Al-Adzkar - Imam Nawawi

Kumpulan dzikir dan doa harian Imam Nawawi beserta sanad dan adabnya.

Bagian 13 dari 18

— Bagian 13 · فْسِي عن ذنوب بني أميهْ —

Bagian 13

فْسِي عن ذنوب بني أميهْ على ربِّي حِسَابُهمُ إليه ... تَنَاهَى علمُ ذلكَ لا إِلَيَّهْ وليسَ بضائري ما قَدْ أتوْهُ ... إذا ما اللَّه أصلحَ ما لديَّهْ

بابُ تحريم الغِيبَةِ والنَّمِيمَة: ١٧١٥- اعلم أن هاتين الخصلتين من أقبح القبائح، وأكثرها انتشاراً في الناس، حتى ما يسلمُ منهما إلا القليلُ من الناس، فلعمومِ الحاجةِ إلى التحذير منهما بدأتُ بهما. ١٧١٦- فأمَّا الغيبة: فهي ذكرُك الإِنسانَ بما فيه مما يكرهُ، سواءٌ كان في بدنه، أو دينه، أو دنياهُ، أو نفسهِ، أو خلقهِ، أو خلُقهِ، أو ماله، أو ولدهِ، أو والدهِ، أو زوجهِ، أو خادمهِ، أو مملوكهِ، أو عمامتهِ، أو ثوبهِ، أو مشيته، وحركتهِ، وبشاشته، وخلاعته، وعبُوسه، وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواءٌ ذكرتهُ بلفظك أو كتابك، أو رمزتَ، أو أشرتَ إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك، أو نحو ذلك. أما البدن، فكقولك: أعمى أعرج، أعمشُ، أقرعُ، قصيرٌ، طويلٌ، أسودُ، أصفرُ.

وأما الدِّيْنُ، فكقولك: فاسقٌ، سارقٌ، خائنٌ، ظالمٌ، متهاونٌ بالصلاةِ، مُتساهلٌ في النجاسات، ليس بارّاً بوالده، لا يضعُ الزكاة مواضعَها، لا يجتنبُ الغيبة. وأما الدنيا: فقليلُ الأدب، يتهاونُ بالناس، لا يرى لأحد عليه حقاً، كثير الكلام، كثر الأكل أو النوم، ينامُ في غير وقته، يجلسُ في غير موضعه. وأما المتعلِّق بوالده، فكقوله: أبوه فاسق، أو هندي، أو نبطي، أو زنجي، إسكافٌ، بزار١، نحاسٌ، نجار، حداد، حائك. وأما الخلقُ، فكقوله: سيئ الخلق، متكبرٌ، مُراءٍ، عجولٌ، جبارٌ، عاجزٌ، ضعيفُ القلب، متهورٌ، عبوسٌ، خليعٌ، ونحوهُ. وأما الثوبُ: فواسع الكمّ، طويل الذيل، وسخ الثوب، ونحو ذلك. ويُقاس الباقي بما ذكرناه. وضابطُه: ذكرُه بما يكره. وقد نقل الإِمام أبو حامد الغزالي ["الإحياء" ٣/ ١٤٣] إجماع المسلمين على أن الغيبة: ذكرُك غيرك بم يكرَهُ، وسيأتي الحديث الصحيح المصرِّح بذلك [رقم: ١٧٢١] . ١٧١٧- وأما النميمةُ، فهي: نقلُ كلامِ الناسِ بعضِهم إلى بعضٍ على جهةِ الإفسادِ.

ذكرُك غيرك بم يكرَهُ، وسيأتي الحديث الصحيح المصرِّح بذلك [رقم: ١٧٢١] . ١٧١٧- وأما النميمةُ، فهي: نقلُ كلامِ الناسِ بعضِهم إلى بعضٍ على جهةِ الإفسادِ. ١٧١٨- هذا بيانُهُما، وأما حُكمُهُما، فهُما مُحرمتانِ بإجماع المسلمين، وقد تظاهرَ على تحريمهما الدلائلُ الصريحةُ من الكتاب والسنّة وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ،

وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ، وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] . ١٧١٩- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٠٥٥] ، ومسلم [رقم: ١٠٥] ؛ عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نمامٌ". ١٧٢٠- وَرَوَيْنَا في صحيحيهما [البخاري، رقم: ٢١٦؛ مسلم، رقم: ٢٩٢] ، عن ابن عباسٍ ﵄، أن رسول الله ﷺ مرّ بقبرين، فقال: "إنَّهُما يُعذبان، ومَا يُعَذَّبانِ في كَبير". قال: وفي رواية البخاري: "بلى إنَّه كبيرٌ؛ أمَّا أحدهُما فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، وأما الآخَرُ فَكانَ لا يستترُ مِنْ بولهِ". قلتُ: قال العلماءُ: معنى: "وما يُعذّبان في كبير" أي: في كبيرٍ في زعمهما، أو كبيرٍ تكرهُ عليهما. ١٧٢١- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٨٩] ، و"سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٧٤] ، والترمذي [رقم: ١٩٣٤] ، والنسائي [في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: ١٣٩٨٥] ؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أتَدْرُونَ ما الغِيْبَةُ"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولهُ أعلمُ، قال: "ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَهُ"، قيل: أفرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: "إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح. ١٧٢٢- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ١٠٥] ، ومسلم [رقم: ١٦٧٩] ؛ عن أبي بكرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال في خطبتهِ يوم النحرِ بِمنىً في حجةِ الوادعِ: "إنَّ دماءكُم وَأمْوَالكُمْ وأعْرَاضَكُمْ حرامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا؛ ألا هَلْ بَلَّغْتُ"؟.

َّ دماءكُم وَأمْوَالكُمْ وأعْرَاضَكُمْ حرامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا؛ ألا هَلْ بَلَّغْتُ"؟. ١٧٢٣- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٧٥] ، والترمذي [رقم:

٢٥٠٢، ٢٥٠٣] ؛ عن عائشة ﵂، قالت: قلتُ للنبيّ ﷺ: حسبُك من صفيّة كذا وكذا -قال بعضُ الرواة: تعني قصيرة- فقال: "لَقَدْ قلتُ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بماءِ البحرِ لمزجتهُ"، قالت: وحكيتُ له إنساناً، فقال: "ما أحبُ أني حكيتُ إنساناً وأنَّ لي كَذَا وكَذَا"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قلتُ: "مزجتهُ" أي: خالطتهُ مُخالطةً يتغيرُ بها طعمهُ أو ريحهُ لشدةِ نتنها وقبحها، وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمُها؛ وما أعلمُ شيئاً من الأحاديث يبلغُ في الذمّ لها هذا المبلغ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] نسألُ اللَّه الكريم لطفه والعافية مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ. ١٧٢٤- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٧٨] ، عن أنس ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: "لَمَّا عُرج بِي، مررتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أظفارٌ مِنْ نُحاسٍ يخمشونَ وُجُوهَهُمْ وصدُورهُم، فقلتُ: مَنْ هؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قال: هَؤُلاءِ الَّذينَ يأكُلُونَ لحومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ". ١٧٢٥- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٤٨٧٦] ، عن سعيد بن زيدٍ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنْ أرْبَى الرّبا الاسْتِطالَةَ في عِرْضِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ". ١٧٢٦- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٢٧] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَخونُهُ وَلا يَكْذِبُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حرامٌ، عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى ها هنا، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاهُ المسلم"، قال الترمذي: حديث حسن [راجع رواية البخاري، رقم ٦٠٦٤، ٦٠٦٥؛ ومسلم، رقم: ٢٥٦٣، ٢٥٦٤؛ وراجع "الأربعون النووية" الحديث رقم: ٣٥؛ وسيرد برقم: ١٧٦٥] . قلتُ: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائدهُ؛ وبالله التوفيقُ.

٥؛ ومسلم، رقم: ٢٥٦٣، ٢٥٦٤؛ وراجع "الأربعون النووية" الحديث رقم: ٣٥؛ وسيرد برقم: ١٧٦٥] . قلتُ: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائدهُ؛ وبالله التوفيقُ.

بابُ بيانِ مُهِمَّاتٍ تتعلّقُ بحدِّ الغِيبَة: ١٧٢٧- قد ذكرنا في الباب السابق [رقم: ١٧١٦] أن الغيبة: ذكرك الإِنسان بما يكرهُ، سواءٌ ذكرتهُ بلفظك، أو فِي كِتابِكَ، أوْ رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك. وضابطهُ: كلّ ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرّمة، ومن ذلك المحاكاةُ، بأن يمشي متعارجاً أو مُطَأْطِئاً أو على غير ذلك من الهيئات، مريداً حكاية هيئة من يَتَنَقَّصُهُ بذلك، فكلُّ ذلك حرامٌ بلا خلافٍ. ومن ذلك إذا ذَكرَ مُصنفُ كتابٍ شخصاً بعينه في كتابه قائلاً: قال فلانُ كذا، مريدًا تنقصهُ والشناعةَ عليهِ، فهو حرامٌ، فإن أرادَ بيانَ غلطهِ لئلا يُقلَّدَ، أو بيانَ ضعفه في العلم لئلا يُغترّ به ويُقبل قولهُ، فهذا ليس غيبة بل نصيحة واجبةٌ يثابُ عليها إذا أرادَ ذلك، وكذا إذا قال المصنف أو غيره: قال قوم أو جماعةٌ كذا وكذا، وهذا غلطٌ أو خطأ أو جهالةٌ وغفلةٌ ونحو ذلك، فليس غيبة، إنما الغيبة ذكر إنسانٌ١ بعينه أو جماعةٍ معينين. ومن الغيبة المحرّمة قولك: فعل كذا بعضُ الناس، أو بعض الفقهاء، أو بعضُ من يَدّعي العلم، أو بعضُ المفتين، أو بعضُ مَن ينسبُ إلى الصلاحِ أو يَدّعي الزهدَ، أو بعضُ مَن مرّ بنا اليوم، أو بعضَ مَن رأيناهُ، أو نحو ذلك؛ إذا كان المخاطب يفهمه بعينه لحصول التفهيم. ومن ذلك غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يُعرضون بالغيبة تعريضاً يفهم به كما يفهم بالصريح، فيُقال لأحدهم: كيف حال فلانٍ؟ فيقولُ: الله يُصلحنا، الله يغفر لنا، الله يُصلحه، نسأل الله العافية، نحمدُ الله الذي لم يبتلينا بالدخول على الظلمة، نعوذ بالله من الشرّ، الله يُعافينا من قلةِ الحياء، الله يتوبُ علينا؛

