الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya ابن حجر الهيتمي (w. 974 H).

Bagian 13 dari 15 686 halaman

— Bagian 13 · صارخ وَبَاكٍ ومتمرغ فِي التُّرَاب ومقبل لحافر بغ… —

Bagian 13

صارخ وَبَاكٍ ومتمرغ فِي التُّرَاب ومقبل لحافر بغلته فصاحت الْعلمَاء معاشر النَّاس أَنْصتُوا فأنصتوا واستملى مِنْهُ الحافظان الْمَذْكُورَان فَقَالَ حَدثنِي أبي مُوسَى الكاظم عَن أَبِيه جَعْفَر الصَّادِق عَن أَبِيه مُحَمَّد الباقر عَن أَبِيه زين العابدين عَن أَبِيه الْحُسَيْن عَن أَبِيه عَليّ بن أبي طَالب ﵃ قَالَ حَدثنِي حَبِيبِي وقرة عَيْني رَسُول الله ﷺ قَالَ (حَدثنِي جِبْرِيل قَالَ سَمِعت رب الْعِزَّة يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله حصني فَمن قَالَهَا دخل حصني وَمن دخل حصني أَمن من عَذَابي) ثمَّ أرْخى السّتْر وَسَار فعد أهل المحابر والدوى الَّذين كَانُوا يَكْتُبُونَ فأنافوا على عشْرين ألفا وَفِي رِوَايَة أَن الحَدِيث الْمَرْوِيّ (الْإِيمَان معرفَة بِالْقَلْبِ وَإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَعمل بالأركان) وَلَعَلَّهُمَا وَاقِعَتَانِ قَالَ أَحْمد لَو قَرَأت هَذَا الْإِسْنَاد على مَجْنُون لبرىء من جنته وَنقل بعض الْحفاظ أَن امْرَأَة زعمت أَنَّهَا شريفة بِحَضْرَة المتَوَكل فَسَأَلَ عَمَّن يُخبرهُ بذلك فَدلَّ على عَليّ الرضى فجَاء فأجلسه مَعَه على السرير وَسَأَلَهُ فَقَالَ إِن الله حرم لحم أَوْلَاد الْحُسَيْن على السبَاع فلتلق للسباع فَعرض عَلَيْهَا بذلك فَاعْترفت بكذبها ثمَّ قيل للمتوكل أَلا تجرب ذَلِك فِيهِ فَأمر بِثَلَاثَة من السبَاع فجيء بهَا فِي صحن قصره ثمَّ دَعَاهُ فَلَمَّا دخل بَابه

ْهَا بذلك فَاعْترفت بكذبها ثمَّ قيل للمتوكل أَلا تجرب ذَلِك فِيهِ فَأمر بِثَلَاثَة من السبَاع فجيء بهَا فِي صحن قصره ثمَّ دَعَاهُ فَلَمَّا دخل بَابه

أغلق عَلَيْهِ وَالسِّبَاع قد أصمت الأسماع من زئيرها فَلَمَّا مَشى فِي الصحن يُرِيد الدرجَة مشت إِلَيْهِ وَقد سكنت وتمسحت بِهِ ودارت حوله وَهُوَ يمسحها بكمه ثمَّ ربضت فَصَعدَ للمتوكل وتحدث مَعَه سَاعَة ثمَّ نزل فَفعلت مَعَه كفعلها الأول حَتَّى خرج فَأتبعهُ المتَوَكل بجائزة عَظِيمَة فَقيل للمتوكل افْعَل كَمَا فعل ابْن عمك فَلم يَجْسُر عَلَيْهِ وَقَالَ أتريدون قَتْلِي ثمَّ أَمرهم أَن لَا يفشوا ذَلِك وَنقل السعودي أَن صَاحب هَذِه الْقِصَّة هُوَ ابْن ابْن عَليّ الرضى هُوَ عَليّ العسكري وَصوب لِأَن الرضى توفّي فِي خلَافَة الْمَأْمُون اتِّفَاقًا وَلم يدْرك المتَوَكل وَتُوفِّي ﵁ وعمره خمس وَخَمْسُونَ سنة عَن خَمْسَة ذُكُور وَبنت أَجلهم مُحَمَّد الْجواد لكنه لم تطل حَيَاته وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَنه بعد موت أَبِيه بِسنة وَاقِف وَالصبيان يَلْعَبُونَ فِي أَزِقَّة بَغْدَاد إِذْ مر الْمَأْمُون فَفرُّوا ووقف مُحَمَّد وعمره تسع سِنِين فَألْقى الله مجبته فِي قلبه فَقَالَ لَهُ يَا غُلَام مَا مَنعك من الِانْصِرَاف فَقَالَ لَهُ مسرعا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يكن بِالطَّرِيقِ ضيق فأوسعه لَك وَلَيْسَ لي جرم فأخشاك وَالظَّن بك حسن

ُلَام مَا مَنعك من الِانْصِرَاف فَقَالَ لَهُ مسرعا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يكن بِالطَّرِيقِ ضيق فأوسعه لَك وَلَيْسَ لي جرم فأخشاك وَالظَّن بك حسن

أَنَّك لَا تضر من لَا ذَنْب لَهُ فأعجبه كَلَامه وَحسن صورته فَقَالَ لَهُ مَا اسْمك وَاسم أَبِيك فَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الرضى فترحم على أَبِيه وسَاق جَوَاده وَكَانَ مَعَه بزاة للصَّيْد فَلَمَّا بعد عَن الْعمار أرسل بازه على دراجة فَغَاب عَنهُ ثمَّ عَاد من الجو فِي منقاره سَمَكَة صَغِيرَة وَبهَا بَقَاء الْحَيَاة فتعجب من ذَلِك غَايَة الْعجب وَرجع فَرَأى الصّبيان على حَالهم وَمُحَمّد عِنْدهم فَفرُّوا إِلَّا مُحَمَّدًا فَدَنَا مِنْهُ وَقَالَ لَهُ مَا فِي يَدي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى خلق فِي بَحر قدرته سمكًا صغَارًا يصيدها بازات الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء فيختبر بهَا سلالة أهل بَيت الْمُصْطَفى فَقَالَ لَهُ أَنْت ابْن الرضى حَقًا وَأَخذه مَعَه وَأحسن إِلَيْهِ وَبَالغ فِي إكرامه فَلم يزل مشفقا بِهِ لما ظهر لَهُ بعد ذَلِك من فَضله وَعلمه وَكَمَال عَظمته وَظُهُور برهانه مَعَ صغر سنه وعزم على تَزْوِيجه بابنته أم الْفضل وصمم على ذَلِك فَمَنعه العباسيون من ذَلِك خوفًا من أَن يعْهَد إِلَيْهِ كَمَا عهد إِلَى أَبِيه فَلَمَّا ذكر لَهُم أَنه إِنَّمَا اخْتَارَهُ لتميزه على كَافَّة أهل الْفضل علما وَمَعْرِفَة وحلما مَعَ صغر سنه فنازعوا فِي اتصاف مُحَمَّد بذلك ثمَّ تواعدوا على أَن يرسلوا إِلَيْهِ من يختبره فأرسلوا إِلَيْهِ يحيى بن أَكْثَم ووعدوه بِشَيْء كثير إِن قطع لَهُم مُحَمَّدًا فَحَضَرُوا للخليفة وَمَعَهُمْ ابْن أَكْثَم وخواص الدولة فَأمر الْمَأْمُون بفرش حسن لمُحَمد فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ يحيى مسَائِل أَجَابَهُ عَنْهَا بِأَحْسَن جَوَاب وأوضحه فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة أَحْسَنت أَبَا جَعْفَر فَإِن أردْت أَن تسْأَل يحيى وَلَو مَسْأَلَة وَاحِدَة فَقَالَ لَهُ مَا تَقول فِي رجل نظر إِلَى امْرَأَة أول النَّهَار حَرَامًا ثمَّ حلت لَهُ ارتفاعه ثمَّ حرمت عَلَيْهِ عِنْد الظّهْر ثمَّ حلت لَهُ عِنْد الْعَصْر ثمَّ

مَا تَقول فِي رجل نظر إِلَى امْرَأَة أول النَّهَار حَرَامًا ثمَّ حلت لَهُ ارتفاعه ثمَّ حرمت عَلَيْهِ عِنْد الظّهْر ثمَّ حلت لَهُ عِنْد الْعَصْر ثمَّ حرمت عَلَيْهِ الْمغرب ثمَّ حلت لَهُ الْعشَاء ثمَّ حرمت عَلَيْهِ نصف اللَّيْل ثمَّ حلت لَهُ الْفجْر فَقَالَ يحيى لَا أَدْرِي فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد هِيَ أمة نظرها أَجْنَبِي

بِشَهْوَة وَهِي حرَام ثمَّ اشْتَرَاهَا ارْتِفَاع النَّهَار فَأعْتقهَا الظّهْر وَتَزَوجهَا الْعَصْر وَظَاهر مِنْهَا الْمغرب وَكفر الْعشَاء وَطَلقهَا رَجْعِيًا نصف اللَّيْل وراجعها الْفجْر فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ الْمَأْمُون للعباسيين قد عَرَفْتُمْ مَا كُنْتُم تنكرون ثمَّ زوجه فِي ذَلِك الْمجْلس بنته أم الْفضل ثمَّ توجه بهَا إِلَى الْمَدِينَة فَأرْسلت تَشْتَكِي مِنْهُ لأَبِيهَا أَنه تسرى عَلَيْهَا فَأرْسل إِلَيْهَا أَبوهَا إِنَّا لم نُزَوِّجك لَهُ لنحرم عَلَيْهِ حَلَالا فَلَا تعودي لمثله ثمَّ قدم بهَا بِطَلَب من المعتصم لليلتين بَقِيَتَا من الْمحرم سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي فِيهَا فِي آخر ذِي الْقعدَة وَدفن فِي مَقَابِر قُرَيْش فِي ظهر جده الكاظم وعمره خمس وَعِشْرُونَ سنة وَيُقَال إِنَّه سم أَيْضا عَن ذكرين وبنتين أَجلهم عَليّ العسكري سمي بذلك لِأَنَّهُ لما وَجه لإشخاصه من الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة إِلَى سر من رأى وَأَسْكَنَهُ بهَا وَكَانَت تسمى الْعَسْكَر فَعرف بالعسكري وَكَانَ وَارِث أَبِيه علما وسخاء وَمن ثمَّ جَاءَهُ أَعْرَابِي من أَعْرَاب الْكُوفَة وَقَالَ إِنِّي من المتمسكين بولاء جدك وَقد ركبني دين أثقلني حمله وَلم أقصد لقضائه سواك فَقَالَ كم دينك قَالَ عشرَة آلَاف دِرْهَم فَقَالَ طب نفسا بِقَضَائِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ كتب لَهُ ورقة فِيهَا ذَلِك الْمبلغ دينا عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ ائْتِنِي بِهِ فِي الْمجْلس الْعَام وطالبني بهَا وَأَغْلظ عَليّ فِي الطّلب فَفعل فاستمهله ثَلَاثَة أَيَّام فَبلغ ذَلِك المتَوَكل فَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألفا فَلَمَّا وصلته أَعْطَاهَا الْأَعرَابِي

وَأَغْلظ عَليّ فِي الطّلب فَفعل فاستمهله ثَلَاثَة أَيَّام فَبلغ ذَلِك المتَوَكل فَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألفا فَلَمَّا وصلته أَعْطَاهَا الْأَعرَابِي

