— Bagian 14 · قم: ٣٠٥٩] وما في معناهُما، فإنما استعمل لأنها غي… —
Bagian 14
قم: ٣٠٥٩] وما في معناهُما، فإنما استعمل لأنها غير مكلفةٍ، فهي كالدار والمالِ، ولا شك أنه لا كراهةَ في قولِ ربّ الدارِ، وربّ المالِ. وأما قول يوسف ﵇:
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ، فعنه جوابان: أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال مُوسى ﷺ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [سورة طه: ٩٧] أي: الذي اتخذته إلهاً. والجواب الثاني: أن هذا شرعُ مَنْ قَبْلنَا، وشرعُ من قبلنا لا يكون شرعاً لنا إذا ورد شرعنا بخلافِ، وهذا لا خلاف فيه، وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع من قبلنا إذا لم يردْ شرعُنا بموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعاً لنا أم لا؟
فصل كراهة قول: مولاي ... ٥٢٩- فصل [كراهة قول: مولا] : ١٨٣٨- قال الإمام أبو جعفرٍ النحاسُ في كتابهِ صناعة الكتاب: أما المولى فلا نعلمُ اختلافاً بين العلماءِ أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يقول لأحدٍ من المخلوقين: مولاي. قلتُ: وقد تقدم في الفصل السابق [برقم: ١٨٣٢] جوازُ إطلاق مولاي. ولا مخالفةَ بينهُ وبينَ هذا، فإن النحاس تكلمُ في المولى بالألفِ واللامِ، وكذا قال النحاسُ: يُقالُ: سيد لغير الفاسقِ، ولا يقالُ: السيد بالألف واللام لغير الله تعالى، والأظهر أنه لا بأس بقوله: المولى والسيد بالألف واللام بشرطه السابق؛ والله أعلم.
٥٣٠- فصل في النهي عن سبّ الريح: ١٨٣٩- وقد تقدم الحديثان [برقم: ٩٤١، ٩٤٣] في النهي عن سبّها، وبيانهما في باب ما يقولُ: إذا هَاجَتِ الرِّيح [رقم: ٢٣٢] .
٠- فصل في النهي عن سبّ الريح: ١٨٣٩- وقد تقدم الحديثان [برقم: ٩٤١، ٩٤٣] في النهي عن سبّها، وبيانهما في باب ما يقولُ: إذا هَاجَتِ الرِّيح [رقم: ٢٣٢] .
٥٣١- فصل: يُكره سبّ الحمى: ١٨٤٠- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٧٥] ، عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ دخلَ على أُمّ السائب، أو أُمّ المسيب، فقال: "ما لَكِ يا أُمّ السَّائِبِ -أو يا أُمّ المسيِّب- تُزَفْزِفِين"؟ قالت: الحمّى، لا باركَ الله فيها؛ فقال: "لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنَّها تُذْهِبُ خَطايا بني آدَمَ كَمَا يذهبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ". قلتُ: "ترفزفين" أي: تتحركين حركة سريعة، ومعناهُ: ترتعدُ، وهُو بضم التاء وبالزاي المكرّرة، وروي أيضاً بالراء المكرّرة، والزاي أشهر؛ وممّن حكاهما ابن الأثير [٢/ ٢٤٣، ٣٠٥] ؛ وحكى صاحبُ "المطالع" الزَّايَ، وحُكي الرَّاء مع القاف؛ والمشهور أنه بالفاء سواءٌ كان بالزاي أو بالراء.
٥٣٢- فصل في النهي عن سبّ الديك: ١٨٤١- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥١٠١] ، بإسنادٍ صحيح، عن زيد بن خالدٍ الجهني ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تَسُبُّوا الدّيكَ، فإنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلاةِ".
فصل في النهي عن الدعاء بدعوى الجاهلية، وذمّ استعمال ألفاظهم ... ٥٣٣- فصل في النهي عن الدعاء بدعوى الجاهلية، ودم استعمال ألفاظهم: ١٨٤٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ١٢٩٧] ؛ ومسلم [رقم: ١٠٣] ؛ عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ مِنّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ". وفي رواية: "أوْ شَقَّ ... أوْ دعا ... " بأو
٥٣٤- فصل [كراهة تسمية الْمُحَرَّم صَفَرًا] : ١٨٤٣- ويُكره أن يُسمَّى المحرَّمُ صفراً؛ لأن ذلك من عادةِ الجاهلية.
٥٣٥- فصل [تحريم الدعاء بالمغفرة لغير المسلم] : ١٨٤٤- يحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ونحوها لمن مات كافراً، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وقد جاء الحديث بمعناهُ، والمسلمون مجموعون عليه.
٥٣٦- فصل [تحريم سب المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقّ] : ١٨٤٥- يَحْرُمُ سَبّ المسلم من غير سبب شرعي يجوِّز ذلك. ١٨٤٦- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٧٠٧٦] ، ومسلم [رقم: ٦٤؛ عن ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ، قال: "سِبابُ المسلم فسوقٌ". ١٨٤٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٨٧] ، و"كتابي" أبي داود [رقم: ٤٨٩٤] ، والترمذي [رقم: ١٩٨١] ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهُ، أن رسول الله ﷺ قال: "المُسْتَبَّانِ ما قالا، فعلى البادئ مِنْهُما ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومِ". قال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح.