الله يُصلحه، نسأل الله العافية، نحمدُ الله الذي لم يبتلينا بالدخول على الظلمة، نعوذ بالله من الشرّ، الله يُعافينا من قلةِ الحياء، الله يتوبُ علينا؛

وما أشبه ذلك مما يُفهم منه تنقصهُ، فكل ذلك غيبة محرمةٌ؛ وكذلك إذا قال: فلانٌ يُبتلى بما ابتلينا به كلُّنا، أو مالهُ حلةٌ في هذا، كلُّنا نفعلهُ؛ وهذه أمثلةٌ، وإلا فضابط الغيبة: تفهيمك المخاطب نقص إنسان كما سبق، وكلُّ هذا معلوم من مقتضى الحديث الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا [رقم: ١٧٢١] عن "صحيح مسلم" وغيره في حدّ الغيبة؛ والله أعلمُ. ٤٩٤- فصل حرمة الغيبة وحرمة سماعها: ١٧٢٨- اعلم أن الغيبة كما يحرمُ على المغتابِ ذكرها، يُحرمُ على السامعِ استماعُها وإقرارُها، فيجبُ على من سمع إنساناً يبتدئُ بغيبةٍ محرمةٍ أن ينهاهُ إن لم يَخَفْ ضرراً ظاهراً، فإن خافهُ وجب عليه الإنكارُ بقلبه، ومفارقةُ ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدرَ على الإِنكار بلسانه، أو على قطع الغيبة بكلامٍ آخر لزمهُ ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: أسكتْ، وهو يشتهي بقلبه استمرارهُ، فقال أبو حامد الغزالي ["الإحياء" ٣/ ١٤٦] : ذلك نفاقٌ لا يخرجهُ عن الإِثم، ولا بدّ من كراهته بقلبهِ، ومتى اضطرّ إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة وعجز عن الإِنكار، أو أنكر فلم يُقبل منهُ، ولم يمكنهُ المفارقة بطريقٍ، حرم عليه الاستماعُ والإِصغاء للغيبة، بل طريقهُ أن يذكرَ الله تعالى بلسانه وقلبه، أو بقلبه، أو يفكر في أمرٍ آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضرّه بعد ذلك السماعُ من غير استماع وإصغاءٍ في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكن بعد ذلك من المفارقة، وهو مستمرّون في الغيبة ونحوها وجب عليه المفارقةُ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] . ١٧٢٩- وَرَوَيْنَا في عن إبراهيم بن أدهم ﵁، أنه دُعي إلى

وليمةٍ، فحضرَ، فذكروا رجلاً لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيلٌ، فقال إبراهيم: أنا فعلتُ هذا بنفسي حيثُ حضرتُ موضعاً يُغتاب فيه الناس؛ فخرج ولم يأكلْ ثلاثة أيام. ["الرسالة القشيرية" ١/ ٥٠٨] . ١٧٣٠- ومما أنشدوه في هذا [من المتقارب] : وَسَمْعَكَ صُنْ عن سماعِ القبيحِ ... كصَوْنِ اللسانِ عن النُّطْقِ بِهْ فإنَّكَ عندَ سماعِ القبيحِ ... شريكٌ لقائِلِه فانتبِهْ

بابُ بَيانِ ما يَدْفَعُ به الغيبةَ عن نفسِه: ١٧٣١- اعلم أن هذا الباب له أدلةٌ كثيرةٌ في الكتاب والسنّة، ولكني أقتصرُ منهُ على الإِشارة إلى أحرفٍ، فمن كان موفَّقاً انزجرَ بها، ومن لم يكن كذلك فلا ينزجرُ بمجلداتٍ. وعمدةُ البابِ أن يعرضَ على نفسهِ ما ذكرناهُ من النصوصِ في تحريمِ الغيبة، ثم يفكرُ في قولِ الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وما ذكرناه [رقم: ١٦٩٨] من الحديث الصحيح [البخاري، رقم: ٦٤٧٨] : "إنَّ الرَّجُل لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله تعالى، ما يُلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم"، وغير ذلك مما قدمناهُ في بابِ حفظِ اللسانِ [رقم: ٤٩٠] وبابِ الغيبة [رقم: ٤٩٢] ، ويضمّ إلى ذلك قولهم: الله معي، الله شاهدٌ علي١، الله ناظرٌ إلَيّ. ١٧٣٢- وعن الحسن البصري ﵀، أن رجلاً قال لهُ: إنك تغتابني، فقال: ما بلغَ قدرُك عندي أن أحكِّمَكَ في حسناتي. ١٧٣٣- وَرَوَيْنَا عن ابن المبارك ﵀، قال: لو كنتُ مُغتابًا أحداً لاغتبتُ والديّ، لأنهما أحقُّ بحسناتي، ["الرسالة القشيرية" ١/ ٥١٠] ؛ والله أعلمُ.

تي. ١٧٣٣- وَرَوَيْنَا عن ابن المبارك ﵀، قال: لو كنتُ مُغتابًا أحداً لاغتبتُ والديّ، لأنهما أحقُّ بحسناتي، ["الرسالة القشيرية" ١/ ٥١٠] ؛ والله أعلمُ.

بابُ بَيانِ ما يُباحُ مِن الغِيبَة: ١٧٣٤- اعلم أنَّ الغيبةَ، وإن كانت محرّمة، فإنها تباحُ في أحوالٍ للمصلحة. والمجوزُ لهَا غرضٌ صحيحٌ شرعيٌ لا يُمكنُ الوصولُ إليه إلا بها، وهُو أحدُ ستةِ أسبابٍ: الأولُ: التظلمُ، فيجوزُ للمظلوم أن يتظلَّم إلى السلطانِ والقاضي وغيرهما ممّن له ولايةٌ أو له قدرةٌ على إنصافهِ من ظالمهِ، فيذكرُ أن فُلانًا ظلمني، وفعل بي كذا، وأخذ لي كذا، ونحو ذلك. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، وردّ العاصي إلى الصواب، فيقولُ لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فُلانٌ يعملُ كذا فأزجرهُ عنهُ، ونحو ذلك؛ ويكونُ مقصودهُ التوسل١ إلى إزالة المنكرِ، فإن لم يقصد ذلك كان حراماً. الثالث: الاستفتاء، بأن يقولَ للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو فلانٌ بكذا، فهل له ذلك أم لا؟ وما طريقي في الخلاص منهُ وتحصيل حقّي، ودفع الظلم عني، ونحو ذلك؟ وكذلك قولهُ: زوجتي تفعلُ معي كذا، أو زوجي يفعلُ كذا، ونحو ذلك؛ فهذا جائزٌ للحاجةِ، ولكن الأحوط أن يقول: ما تقولُ في رجل كان من أمره كذا أو كذا، أو في زوج أو زوجةٍ تفعل كذا أو نحو ذلك، فإنه يحصلُ به الغرضُ من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيينُ جائزٌ، لحديث هندٍ الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، [برقم: ١٧٣٩] وقولُها: يا رسول الله! إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ.. الحديث، ولم ينهها رسول الله ﷺ.

عيينُ جائزٌ، لحديث هندٍ الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، [برقم: ١٧٣٩] وقولُها: يا رسول الله! إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ.. الحديث، ولم ينهها رسول الله ﷺ.

الرابع: تحذير المسلمين من الشرّ ونصيحتهم، وذلك من وجوهٍ: منها: جرحُ المجروحين من الرواةِ للحديث والشهود، وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين، بل واجبٌ للحاجةِ. ومنها: إذا استشارك إنسانٌ في مصاهرته، أو مشاركته، أو إيداعهِ، أو الإِيداع عندهُ، أو معاملته، [أو مجاورته] أو غير ذلك؛ وجب عليك أن تذكُر له ما تعلمهُ منهُ على جهةِ النصيحةِ، فإن حصلَ الغرضُ بمجرّد قولك: لا تصلحُ لك معاملتُه، أو مصاهرتهُ، أو لا تفعلْ هذا، أو نحو ذلك؛ لم تجز الزيادةُ بذكرِ المساوئ، وإن لم يحصل الغرضُ إلا بالتصريح بعينه، فاذكره بصريحه. ومنها: إذا رأيتَ مَن يشتري عبداً معروفاً بالسرقةِ أو الزنا أو الشرب أو غيرها، فعليك أن تبيّن ذلك للمشتري إن لم يكن عالماً به، ولا يختصّ بذلك، بل كُلُ من علمَ بالسلعة المبيعةِ عيباً وجبَ عليه بيانهُ للمشتري إذا لم يعلمهُ. ومنها: إذا رأيت متفقهاً يتردَّدُ إلى مبتدعٍ، أو فاسقٍ؛ يأخذُ عنهُ العلمَ، وخفتَ أن يتضرَّرَ المتفقهُ بذلك، فعليك نصيحتهُ ببيان حالهِ، ويُشترط أن يقصدَ النصيحةَ، وهذا مما يُغلَطُ فيه، وقد يحملُ المُتكلمَ بذلك الحسدُ، أو يلبسُ الشيطانُ عليه ذلك، ويُخيل إليه أنه نصيحةٌ وشفقةٌ، فليتفطَّنْ لذلك. ومنها: أن يكون له ولايةٌ لا يقومُ بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً ونحو ذلك؛ فيجبُ ذكرُ ذلك لمن له عليه ولايةٌ عامةٌ ليزيلهُ ويُولِّي من يصلحُ، أو يعلمَ ذلك منهُ ليعاملهُ بمقتضى حالهِ ولا يغترّ بهِ، وأن يسعى في أن يحثهُ على الاستقامة أو يستبدل به. الخامسُ: أن يكون مُجاهرًا بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر أو مصادرة الناس وأخذ المُكس وجباية الأموال ظلماً وتولّي الأمور الباطلة،

فيجوز ذكره بما يُجاهر به ويحرمُ ذكرهُ بغيره من الغيوب، إلا أن يكون لجوازه سببٌ آخرُ مما ذكرناهُ. السادسُ: التعريفُ، فإذا كان الإِنسان معروفاً بلقبٍ، كالأعمش والأعرج والأصمّ والأعمى والأحول والأفطس وغيرهم، جاز تعريفهُ بذلك بنيّة التعريف، ويحرمُ إطلاقهُ على جهة النقص؛ ولو أمكن التعريفُ بغيرهِ كان أولى. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماءُ مما تُباحُ بها الغيبة على ما ذكرناه [راجع "رياض الصالحين" ٢٥٦ باب ما يباح من الغيبة، الصفحات: ٥٢٥ - ٥٢٧] . وممّن نصّ عليها هكذا الإِمام أبو حامد الغزالي في "الإِحياء" [٣/ ١٥٢، ١٥٣] وآخرون من العلماء، ودلائلُها ظاهرةٌ من الأحاديث الصحيحة المشهورة، وأكثرُ هذه الأسباب مجموعٌ على جوازِ الغيبة بها. ١٧٣٥- رَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٦٠٥٤] ، ومسلمٍ [رقم: ٢٥٩١] ؛ عن عائشة ﵂، أن رجلاً استأذنَ على النبيّ ﷺ فقال: "ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أخُو العَشيرَةِ". احتجّ به البخاري على جواز غيبة أهل الفساد وأهل الرِّيَبِ. ١٧٣٦- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٤٣٣٦] ، ومسلم [رقم: ١٠٦٢] ؛ عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: قسمَ رسولُ الله ﷺ قسمةً، فقال رجلٌ من الأنصار: والله ما أرادَ محمدٌ بهذا وجهُ الله تعالى؛ فأتيتُ رسولَ الله ﷺ، فأخبرتُه، فتغيَّرَ وجهُه، وقال: "رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هذا فصبر". [تقدم برقم: ١٦١٧] . وفي بعض رواياته: قال ابن مسعودٍ: فقلتُ: لا أرفعُ إليه بعد هذا حديثاً. قلتُ: احتجّ به البخاري في إخبار الرجل أخاهُ بما يقالُ فيه.