فَقَالَ يَا ابْن رَسُول الله إِن الْعشْرَة آلَاف أَقْْضِي بهَا أربي فَأبى أَن يسْتَردّ مِنْهُ من الثَّلَاثِينَ ألف شَيْئا فولى الْأَعرَابِي وَهُوَ يَقُول الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته وَمر أَن الصَّوَاب فِي قصَّة السبَاع الْوَاقِعَة من المتَوَكل أَنه هُوَ الممتحن بهَا وَأَنَّهَا لم تقربه بل خضعت واطمأنت لما رَأَتْهُ وَيُوَافِقهُ مَا حَكَاهُ المَسْعُودِيّ وَغَيره أَن يحيى بن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط لما هرب إِلَى الديلم ثمَّ أُتِي بِهِ إِلَى الرشيد وَأمر بقتْله ألقِي فِي بركَة فِيهَا سِبَاع قد جوعت فَأَمْسَكت عَن أكله ولاذت بجانبه وهابت الدنو مِنْهُ فَبنِي عَلَيْهِ ركن بالجص وَالْحجر وَهُوَ حَيّ توفّي ﵁ بسر من رأى فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَدفن بداره وعمره أَرْبَعُونَ سنة وَكَانَ المتَوَكل أشخصه من الْمَدِينَة إِلَيْهَا سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن قضى عَن أَرْبَعَة ذُكُور وَأُنْثَى أَجلهم أَبُو مُحَمَّد الْحسن الْخَالِص وَجعل ابْن خلكان هَذَا هُوَ العسكري

ث وَأَرْبَعين فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن قضى عَن أَرْبَعَة ذُكُور وَأُنْثَى أَجلهم أَبُو مُحَمَّد الْحسن الْخَالِص وَجعل ابْن خلكان هَذَا هُوَ العسكري

ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَوَقع لبهلول مَعَه أَنه رَآهُ وَهُوَ صبي يبكي وَالصبيان يَلْعَبُونَ فَظن أَنه يتحسر على مَا فِي أَيْديهم فَقَالَ اشْترِي لَك مَا تلعب بِهِ فَقَالَ يَا قَلِيل الْعقل مَا للعب خلقنَا فَقَالَ لَهُ فلماذا خلقنَا قَالَ للْعلم وَالْعِبَادَة فَقَالَ لَهُ من أَيْن لَك ذَلِك قَالَ من قَول الله ﷿ ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ الْمُؤْمِنُونَ ١١٥ ثمَّ سَأَلَهُ أَن يعظه فوعظه بِأَبْيَات ثمَّ خر الْحسن مغشيا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لَهُ مَا نزل بك وَأَنت صَغِير لَا ذَنْب لَك فَقَالَ إِلَيْك عني يَا بهْلُول إِنِّي رَأَيْت والدتي توقد النَّار بالحطب الْكِبَار فَلَا تتقد إِلَّا بالصغار وَإِنِّي أخْشَى أَن أكون من صغَار حطب نَار جَهَنَّم وَلما حبس قحط النَّاس بسر من رأى قحطا شَدِيدا فَأمر الْخَلِيفَة الْمُعْتَمد ابْن المتَوَكل بِالْخرُوجِ للاستسقاء ثَلَاثَة أَيَّام فَلم يسقوا فَخرج النَّصَارَى وَمَعَهُمْ رَاهِب كلما مد يَده إِلَى السَّمَاء هطلت ثمَّ فِي الْيَوْم الثَّانِي كَذَلِك فَشك بعض الجهلة وارتد بَعضهم فشق ذَلِك على الْخَلِيفَة فَأمر بإحضار الْحسن الْخَالِص وَقَالَ لَهُ أدْرك أمة جدك رَسُول الله ﷺ قبل أَن يهْلكُوا فَقَالَ الْحسن يخرجُون غَدا وَأَنا أزيل الشَّك إِن شَاءَ الله وكلم الْخَلِيفَة فِي إِطْلَاق أَصْحَابه من السجْن فَأَطْلَقَهُمْ فَلَمَّا خرج النَّاس للاستسقاء وَرفع الراهب يَده مَعَ النَّصَارَى غيمت السَّمَاء فَأمر الْحسن بِالْقَبْضِ على يَده فَإِذا فِيهَا عظم آدَمِيّ فَأَخذه من يَده وَقَالَ استسق فَرفع يَده فَزَالَ الْغَيْم وطلعت الشَّمْس فَعجب النَّاس من ذَلِك فَقَالَ الْخَلِيفَة لِلْحسنِ مَا هَذَا يَا أَبَا مُحَمَّد فَقَالَ هَذَا عظم نَبِي ظفر بِهِ هَذَا الراهب من بعض الْقُبُور وَمَا كشف من عظم نَبِي تَحت السَّمَاء إِلَّا هطلت بالمطر

مَا هَذَا يَا أَبَا مُحَمَّد فَقَالَ هَذَا عظم نَبِي ظفر بِهِ هَذَا الراهب من بعض الْقُبُور وَمَا كشف من عظم نَبِي تَحت السَّمَاء إِلَّا هطلت بالمطر فامتحنوا ذَلِك

الْعظم فَكَانَ كَمَا قَالَ وزالت الشُّبْهَة عَن النَّاس وَرجع الْحسن إِلَى دَاره وَأقَام عَزِيزًا مكرما وصلات الْخَلِيفَة تصل إِلَيْهِ كل وَقت إِلَى أَن مَاتَ بسر من رأى وَدفن عِنْد أَبِيه وَعَمه وعمره ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ سنة وَيُقَال إِنَّه سم أَيْضا وَلم يخلف غير وَلَده أبي الْقَاسِم مُحَمَّد الْحجَّة وعمره عِنْد وَفَاة أَبِيه خمس سِنِين لَكِن آتَاهُ الله فِيهَا الْحِكْمَة وَيُسمى الْقَائِم المنتظر قيل لِأَنَّهُ ستر بِالْمَدِينَةِ وَغَابَ فَلم يعرف أَيْن ذهب وَمر فِي الْآيَة الثَّانِيَة عشرَة قَول الرافضة فِيهِ أَن الْمهْدي وأوردت ذَلِك مَبْسُوطا فَرَاجعه فَإِنَّهُ مُهِمّ

الخاتمة فِي بَيَان اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وَفِي قتال مُعَاوِيَة وَعلي وَفِي حقية خلَافَة مُعَاوِيَة بعد نزُول الْحسن لَهُ عَن الْخلَافَة وَفِي بَيَان اخْتلَافهمْ فِي كفر وَلَده يزِيد وَفِي جَوَاز لَعنه وَفِي تَوَابِع وتتمات تتَعَلَّق بذلك

وَإِنَّمَا افتحت هَذَا الْكتاب بالصحابة وختمته بهم إِشَارَة إِلَى أَن الْمَقْصُود بِالذَّاتِ من تأليفه تبرئتهم عَن جَمِيع مَا افتراه عَلَيْهِم أَو على بَعضهم من غلبت عَلَيْهِم الشقاوة وتردوا بأردية الحماقة والغباوة ومرقوا من الدّين وَاتبعُوا سَبِيل الْمُلْحِدِينَ وركبوا متن عمياء وخبطوا خبط عشواء فباؤا من الله بعظيم النكال ووقعوا فِي أهوية الوبال والضلال مَا لم يدراكهم الله بِالتَّوْبَةِ وَالرَّحْمَة فيعظموا خير الْأُمَم وَهَذِه الْأمة أماتنا الله على محبتهم وحشرنا فِي زمرتهم آمين اعْلَم أَن الَّذِي أجمع عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَنه يجب على كل أحد تَزْكِيَة جَمِيع الصَّحَابَة بِإِثْبَات الْعَدَالَة لَهُم والكف عَن الطعْن فيهم وَالثنَاء عيلهم فقد أثنى الله ﷾ عَلَيْهِم فِي آيَات من كِتَابه

ل أحد تَزْكِيَة جَمِيع الصَّحَابَة بِإِثْبَات الْعَدَالَة لَهُم والكف عَن الطعْن فيهم وَالثنَاء عيلهم فقد أثنى الله ﷾ عَلَيْهِم فِي آيَات من كِتَابه

مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ آل عمرَان ١١٠ فَأثْبت الله لَهُم الْخَيْرِيَّة على سَائِر الْأُمَم وَلَا شَيْء يعادل شَهَادَة الله لَهُم بذلك لِأَنَّهُ تَعَالَى أعلم بعباده وَمَا انطووا عَلَيْهِ من الْخيرَات وَغَيرهَا بل لَا يعلم ذَلِك غَيره تَعَالَى فَإِذا شهد تَعَالَى فيهم بِأَنَّهُم خير الْأُمَم وَجب على كل أحد اعْتِقَاد ذَلِك وَالْإِيمَان بِهِ وَإِلَّا كَانَ مُكَذبا لله فِي إخْبَاره وَلَا شكّ أَن من ارتاب فِي حقية شَيْء مِمَّا أخبر الله أَو رَسُوله بِهِ كَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ الْبَقَرَة ١٤٣ وَالصَّحَابَة فِي هَذِه الْآيَة وَالَّتِي قبلهَا هم المشافهون بِهَذَا الْخطاب على لِسَان رَسُول الله ﷺ حَقِيقَة فَانْظُر إِلَى كَونه تَعَالَى خلقهمْ عُدُولًا وخيارا ليكونوا شُهَدَاء على بَقِيَّة الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة وَحِينَئِذٍ فَكيف يستشهد الله تَعَالَى بِغَيْر عدُول أَو بِمن ارْتَدُّوا بعد وَفَاة نَبِيّهم إِلَّا نَحْو سِتَّة أنفس مِنْهُم كَمَا زعمته الرافضة قبحهم الله ولعنهم وخذلهم مَا أحمقهم وأجهلهم وأشهدهم بالزور والافتراء والبهتان وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه نورهم يسْعَى يبن أَيْديهم وبأيمانهم التَّحْرِيم ٨ فآمنهم الله من خزيه وَلَا يَأْمَن من خزيه فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَّا الَّذين مَاتُوا وَالله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله عَنْهُم رَاض فَأَمنَهُمْ من الخزي صَرِيح فِي مَوْتهمْ على كَمَال الْإِيمَان وحقائق الْإِحْسَان وَفِي أَن الله لم يزل رَاضِيا

ه سُبْحَانَهُ وَرَسُوله عَنْهُم رَاض فَأَمنَهُمْ من الخزي صَرِيح فِي مَوْتهمْ على كَمَال الْإِيمَان وحقائق الْإِحْسَان وَفِي أَن الله لم يزل رَاضِيا

عَنْهُم وَكَذَلِكَ رَسُول الله ﷺ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ الْفَتْح ١٨ فَصرحَ تَعَالَى بِرِضَاهُ عَن أُولَئِكَ وهم ألف وَنَحْو أَرْبَعمِائَة وَمن ﵁ تَعَالَى لَا يُمكن مَوته على الْكفْر لِأَن الْعبْرَة بالوفاة على الْإِسْلَام فَلَا يَقع الرِّضَا مِنْهُ تَعَالَى إِلَّا على من علم مَوته على الْإِسْلَام وَأما من علم مَوته على الْكفْر فَلَا يُمكن أَن يخبر الله تَعَالَى بِأَنَّهُ رَضِي عَنهُ فَعلم أَن كلا من هَذِه الآياة وَمَا قبلهَا صَرِيح فِي رد مَا زَعمه وافتراه أُولَئِكَ الْمُلْحِدُونَ الجاحدون حَتَّى لِلْقُرْآنِ الْعَزِيز إِذْ يلْزم من الْإِيمَان بِهِ الْإِيمَان بِمَا فِيهِ وَقد علمت أَن الَّذِي فِيهِ أَنهم خير الْأُمَم وَأَنَّهُمْ عدُول أخيار وَأَن الله لَا يخزيهم وَأَنه رَاض عَنْهُم فَمن لم يصدق بذلك فيهم فَهُوَ مكذب لما فيالقرآن وَمن كذب بِمَا فِيهِ مِمَّا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل كَانَ كَافِرًا جاحدا ملحدا مارقا وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ولذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ التَّوْبَة ١٠٠ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ الْأَنْفَال ٦٤ وَقَوله تَعَالَى ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ وَالَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا

تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رءوف رَحِيم﴾ - ١٠ الحشد فَتَأمل مَا وَصفهم الله بِهِ من هَذِه الْآيَة تعلم بِهِ ضلال من طعن فيهم من شذوذ المبتدعة وَرَمَاهُمْ بِمَا هم بريئون مِنْهُ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الْكفَّار وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾ الْفَتْح ٢٩ فَانْظُر إِلَى عَظِيم مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الْآيَة فَإِن قَوْله تَعَالَى ﴿مُحَمَّد رَسُول الله﴾ جملَة مبينَة للْمَشْهُود بِهِ فِي قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق﴾ إِلَى قَوْله ﴿شَهِيدا﴾ الْفَتْح ٢٨ فَفِيهَا ثَنَاء عَظِيم على رَسُوله ﷺ ثمَّ ثنى بالثناء على أَصْحَابه بقوله ﴿وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ الْمَائِدَة ٥٤ فوصفهم الله تَعَالَى بالشدة والغلظة على الْكفَّار وبالرحمة وَالْبر والعطف على الْمُؤمنِينَ والذلة والخضوع لَهُم ثمَّ أثنى عَلَيْهِم بِكَثْرَة الْأَعْمَال مَعَ الْإِخْلَاص التَّام وسعة الرَّجَاء فِي فضل الله وَرَحمته بابتغائهم فَضله ورضوانه وَبِأَن آثَار ذلكالإخلاص وَغَيره من أَعْمَالهم الصَّالِحَة ظَهرت على وُجُوههم حَتَّى إِن من نظر إِلَيْهِم بهره حسن سمتهم وهديهم وَمن ثمَّ قَالَ مَالك

َبِأَن آثَار ذلكالإخلاص وَغَيره من أَعْمَالهم الصَّالِحَة ظَهرت على وُجُوههم حَتَّى إِن من نظر إِلَيْهِم بهره حسن سمتهم وهديهم وَمن ثمَّ قَالَ مَالك

رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بَلغنِي أَن النَّصَارَى كَانُوا إِذا رَأَوْا الصَّحَابَة الَّذين فتحُوا الشَّام قَالُوا وَالله لهَؤُلَاء خير من الحواريين فِيمَا بلغنَا وَقد صدقُوا فِي ذَلِك فَإِن هَذِه الْأمة المحمدية خُصُوصا الصَّحَابَة لم يزل ذكرهم مُعظما فِي الْكتب كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة ﴿ذَلِك مثلهم﴾ أَي وَصفهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ أَي وَصفهم يَفِ الْإِنْجِيل كزرع أخرج شطأه أَي فِرَاخه فآزره أَي شده وَقواهُ فاستغلظ أَي شب فطال فَكَذَلِك أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم مَعَه كالشطء مَعَ الزَّرْع ليغيظ بهم الْكفَّار وَمن هَذِه الْآيَة أَخذ الإِمَام مَالك فِي رِوَايَة عَنهُ بِكفْر الروافض الَّذين يبغضون الصَّحَابَة قَالَ لِأَن الصَّحَابَة يغيظونهم وَمن غاظه الصَّحَابَة فَهُوَ كَافِر وَهُوَ مَأْخَذ حسن يشْهد لَهُ ظَاهر الْآيَة وَمن ثمَّ وَافقه الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قَوْله بكفرهم وَوَافَقَهُ أَيْضا جمَاعه من الْأَئِمَّة وَالْأَحَادِيث فِي فضل الصَّحَابَة كَثِيرَة وَقد قدمنَا معظمها فِي أول هَذَا الْكتاب ويكفيهم شرفا أَي شرف ثَنَاء الله عَلَيْهِم فِي تِلْكَ الْآيَات كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِي غَيرهَا وَرضَاهُ عَنْهُم وَأَنه تَعَالَى وعدهم جَمِيعهم لَا بَعضهم إِذْ من فِي مِنْهُم لبَيَان الْجِنْس لَا للتَّبْعِيض مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما ووعد الله صدق وَحقّ لَا يتَخَلَّف وَلَا يخلف لَا مبدل لكلماته وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم فَعلم أَن جَمِيع مَا قدمْنَاهُ من الْآيَات هُنَا وَمن الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة الشهيرة فِي

ّف وَلَا يخلف لَا مبدل لكلماته وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم فَعلم أَن جَمِيع مَا قدمْنَاهُ من الْآيَات هُنَا وَمن الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة الشهيرة فِي

الْمُقدمَة يَقْتَضِي الْقطع بتعديلهم وَلَا يحْتَاج أحد مِنْهُم مَعَ تَعْدِيل الله لَهُ إِلَى تَعْدِيل أحد من الْخلق على أَنه لَو لم يرد من الله وَرَسُوله فيهم شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ لأوجبت الْحَال الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا من الْهِجْرَة وَالْجهَاد ونصرة الْإِسْلَام ببذل المهج وَالْأَمْوَال وَقتل الْآبَاء وَالْأَوْلَاد والمناصحة فِي الدّين وَقُوَّة الْإِيمَان وَالْيَقِين الْقطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم هَذَا مَذْهَب كَافَّة الْعلمَاء وَمن يعْتَمد قَوْله وَلم يُخَالف فِيهِ إِلَّا شذوذ من المبتدعة الَّذين ضلوا وأضلوا فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِم وَلَا يعول عَلَيْهِم وَقد قَالَ إِمَام عصره أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ من أجل شُيُوخ مُسلم إِذا رَأَيْت الرجل ينتقص أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَاعْلَم أَنه زنديق وَذَلِكَ أَن الرَّسُول ﷺ حق وَالْقُرْآن حق وَمَا جَاءَ بِهِ حق وَإِنَّمَا أدّى إِلَيْنَا ذَلِك كُله الصَّحَابَة فَمن جرحهم إِنَّمَا أَرَادَ إبِْطَال الْكتاب وَالسّنة فَيكون الْجرْح بِهِ ألصق وَالْحكم عَلَيْهِ بالزندقة والضلالة وَالْكذب وَالْفساد هُوَ الأقوم الأحق وَقَالَ ابْن حزم الصَّحَابَة كلهم من أهل الْجنَّة قطعا قَالَ تَعَالَى لَا

يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى) الْحَدِيد ١٠ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ الْأَنْبِيَاء ١٠١ فَثَبت أَن جَمِيعهم من أهل الْجنَّة وَأَنه لَا يدْخل أحد مِنْهُم النَّار لأَنهم المخاطبون بِالْآيَةِ الأولى الَّتِي أثبت لكل مِنْهُم الْحسنى وَهِي الْجنَّة وَلَا يتَوَهَّم أَن التَّقْيِيد بِالْإِنْفَاقِ أَو الْقِتَال فِيهَا وبالإحسان فِي الَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان يخرج من لم يَتَّصِف بذلك مِنْهُم لِأَن تِلْكَ الْقُيُود خرجت مخرج الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهَا على أَن المُرَاد من اتّصف بذلك وَلَو بِالْقُوَّةِ أَو الْعَزْم وَزعم الْمَاوَرْدِيّ اخْتِصَاص الحكم بِالْعَدَالَةِ بِمن لَازمه وَنَصره دون من اجْتمع بِهِ يَوْمًا أَو لغَرَض غير مُوَافق عَلَيْهِ بل اعْتَرَضَهُ جمَاعَة من الْفُضَلَاء قَالَ شيخ الْإِسْلَام العلائي هُوَ قَول غَرِيب يخرج كثيرا من الْمَشْهُورين بالصحبة وَالرِّوَايَة عَن الحكم بِالْعَدَالَةِ كوائل بن حجر وَمَالك بن الْحُوَيْرِث وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَغَيرهم مِمَّن وَفد عَلَيْهِ ﷺ وَلم يقم عِنْده إِلَّا قَلِيلا وَانْصَرف وَالْقَوْل بالتعميم هُوَ الَّذِي صرح بِهِ الْجُمْهُور وَهُوَ الْمُعْتَبر انْتهى وَمِمَّا رد بِهِ عَلَيْهِ أَن تَعْظِيم الصَّحَابَة وَإِن قل اجْتِمَاعهم بِهِ ﷺ كَانَ مقررا عِنْد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَغَيرهم وَقد صَحَّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رجلا من أهل الْبَادِيَة تنَاول مُعَاوِيَة فِي حَضرته وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ ثمَّ ذكر أَنه وَأَبا بكر ورجلا

وَقد صَحَّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رجلا من أهل الْبَادِيَة تنَاول مُعَاوِيَة فِي حَضرته وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ ثمَّ ذكر أَنه وَأَبا بكر ورجلا

يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى) الْحَدِيد ١٠ من أهل الْبَادِيَة نزلُوا على أَبْيَات فيهم امْرَأَة حَامِل فَقَالَ البدوي لَهَا أُبَشِّرك أَن تلدي غُلَاما قَالَت نعم قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي شَاة ولدت غُلَاما فَأَعْطَتْهُ فَسمع لَهَا اسجاعا ثمَّ عمد إِلَى الشَّاة فذبحها وطبخها وَجَلَسْنَا نَأْكُل مِنْهَا ومعنا أَبُو بكر فَلَمَّا علم الْقِصَّة قَامَ فتقيأ كل شَيْء أكل قَالَ ثمَّ رَأَيْت ذَلِك البدوي قد أُتِي بِهِ عمر وَقد هجا الْأَنْصَار فَقَالَ لَهُم عمر لَوْلَا أَن لَهُ صُحْبَة من رَسُول الله ﷺ مَا أَدْرِي مَا قَالَ فِيهَا لكفيتكموه انْتهى فَانْظُر توقف عمر عَن مُعَاتَبَته فضلا عَن معاقبته لكَونه علم أَنه لَقِي النَّبِي ﷺ تعلم أَن فِيهِ أبين شَاهد على أَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن شَأْن الصُّحْبَة لَا يعدله شَيْء كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من قَوْله ﷺ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه) وتواتر عَنهُ ﷺ قَوْله (خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (إِن الله اخْتَار أَصْحَابِي على الثقلَيْن سوى النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ) وَفِي رِوَايَة

َّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ (إِن الله اخْتَار أَصْحَابِي على الثقلَيْن سوى النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ) وَفِي رِوَايَة

(أَنْتُم موفون سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وَأَكْرمهَا على الله ﷿ وَاعْلَم أَنه وَقع خلاف فِي التَّفْضِيل بَين الصَّحَابَة وَمن جَاءَ بعدهمْ من صالحي هَذِه الْأمة فَذهب أَبُو عمر بن عبد الْبر إِلَى أَنه يُوجد فِيمَن يَأْتِي بعد الصَّحَابَة من هُوَ أفضل من بعض الصَّحَابَة وَاحْتج على ذَلِك بِخَبَر (طُوبَى لمن رَآنِي وآمن بِي مرّة وطوبى لمن لم يرني وآمن بِي سبع مَرَّات) وبخبر عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كنت جَالِسا عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ (أَتَدْرُونَ أَي الْخلق أفضل إِيمَانًا) قُلْنَا الْمَلَائِكَة قَالَ (وَحقّ لَهُم بل غَيرهم) قُلْنَا الْأَنْبِيَاء قَالَ وَحقّ لَهُم بل غَيرهم ثمَّ قَالَ ﷺ (أفضل الْخلق إِيمَانًا قوم فِي أصلاب الرِّجَال يُؤمنُونَ بِي وَلم يروني فهم أفضل الْخلق إِيمَانًا) وَبِحَدِيث (مثل أمتِي مثل الْمَطَر لَا يدرى آخِره خير أم أَوله)

