُوَ لَا يستدعى سبق الْعلَّة أصلا ثمَّ وَلَو قيل إِنَّه مُسْتَند إِلَى الموجد من حَيْثُ وجوده فَإِنَّمَا يلْزم القَوْل بالاطراد أَن لَو وَقع القَوْل بالاشتراك بَين الموجودات فِي مُسَمّى الْوُجُود لَا فِي مُجَرّد التَّسْمِيَة كَمَا بَيناهُ من قبل فَإِذا القَوْل بِإِبْطَال لُزُوم الْقدَم إِنَّمَا يلْزم أَن لَو جَازَ صُدُور الْعَالم عَمَّا صدر عَنهُ بِجِهَة الْقُدْرَة والإرادة وَلَا يخفى جَوَاز ذَلِك لضَرُورَة كَون البارى قَادِرًا مرِيدا كَمَا أسلفناه كَيفَ وسنبين اندراجه فِي طرف سبق الْعَدَم بطريقة جَامِعَة بَينهمَا وسبيل وَاحِد موصل إِلَيْهِمَا من غير احْتِيَاج إِلَى تَخْصِيص دَلِيل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا
ين اندراجه فِي طرف سبق الْعَدَم بطريقة جَامِعَة بَينهمَا وسبيل وَاحِد موصل إِلَيْهِمَا من غير احْتِيَاج إِلَى تَخْصِيص دَلِيل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا
الطّرف الثانى فِي اثبات الْحُدُوث بعد الْعَدَم وَلَقَد سلك بعض الْمُتَأَخِّرين هُوَ مُحَمَّد الشهرستانى فِي ذَلِك طَريقَة ظن أَنه مِمَّن حَاز بهَا قصب سبق الْمُتَقَدِّمين فَقَالَ فِي معرض الْحِكَايَة عَن الْقَوْم فِي أَقسَام التَّقَدُّم والتأخر ومعا أَن التَّقَدُّم قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ التَّقَدُّم بِالزَّمَانِ كتقدم آدم على إِبْرَاهِيم وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ التَّقَدُّم بالشرف كتقدم الْعَالم على الْجَاهِل وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ التَّقَدُّم بالرتبة كتقدم الإِمَام على الصَّفّ فِي جِهَة الْمِحْرَاب إِن جعل مبدأ وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ التَّقَدُّم بالطبع كتقدم الْوَاحِد على الِاثْنَيْنِ وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ التَّقَدُّم بالعلية كتقدم الشَّمْس على ضوئها وَتقدم حَرَكَة الْيَد على حَرَكَة الْخَاتم وَنَحْوه ثمَّ زعم أَن هَذِه الْأَقْسَام مِمَّا لَا دَلِيل على حصرها وَلَا ضبط لعددها حَتَّى إِنَّه زَاد قسما سادسا وَهُوَ التَّقَدُّم بالوجود من غير الْتِفَات إِلَى الزَّمَان أَو الْمَكَان أَو الشّرف أَو الطَّبْع أَو الْعلية فَقَالَ لَا يبعد تصور شَيْئَيْنِ وجود أَحدهمَا لذاته وَوُجُود الآخر من غَيره ثمَّ نَنْظُر بعد ذَلِك هَل اسْتَفَادَ وجوده مِنْهُ طبعا أَو ذاتا أَو غير ذَلِك وعَلى هَذَا النَّحْو أَقسَام التَّأَخُّر ومعا ثمَّ قَالَ إِن الْمَعِيَّة من كل رُتْبَة لَا تجامع التَّقَدُّم والتأخر