[تقدم برقم: ١٦١٧] . وفي بعض رواياته: قال ابن مسعودٍ: فقلتُ: لا أرفعُ إليه بعد هذا حديثاً. قلتُ: احتجّ به البخاري في إخبار الرجل أخاهُ بما يقالُ فيه.

١٧٣٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٠٦٧] ، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "مَا أظُنُّ فُلاناً وَفُلاناً يَعْرِفانِ مِنْ دِينِنا شَيْئاً". قال الليث بن سعد أحد الرواة: كانا رجلين من المنافقين. ١٧٣٨- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٤٩٠٠] ، ومسلم [رقم: ٢٧٧٢] ؛ عن زيد بن أرقم ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فأصابَ الناسَ فيه شدةٌ، فقال عبدُ الله بن أُبيّ: لا تُنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى يَنْفَضُّوا من حوله، وقال: لئن رجعنَا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ، فأخبرتُه بذلك، فأرسلَ إلى عبد الله بن أُبيّ ... وذكر الحديث، فأنزل الله تعالى تصديقهُ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] . ١٧٣٩- وفي الصحيح [البخاري، رقم: ٥٣٥٩؛ مسلم، رقم: ١٧١٤] ، حديثُ هندٍ امرأةِ أبي سفيانَ، وقولها للنبي ﷺ: إن أبا سفيان رجل شحيحٌ.. إلى آخره. ١٧٤٠- وحديثُ فاطمةَ بنتِ قيس [مسلم، رقم: ١٤٨٠] ، وقول النبيّ ﷺ لها: "أما معاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ، وأمَّا أبُو جَهْمٍ فَلا يَضَع العَصَا عَنْ عاتِقِهِ". [وسيرد برقم: ١٩٣٩] .

تِ قيس [مسلم، رقم: ١٤٨٠] ، وقول النبيّ ﷺ لها: "أما معاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ، وأمَّا أبُو جَهْمٍ فَلا يَضَع العَصَا عَنْ عاتِقِهِ". [وسيرد برقم: ١٩٣٩] .

بابُ أمرِ مَنْ سَمعَ غيبةَ شيخِهِ أو صاحبهِ أو غيرهما بردها وإبطالها ... بابُ أمرِ مَنْ سمع غيبة شيخ أو صاحبهِ أو غيرهما بردها وإبطالها: ١٧٤١- اعلم أنه ينبغي لمن سمع غِيبةَ مسلم أن يردّها ويزجرَ قائلَها، فإن لم ينزجرْ بالكلام زجرهُ بيدهِ، فإن لم يستطع باليدِ ولا باللسان، فارقَ ذلكَ المجلس، فإن سمعَ غِيبَةَ شيخه، أو غيره ممّن له عليه حقٌ، أو كانَ من أهل الفضل والصَّلاح، كان الاعتناءُ بما ذكرناهُ أكثر. ١٧٤٢- رَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٣١] ، عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيامَةِ" قال الترمذي: حديثٌ حسن. ١٧٤٣- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٤٢٥] ، ومسلمٍ [رقم: ٣٣] ؛ في حديث عِتبان -بكسر العين على المشهور، وحكي ضمها- ﵁، في حديثه الطويل المشهور، قال: قام النبيّ ﷺ يُصلي، فقالوا: أين مالك بن الدخمش؟ فقال رجلٌ: ذلك منافقٌ لا يحبُ اللَّهَ ورسولهُ؛ فقال النبيّ ﷺ: "لا تَقُلْ ذلكَ، ألا تراهُ قَدْ قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، يريدُ بِذلكَ وَجْهَ اللَّهِ"؟. ١٧٤٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٨٣٠] ، عن الحسن البصري ﵀، أن عائذ بن عمرو، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، دخلَ على عُبيد الله بن زياد، فقال: أي بنيّ! إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ شَرَّ الرِّعَاء الحطمةُ" فإيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمُ، فقال لهُ: اجلسْ، فإنما أنتَ من نخالةِ أصحابِ محمدٍ ﷺ، فقال: وهل كانتْ لهم نخالةٌ؟ إنما كانت النخالةُ بعدَهم، وفي غيرِهم.

يَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمُ، فقال لهُ: اجلسْ، فإنما أنتَ من نخالةِ أصحابِ محمدٍ ﷺ، فقال: وهل كانتْ لهم نخالةٌ؟ إنما كانت النخالةُ بعدَهم، وفي غيرِهم. ١٧٤٥- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" البخاري، [رقم: ٤٤١٨] ؛ ومسلمٍ [رقم: ٢٧٦٩] ؛ عن كعب بن مالكٍ ﵁ في حديثهِ الطويل في قصة توبته، قال: قال النبيّ ﷺ، وهو جالسٌ في القوم بتبوك: "ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ"؟ فقال رجلٌ من بني سَلمة: يا رسول الله! حبسَه بُرْدَاهُ، والنظرُ في عِطفيه؛ فقال له معاذُ بن جبل ﵁: بئسَ ما قلتَ، واللهِ يا رسولَ الله ما علمنا عليهِ إلا خيراً؛ فسكتَ رسول الله ﷺ.

قلتُ: "سلمةُ" بكسر اللام؛ وعطفاهُ: جانباهُ، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه. ١٧٤٦- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٤٨٤] ، عن جابر بن عبد الله، وأبي طلحة ﵃، قالا: قال رسول الله ﷺ: "ما من امرئٍ يخذلُ امْرَأَ مُسْلِماً في موضعٍ تنتهكُ فيهِ حُرمتهُ، وَيُنْتَقَصُ فيه من عرضهِن إِلاَّ خذلهُ اللَّهُ في موطنٍ يُحبُ فيهِ نُصترهُ؛ وما من امرئٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً في موضعٍ ينتقصُ فيهِ مِنْ عرضهِ، وينتهكُ فِيهِ مِنْ حُرمتهِ، إلا نصرهُ اللهُ في موطنٍ يحبُ نصرتهُ". ١٧٤٧- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٤٨٨٣] ، عن مُعاذ بن أنسٍ، عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ حَمَى مُؤْمِناً مِنْ منافقٍ -أُرَاهُ قال- بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكاً يَحْمِي لحمهُ يَوْمَ القيامةِ مِنْ نارِ جهنم، ومن رَمَى مُسلمًا بشيءٍ يريدُ شينهُ به حبسهُ اللَّهُ على جِسْرِ جَهَنَّمَ حتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ"؛ والله أعلم.

بابُ الغِيْبَةِ بالقَلْبِ: ١٧٤٨- اعلم أن سوء الظنّ حرامٌ مثل القول؛ فكما يحرمُ أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسانٍ، يحرمُ أن تحدّث نفسك بذلك، وتسيء الظنّ به، قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] . ١٧٤٩- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٦٠٦٤] ، ومسلم [رقم: ٢٥٦٣] ؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذِبُ الحَدِيثِ". ١٧٥٠- والأحاديثُ بمعنى ما ذكرته كثيرةٌ، والمرادُ بذلك عقد القلب وحكمهُ على غيرك بالسوء، فأما الخواطرُ، وحديثُ النفسِ، إذا لم يستقرَّ

ِبُ الحَدِيثِ". ١٧٥٠- والأحاديثُ بمعنى ما ذكرته كثيرةٌ، والمرادُ بذلك عقد القلب وحكمهُ على غيرك بالسوء، فأما الخواطرُ، وحديثُ النفسِ، إذا لم يستقرَّ

ويستمرّ عليه صاحبُه، فمعفوٌ عنه باتفاق العلماء، لأنه لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلا الانفكاك عنه، وهذا هو المراد بما ثبتَ. ١٧٥١- في الصحيح [البخاري، رقم: ٥٢٦٩؛ مسلم، رقم: ١٢٧] ؛ عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "إنَّ الله تَعالى تَجَاوَزَ لأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّم بِهِ أوْ تَعْمَلْ". ١٧٥٢- قال العلماء: المرادُ به الخواطرُ التي لا تستقرّ. قالوا: وسواءٌ كان ذلك الخاطرُ غِيبة أو كفراً أو غيرهُ؛ فمن خطرَ له الكفرُ مجرد خطرانٍ من غير تعمدٍ لتحصيلهِ، ثم صرفهُ في الحالِ، فليس بكافرٍ، ولا شيء عليه. وقد قدّمنا. في: ١٧٦- باب ما يقولُ مَنْ بُلي بالوَسْوَسَة. في الحديث الصحيح [مسلم، رقم: ١٣٢] أنهم قالوا: يا رسولَ الله! يجدُ أحدُنا ما يتعاظمُ أن يتكلمُ به [قال: "وقدْ وجدتُموه"؟ قالوا: نعم] ، قال: "ذلكََ صريحُ الإِيمَانِ"، وغير ذلك مما ذكرناهُ هناك، وما هو في معناهُ. وسببُ العفو ما ذكرناه من تعذّرٍ اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرارُ وعقدُ القلبِ حراماً. ومهما عرض لك هذ الخاطرُ بالغيبةِ وغيرها من المعاصي وجبَ عليك دفعهُ بالإعراضِ عنهُ، وذكرِ التأويلاتِ الصارفة لهُ عن ظاهره. قال الإِمام أبو حامدٍ الغزالي في "الإِحياء" [٣/ ١٥٠، ١٥١] : إذا وقعَ في قلبك ظنّ السوء، فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تُكذِّبه، فإنه أفسقُ الفسّاق، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٧] فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينةٌ تدل على فسادٍ، واحتمل خلافهُ، لم تجز إساءةُ الظنّ؛ ومن علامةِ إساءة الظنّ أن يتغيَّر قلبُك معهُ عمّا كان عليهِ، فتنفرُ