وبخبر (ليدركن الْمَسِيح أَقْوَامًا إِنَّهُم لمثلكم أَو خير ثَلَاثًا وَلنْ يخزي الله أمة أَنا أَولهَا والمسيح آخرهَا) وبخير (يَأْتِي أَيَّام لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أجر خمسين) قيل مِنْهُم أَو منا يَا رَسُول الله قَالَ (بل مِنْكُم) وَبِمَا روى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز لما ولي الْخلَافَة كتب إِلَى سَالم بن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَن أكتب لي بسيرة عمر فَأَنت أفضل من عمر لِأَن زَمَانك لَيْسَ كزمان عمر وَلَا رجالك كرجال عمر وَكتب إِلَى فُقَهَاء زَمَانه فكلهم كتب بِمثل قَول سَالم قَالَ أَبُو عمر فَهَذِهِ الْأَحَادِيث تَقْتَضِي مَعَ تَوَاتر طرقها وحسنها التَّسْوِيَة بَين أول هَذِه الْأمة وَآخِرهَا فِي فضل الْعَمَل إِلَّا أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة قَالَ وَخبر (خير النَّاس قَرْني) لَيْسَ على عُمُومه لِأَنَّهُ جمع الْمُنَافِقين وَأهل الْكَبَائِر الَّذين قَامَ عَلَيْهِم وعَلى بَعضهم الْحُدُود انْتهى

والْحَدِيث الأول لَا شَاهد فِيهِ للأفضلية وَالثَّانِي ضَعِيف فَلَا يحْتَج بِهِ لَكِن صحّح الْحَاكِم وَحسن غَيره خبر يَا رَسُول الله هَل أحد خير منا أسلمنَا مَعَك وجاهدنا مَعَك قَالَ (قوم يكونُونَ من بعدكم يُؤمنُونَ بِي وَلم يروني) وَالْجَوَاب عَنهُ وَعَن الحَدِيث الثَّالِث فَإِنَّهُ حَدِيث حسن لَهُ طرق قد يرتقي بهَا إِلَى دَرَجَة الصِّحَّة وَعَن الحَدِيث الرَّابِع فَإِنَّهُ حسن أَيْضا وَعَن الحَدِيث الْخَامِس الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَن الْمَفْضُول قد يكون فِيهِ مزية لَا تُوجد فِي الْفَاضِل وَأَيْضًا مُجَرّد زِيَادَة الْأجر لَا تَسْتَلْزِم الْأَفْضَلِيَّة الْمُطلقَة وَأَيْضًا الْخَيْرِيَّة بَينهمَا إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَار مَا يُمكن أَن يجتمعا فِيهِ وَهُوَ عُمُوم الطَّاعَات الْمُشْتَركَة بَين سَائِر الْمُؤمنِينَ فَلَا يبعد حِينَئِذٍ تَفْضِيل بعض من ياتي على بعض الصَّحَابَة فِي ذَلِك وَأما مَا اخْتصَّ بِهِ الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وفازوا بِهِ من مُشَاهدَة طلعته ﷺ ورؤية ذَاته المشرفة المكرمة فَأمر من وَرَاء الْعقل إِذْ لَا يسع أحد أَن يَأْتِي من الْأَعْمَال وَإِن جلت بِمَا يُقَارب ذَلِك فضلا عَن أَن يماثله وَمن ثمَّ سُئِلَ عبد الله ابْن الْمُبَارك وناهيك بِهِ جلالة وعلما أَيّمَا أفضل مُعَاوِيَة أَو عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ الْغُبَار الَّذِي دخل أنف فرس مُعَاوِيَة مَعَ رَسُول الله ﷺ خير من عمر ابْن عبد الْعَزِيز كَذَا وَكَذَا مرّة أَشَارَ بذلك إِلَى أَن فَضِيلَة صحبته ﷺ ورؤيته لَا

لَّذِي دخل أنف فرس مُعَاوِيَة مَعَ رَسُول الله ﷺ خير من عمر ابْن عبد الْعَزِيز كَذَا وَكَذَا مرّة أَشَارَ بذلك إِلَى أَن فَضِيلَة صحبته ﷺ ورؤيته لَا

يعدلها شَيْء وَبِذَلِك علم الْجَواب عَن اسْتِدْلَال أبي عمر بقضية عمر بن عبد الْعَزِيز وَأَن قَول أهل زَمَنه لَهُ أَنْت أفضل من عمر إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لما تَسَاويا فِيهِ إِن تصور من الْعدْل فِي الرّعية وَأما من حَيْثُ الصُّحْبَة وَمَا فَازَ بِهِ عمر من حقائق الْقرب ومزايا الْفضل وَالْعلم وَالدّين الَّتِي شهد لَهُ بهَا النَّبِي ﷺ فَأنى لِابْنِ عبد الْعَزِيز وَغَيره وَأَن يلحقوه فِي ذرة من ذَلِك فَالصَّوَاب مَا قَالَه جُمْهُور الْعلمَاء سلفا وخلفا لما يَأْتِي وَعلم من قَول أبي عمر إِلَّا أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة أَن الْكَلَام فِي غير أكَابِر الصَّحَابَة مِمَّن لم يفز إِلَّا بِمُجَرَّد رُؤْيَته ﷺ وَقد ظهر أَنه فَازَ بِمَا لم يفز بِهِ من بعده وَأَن من بعده لَو عمل ماعساه أَن يعْمل لَا يُمكنهُ أَن يحصل مَا يقرب من هَذِه الخصوصية فضلا عَن أَن يساويها هَذَا فِيمَن لم يفز إِلَّا بذلك فَمَا بالك بِمن ضم إِلَيْهَا أَنه قَاتل مَعَه ﷺ أَو فِي زَمَنه بأَمْره أَو نقل شَيْئا من الشَّرِيعَة إِلَى من بعده أَو أنْفق شَيْئا من مَاله بِسَبَبِهِ فَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِي أَن أحدا من الجائين بعده لَا يُدْرِكهُ وَمن ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الْحسنى﴾ الْحَدِيد ١٠ وَمِمَّا يشْهد لما عَلَيْهِ الْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف من أَنهم خير خلق الله وأفضلهم بعد النَّبِيين وخواص الْمَلَائِكَة والمقربين مَا قَدمته من فَضَائِل الصَّحَابَة ومآثرهم أول الْكتاب وَهُوَ كثير فَرَاجعه وَمِنْه حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ (لَا تسبوا

ن وخواص الْمَلَائِكَة والمقربين مَا قَدمته من فَضَائِل الصَّحَابَة ومآثرهم أول الْكتاب وَهُوَ كثير فَرَاجعه وَمِنْه حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ (لَا تسبوا

أَصْحَابِي فَلَو أَن أحدا أنْفق مثل أحد مَا بلغ مثل أمد أحدهم وَلَا نصيفه) وَفِي رِوَايَة لَهما (فَإِن أحدكُم) بكاف الْخطاب وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ (لَو أنْفق أحدكُم) الحَدِيث والنصيف بِفَتْح النُّون لُغَة فِي النّصْف وروى الدَّارمِيّ وَابْن عدي وَغَيرهمَا أَنه ﷺ قَالَ (أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ) وَمن ذَلِك أَيْضا الْخَبَر الْمُتَّفق على صِحَّته (خير الْقُرُون أَو النَّاس أَو أمتِي قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ) والقرن أهل زمن وَاحِد مُتَقَارب اشْتَركُوا فِي وصف مَقْصُود وَيُطلق على زمن مَخْصُوص وَقد اخْتلفُوا فِيهِ من عشرَة أَعْوَام إِلَى مائَة وَعشْرين إِلَّا السّبْعين والمئة وَعشرَة فَلم يحفظ قَائِل بهما وَمَا عداهما قَالَ بِهِ قَائِل وَأَعْدل الْأَقْوَال قَول صَاحب الْمُحكم هُوَ الْقدر الْمُتَوَسّط من أَعمار أهل كل زمن وَالْمرَاد بقرنه ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث الصَّحَابَة وَآخر من مَاتَ مِنْهُم على الْإِطْلَاق بِلَا خلاف أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة

اللَّيْثِيّ كَمَا جزم بِهِ مُسلم فِي صَحِيحه وَكَانَ مَوته سنة مائَة على الصَّحِيح وَقيل سنة سبع وَمِائَة وَقيل سنة عشر وَمِائَة وَصَححهُ الذَّهَبِيّ لمطابقته للْحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ قَوْله ﷺ قبل وَفَاته بِشَهْر (على رَأس مائَة سنة لَا يبْقى على وَجه الأَرْض مِمَّن هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْم أحد) وَفِي رِوَايَة مُسلم (أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فَإِنَّهُ لَيْسَ من نفس منفوسة يَأْتِي عَلَيْهَا مائَة سنة) فَأَرَادَ بذلك انخرام الْقرن بعد مائَة سنة من حِين مقَالَته وَالْقَوْل بِأَن عكراش بن ذُؤَيْب عَاشَ بعد وقْعَة الْجمل مائَة سنة غير صَحِيح وعَلى التنزل فَمَعْنَاه استكملها بعد ذَلِك لَا أَنه بَقِي بعْدهَا مائَة سنة كَمَا قَالَ الْأَئِمَّة وَمَا قَالَه

جمَاعَة فِي رتن الْهِنْدِيّ وَمعمر المغربي وَنَحْوهمَا فقد بَالغ الْأَئِمَّة سِيمَا الذَّهَبِيّ فِي تزييفه وبطلانه قَالَ الْأَئِمَّة وَلَا يروج ذَلِك على من لَهُ أدني مسكة من الْعقل وَمر أَن أَفضَلِيَّة قرنه ﷺ على من يَلِيهِ وهم التابعون بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَجْمُوع لَا إِلَى كل فَرد خلافًا لِابْنِ عبد الْبر وَكَذَا يُقَال فِي التَّابِعين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وتابعيهم ثمَّ الصَّحَابَة أَصْنَاف مهاجرون وأنصار وحلفاء وهم من أسلم يَوْم الْفَتْح أَو بعده فأفضلهم إِجْمَالا الْمُهَاجِرُونَ فَمن بعدهمْ على التَّرْتِيب الْمَذْكُور وَأما تَفْصِيلًا فسباق الْأَنْصَار أفضل من جمَاعَة من متأخري الْمُهَاجِرين وسباق الْمُهَاجِرين أفضل من سباق الْأَنْصَار ثمَّ هم بعد ذَلِك يتفاوتون فَرب مُتَأَخّر إسلاما كعمر أفضل من مُتَقَدم كبلال وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ من أكَابِر أَئِمَّتنَا أجمع أهل السّنة أَن أفضل

لِك يتفاوتون فَرب مُتَأَخّر إسلاما كعمر أفضل من مُتَقَدم كبلال وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ من أكَابِر أَئِمَّتنَا أجمع أهل السّنة أَن أفضل

الصَّحَابَة أَبُو بكر فعمر فعثمان فعلي فبقية الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ فَأهل بدر فباقي أهل أحد فباقي أهل بيعَة الرضْوَان بِالْحُدَيْبِية فباقي الصَّحَابَة انْتهى وَمر اعْتِرَاض حكايته الْإِجْمَاع بَين عَليّ وَعُثْمَان إِلَّا إِن أَرَادَ بِالْإِجْمَاع فيهمَا إِجْمَاع أَكثر أهل السّنة فَيصح مَا قَالَه حِينَئِذٍ هَذَا وَقد أخرج الْأنْصَارِيّ عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (يَا أَبَا بكر لَيْت أَنِّي لقِيت إخْوَانِي) فَقَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله نَحن إخوانك قَالَ (أَنْتُم أَصْحَابِي إخْوَانِي الَّذين لم يروني وَصَدقُوا بِي وأحبوني حَتَّى إِنِّي لأحب إِلَى أحدهم من وَلَده ووالده) قَالُوا يَا رَسُول الله نَحن إخوانك قَالَ (أَنْتُم أَصْحَابِي أَلا تحب يَا ابا بكر قوما أحبوك بحبي إياك فأحبهم مَا أحبوك بحبي إياك) وَقَالَ ﷺ (من أحب الله أحب الْقُرْآن وَمن أحب الْقُرْآن أَحبَّنِي وَمن أَحبَّنِي أحب أَصْحَابِي وَقَرَابَتِي) رَوَاهُ الديلمي وَقَالَ ﷺ (يَا أَيهَا النَّاس احْفَظُونِي فِي أختاني وأصهاري وأصحابي

لَا يطالبنكم الله بمظلمة أحد مِنْهُم فَإِنَّهَا لَيست مِمَّا يُوهب) رَوَاهُ الخلعي قَالَ ﷺ (الله الله فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غَرضا بعدِي من أحبهم فقد أَحبَّنِي وَمن أبْغضهُم فقد أبغضني وَمن آذاهم فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله وَمن آذَى الله يُوشك أَن يَأْخُذهُ) وَرَوَاهُ المخلص الذَّهَبِيّ فَهَذَا الحَدِيث وَمَا قبله خرج مخرج الْوَصِيَّة بِأَصْحَابِهِ على طَرِيق التَّأْكِيد وَالتَّرْغِيب فِي حبهم والترهيب عَن بغضهم وَفِيه أَيْضا إِشَارَة إِلَى أَن حبهم إِيمَان وبغضهم كفر لِأَن بغضهم إِذا كَانَ بغضا لَهُ ﷺ كَانَ كفرا بِلَا نزاع لخَبر (لن يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من نَفسه) وَهَذَا يدل على

ِيمَان وبغضهم كفر لِأَن بغضهم إِذا كَانَ بغضا لَهُ ﷺ كَانَ كفرا بِلَا نزاع لخَبر (لن يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من نَفسه) وَهَذَا يدل على

كَمَال قربهم مِنْهُ من حَيْثُ أنزلهم منزلَة نَفسه حَتَّى كَأَن أذاهم وَاقع عَلَيْهِ ﷺ وَفِيه أَيْضا أَن محبَّة من أحبه النَّبِي ﷺ كآله وَأَصْحَابه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم عَلامَة على محبَّة رَسُول الله ﷺ كَمَا أَن محبته ﷺ عَلامَة على محبَّة الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ عَدَاوَة من عاداهم وبغض من أبْغضهُم وسبهم عَلامَة على بغض رَسُول الله ﷺ وعدواته وسبه وبغضه ﷺ وعداوته وسبه عَلامَة على بغض الله تَعَالَى وعداوته وسبه فَمن أحب شَيْئا أحب من يحب وَأبْغض من يبغض قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله﴾ المجادلة ٢٢ فحب أُولَئِكَ أَعنِي آله ﷺ وأزواجه وذرياته وَأَصْحَابه من الْوَاجِبَات المتعينات وبغضهم من الموبقات المهلكات وَمن محبتهم توقيرهم وبرهم وَالْقِيَام بحقوقهم والاقتداء بهم بِالْمَشْيِ على سنتهمْ وآدابهم وأخلاقهم وَالْعَمَل بأقوالهم مِمَّا لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مجَال ومزيد الثَّنَاء عَلَيْهِم وَحسنه بِأَن يذكرُوا بأوصافهم الجميلة على قصد التَّعْظِيم فقد أثنى الله عَلَيْهِم فِي آيَات كَثِيرَة من كِتَابه الْمجِيد وَمن أثنى الله عَلَيْهِ فَهُوَ وَاجِب الثَّنَاء وَمِنْه الاسْتِغْفَار لَهُم قَالَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أمروا بِأَن يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فسبوهم رَوَاهُ مُسلم وَغَيره على أَن فَائِدَة المستغفر عَائِد أَكْثَرهَا إِلَيْهِ

إِذْ يحصل بذلك مزِيد الثَّوَاب قَالَ سهل بن عبد الله التسترِي وناهيك بِهِ علما وزهدا وَمَعْرِفَة وجلالة لم يُؤمن برَسُول الله ﷺ من لم يوقر أَصْحَابه وَمِمَّا يُوجب أَيْضا الْإِمْسَاك عَمَّا شجر أَي وَقع بَينهم من الِاخْتِلَاف والإضراب صفحا عَن أَخْبَار المؤرخين سِيمَا جهلة الروافض وضلال الشِّيعَة والمبتدعين القادحين فِي أحد مِنْهُم فقد قَالَ ﷺ (إِذا ذكر أَصْحَابِي فأمسكوا) وَالْوَاجِب أَيْضا على كل من سمع شَيْئا من ذَلِك أَن يثبت فِيهِ وَلَا ينْسبهُ إِلَى أحدهم بِمُجَرَّد رُؤْيَته فِي كتاب أَو سَمَاعه من شخص بل لَا بُد أَن يبْحَث عَنهُ حَتَّى يَصح عِنْده نسبته إِلَى أحدهم فَحِينَئِذٍ الْوَاجِب أَن يلْتَمس لَهُم أحسن التأويلات وأصوب المخارج إِذْ هم أهل لذَلِك كَمَا هُوَ مَشْهُور فِي مناقبهم ومعدود من مآثرهم مِمَّا يطول إِيرَاده وَقد مر لذَلِك مِنْهُ جملَة فِي بَعضهم وَمَا وَقع بَينهم من المنازعات والمحاربات فَلهُ محامل وتأويلات وَأما سبهم والطعن فيهم فَإِن خَالف دَلِيلا قَطْعِيا كقذف عَائِشَة ﵂ أَو إِنْكَار صُحْبَة

َا وَقع بَينهم من المنازعات والمحاربات فَلهُ محامل وتأويلات وَأما سبهم والطعن فيهم فَإِن خَالف دَلِيلا قَطْعِيا كقذف عَائِشَة ﵂ أَو إِنْكَار صُحْبَة

أَبِيهَا كَانَ كفرا وَإِن كَانَ بِخِلَاف ذَلِك كَانَ بِدعَة وفسقا وَمن اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن مَا جرى بَين مُعَاوِيَة وَعلي ﵄ من الحروب فَلم يكن لمنازعة مُعَاوِيَة لعَلي فِي الْخلَافَة للْإِجْمَاع على حقيتها لعَلي كَمَا مر فَلم تهج الْفِتْنَة بِسَبَبِهَا وَإِنَّمَا هَاجَتْ بِسَبَب أَن مُعَاوِيَة وَمن مَعَه طلبُوا من عَليّ تَسْلِيم قتلة عُثْمَان إِلَيْهِم لكَون مُعَاوِيَة ابْن عَمه فَامْتنعَ عَليّ ظنا مِنْهُ أَن تسليمهم إِلَيْهِم على الْفَوْر مَعَ كَثْرَة عَشَائِرهمْ واختلاطهم بعسكر عَليّ يُؤَدِّي إِلَى اضْطِرَاب وتزلزل فِي أَمر الْخلَافَة الَّتِي بهَا انتظام كلمة أهل الْإِسْلَام سِيمَا وَهِي فِي ابتدائها لم يستحكم الْأَمر فِيهَا فَرَأى عَليّ ﵁ أَن تَأْخِير تسليمهم أصوب إِلَى أَن يرسخ قدمه فِي الْخلَافَة ويتحقق التَّمَكُّن من الْأُمُور فِيهَا على وَجههَا وَيتم لَهُ انتظام شملها واتفاق كلمة الْمُسلمين ثمَّ بعد ذَلِك يلتقطهم وَاحِدًا فواحدا ويسلمهم إِلَيْهِم وَيدل لذَلِك أَن بعض قتلته عزم على الْخُرُوج على عَليّ ومقاتلته لما نَادَى يَوْم الْجمل بِأَن يخرج عَنهُ قتلة عُثْمَان وَأَيْضًا فَالَّذِينَ تمالؤا على قتل عُثْمَان كَانُوا جموعا كَثِيرَة كَمَا علم مِمَّا قَدمته فِي قصَّة محاصرتهم لَهُ إِلَى أَن قَتله بَعضهم جمع من أهل مصر قيل سَبْعمِائة وَقيل ألف وَقيل خَمْسمِائَة وَجمع من الْكُوفَة وَجمع من الْكُوفَة وَجمع من الْبَصْرَة وَغَيرهم قدمُوا كلهم الْمَدِينَة وَجرى مِنْهُم مَا جرى بل ورد أَنهم هم وعشائرهم نَحْو من عشرَة آلَاف فَهَذَا هُوَ الْحَامِل لعَلي ﵁ على الْكَفّ عَن تسليمهم لتعذره كَمَا عرفت وَيحْتَمل أَن عليا ﵁ رأى أَن قتلة عُثْمَان بغاة حملهمْ على قَتله

شرَة آلَاف فَهَذَا هُوَ الْحَامِل لعَلي ﵁ على الْكَفّ عَن تسليمهم لتعذره كَمَا عرفت وَيحْتَمل أَن عليا ﵁ رأى أَن قتلة عُثْمَان بغاة حملهمْ على قَتله

تَأْوِيل فَاسد استحلوا بِهِ دَمه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لإنكارهم عَلَيْهِ أمورا كجعله مَرْوَان ابْن عَمه كَاتبا لَهُ ورده إِلَى الْمَدِينَة بعد أَن طرده النَّبِي ﷺ مِنْهَا وتقديمه أَقَاربه فِي ولَايَة الْأَعْمَال وَقَضِيَّة مُحَمَّد بن أبي بكر ﵄ السَّابِقَة فِي مَبْحَث خلَافَة عُثْمَان مفصلة ظنُّوا أَنَّهَا مبيحة لما فَعَلُوهُ جهلا مِنْهُم وَخطأ والباغي إِذا انْقَادَ إِلَى الإِمَام الْعدْل لَا يُؤَاخذ بِمَا أتْلفه فِي حَال الْحَرْب عَن تَأْوِيل دَمًا كَانَ أَو مَالا كَمَا هُوَ الْمُرَجح من قَول الشَّافِعِي ﵁ وَبِه قَالَ جمَاعَة آخَرُونَ من الْعلمَاء وَهَذَا الِاحْتِمَال وَإِن أمكن لَكِن مَا قبله أولى بالاعتماد مِنْهُ فَإِن الَّذِي ذهب إِلَيْهِ كَثِيرُونَ من الْعلمَاء أَن قتلة عُثْمَان لم يَكُونُوا بغاة وَإِنَّمَا كَانُوا ظلمَة وعتاة لعدم الِاعْتِدَاد بشبههم وَلِأَنَّهُم أصروا على الْبَاطِل بعد كشف الشُّبْهَة وإيضاح الْحق لَهُم وَلَيْسَ كل من انتحل شُبْهَة يصير بهَا مُجْتَهدا لِأَن الشُّبْهَة تعرض للقاصر عَن دَرَجَة الِاجْتِهَاد وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا هُوَ الْمُقَرّر فِي مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ من أَن من لَهُم شَوْكَة دون تَأْوِيل لَا يضمنُون مَا أتلفوه فِي حَال الْقِتَال كالبغاة لِأَن قتل السَّيِّد عُثْمَان ﵁ لم يكن فِي قتال فَإِنَّهُ لم يُقَاتل بل نهى عَن الْقِتَال حَتَّى إِن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ لما أَرَادَهُ قَالَ لَهُ عُثْمَان عزمت عَلَيْك يَا أَبَا هُرَيْرَة إِلَّا رميت بسيفك إِنَّمَا ترَاد نَفسِي وسأقي الْمُسلمين بنفسي كَمَا أخرجه ابْن عبد الْبر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة وَمن اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَيْضا أَن مُعَاوِيَة ﵁ لم يكن فِي أَيَّام عَليّ خَليفَة وَإِنَّمَا كَانَ من الْمُلُوك وَغَايَة اجْتِهَاده أَنه كَانَ لَهُ أجر وَاحِد على