يق إبليس، فإن كان هناك قرينةٌ تدل على فسادٍ، واحتمل خلافهُ، لم تجز إساءةُ الظنّ؛ ومن علامةِ إساءة الظنّ أن يتغيَّر قلبُك معهُ عمّا كان عليهِ، فتنفرُ

منه١ وتستثقلهُ، وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئه٢، فإنَّ الشيطانَ قد يقرِّبُ إلى القلب بأدنى خيال مساوئَ الناس، ويُلقي إليه: أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبّهك، وإن المؤمن ينظرُ بنور الله، وإنما هو على التحقيق ناظرٌ بغرور الشيطان وظلمته. وإن أخبرَكَ عدلٌ بذلك فلا تُصدِّقه ولا تكذبهُ، لئلا تُسيءَ الظنّ بأحدهما؛ ومهما خطرَ لك سوءٌ في مسلمٍ، فزِدْ في مراعاته وإكرامه، فإن ذلك يُغيظُ الشيطانَ، ويدفعهُ عنكَ، فلا يُلقي إليك مثلهُ خِيفةً من اشتغالك بالدعاءِ لهُ، ومهما عرفتَ هفوةَ مُسلم بحجةٍ لا شكّ فيها، فانصحهُ في السرّ، ولا يخدعنَّك الشيطانُ فيدعوك إلى اغتيابِه، وإذا وعظتهُ فلا تعظهُ وأنت مسرورٌ باطّلاعِك على نقصِه، فينظرُ إليك بعين التعظيم، وتنظرُ إليه بالاستصغار، ولكن اقصدْ تخليصهُ من الإِثم، وأنت حزينٌ كما تخزنُ على نفسك إذا دخلَك نقصٌ، وينبغي أن يكونَ تركهُ لذلك النقص بغير وعظك أحبّ إليك من تركهِ بوعظك. هذا كلامُ الغزالي. قلتُ: قد ذكرنا أنه يجبُ عليه إذا عرضَ له خاطرٌ بسوءِ الظن أن يقطعهُ، وهذا إذا لم تدعُ إلى الفكرِ في ذلك مصلحةٌ شرعيةٌ، فإن دعتْ جازَ الفكرُ في نقيصته، والتنقيب عنها، كما في جرح الشهود والرواة وغير ذلك مما ذكرناه في ٤٩٦ - باب ما يباحُ في الغيبة.

بابُ كَفَّارةِ الغيْبةِ والتَّوْبَةِ منها: ١٧٥٣- اعلم أن كلَّ من ارتكب معصيةً لزمهُ المبادرةُ إلى التوبة منها، والتوبةُ من حقوق الله تعالى يُشترط فيها ثلاثةُ أشياء: أن يُقلع عن المعصية في الحال، وأن يندمَ على فعلها، وأن يَعزِمَ ألاّ يعود إليها. والتوبةُ من حقوق الآدميين يُشترط فيها هذه الثلاثةُ ورابعٌ، وهو: ردّ الظلامةِ إلى صاحبها، أو طلب عفوه عنها، والإِبراء منها؛ فيجبُ على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة؛ لأن الغيبة حقّ آدمي، ولا بدّ من استحلاله مَن اغتابَه، وهل يكفيه أن يقول: قد اغتبتُك، فاجعلني في حلّ، أم لا بُدَّ أن يبيّنَ ما اغتابه به؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵏: أحدهما: يُشترط بيانُه، فإن أبرأه من غير بيانه لم يصحّ، كما لو أبرأه عن مالٍ مجهولٍ. والثاني: لا يُشترط؛ لأن هذا مما يُتسامحُ فيه، فلا يُشترط علمهُ، بخلاف المال. والأوّل أظهرُ؛ لأن الإِنسانََ قد يسمحُ بالعفو عن غيبة دونَ غِيبة؛ فإن كان صاحبُ الغيبةِ ميّتاً أو غائباً، فقد تعذّرَ تحصيلُ البراءةِ منها؛ لكن قال العلماءُ: ينبغي أن يُكثر الاستغفار له والدعاءَ، ويُكثر من الحسنات. واعلم أنه يُستحبّ لصاحب الغِيبة أن يبرئه منها، ولا يحبُ عليه ذلك؛ لأنه تبرّعٌ وإسقاطُ حقٌ، فكان إلى خِيرَته، ولكن يُستحبّ له استحباباً متأكداً الإِبراء، ليخلِّصَ أخاهُ المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوزَ هُو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله ﷾، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وطريقهُ في تطيب نفسه بالعفو أن يذكِّرَ نفسَه أنَّ هَذَا الأمْرَ قد وقعَ، ولا سبيلَ إلى رفعه، فلا ينبغي أن أُفوِّتَ ثوابهُ وخلاصَ أخي المسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية. والآياتُ بنحو ما ذكرناهُ كثيرةٌ.

[الشورى: ٤٣] وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية. والآياتُ بنحو ما ذكرناهُ كثيرةٌ.

١٧٥٤- وفي الحديث الصحيح [مسلم، رقم: ٢٦٩٩] أن رسول الله ﷺ قال: "وَاللَّهُ فِي عونِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْن أخيه". [مر برقم: ١٦٠٩] . ١٧٥٥- وقد قال الشافعي ﵀: من استُرضِي فلم يرضَ فهو شيطانٌ. ١٧٥٦- وقد أنشد المتقدمون [وينسب للإمام الشافعي ﵀، من الخفيف] : قيلَ لي: قد أساءَ إليك فلانٌ ... ومقامُ الفَتَى على الذُّلِّ عارُ قلتُ: قدْ جاءَنَا وأحْدَثَ عُذْراً ... ديةُ الذنبِ عِندنَا الاعْتذَارُ ١٧٥٧- فهذا الذي ذكرناهُ من الحثَ على الإِبراء عن الغيبة هو الصوابُ، وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا أُحلل مَن ظلمني؛ وعن ابن سيرين: لم أُحرّمها عليه فأُحلِّلُهَا لهُ؛ لأن الله تعالى حرّم الغيبةَ عليه، وما كنتُ لأُحَلِّلَ ما حرمهُ الله تعالى أبداً؛ فهو ضعيفُ، أو غلطٌ؛ راجع فيض القدير فإن المبرئ لا يحلِّلُ محرّماً، وإنما يُسقط حقاً ثبتَ لهُ، وقد تظاهرت نصوصُ الكتابِ والسنّة على استحباب العفو، وإسقاط الحقوق المختصّة بالمسقِط؛ أو يحملُ كلامُ ابن سيرين على أني لا أبيحُ غيبتي أبداً، وهذا صحيحٌ، فإن الإِنسانَ لو قال: أبحتُ عرضي لمن اغتابني لم يَصرْ مباحاً، بل يحرمُ على كل أحدٍ غيبتهُ كما تحرمُ غيبةُ غيرهِ. ١٧٥٨- وأما الحديث [أبو داود، رقم: ٤٨٨٦، ٤٨٨٧] : "أيَعْجِزُ أحدكُم أنْ يَكُونَ كأبِي ضمضمٍ؟ كانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بيتهِ، قالَ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي على الناس". [مر برقم: ٤٦٢] ، فمعناهُ: لا أطلبُ مَظلمتي ممّن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا يَنفعُ في إسقاط مظلمةٍ كانت موجودة قبل الإبراءِ. فأما ما يحدثُ بعدهُ فلا بدّ من إبراءٍ جديدٍ بعدَها؛ وبالله التوفيق.

ا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا يَنفعُ في إسقاط مظلمةٍ كانت موجودة قبل الإبراءِ. فأما ما يحدثُ بعدهُ فلا بدّ من إبراءٍ جديدٍ بعدَها؛ وبالله التوفيق.

بابٌ في النميمة: ١٧٥٩- قد ذكرنا تَحْرِيمها ودلائلَها وما جاء في الوعيد عليها، وذكرنَا بيانَ حقيقتها، ولكنه مختصرٌ، ونزيدُ الآن في شرحه. قال الإِمام أبو حامد الغزالي ﵀ ["الإحياء": ٣/ ١٥٦] : النميمةُ إنما تطلقُ في الغالب على مَن يَنمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه، كقوله: فلانٌ يقولُ فيك كذا، وليست النميمةُ مخصوصةً بذلك، بل حدّها كشفُ ما يُكرهُ كشفهُ، سواءٌ كرههُ المنقولُ عنهُ، أو المنقولُ إليه، أو ثالثٌ؛ وسواءٌ كان الكشفُ بالقولِ، أو الكتابة، أو الرمز، أو الإِيماء، أو نحوها؛ وسواءٌ كان المنقولُ من الأقوال أو الأعمال، وسواءٌ كان عيباً أو غيرهُ، فحقيقةُ النميمة إفشاءُ السرّ، وهتكُ السترِ عمّا يكرهُ كشفهُ، وينبغي للإِنسان أن يسكتَ عن كلِّ ما رآهُ من أحوالِ الناس، إلا ما في حكايتهِ فائدةٌ لمسلمٍ، أو دفعُ معصيةٍ؛ وإذا رآهُ يُخفي مالَ نفسهِ فذكرهُ، فهو نميمة، قال: وكلُ مَنْ حُمِلت إليه نميمةٌ، وقيل لهُ: قال فيك فلانٌ كذا؛ لزمهُ ستةُ أمورٍ. الأول: ألا يصدقهُ؛ لأن النَّمامَ فاسقٌ، وهو مردود الخبر. الثاني: أن ينهاهُ عن ذلك وينصحهُ ويقبّح فعلهُ. الثالث: أن يبغضَه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله تعالى، والبغضُ في الله تعالى واجب. الرابع: ألا يظنّ بالمنقول عنه السوء، لقول الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] . الخامس: ألا يحملَك ما حُكي لك على التجسس والبحث عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ﴾ [الحجرات: ١٢] .

السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى النمّامَ عنهُ، فلا يحكي نميمته. وقد جاء أن رجلاً ذَكَرَ لعمرَ بن عبد العزيز، ﵁، رجلاً بشيءٍ، فقال عمرُ: إن شئتَ نظرنَا في أمركَ، فإن كنتَ كاذباً فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ، وإن كنتَ صادقاً فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] وإن شئتَ عفونا عنك؛ قال: العفو، يا أميرَ المؤمنين، لا أعودُ إليه أبداً. ورفع إنسانٌ رفعةً إلى الصاحبِ بن عبادٍ يحثهُ فيها على أخذِ مال يتيم، وكان مالاً كثيراً، فكتبَ على ظهرها: النميمية قبيحةٌ، وإن كانت صحيحةً، والميّتُ ﵀، واليتيمُ جبرَه الله، والمالُ ثمرهُ اللهُ، والساعي لعنهُ الله.

بابُ النهي عن نَقْلِ الحَديثِ إلى ولاةِ الأُمور إذا لم تدعُ إليه ضرورةٌ لخوفِ مفسدةٍ ونحوِهَا: ١٧٦٠- رَوَيْنَا في كتابي أبي داود [رقم: ٤٨٦٠] ، والترمذي [رقم: ٣٨٩٦] ؛ عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يُبَلِّغْني أحدٌ منْ أصْحابِي عَنْ أحدٍ شَيْئاً، فإني أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وأنا سَلِيمُ الصَّدْرِ".

بابُ النَّهي عن الطعن في الأَنْسَابِ الثَّابتةِ في ظاهِر الشَّرْعِ: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسراء: ٣٦] ١٧٦١- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٦٧] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ لله ﷺ: "اثْنَتانِ فِي النَّاسِ هُما بِهِمْ كفرٌ: الطعنُ في النَّسَبِ، والنياحةُ على الميت". [مر برقم: ٧٦٧] ؛ والله أعلمُ.

بابُ النّهي عن الافْتِخَار: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٣] . ١٧٦٢- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٨٦٥] ، و"سنن أبي داود" [رقم: ١٢١٤] وغيرهما؛ عن عياض بن حمارٍ الصحابي ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "إن اللَّهَ تَعالى أوْحَى إلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَبْغيَ أحدٌ على أحدٍ، وَلا يَفْخَرَ أحدٌ على أحدٍ".

ارٍ الصحابي ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "إن اللَّهَ تَعالى أوْحَى إلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَبْغيَ أحدٌ على أحدٍ، وَلا يَفْخَرَ أحدٌ على أحدٍ".

بابُ النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم: ١٧٦٣- رَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٥٠٦] ، عن واثلةَ بن الأسقع ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ". قال الترمذي: حديثٌ حسن.

بابُ تَحريمِ احْتِقار المسلمينَ والسُّخْرِيةِ منهم: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] ، وقال تعالى:

ِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] ، وقال تعالى:

﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] . ١٧٦٤- وأما الأحاديث الصحيحةُ في هذا الباب فأكثرُ من أن تُحصر، وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريم ذلك؛ والله أعلمُ. ١٧٦٥- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٦٤] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا؛ ولا يبع بعضكم على بيع بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْواناً، المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يظلمهُ، وَلا يخذلهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى ههنا -ويشيرِ إلى صدره ثلاثَ مرات- بِحَسْبِ امرئٍ من الشر أن يحقر أخاهُ المسلم، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دمهُ ومالهُ وعرضه". ["الأربعون النووية"، رقم: ٣٥؛ مر برقم: ١٧٢٦] . قلتُ: ما أعظمَ نفع هذا الحديث، وأكثر فوائده لمن تدبره. ١٧٦٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٩١] عن ابن مسعودٍ ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا يدخلُ الجنة مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مثقالُ ذرةٍ مِنْ كِبْرٍ"، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبهُ حسناً ونعلهُ حسنةً، قال: "إنَّ اللَّهَ جميلٌ يحبُ الجَمالَ، الكبرُ: بطرُ الحَقِّ، وغمطُ الناسِ". قلتُ: بَطر الحقّ بفتح الباء والطاء المهملة، وهو: دفعه وإبطاله؛ وغمطٌ بفتح الغين المعجمةِ وإسكان الميم، وآخرهُ طاءٌ مهملةٌ، ويروى غمص بالصاد المهملة؛ ومعناهما واحدٌ، وهُو: الاحتقارُ.

بابُ غِلَظِ تحريمِ شَهادةِ الزُّور: قال الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] . وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسراء: ٣٦] . ١٧٦٧- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٢٦٥٤] ، ومسلم [رقم: ٨٧] ؛ عن أبي بكرةَ نُفيعٍ بنِ الحارثِ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائرِ"؟ ثلاثاً، قُلنا: بلى يا رسول الله! قال: "الإِشْرَاكُ باللَّهِ، وعقوقُ الوالِدَيْنِ" وكان متكئاً، فجلسَ، فقال: "ألا وَقَوْلُ الزورِ وشهادةُ الزُّورِ" فما زال يُكررها حتى قُلنا: ليتهُ سكت. قلتُ: والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ، وفيما ذكرته كافيةٌ، والإِجماع منعقد عليه.

بابُ النهي عن المَنِّ بالعَطِيَّةِ ونحوِها: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قال المفسرون: أي: لا تُبطلوا ثوابَها. ١٧٦٨- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٠٦] ، عن أبي ذرّ ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "ثَلاثَةٌ لا يُكلمهمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا ينظرُ إِلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، قال: فقرأها رسولُ الله ﷺ ثلاثَ مراتٍ، قال أبو ذرّ: خابُوا وخَسِروا، مَن هُم يا رسولَ الله؟ قال: "المسبلُ، والمنانُ، والمنفقُ سلعتهُ بالحلفِ الكاذبِ".

ال: فقرأها رسولُ الله ﷺ ثلاثَ مراتٍ، قال أبو ذرّ: خابُوا وخَسِروا، مَن هُم يا رسولَ الله؟ قال: "المسبلُ، والمنانُ، والمنفقُ سلعتهُ بالحلفِ الكاذبِ".

بابُ النهي عن اللعن مدخل ... بابُ النَّهي عن اللَّعْن: ١٧٦٩- رَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٠٤٤] ، ومسلم [رقم: ١١٠] ؛ عن ثابت بن الضحَّاك ﵁، وكان من أصحاب الشجرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لَعْنُ المؤمنِ كَقَتْلِهِ". ١٧٧٠- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٩٧] ، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْبَغِي لصديقٍ أنْ يكونَ لَعَّاناً". ١٧٧١- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٩٨] أيضاً، عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ". ١٧٧٢- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٠٦] والترمذي [رقم: ١٩٧٦] ؛ عن سمرةَ بنِ جندبٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تَلاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَلا بغضبهِ، وَلا بالنَّارِ"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ١٧٧٣- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٧٧] ، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطعانِ وَلا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. [سيرد برقم: ١٩١٢] . ١٧٧٤- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٠٥] ، عن أبي الدرداءِ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ العَبْد إذَا لعنَ شَيْئاً صَعِدَتِ اللعنةُ إلى السَّماءِ، فَتُغْلَقُ أبوابُ السَّماءِ دُونَهَا، ثمَّ تَهْبِطُ إلى الأرْضِ، فَتُغْلَقُ أبْوَابُها دُونَها، ثُمَّ تأخُذُ يَمِيناً وَشِمالاً، فإذَا لَمْ تَجِدْ مَساغاً رَجَعَتْ إلى الَّذي لُعِنَ، فإن كان أهْلاً لِذَلِكَ وَإِلاَّ رَجَعَتْ إلى قائِلِها". ١٧٧٥- وَرَوَيْنَا في "كتابي" أبي داود [رقم: ٤٩٠٨] ، والترمذي [رقم: ١٩٧٨] ؛ عن ابن عباسٍ ﵄، أن النبي ﷺ، قال: "مَنْ لَعَنَ شيئًا ليس له بأهلٍ رجعتٍ اللَّعْنَة عَلَيْهِ". ١٧٧٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٩٥] ، عن عمران ابن

بن عباسٍ ﵄، أن النبي ﷺ، قال: "مَنْ لَعَنَ شيئًا ليس له بأهلٍ رجعتٍ اللَّعْنَة عَلَيْهِ". ١٧٧٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٩٥] ، عن عمران ابن

الحصين ﵄، قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وامرأةٌ من الأنصارِ على ناقةٍ، فَضَجِرَتْ، فلعنتها، فسمعَها رسولُ الله ﷺ: فقال: "خُذُوا ما عَلَيْها وَدَعُوها، فإنَّها مَلْعُونَةٌ". قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرضُ لها أحدٌ. قلتُ: اختلفَ العلماءُ في إسلام حصينِ والدِ عمرانَ وصحبتهِ، والصحيحُ إسلامهُ وصحبتهُ، فلهذا قلتُ: ﵄. ١٧٧٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٩٦] أيضاً، عن أبي برزة ﵁، قال: بينما جاريةٌ على ناقةٍ عليها بعضُ متاعِ القومِ، إذ بصرتْ بالنبيّ ﷺ، وتضايقَ بهمُ الجبلُ، فقالت: حَلْ، اللَّهمّ العنها؛ فقال النبي ﷺ: "لا تُصَاحِبُنا ناقةٌ عَلَيْها لعنةٌ". وفي رواية: "لا تُصاحبنا راحلةٌ عَلَيْها لعنةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى". قلت: حَلْ بفتح الحاء المهملةِ وإسكانِ اللامِ، وهي كلمةٌ تزجرُ بها الإِبل.

٥٠٩- فصلٌ في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين والمعروفين: ١٧٧٨- ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورةِ، أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ الواصلة والمستوصلة ... " الحديث [أخرجه مسلم, رقم: ٢١٢٢؛ وهو في البخاري، رقم: ٥٩٣٣، ٥٩٣٧؛ ومسلم، رقم: ٢١٢٤ بلفظ: "لعن رسول الله...."] . ١٧٧٩- وأنهُ قال: "لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرّبا ... " الحديث [مسلم، رقم: ١٥٩٧] .