اجْتِهَاده وَأما عَليّ ﵁ فَكَانَ لَهُ أَجْرَانِ أجر على اجْتِهَاده وَأجر على إِصَابَته بل عشرَة أجور لحَدِيث (إِذا اجْتهد الْمُجْتَهد فَأصَاب فَلهُ عشرَة أجور) وَاخْتلفُوا فِي إِمَامَة مُعَاوِيَة بعد موت عَليّ ﵄ فَقيل صَار إِمَامًا وَخَلِيفَة لِأَن الْبيعَة قد تمت لَهُ وَقيل لم يصر إِمَامًا لحَدِيث أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا) وَقد انْقَضتْ الثَّلَاثُونَ بوفاة عَليّ وَأَنت خَبِير بِمَا قَدمته أَن الثَّلَاثِينَ لم تتمّ بِمَوْت عَليّ وَبَيَانه أَنه توفّي فِي رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة وَالْأَكْثَرُونَ على أَن وَفَاته سَابِع عشر ووفاة النَّبِي ﷺ ثَانِي عشر ربيع الأول فبينهما دون الثَّلَاثِينَ بِنَحْوِ سِتَّة أشهر وتمت الثَّلَاثِينَ بِمدَّة خلَافَة الْحسن بن عَليّ ﵄ فَإِذا تقرر ذَلِك فَالَّذِي يَنْبَغِي كَمَا قَالَه غير وَاحِد من الْمُحَقِّقين أَن يحمل قَول من قَالَ بإمامة مُعَاوِيَة عِنْد وَفَاة عَليّ على مَا تقرر من وَفَاته بِنَحْوِ نصف سنة لما سلم لَهُ الْحسن الْخلَافَة والمانعون لإمامته يَقُولُونَ لَا يعْتد بِتَسْلِيم الْحسن الْأَمر إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يُسلمهُ إِلَيْهِ إِلَّا للضَّرُورَة لعلمه بِأَنَّهُ أَعنِي مُعَاوِيَة لَا يسلم الْأَمر لِلْحسنِ وَأَنه قَاصد لِلْقِتَالِ والسفك إِن لم يسلم الْحسن الْأَمر إِلَيْهِ فَلم يتْرك الْأَمر إِلَيْهِ إِلَّا صونا لدماء الْمُسلمين وَلَك رد مَا وَجه بِهِ هَؤُلَاءِ مَا ذكر بِأَن الْحسن كَانَ هُوَ الإِمَام الْحق والخليفة الصدْق وَكَانَ مَعَه من الْعدة وَالْعدَد مَا يُقَاوم من مَعَ مُعَاوِيَة فَلم يكن نُزُوله عَن الْخلَافَة وتسليمه الْأَمر لمعاوية اضطراريا بل كَانَ اختياريا كَمَا

نَ مَعَه من الْعدة وَالْعدَد مَا يُقَاوم من مَعَ مُعَاوِيَة فَلم يكن نُزُوله عَن الْخلَافَة وتسليمه الْأَمر لمعاوية اضطراريا بل كَانَ اختياريا كَمَا

يدل عَلَيْهِ مَا مر فِي قصَّة نُزُوله من أَنه اشْترط عَلَيْهِ شُرُوطًا كَثِيرَة فالتزمها ووفى لَهُ بهَا وَأَيْضًا فقد مر عَن صَحِيح البُخَارِيّ أَن مُعَاوِيَة هُوَ السَّائِل لِلْحسنِ فِي الصُّلْح وَمِمَّا يدل على مَا ذكرته حَدِيث البُخَارِيّ السَّابِق عَن أبي بكرَة قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر وَالْحسن بن عَليّ إِلَى جنبه وَهُوَ يقبل على النَّاس مرّة وَعَلِيهِ أُخْرَى وَيَقُول (إِن ابْني هَذَا سيد وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين) فَانْظُر إِلَى ترجيه ﷺ الْإِصْلَاح بِهِ وَهُوَ ﷺ لَا يترجى إِلَّا الْأَمر الْحق الْمُوَافق للْوَاقِع بترجيه الْإِصْلَاح من الْحسن يدل على صِحَة نُزُوله لمعاوية عَن الْخلَافَة وَإِلَّا لَو كَانَ الْحسن بَاقِيا على خِلَافَته بعد نُزُوله عَنْهَا لم يَقع ينزوله إصْلَاح وَلم يحمد الْحسن على ذَلِك وَلم يترج ﷺ مُجَرّد النُّزُول من غير أَن يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَائِدَته الشَّرْعِيَّة وَوُجُوب طَاعَته على الكافة وَهِي اسْتِقْلَال المنزول لَهُ بِالْأَمر وَصِحَّة خِلَافَته ونفاذ تصرفه وَوُجُوب طَاعَته على الكافة وقيامه بِأُمُور الْمُسلمين فَكَانَ ترجيه ﷺ لوُقُوع الْإِصْلَاح بَين أُولَئِكَ الفئتين العظيمتين من الْمُسلمين بالْحسنِ فِيهِ دلَالَة أَي دلَالَة على صِحَة مَا فعله الْحسن وعَلى أَنه مُخْتَار فِيهِ وعَلى أَن تِلْكَ الْفَوَائِد الشَّرْعِيَّة وَهِي صِحَة خلَافَة مُعَاوِيَة وقيامه بِأُمُور الْمُسلمين وتصرفه فِيهَا بِسَائِر مَا تَقْتَضِيه الْخلَافَة مترتبة على ذَلِك الصُّلْح فَالْحق ثُبُوت الْخلَافَة لمعاوية من حِينَئِذٍ وَأَنه بعد ذَلِك خَليفَة حق وَإِمَام صدق كَيفَ وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن

على ذَلِك الصُّلْح فَالْحق ثُبُوت الْخلَافَة لمعاوية من حِينَئِذٍ وَأَنه بعد ذَلِك خَليفَة حق وَإِمَام صدق كَيفَ وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن

عبد الرَّحْمَن بن أبي عميرَة الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لمعاوية (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هاديا مهديا) وَأخرج أَحْمد فِي مُسْنده عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (اللَّهُمَّ علم مُعَاوِيَة الْكتاب والحساب وقه الْعَذَاب) وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن عبد الْملك ابْن عُمَيْر قَالَ قَالَ مُعَاوِيَة مَا زلت أطمع فِي الْخلَافَة مُنْذُ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ (يَا مُعَاوِيَة إِذا ملكت فَأحْسن) فَتَأمل دُعَاء النَّبِي ﷺ لَهُ فِي الحَدِيث الأول بِأَن الله يَجعله هاديا مهديا والْحَدِيث حسن كَمَا علمت فَهُوَ مِمَّا يحْتَج بِهِ على فضل مُعَاوِيَة وَأَنه لَا ذمّ يلْحقهُ بِتِلْكَ الحروب لما علمت أَنَّهَا كَانَت مَبْنِيَّة على اجْتِهَاد وَأَنه لم يكن لَهُ إِلَّا أجر وَاحِد لِأَن الْمُجْتَهد إِذا أَخطَأ لَا ملام عَلَيْهِ وَلَا ذمّ يلْحقهُ بِسَبَب ذَلِك لِأَنَّهُ مَعْذُور وَلذَا كتب لَهُ أجر وَمِمَّا يدل لفضله أَيْضا الدُّعَاء فِي الحَدِيث الثَّانِي بِأَن يعلم ذَلِك ويوقى

الْعَذَاب وَلَا شكّ أَن دعاءه ﷺ مستجاب فَعلمنَا مِنْهُ أَنه لَا عِقَاب على مُعَاوِيَة فِيمَا فعل من تِلْكَ الحروب بل لَهُ الْأجر كَمَا تقرر وَقد سمى النَّبِي ﷺ فئته الْمُسلمين وساواهم بفئة الْحسن فِي وصف الْإِسْلَام فَدلَّ على بَقَاء حُرْمَة الْإِسْلَام لِلْفَرِيقَيْنِ وَأَنَّهُمْ لم يخرجُوا بِتِلْكَ الحروب عَن الْإِسْلَام وَأَنَّهُمْ فِيهِ على حد سَوَاء فَلَا فسق وَلَا نقص يلْحق أَحدهمَا لما قَرَّرْنَاهُ من أَن كلا مِنْهُمَا متأول تَأْوِيلا غير قَطْعِيّ الْبطلَان وَفِئَة مُعَاوِيَة وَإِن كَانَت هِيَ الباغية لكنه بغي لَا فسق بِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا صدر عَن تَأْوِيل يعْذر بِهِ أَصْحَابه وَتَأمل أَنه ﷺ أخبر مُعَاوِيَة بِأَنَّهُ يملك وَأمره بِالْإِحْسَانِ تَجِد فِي الحَدِيث إِشَارَة إِلَى صِحَة خِلَافَته وَأَنَّهَا حق بعد تَمامهَا لَهُ بنزول الْحسن لَهُ عَنْهَا فَإِن أمره بِالْإِحْسَانِ الْمُتَرَتب على الْملك يدل على حقية ملكه وخلافته وَصِحَّة تصرفه ونفوذ أَفعاله من حَيْثُ صِحَة الْخلَافَة لَهُ من حَيْثُ التغلب لِأَن المتغلب فَاسق معاقب لَا يسْتَحق أَن يبشر وَلَا يُؤمر بِالْإِحْسَانِ فِيمَا تغلب عَلَيْهِ بل إِنَّمَا يسْتَحق الزّجر والمقت والإعلام بقبيح أَفعاله وَفَسَاد أَحْوَاله فَلَو كَانَ مُعَاوِيَة متغلبا لأشار لَهُ النَّبِي ﷺ إِلَى ذَلِك أَو صرح لَهُ بِهِ فَلَمَّا لم يشر لَهُ فضلا عَن أَن يُصَرح إِلَّا بِمَا يدل على حقية مَا هُوَ عَلَيْهِ علمنَا أَنه بعد نزُول الْحسن لَهُ خَليفَة حق وَإِمَام صدق

بِهِ فَلَمَّا لم يشر لَهُ فضلا عَن أَن يُصَرح إِلَّا بِمَا يدل على حقية مَا هُوَ عَلَيْهِ علمنَا أَنه بعد نزُول الْحسن لَهُ خَليفَة حق وَإِمَام صدق