١٧٨٠- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ المُصَوِّرِينَ ... " [البخاري، رقم: ٢٦٨٦] . ١٧٨١- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأرْضِ ... " [مسلم، رقم: ١٩٧٨/ ٤٣؛ أي: حدُودها] . ١٧٨٢- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يسرقُ البيضة ... " [البخاري رقم: ٦٧٨٣؛ مسلم، رقم: ١٦٨٧] . ١٧٨٣- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَن والديه" [مسلم، رقم: ١٩٧٨] ، "وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ ... " [مسلم، رقم: ١٩٧٨/ ٤٤] . ١٧٨٤- وأنه قال: "مَنْ أحْدَثَ فِينا حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكة والناس أجمعين" [البخاري، رقم: ١٨٧٠؛ مسلم، رقم: ١٣٦٦] . ١٧٨٥- وأنه قال: " اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّة، عصتِ الله ورسوله" [البخاري، رقم: ٤٠٩٠؛ مسلم، رقم: ٦٧٥] ، وهذه ثلاثُ قبائل من العرب. [تقدم برقم: ١٥٧٧] . ١٧٨٦- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فجمَلُوها، فباعوها"، [البخاري، رقم: ٤٣٥؛ مسلم، رقم: ١٥٨٢] . ١٧٨٧- وأنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مساجد"، [البخاري، رقم: ٤٣٥؛ مسلم، رقم: ٥٣٠] . ١٧٨٨- وأنه قال [ابن عباس ﵄] : "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال". [البخاري، رقم: ٥٨٨٥] .

وجميع هذه الألفاظ في "صحيحي" البخاري ومسلم، بعضها فيهما، وبعضها في أحدهما، وإنما أشرتُ إليها ولم أذكر طرقها للاختصار. ١٧٨٩- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٩١٦] ، عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ رأى حِماراً قد وُسِمَ في وجهه، فقال: "لَعَنَ اللَّهُ الَّذي وَسَمَهُ". ١٧٩٠- وفي "الصحيحين" [البخاري، رقم: ٥٥١٥؛ مسلم، رقم: ١٩٥٨] ، أن ابن عمر ﵄، مرَّ بفتيان من قريشٍ قد نَصبوا طيراً وهم يرمونه، فقال ابن عمر: لعن اللهُ من فعلَ هذا، إن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الروحُ غَرَضاً".

شٍ قد نَصبوا طيراً وهم يرمونه، فقال ابن عمر: لعن اللهُ من فعلَ هذا، إن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الروحُ غَرَضاً".

٥١٠- فصل [في تحريم لعن المسلم] : ١٧٩١- اعلم أن لعن المسلم المصونِ حرامٌ بإجماع المسلمين، ويجوزُ لعنُ أصحابِ الأوصافِ المذمومةِ، كقولك: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الفاسقين، لعن الله المصوّرين، ونحو ذلك، كما تقدم في الفصل السابق. [رقم: ٥٠٩] . وأما لعن الإِنسان بعينه ممنِ اتصفَ بشيءٍ من المعاصي، كيهودي، أو نصراني، أو ظالمٍ، أو زانٍ، أو مصورٍ، أو فاسقٍ، أو سارقٍ، أو آكلِ ربا. فظواهرُ الأحاديث أنه ليس بحرام، وأشارَ الغزالي إلى تحريمه إلا في حقّ مَن عَلِمْنَا أنهُ مات على الكفر، كأبي لهبٍ، وأبي جهلٍ، وفرعونَ، وهامانَ، وأشباههم. قال: لأن اللعن هو الإبعادُ عن رحمةِ الله تعالى، وما ندري ما يختم به لهذا الفاسقِ، أو الكافر. قال: وأما الذين لعنهُم رسولُ الله ﷺ بأعيانهم، فيجوزُ أنه ﷺ عَلِمَ موتهُم على الكفرِ. قال: ويقربُ من اللعنِ الدعاءُ على الإنسانِ بالشرّ، حتى الدعاءُ على الظالمِ، كقولِ الإِنسان: لا أصحَّ الله جسمهُ، ولا سلمهُ اللهُ؛ وما جرى مجراهُ؛ وكلُّ ذلك مذمومٌ، وكذلك لعنُ جميع الحيوانات، والجماد، فكلُّه مذمومٌ.

٥١١- فصل [فيمن لعن ما لا يستحقُ اللعن] : ١٧٩٢- حكى أبو جعفرٍ النحاسُ عن بعضِ العلماءِ، أنهُ قال: إذا لعن الإِنسانُ ما لا يستحقّ اللعن، فليبادرْ بقوله: إلاّ أن يكون لا يستحقّ.

ستحقُ اللعن] : ١٧٩٢- حكى أبو جعفرٍ النحاسُ عن بعضِ العلماءِ، أنهُ قال: إذا لعن الإِنسانُ ما لا يستحقّ اللعن، فليبادرْ بقوله: إلاّ أن يكون لا يستحقّ.

٥١٢- فصل [في ألفاظ تنبيه المؤدب وما يشبهها] : ١٧٩٣- ويجوزُ للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وكلّ مؤدِّب أن يقول لمن يخاطبهُ في ذلك الأمر: ويلك! أو يا ضعيفَ الحال، أو يا قليلَ النظرِ لنفسهِ، أو يا ظالمَ نفسه، وما أشبه ذلك، بحيثُ لا يتجاوزُ إلى الكذبِ، ولا يكونُ فيه لفظُ قذفٍ صريحاً كان أو كنايةً أو تعريضاً، ولو كان صادقاً في ذلك، وإنما يجوزُ ما قدمناهُ ويكونُ الغرضُ منهُ التأديب والزجر، وليكونَ الكلامُ أوقعَ في النفس. ١٧٩٤- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ١٦٨٩، ومسلم رقم: ١٣٢٢] ؛ عن أنسٍ ﵁، أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوقُ بدنةً، فقال: "ارْكَبْها"، فقال: إنها بدنةٌ، قال: "ارْكَبْها"، قال: إنها بدنةٌ، قال في الثالثة: "ارْكَبْها وَيْلَكَ".

١٧٩٥- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٦١٦٣؛ مسلم، رقم: ١٠٦٤/ ١٤٨، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: بينا نحنُ عند رسول الله ﷺ وهو يَقسم قَسْماً، أتاهُ ذو الخويصرة -رجلٌ من بني تميم- فقال: يا رسول الله! اعدل؛ فقال رسول الله ﷺ: "وَيْلَكَ! وَمَنْ يعدلُ إِذَا لَمْ أعْدِلْ "؟. ١٧٩٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٨٧٠] ، عن عديّ بن حاتمٍ ﵁، أن رجلاً خطبَ عندَ رسول الله ﷺ، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومَنْ يعصهِمَا فقد غوى؛ فقال رسول الله ﷺ: "بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ، قُل: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولُهُ". ١٧٩٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢١٩٥] أيضاً، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن عبداً لحاطب ﵁، جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطباً، فقال: يا رسولَ الله! ليدخلنّ حاطبٌ النَّارَ؛ فقال رسول الله ﷺ: "كذبتَ، لا يَدْخُلُها، فإنَّهُ شَهِدَ بَدْراً وَالحُدَيْبِيَةَ". ١٧٩٨- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٠٢] ، ومسلم [رقم: ٢٠٥٧] ؛ قولَ أبي بكرٍ الصديق ﵁ لابنه عبد الرحمن حين لم يجده عَشَّى أضيافه: يا عنثرُ، وقد تقدم بيان هذا الحديث [رقم: ١٤٩١] في كتاب الأسماء.

مسلم [رقم: ٢٠٥٧] ؛ قولَ أبي بكرٍ الصديق ﵁ لابنه عبد الرحمن حين لم يجده عَشَّى أضيافه: يا عنثرُ، وقد تقدم بيان هذا الحديث [رقم: ١٤٩١] في كتاب الأسماء. ١٧٩٩- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٣٥٢؛ مسلم، رقم: ٧٦٦] ؛ أن جابراً صلَّى في ثوبٍ واحدٍ، وثيابهُ موضوعةٌ عندهُ، فقيل له: فعلتَ هذا؟ فقال: فعلتُ ذلك ليراني الجهالُ مثلكُم؛ وفي روايةٍ: ليراني أحمقُ مثلك.

بابُ النَّهي عن انتهارِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ واليتيم والسَّائلِ ونحوهم، وإلانةُ القوْل لهم والتواضعُ معهم: قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩، ١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] . ١٨٠٠- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٠٤] ، عن عائذِ بن عمرو -بالذال المعجمة- الصحابي ﵁، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيبٍ وبلالٍ في نفرٍ، فقالوا: ما أخذتْ سيوفُ الله من عنقِ عدوّ الله مأخذها؛ فقال أبو بكرٍ ﵁: أتقولون هذا لشيخِ قريشٍ وسيدِهم؟ فأتى النبيَّ ﷺ، فأخبرهُ، فقال: "يا أبا بكرٍ! لَعَلَّكَ أغْضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أغْضَبْتَ رَبَّكَ"، فأتاهم، فقال: يا إخوتاهُ! أغضبتُكم؟ فقالوا: لا. قلتُ: قولهُ: "مأخذَها" بفتح الخاء، أي: لو تستوفِ حقها من عنقه لسوء فعاله.

لَقَدْ أغْضَبْتَ رَبَّكَ"، فأتاهم، فقال: يا إخوتاهُ! أغضبتُكم؟ فقالوا: لا. قلتُ: قولهُ: "مأخذَها" بفتح الخاء، أي: لو تستوفِ حقها من عنقه لسوء فعاله.

بابٌ في ألفاظٍ يكره استعمالها مدخل ... بابٌ في ألفاظٍ يُكرهُ استعمالُها: ١٨٠١- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦١٧٩] ، ومسلمٍ [رقم: ٢٢٥٠، ٢٢٥١] ؛ عن سهل بن حنيفٍ، وعن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ، قال: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي". ١٨٠٢- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٧٩] ، بإسناد صحيح؛ عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ؛ قال: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: جاشَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي". قال العلماء: معنى "لَقِسَتْ" و"جَاشَتْ": غثت؛ قالوا: وإنما كُرِه "خبثت" لِلَفظ الخبث والخبيث. قال الإِمام أبو سليمان الخطابي [٥/ ٢٥٨] : لقست وخبثت معناهما واحدٌ، وإنما كُرِه خبثت للفظ الخبث وبشاعة الاسم منهُ، وعلمهمُ الأدب في استعمال الحسن منه وهجران القبيح، وجاشت بالجيم والشين المعجمة، ولقست بفتح اللام وكسر القاف.

٥١٥- فصل [كراهة تسمية العنب كرماً] : ١٨٠٣- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦١٨٣] ، ومسلم [رقم: ٢٢٤٦] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "يَقُولُونَ: الكرمُ، إنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المؤْمِنِ". وفي رواية لمسلم [رقم: ٢٢٤٧] : "لا تُسَمُّوا العنبَ الكَرْمَ، فإنَّ الكَرْمَ المسلمُ". وفي رواية له: "فإنَّ ١ الكَرْمَ قلبُ المُؤْمِنِ". ١٨٠٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٢٤٨] ، عن وائلَ بن حِجر ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا تَقُولُوا: الكَرْمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: العِنَبَ والحَبَلَة". قلت: "الحَبَلة" بفتح الحاء والباء، ويُقال أيضاً: بإسكان الباء؛ قاله الجوهري ٤/ ١٦٦٥ وغيرُه، والمراد من هذا الحديث النهي عن تسمية العنبِ كرماً، وكانت الجاهليةُ تسمّيه: كرماً، وبعضُ الناس اليوم تُسمّيه كذلك، ونهى النبيّ ﷺ عن هذه التسمية. قال الإِمام الخطابي ٥/ ٢٥٦ وغيره من العلماء: أشفق النبيُّ ﷺ أن يدعوهم حسنُ اسمها إلى شربِ الخمرِ المتخذةِ من ثمرِها، فسلبَها هذا الاسم؛ والله أعلمُ.

قال الإِمام الخطابي ٥/ ٢٥٦ وغيره من العلماء: أشفق النبيُّ ﷺ أن يدعوهم حسنُ اسمها إلى شربِ الخمرِ المتخذةِ من ثمرِها، فسلبَها هذا الاسم؛ والله أعلمُ.

٥١٦- فصل [في النهي عن تعييب الناس والافتخار والبغي] : ١٨٠٥- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٦٢٣] ، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: "إِذَا قالَ الرجلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أهْلَكُهُمْ". قُلتُ: روي أهلكُهم برفع الكافِ وفتحها، والمشهور الرفع، ويُؤيِّده أنه جاء في رواية رويناها في حلية الأولياء [٧/ ١٤١] في ترجمة سفيان الثوري: "فَهُوَ مِنْ أهْلَكِهمْ". قال الإِمام الحافظ أبو عبد الله الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الرواية الأولى، قال بعض الرواة: لا أدري هو بالنصب أم بالرفع؟ قال الحميدي: والأشهر الرفع، أي: أشدُّهم هلاكاً، قال: وذلك إذا قال ذلك على سبيل الإزراء عليهم، والاحتقار لهم، وتفضيل نفسه عليهم؛ لأنه لا يدري سرّ الله تعالى في خلقه، هكذا كان بعضُ علمائنا، يقولُ: هذا كلام الحميدي.

وقال الخطابي [٥/ ٢٦٠] : معناهُ: لا يزال الرجلُ يُعيبُ الناسَ ويذكرُ مساويهم، ويقول: فسدَ النَّاسُ وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكُهم، أي: أسوأ حالاً فيما يلحقهُ من الإِثم في عيبهم والوقيعةِ فيهم، وربما أداهُ ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه له فضلاً عليهم، وأنه خيرٌ منهم فيهلكُ. هذا كلام الخطابي، فيما رويناهُ عنهُ في كتابه "معالم السنن". وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٨٣] ﵁، قال: حدّثنا القعنبي، عن مالك [٢/ ٩٤٨] ، عن سهلِ ابن أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرة ﵁، فذكر هذا الحديث، ثم قال: قال مالكُ: إذا قال ذلك تحزناً لما يرى في الناس -قال: يعني من أمرِ دينهم- فلا أرى به بأساً، وإذا قال ذلك عجباً بنفسهِ وتصاغراً للناس، فهو المكروه الذي يُنْهَى عنه. قلتُ: فهذا تفسير بإسناد في نهايةٍ من الصحةِ، وهو أحسنُ ما قيل في معناهُ وأوجزُ، ولا سيما إذا كان عن الإِمام مالكٍ ﵁.

٥١٧- فصل [في النهي عن التشريك بين الله وخلقه في المشيئة] : ١٨٠٦- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٨٠] بالإِسناد الصحيح، عن حذيفةَ ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا تَقُولُوا: ما شاءَ اللَّهُ وَشاءَ فلانٌ، وَلَكِنْ قولُوا: ما شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ ما شَاءَ فلانٌ". قال الخطابي [٥/ ٢٥٩] وغيرهُ: هذا إرشادٌ إلى الأدب، وذلك أن الواو للجمع والتشريك، وثم للعطف مع الترتيب والتراخي؛ فأرشدَهم ﷺ إلى تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة مَن سواهُ. ١٨٠٧- وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كان يكرهُ أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك؛ ويجوزُ أن يقولَ: أعوذُ بالله ثم بك. ١٨٠٨- قالوا: ويقولُ: لولا الله ثم فلانٌ لفعلت كذا، ولا تقل: لولا الله وفلانٌ.

٥١٨- فصلٌ [في أن المنعم هو الله وحده] : ١٨٠٩- ويُكره أن يقول: "مُطرنا بنوءِ كذا" فإن قالهُ معتقداً أن الكوكب هو الفاعلُ فهو كفرٌ، وإن قالهُ معتقداً أن الله تعالى هو الفاعل، وأن النوْءَ المذكور علامةٌ لنزول المطر لم يكفر، ولكنه ارتكب مكروهاً لتلفظه بهذا اللفظ الذي كانت الجاهلية تستعملُه، مع أنه مشتركٌ بين إرادة الكفر وغيره، وقد قدَّمنا الحديث الصحيح [برقم: ٩٥٨] المتعلق بهذا الفصل في باب ما يقولُ عند نزول المطر [رقم: ٢٣٧] .

٥١٩- فصل [في حكم مَن قال: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديّ أو نصراني] : ١٨١٠- يحرمُ أن يقولَ: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديّ أو نصراني، أو بريءٌ من الإسلام ونحو ذلك، فإن قالهُ وأرادَ حقيقةَ تعليقِ خُرُوجهِ عن الإِسلام بذلك صارَ كافراً في الحالِ، وجرتْ عليه أحكامُ المرتدينَ، وإن لم يُردْ ذلك لم يكفُر، لكنِ ارتكبَ محرّماً، فيجبُ عليه التوبةُ، وهي أن يُقلع في الحالِ عن معصيته، ويندمَ على ما فعل، ويعزم على ألا يعودَ إليه أبداً، ويستغفر الله تعالى، ويَقولُ: لا إِله إلاَّ اللهُ، مُحمدٌ رسولُ الله.

ن يُقلع في الحالِ عن معصيته، ويندمَ على ما فعل، ويعزم على ألا يعودَ إليه أبداً، ويستغفر الله تعالى، ويَقولُ: لا إِله إلاَّ اللهُ، مُحمدٌ رسولُ الله.

٥٢٠- فصل [النهي عن قول المسلم: يا كافر] : ١٨١١- يحرم عليه تحريماً مغلّظاً أن يقولَ لمسلم: يا كافر!. ١٨١٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦١٠٣] ، ومسلمٍ [رقم: ٦٠] ، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذَا قالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ: يا كافِرٌ! فَقَدْ باءَ بِها أحَدُهُما، فإن كانَ كما قال، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ". ١٨١٣- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٦٠٤٥؛ مسلم، رقم: ٦١] ؛ عن أبي ذرّ ﵁، أنهُ سمع رسول الله ﷺ يقولُ: "مَنْ دَعا رَجُلاً بالكُفْرِ" -أوْ قَالَ: "عَدُوُّ اللَّه" - "وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إلاَّ حَارَ عَلَيهِ". هذا لفظ رواية مسلم، ولفظ البخاري بمعناه. ومعنى "حَارَ": رَجَعَ.

٥٢١- فصل [النهي عن الدعاء بسلب الإيمان على أحدٍ] : ١٨١٤- لو دعا مسلمٌ على مسلم، فقال: اللَّهمّ اسلبه الإِيمانَ! عصى بذلك، وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء؟ فيه وجهان لأصحابنا، حكاهما القاضي حسين من أئمة أصحابنا في الفتاوى، أصحُّهما: لا يكفر، وقد يُحتجّ لهذا بقول الله تعالى إخباراً عن موسى ﷺ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨] وفي هذا الاستدلال نظرٌ، وإن قلنا: إنَّ شرعَ من قبلنَا شرعٌ لنا.

اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨] وفي هذا الاستدلال نظرٌ، وإن قلنا: إنَّ شرعَ من قبلنَا شرعٌ لنا.

٥٢٢- فصل [حكم من أكره على كلمةِ الكفر] : ١٨١٥- لو أكْرَهَ الكفارُ مُسلمًا على كلمة الكفر، فقالها، وقلبه مطمئنّ بالإِيمان لم يكفر بنصّ القرآن لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وإجماع المسلمين، وهل الأفضل أن يتكلَّم بها ليصونَ نفسَهُ من القتل؟ فيه خمسةُ أوجهٍ لأصحابنا: الأول: الصحيحُ أن الأفضلَ أن يصبرَ للقتل، ولا يتكلّم بالكفر، ودلائلهُ من الأحاديث الصحيحة، وفعل الصحابة ﵃ مشهورةٌ. والثاني: الأفضلُ أن يتكلَّمَ ليصونَ نفسَه من القتل. والثالث: إن كان في بقائه مصلحةٌ للمسلمين، بأن كان يرجو النكايةَ في العدوّ، أو القيام بأحكام الشرع، فالأفضلُ أن يتكلَّم بها، وإن لم يكن كذلك، فالصبرُ على القتل أفضلُ. والرابعُ: إن كان من العلماء ونحوهم ممّن يُقتدى بهم، فالأفضلُ الصبر لئلا يغترّ به العَوَامّ. والخامسُ: أنه يجبُ عليه التكلّم لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وهذا الوجهُ ضعيفٌ جداً.

٥٢٣- فصل [حكم المكره على الإسلام] : ١٨١٦- لو أَكْرَهَ المسلمُ كافراً على الإِسلام، فنطقَ بالشهادتين، فإن كان الكفار حَرْبيًّا صحّ إسلامهُ؛ لأنه إكراهٌ بحقّ؛ وإن كان ذميّاً لم يصِرْ مسلماً، لأنّا التزمنا الكفّ عنهُ، فإكراههُ بغير حق؛ وفيه قولٌ ضعيفٌ أنه يصيرُ مُسلمًا؛ لأنه أمرهُ بالحق.