وَيُشِير إِلَى ذَلِك كَلَام الإِمَام أَحْمد فقد أخرج الْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن إِبْرَاهِيم بن سُوَيْد الأرمني قَالَ قلت لِأَحْمَد ابْن حَنْبَل من الْخُلَفَاء قَالَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي قلت فمعاوية قَالَ لم يكن أحد أَحَق بالخلافة فِي زمَان عَليّ من عَليّ فأفهم كَلَامه أَن مُعَاوِيَة بعد زمَان عَليّ أَي وَبعد نزُول الْحسن لَهُ أَحَق النَّاس بالخلافة وَأما مَا أخرجه ابْن ابي شيبَة فِي المُصَنّف عَن سعيد بن جمْهَان قَالَ قلت لسفينة إِن بني أُميَّة يَزْعمُونَ أَن الْخلَافَة فيهم فَقَالَ كذب بَنو الزَّرْقَاء بل هم مُلُوك من أشر الْمُلُوك وَأول الْمُلُوك مُعَاوِيَة فَلَا يتَوَهَّم مِنْهُ أَن لَا خلَافَة لمعاوية لِأَن مَعْنَاهُ أَن خِلَافَته وَإِن كَانَت صَحِيحَة إِلَّا أَنه غلب عَلَيْهَا مشابهة الْملك لِأَنَّهَا خرجت عَن سنَن خلَافَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي كثير من الْأُمُور فَهِيَ حقة وصحيحة من حِين نزُول الْحسن لَهُ واجتماع النَّاس أهل الْحل وَالْعقد عَلَيْهِ وَتلك من حَيْثُ إِنَّه وَقع فِيهَا أُمُور ناشئة عَن اجتهادات غير مُطَابقَة للْوَاقِع لَا يَأْثَم بهَا الْمُجْتَهد لَكِنَّهَا تُؤخر عَن دَرَجَات ذَوي الاجتهادات الصَّحِيحَة الْمُطَابقَة للْوَاقِع وهم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَالْحسن ﵃ فَمن أطلق على ولَايَة مُعَاوِيَة أَنَّهَا ملك أَرَادَ من حَيْثُ مَا وَقع فِي خلالها من تِلْكَ الاجتهادات الَّتِي ذَكرنَاهَا وَمن أطلق عَلَيْهَا أَنَّهَا خلَافَة أَرَادَ انه بنزول الْحسن لَهُ واجتماع أهل

من حَيْثُ مَا وَقع فِي خلالها من تِلْكَ الاجتهادات الَّتِي ذَكرنَاهَا وَمن أطلق عَلَيْهَا أَنَّهَا خلَافَة أَرَادَ انه بنزول الْحسن لَهُ واجتماع أهل

الْحل وَالْعقد عَلَيْهِ صَار خَليفَة حق مُطَاعًا يجب لَهُ من حَيْثُ الطواعية والانقياد مَا يجب للخلفاء الرَّاشِدين قبله وَلَا يُقَال بنظير ذَلِك فِيمَن بعده لِأَن أُولَئِكَ لَيْسُوا من أهل الِاجْتِهَاد بل مِنْهُم عصاة فسقة وَلَا يعدون من جملَة الْخُلَفَاء بِوَجْه بل من جملَة الْمُلُوك بل من أشرهم إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُ مُلْحق بالخلفاء الرَّاشِدين وَكَذَلِكَ ابْن الزبير وَأما مَا يستبيحه بعض المبتدعة من سبه ولعنه فَلهُ فِيهِ اسوة أَي أُسْوَة بالشيخين وَعُثْمَان وَأكْثر الصَّحَابَة فَلَا يلْتَفت لذَلِك وَلَا يعول عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لم يصدر إِلَّا عَن قوم حمقى جهلاء أغبياء طغام لَا يُبَالِي الله بهم فِي أَي وَاد هَلَكُوا فلعنهم الله وخذلهم أقبح اللَّعْنَة والخذلان وَأقَام على رؤوسهم من سيوف أهل السّنة وحججهم المؤيدة بأوضح الدَّلَائِل والبرهان مَا يقمعهم عَن الْخَوْض فِي تنقيص أُولَئِكَ الْأَئِمَّة الْأَعْيَان وَلَقَد اسْتعْمل مُعَاوِيَة عمر وَعُثْمَان ﵃ وَكَفاهُ ذَلِك شرفا وَذَلِكَ أَن أَبَا بكر ﵁ لما بعث الجيوش إِلَى الشَّام سَار مُعَاوِيَة مَعَ أَخِيه يزِيد بن أبي سُفْيَان فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ يزِيد اسْتَخْلَفَهُ على دمشق فأقره ثمَّ أقره عمر ثمَّ عُثْمَان وَجمع لَهُ الشَّام كُله فَأَقَامَ أَمِيرا عشْرين سنة وَخَلِيفَة عشْرين سنة قَالَ كَعْب الْأَحْبَار لم يملك أحد هَذِه الْأمة مَا ملك مُعَاوِيَة

قَالَ الذَّهَبِيّ توفّي كَعْب قبل أَن يسْتَخْلف مُعَاوِيَة وَصدق كَعْب فِيمَا نَقله فَإِن مُعَاوِيَة بَقِي خَليفَة عشْرين سنة لَا ينازعه أحد الْأَمر فِي الأَرْض بِخِلَاف غَيره مِمَّن بعده فَإِنَّهُ كَانَ لَهُم مُخَالف وَخرج عَن أَمرهم بعض الممالك انْتهى وَفِي إِخْبَار كَعْب بذلك قبل اسْتِخْلَاف مُعَاوِيَة دَلِيل على أَن خِلَافَته مَنْصُوص عَلَيْهَا فِي بعض كتب الله الْمنزلَة فَإِن كَعْبًا كَانَ حبرها فَلهُ من الِاطِّلَاع عَلَيْهَا والإحاطة بأحكامها مَا فاق سَائِر أَحْبَار أهل الْكتاب وَفِي هَذَا من التقوية لشرف مُعَاوِيَة وحقية خِلَافَته بعد نزُول الْحسن لَهُ مَا لَا يخفى وَكَانَ نُزُوله لَهُ عَنْهَا واستقراره فِيهَا من ربيع الآخر أوجمادى الأولى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين فَسُمي هَذَا الْعَام عَام الْجَمَاعَة لِاجْتِمَاع الْأمة فِيهِ على خَليفَة وَاحِد وَاعْلَم أَن اهل السّنة اخْتلفُوا فِي تَكْفِير يزِيد بن مُعَاوِيَة وَولي عَهده من بعده فَقَالَت طَائِفَة إِنَّه كَافِر لقَوْل سبط ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره الْمَشْهُور أَنه لماجاء رَأس الْحُسَيْن ﵁ جمع أهل الشَّام وَجعل ينكت رَأسه بالخيزران وينشد ابيات ابْن الزِّبَعْرَى

(لَيْت أشياخي ببدر شهدُوا ... ) الأبيات الْمَعْرُوفَة وَزَاد فِيهَا بَيْتَيْنِ مشتملين على صَرِيح الْكفْر وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِيمَا حَكَاهُ سبطه عَنهُ لَيْسَ الْعجب من قتال ابْن زِيَاد للحسين وَإِنَّمَا الْعجب من خذلان يزِيد وضربه بالقضيب ثنايا الْحُسَيْن وَحمله آل رَسُول الله ﷺ سَبَايَا على أقتاب الْجمال وَذكر أَشْيَاء من قَبِيح مَا اشْتهر عَنهُ ورده الرَّأْس إِلَى الْمَدِينَة وَقد تَغَيَّرت رِيحه ثمَّ قَالَ وَمَا كَانَ مَقْصُوده إِلَّا الفضيحة وَإِظْهَار الرَّأْس أفيجوز أَن يفعل هَذَا بالخوارج لَيْسَ بِإِجْمَاع الْمُسلمين أَن الْخَوَارِج والبغاة يكفنون وَيصلى عَلَيْهِم ويدفنون وَلَو لم يكن فِي قلبه أحقاد جَاهِلِيَّة وأضغان بدرية لاحترم الرَّأْس لما وصل إِلَيْهِ وكفنه وَدَفنه وَأحسن إِلَى آل رَسُول الله ﷺ انْتهى

هِم ويدفنون وَلَو لم يكن فِي قلبه أحقاد جَاهِلِيَّة وأضغان بدرية لاحترم الرَّأْس لما وصل إِلَيْهِ وكفنه وَدَفنه وَأحسن إِلَى آل رَسُول الله ﷺ انْتهى

وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ بِكَافِر فَإِن الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للكفر لم يثبت عندنَا مِنْهَا شَيْء وَالْأَصْل بَقَاؤُهُ على إِسْلَامه حَتَّى يعلم مَا يُخرجهُ عَنهُ وَمَا سبق أَنه الْمَشْهُور يُعَارضهُ مَا حُكيَ أَن يزِيد لما وصل إِلَيْهِ رَأس الْحُسَيْن قَالَ رَحِمك الله يَا حُسَيْن لقد قَتلك رجل لم يعرف حق الْأَرْحَام وتنكر لِابْنِ زِيَاد وَقَالَ قد زرع لي الْعَدَاوَة فِي قلب الْبر والفاجر ورد نسَاء الْحُسَيْن وَمن بَقِي من بنيه مَعَ رَأسه إِلَى الْمَدِينَة ليدفن الرَّأْس بهَا وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ لم يثبت مُوجب وَاحِدَة من المقالتين وَالْأَصْل أَنه مُسلم فنأخذ بذلك الأَصْل حَتَّى يثبت عندنَا مَا يُوجب الْإِخْرَاج عَنهُ وَمن ثمَّ قَالَ جمَاعَة من الْمُحَقِّقين إِن الطَّرِيقَة الثَّابِتَة القويمة فِي شَأْنه التَّوَقُّف فِيهِ وتفويض أمره إِلَى الله ﷾ لِأَنَّهُ الْعَالم بالخفيات والمطلع على مكنونات السرائر وهواجس الضمائر فَلَا نتعرض لتكفيره أصلا لِأَن هَذَا هُوَ الأحرى والأسلم وعَلى القَوْل بِأَنَّهُ مُسلم فَهُوَ فَاسق شرير سكير جَائِر كَمَا أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ فقد أخرج أَبُو يعلى فِي مُسْنده بِسَنَد لكنه ضَعِيف عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يزَال أَمر أمتِي قَائِما بِالْقِسْطِ حَتَّى يكون أول من يثلمه رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد) وَأخرج الرَّوْيَانِيّ فِي

الَ رَسُول الله ﷺ (لَا يزَال أَمر أمتِي قَائِما بِالْقِسْطِ حَتَّى يكون أول من يثلمه رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد) وَأخرج الرَّوْيَانِيّ فِي