٥٢٤- فصل [النطق بالشهادتين على طريق الحكاية لا يُعد إسلامًا] : ١٨١٧- إذا نطقَ الكافرُ بالشهادتين بغير إكراهٍ، فإن كان على سبيل الحكايةِ، بأن قال: سمعتُ زيداً يقولُ: لا إِله إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله، لم يُحكم بإسلامه، وإن نطقَ بهما بعد استدعاء مُسلمٍ؛ بأن قال له مسلمٌ: قُل: لا إلهَ إلاَّ الله محمدٌ رسولُ الله، فقالهما صارَ مسلماً؛ وإن قالهما ابتداءً لا حكايةً، ولا باستدعاءٍ، فالمذهبُ الصحيحُ المشهورُ الذي عليه جمهورُ أصحابنا أنه يصيرُ مسلماً، وقيل: لا يصيرُ لاحتمال الحكاية

٥٢٥- فصل [النهي عن تسمية أحدٍ: خليفة الله] : ١٨١٨- ينبغي ألا يُقال للقائم بأمرِ المسلمين: خليفة الله، بل يُقال: الخليفة، وخليفةُ رسولِ الله، وأميرُ المؤمنين. روينا في "شرح السنّة" للإِمام أبي محمدٍ البغوي ﵁، قال ﵀: لا بأسَ أن يُسمَّى القائمُ بأمرِ المسلمين: أمير المؤمنين، والخليفة، وإن كان مخالفاً لسيرة أئمة العدل، لقيامه بأمر المؤمنين وسمع المؤمنين له. قال: ويُسمَّى خليفة؛ لأنه خلفَ الماضي قبلَه، وقام مقامه. قال: ولا يُسمى أحدٌ خليفة الله تعالى بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ﴾ [سورة ص: ٢٦] . ١٨١٩- وعن ابن أبي مُليكة، أن رجلاً قال لأبي بكرٍ الصديق ﵁: يا خليفة الله! فقال: أنا خليفة محمدٍ رسول الله ﷺ، وأنا راضٍ بذلك. ١٨٢٠- وقال رجلُ لعمرَ بن عبد العزيز ﵁: يا خليفة الله! فقال: ويلَك! لقد تناولتَ تناولاً بعيداً، إن أُمّي سمّتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلتُ، ثم كبرتُ، فكُنِّيتُ أبا حفص، فلو دعوتني به قبلتُ، ثم وليتموني أمورَكم، فسميتموني أمَير المؤمنين، فلو دعوتني بذاك كفاك. ١٨٢١- وذكر الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه "الأحكام السلطانية" [صفحة: ١٥] أن الإِمامَ سُمِّيَ خليفةً؛ لأنه خلفَ رسول الله ﷺ في أُمته.

القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه "الأحكام السلطانية" [صفحة: ١٥] أن الإِمامَ سُمِّيَ خليفةً؛ لأنه خلفَ رسول الله ﷺ في أُمته.

قال: فيجوز أن يُقال: الخليفة على الإِطلاق، ويجوزُ خليفة رسول الله. قال: واختلفوا في جواز قولنا: خليفة الله، فجوّزه بعضُهم لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٩] ، وامتنع جمهورُ العلماءِ من ذلك، ونسبُوا قائلَه إلى الفجور. هذا كلامُ الماوردي. ١٨٢٢- قُلتُ: وأولُ مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمرُ بن الخطاب ﵁، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم. وأما ما توهمه بعضُ الجهلة في مسيلمة فخطأٌ صريحٌ، وجهلٌ قبيحٌ، مُخالفٌ لإِجماع العلماءِ، وكُتبهم متظاهرةٌ على نقلِ الاتفاقِ على أن أوّل مَن سُمِّي أميرَ المؤمنين عمرُ بن الخطابِ ﵁. وقد ذكر الإمامُ الحافظُ أبُو عُمرَ ابنُ عبد البرّ في كتابهِ الاستيعاب في أسماءِ الصحابةِ ﵃ [٢/ ٤٦٦] هامش الإصابة بيان تسمية عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أوّلاً، وبيان سبب ذلك، وأنه كان يُقال في أبي بكرٍ ﵁: خليفةُ رسول الله ﷺ.

٥٢٦- فصل [النهي عن تسمية: شاهان شاه] : ١٨٢٣- يحرمُ تحريماً غليظاً أن يقول للسطان وغيره من الخلق: شاهان شاه؛ لأن معناهُ: ملكُ الملوكِ، ولا يوصفُ بذلك غير الله ﷾. ١٨٢٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٢٠٥] ، ومسلم [رقم: ٢١٤٣] ؛ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "إنَّ أخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى رجلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ"، وقد قدّمنا بيان هذا [برقم: ١٤٨٨] في كتاب الأسماء. وأن سفيانَ بن عيينةَ قال: ملكُ الأملاك مثلُ شاهان شاه ["صحيح مسلم" ١٦٨٨/ ٣، وراجع رقم: ١٤٨٩ السابق] .

قدّمنا بيان هذا [برقم: ١٤٨٨] في كتاب الأسماء. وأن سفيانَ بن عيينةَ قال: ملكُ الأملاك مثلُ شاهان شاه ["صحيح مسلم" ١٦٨٨/ ٣، وراجع رقم: ١٤٨٩ السابق] .

٥٢٧- فصل في لفظ السَّيِّد: ١٨٢٥- اعلم أن السيد يُطلق على الذي يفوق قومَه، ويرتفعُ قدرُه عليهم، ويُطلق على الزعيم والفاضل، ويطلقُ على الحليم الذي لا يستفزّه غضبُه، ويُطلق على الكريم وعلى المالكِ وعلى الزوجِ، وقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ بإطلاقِ سيدٍ على أهلِ الفضلِ. ١٨٢٦- فمن ذلك ما رَوَيْنَاهُ في "صحيح البخاري" [رقم: ٣٧٤٦] ، عن أبي بكرة ﵁، أن النبي ﷺ صَعِدَ بالحسن بن عليّ ﵄ المنبرَ، فقال: "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّد، وَلَعَلَّ الله تعالى أنْ يُصلح بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ". ١٨٢٧- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٤١٢١] ، ومسلم [رقم: ١٧٦٨] ؛ عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال للأنصار لما أقبل سعدُ بنُ معاذٍ ﵁: "قُومُوا إلى سَيِّدِكم" أو "خَيْرِكُمْ"، كذا في بعض الروايات: "سيّدكم أو خيرِكم" وفي بعضها: "سيّدكم" بغير شك. ١٨٢٨- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٤٩٨] ، عن أبي هريرة ﵁، أن سعدَ بن عبادة ﵁، قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ

الرجلَ يجدُ مع امرأته رجلاً، أيقتلهُ؟ الحديثُ، فقال رسولُ الله ﷺ: "انْظُرُوا إلى ما يقولُ سَيِّدِكُم". ١٨٢٩- وأما ما وردَ في النهي فما رويناه بالإِسناد الصحيح في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٧٧] ، عن بريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تَقُولُوا لِلمُنافِقِ سيدٌ، فإنَّه إنْ يَكُ سَيِّداً فَقَدْ أسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ﷿". ١٨٣٠- قلتُ: والجمعُ بين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، ويا سيدي وشبه ذلك إذا كان المسودُ فاضلاً خَيِّرًا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك؛ وإن كان فاسقاً، أو متهماً في دينه، أو نحو ذلك كره أن يُقال لهُ: سيدٌ. وقد رَوَيْنَا عن الإِمام أبي سليمانَ الخطابي في "معالم السنن" في الجمع بينهما نحو ذلك.

٥٢٨- فصل [في أدب مخاطبة المملوك مالكهُ، والمالك مملوكه] : ١٨٣١- يكرهُ أن يقول المملوك بمالكه: ربي، بل يقولُ: سيدي؛ وإن شاء قال: مولاي. ويُكره للمالك أن يقول: عبدي وأمتي؛ ولكن يقول: فتايَ وفتاتي أو غلامي. ١٨٣٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٢٥٥٢] ، ومسلمٍ [رقم: ٢٢٤٩] ؛ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: أطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئ رَبَّكَ، اسقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِيِ وَمَوْلايَ، وَلا يَقُلْ أحَدُكُمْ: عبْدِي، أمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتايَ وَفَتاتِي وغُلامي". وفي رواية لمسلم رقم: [٢٢٤٩/ ١٥] : "وَلا يقُل أحدكُم: رَبِّي، وليقُل: سَيِدي وَمَوْلايَ".

ُمْ: عبْدِي، أمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتايَ وَفَتاتِي وغُلامي". وفي رواية لمسلم رقم: [٢٢٤٩/ ١٥] : "وَلا يقُل أحدكُم: رَبِّي، وليقُل: سَيِدي وَمَوْلايَ".

وفي رواية له [رقم: ٢٤٤٩/ ١٤] : "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأمَتِي، فَكُلُّكُمْ عبيدُ اللَّهِ [وَلَكِنْ لِيَقُلْ: فتاي] . وَلا يَقُلِ العبدُ: ربي. ولكن ليقل: سَيِّدِي". وفي رواية له [رقم: ٢٤٤٩/ ١٣] : "لا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأمَتي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وكُلُّ نِسائِكُمْ إماءُ اللَّهِ. وَلَكِنْ ليقُل: غُلامي وَجارِيَتِي وَفَتايَ وَفَتاتِي". ١٨٣٣- قلتُ: قال العلماءُ: لا يطلقُ الربُّ بالألف واللام إلاّ على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة، فيقال: ربّ المال، وربّ الدار، وغير ذلك. ١٨٣٤- ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح [البخاري، رقم: ٩١؛ مسلم، رقم: ١٧٢٢] في ضالّة الإِبل: "دعها حتى يلقها ربها". ١٨٣٥- والحديث الصحيح [البخاري، رقم: ١٤١٢؛ مسلم بعد، رقم: ١٠١٢] : "حتَّى يُهِمَّ ربَّ المَالِ مَنْ يقبلُ صدقتهُ". ١٨٣٦- وقول عمر ﵁ في الصحيح [البخاري، رقم: ٣٠٥٩] : ربّ الصُّرَيْمة والغُنَيْمة. ونظائرهُ في الحديث كثيرةٌ مشهورةٌ. ١٨٣٧- وأما استعمالُ حملةِ الشرعِ ذلك فأمرٌ مشهورٌ معروفٌ. قال العلماءُ: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي! لأن في لفظه مشاركةٌ لله تعالى في الربوبية. وأما حديث: "حتى يَلْقاها رَبُّها" [البخاري، رقم: ٩١؛ مسلم، رقم: ١٧٢٢] ورب الصريمة [البخاري، رقم: ٣٠٥٩] وما في معناهُما، فإنما استعمل لأنها غير مكلفةٍ، فهي كالدار والمالِ، ولا شك أنه لا كراهةَ في قولِ ربّ الدارِ، وربّ المالِ. وأما قول يوسف ﵇:

Bagian 13 dari 18