مُسْنده عَن أبي ذَر قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول (أول من يُبدل سنتي رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد) وَفِي هذَيْن الْحَدِيثين دَلِيل أَي دَلِيل لما قَدمته أَن مُعَاوِيَة كَانَت خِلَافَته لَيست كخلافة من بعده من بني أُميَّة فَإِنَّهُ ﷺ أخبر أَن أول من يثلم أَمر أمته ويبدل سنته يزِيد فَافْهَم أَن مُعَاوِيَة لم يثلم وَلم يُبدل وَهُوَ كَذَلِك لما مر أَنه مُجْتَهد وَيُؤَيّد ذَلِك مَا فعله الإِمَام الْمهْدي كَمَا عبر بِهِ ابْن سِيرِين وَغَيره عَن عمر بن عبد الْعَزِيز بِأَن رجلا نَالَ من مُعَاوِيَة بِحَضْرَتِهِ فَضَربهُ ثَلَاثَة أسواط مَعَ ضربه لمن سمى ابْنه يزِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ عشْرين سَوْطًا كَمَا سَيَأْتِي فَتَأمل فرقان مَا بَينهمَا وَكَانَ مَعَ أبي هُرَيْرَة ﵁ علم من النَّبِي ﷺ بِمَا مر عَنهُ ﷺ فِي يزِيد فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من رَأس السِّتين وإمارة الصّبيان فَاسْتَجَاب الله لَهُ وتوفاه سنة تسع وَخمسين وَكَانَ وَفَاة مُعَاوِيَة وَولَايَة ابْنه سنة سِتِّينَ فَعلم أَبُو هُرَيْرَة بِولَايَة يزِيد فِي هَذِه السّنة فاستعاذ مِنْهَا لما علمه من قَبِيح أَحْوَاله بِوَاسِطَة إِعْلَام الصَّادِق المصدوق ﷺ بذلك وَقَالَ نَوْفَل بن أبي الْفُرَات كنت عِنْد عمر بن عبد الْعَزِيز فَذكر رجل يزِيد فَقَالَ قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يزِيد بن مُعَاوِيَة فَقَالَ تَقول أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأمر بِهِ

فَضرب عشْرين سَوْطًا ولإسرافه فِي الْمعاصِي خلعه أهل الْمَدِينَة فقد أخرج الْوَاقِدِيّ من طرق أَن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الغسيل قَالَ وَالله مَا خرجنَا على يزِيد حَتَّى خفنا أَن نرمي بِالْحِجَارَةِ من السَّمَاء أَن كَانَ رجلا ينْكح أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات وَيشْرب الْخمر ويدع الصَّلَاة وَقَالَ الذَّهَبِيّ وَلما فعل يزِيد بِأَهْل الْمَدِينَة مَا فعل مَعَ شربه الْخمر وإتيانه الْمُنْكَرَات اشْتَدَّ عَلَيْهِ النَّاس وَخرج عَلَيْهِ غير وَاحِد وَلم يُبَارك الله فِي عمره وَأَشَارَ بقوله مَا فعل إِلَى مَا وَقع مِنْهُ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ فَإِنَّهُ بلغه أَن أهل الْمَدِينَة خَرجُوا عَلَيْهِ وخلعوه فَأرْسل لَهُم جَيْشًا عَظِيما وَأمرهمْ بقتالهم فجاؤا إِلَيْهِم وَكَانَت وقْعَة الْحرَّة على بَاب طيبَة وَمَا أَدْرَاك مَا وقْعَة الْحرَّة ذكرهَا الْحسن مرّة فَقَالَ لله مَا كَاد ينجو مِنْهُم وَاحِد قتل فِيهَا خلق كثير من الصَّحَابَة وَمن غَيرهم فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَبعد اتِّفَاقهم على فسقه اخْتلفُوا فِي جَوَاز لَعنه بِخُصُوص اسْمه فَأَجَازَهُ قوم مِنْهُم ابْن الْجَوْزِيّ وَنَقله عَن أَحْمد وَغَيره فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بِالرَّدِّ على

َوَاز لَعنه بِخُصُوص اسْمه فَأَجَازَهُ قوم مِنْهُم ابْن الْجَوْزِيّ وَنَقله عَن أَحْمد وَغَيره فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بِالرَّدِّ على

المتعصب العنيد الْمَانِع من ذمّ يزِيد سَأَلَني سَائل عَن يزِيد بن مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ يَكْفِي مَا بِهِ فَقَالَ أَيجوزُ لَعنه فَقلت قد أجَازه الْعلمَاء الورعون مِنْهُم أَحْمد ابْن حَنْبَل فَإِنَّهُ ذكر فِي حق يزِيد مَا يزِيد على اللَّعْنَة ثمَّ روى ابْن الْجَوْزِيّ عَن القَاضِي أبي يعلى الْفراء أَنه روى فِي كِتَابه الْمُعْتَمد فِي الْأُصُول بِإِسْنَادِهِ إِلَى صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ قلت لأبي إِن قوما ينسبوننا إِلَى تولي يزِيد فَقَالَ يَا بني وَهل يتَوَلَّى يزِيد أحد يُؤمن بِاللَّه وَلم لَا يلعن من لَعنه الله فِي كِتَابه فَقلت وَأَيْنَ لعن الله يزِيد فِي كِتَابه فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم﴾ أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أَبْصَارهم مُحَمَّد ٢٢ ٢٣ فَهَل يكون فَسَاد أعظم من الْقَتْل وَفِي رِوَايَة فَقَالَ يَا بني مَا أَقُول فِي رجل لَعنه الله فِي كِتَابه فَذكره قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وصنف القَاضِي أَبُو يعلى كتابا ذكر فِيهِ بَيَان من يسْتَحق اللَّعْن وَذكر مِنْهُم يزِيد ثمَّ ذكر حَدِيث (من أَخَاف أهل الْمَدِينَة ظلما أخافه الله وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَلَا خلاف أَن يزِيد غزا الْمَدِينَة بِجَيْش وأخاف أَهلهَا انْتهى والْحَدِيث الَّذِي

الله وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَلَا خلاف أَن يزِيد غزا الْمَدِينَة بِجَيْش وأخاف أَهلهَا انْتهى والْحَدِيث الَّذِي

ذكره رَوَاهُ مُسلم وَوَقع من ذَلِك الْجَيْش من الْقَتْل وَالْفساد الْعَظِيم والسبي وَإِبَاحَة الْمَدِينَة مَا هُوَ مَشْهُور حَتَّى فض نَحْو ثَلَاثمِائَة بكر وَقتل من الصَّحَابَة نَحْو ذَلِك وَمن قراء الْقُرْآن نَحْو سبع مائَة نفس وأبيحت الْمَدِينَة أَيَّامًا وَبَطلَت الْجَمَاعَة من الْمَسْجِد النَّبَوِيّ أَيَّامًا وأخيفت أهل الْمَدِينَة أَيَّامًا فَلم يُمكن أحدا دُخُول مَسْجِدهَا حَتَّى دَخلته الْكلاب والذئاب وبالت على منبره ﷺ تَصْدِيقًا لما أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ وَلم يرض أَمِير ذَلِك الْجَيْش إِلَّا بِأَن يبايعوه ليزِيد على أَنهم خول لَهُ إِن شَاءَ بَاعَ وَإِن شَاءَ أعتق فَذكر لَهُ بَعضهم الْبيعَة على كتاب الله وَسنة رَسُوله فَضرب عُنُقه وَذَلِكَ فِي وقْعَة الْحرَّة السَّابِقَة ثمَّ سَار جَيْشه

هَذَا إِلَى قتال ابْن الزبير فرموا الْكَعْبَة بالمنجنيق وأحرقوها بالنَّار فَأَي شَيْء أعظم من هَذِه القبائح الَّتِي وَقعت فِي زَمَنه ناشئة عَنهُ وَهِي مصداق الحَدِيث السَّابِق (لَا يزَال أَمر أمتِي قَائِما بِالْقِسْطِ حَتَّى يثلمه رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد)

عت فِي زَمَنه ناشئة عَنهُ وَهِي مصداق الحَدِيث السَّابِق (لَا يزَال أَمر أمتِي قَائِما بِالْقِسْطِ حَتَّى يثلمه رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد) وَقَالَ آخَرُونَ لَا يجوز لَعنه إِذْ لم يثبت عندنَا مَا يَقْتَضِيهِ وَبِه أفتى الْغَزالِيّ وَأطَال فِي الِانْتِصَار لَهُ وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بقواعد أَئِمَّتنَا وَبِمَا صَرَّحُوا بِهِ من أَنه لَا يجوز أَن يلعن شخص بِخُصُوصِهِ إِلَّا إِن علم مَوته على الْكفْر كَأبي جهل وَأبي لَهب وَأما من لم يعلم فِيهِ ذَلِك فَلَا يجوز لَعنه حَتَّى إِن الْكَافِر الْحَيّ الْمعِين لَا يجوز لَعنه لِأَن اللَّعْن هُوَ الطَّرْد عَن رَحْمَة الله المستلزم لليأس مِنْهَا وَذَلِكَ إِنَّمَا يَلِيق بِمن علم مَوته على الْكفْر وَأما من لم يعلم فِيهِ ذَلِك فَلَا وَإِن كَانَ كَافِرًا فِي الْحَالة الظَّاهِرَة لاحْتِمَال أَن يخْتم لَهُ بِالْحُسْنَى فَيَمُوت على الْإِسْلَام وصرحوا أَيْضا بِأَنَّهُ لَا يجوز لعن فَاسق مُسلم معِين وَإِذا علمت أَنهم صَرَّحُوا بذلك علمت أَنهم مصرحون بِأَنَّهُ لَا يجوز لعن يزِيد وَإِن كَانَ فَاسِقًا خبيثا وَلَو سلمنَا أَنه أَمر بقتل الْحُسَيْن وسر بِهِ لِأَن ذَلِك حَيْثُ لم يكن عَن استحلال أَو كَانَ عَنهُ لَكِن بِتَأْوِيل وَلَو بَاطِلا وَهُوَ فسق لَا كفر على أَن أمره بقتْله وسروره بِهِ لم يثبت صدوره عَنهُ من وَجه صَحِيح بل كَمَا حُكيَ عَنهُ ذَلِك حُكيَ عَنهُ ضِدّه كَمَا قَدمته

وَأما مَا اسْتدلَّ بِهِ أَحْمد على جَوَاز لَعنه من قَوْله تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذين دلّ لعنهم الله مُحَمَّد ٢٣ وَمَا اسْتدلَّ بِهِ غَيره من قَوْله ﷺ فِي حَدِيث مُسلم (وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) فَلَا دلَالَة فيهمَا لجَوَاز لعن يزِيد بِخُصُوص اسْمه وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِيهِ وَإِنَّمَا الَّذِي عَلَيْهِ جَوَاز لَعنه لَا بذلك الْخُصُوص وَهَذَا جَائِز بِلَا نزاع وَمن ثمَّ حُكيَ الِاتِّفَاق على أَنه يجوز لعن من قتل الْحُسَيْن ﵁ أَو أَمر بقتْله أَو أجَازه أَو رَضِي بِهِ من غير تَسْمِيَة ليزِيد كَمَا يجوز لعن شَارِب الْخمر وَنَحْوه من غير تعْيين وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي الْآيَة والْحَدِيث إِذْ لَيْسَ فيهمَا تعرض للعن أحد بِخُصُوص اسْمه بل لمن قطع رَحمَه وَمن أَخَاف أهل الْمَدِينَة فَيجوز اتِّفَاقًا أَن يُقَال لعن الله من قطع رَحمَه وَمن أَخَاف أهل الْمَدِينَة ظلما وَإِذا جَازَ هَذَا اتِّفَاقًا لكَونه لَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَة أحد بِخُصُوصِهِ فَكيف يسْتَدلّ بِهِ أَحْمد وَغَيره على جَوَاز لعن شخص معِين بِخُصُوصِهِ مَعَ وضوح الْفرق بَين المقامين فاتضح أَنه لَا يجوز لَعنه بِخُصُوصِهِ وَأَنه لَا دلَالَة فِي الْآيَة والْحَدِيث للْجُوَاز ثمَّ رَأَيْت ابْن الصّلاح من أكَابِر أَئِمَّتنَا الْفُقَهَاء والمحدثين قَالَ فِي فَتَاوِيهِ

Bagian 13 dari 15