ة رضي الله تعالى عنهُ، أن رسول الله ﷺ قال: "المُسْتَبَّانِ ما قالا، فعلى البادئ مِنْهُما ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومِ". قال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح.
٥٣٧- فصل [كراهة استعمال الألفاظ المذمومة في مخاطبة الناس] : ١٨٤٨- ومن الألفاظ المذمومةِ المستعملة في العادة قوله لمن يخاصمهُ: يا حمارُ، يا تيس، يا كلبُ، ونحو ذلك، فهذا قبيح لوجهين: أحدهما أنه كذبٌ، والآخر أنه إيذاءٌ. وهذا بخلاف قوله: يا ظالم ونحوه؛ فإن ذلك يُسامح به لضرورة المخاصمة، مع أنه يصدق غالباً، فقلّ إنسانٌ إلا وهو ظالمٌ لنفسه ولغيرها.
فصل في سب كراهة القول: ما معي خَلْقٌ إلاّ الله ... ٥٣٨- فصل [في سبب كراهة القول: ما معي خَلْقٌ إلاّ الله] : ١٨٤٩- قال النحاسُ: كرهَ بعضُ العلماء أن يُقال: ما كان معي خَلْقٌ إلاّ اللَّه. قلت: سببُ الكراهة بشاعةُ اللفظ من حيثُ أن الأصل في الاستثناء أن يكونَ متصلاً، وهو هُنا محالٌ، وإنما المرادُ هنا الاستثناءُ المنقطع، تقديرُه: ولكن كان الله معي، مأخوذٌ من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وَيَنْبغي أن يُقال بدلَ هذا: ما كان معي أحدٌ إلاَّ الله ﷾. قال: وكره أن يُقال: اجلس على اسم الله، وليقلْ: اجلس باسم الله.
٥٣٩- فصل [كراهة الحلف بالعبادة] : ١٨٥٠- حكى النحّاسُ عن بعض السلف، أنه يُكره أن يقولَ الصائمُ: وحقِّ هذا الخاتم الذي على فمي، واحتجّ له بأنه إنما يُختم على أفواه الكفار، وفي هذا الاحتجاج نظرٌ، وإنما حجتهُ أنه حلفٌ بغير الله ﷾، وسيأتي النهيُ عن ذلك إن شاء الله تعالى قريباً، فهذا مكروهٌ لما ذكرنا، ولما فيه من إظهار صومهِ لغيرِ حاجةٍ؛ واللهُ أعلم.
حجتهُ أنه حلفٌ بغير الله ﷾، وسيأتي النهيُ عن ذلك إن شاء الله تعالى قريباً، فهذا مكروهٌ لما ذكرنا، ولما فيه من إظهار صومهِ لغيرِ حاجةٍ؛ واللهُ أعلم.
٥٤٠- فصل [كراهة ألفاظ الجاهلية] : ١٨٥١- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٢٧] ، عن عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادة، أو غيره؛ عن عمران بن الحصين ﵄، قال: كنّا نقول في الجاهلية: أنعم الله بك عيناً، وأنعم صباحاً؛ فلما كان الإِسلام نُهينا عن ذلك. قال عبد الرزاق: قال معمرٌ: يُكرهُ أن يقول الرجل: أنعم الله بك عيناً، ولا بأسَ أن يقول: أنعم الله عينَك. قلتُ: هكذا رواه أبو داود عن قتادة، أو غيره؛ ومثلُ هذا الحديث قال أهل العلم: لا يحكمُ له بالصحةِ؛ لأن قتادة ثقةٌ، وغيرهُ مجهولٌ، وهو محتملٌ أن يكونَ عن المجهولِ، فلا يثبتُ به حكمٌ شرعي، ولكنِ الاحتياط للإنسانِ اجتنابُ هذا اللفظ لاحتمال صحتهِ؛ ولأن بعض العلماءِ يحتجّ بالمجهولِ؛ واللهُ أعلمُ.
٥٤١- فصل في النهي عن أن يتناجى الرجلان إذا كان معهما ثالث وحده: ١٨٥٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٢٩٠] ، ومسلمٍ [رقم: ٢١] ؛ عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذَا كُنْتُمْ ثَلاثَة فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخرِ حتَّى تَخْتَلِطُوا بالناسِ مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يحزنهُ". ١٨٥٣- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٦٢٨٨؛ مسلم، رقم: ٢١٨٣] ، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا كانُوا ثَلاَثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثنانِ دونَ الثَّالِثِ". وَرَوَيْنَاهُ في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٥٢] وزاد: قال أبو صالحٍ الراوي، عن ابن عُمر: فقلتُ لابن عمر: فأربعةٌ؟ قال: لا يضرُّك.
٥٤٢- فصل في نهي المرأة أن تخبرَ زوجَها، أو غيرَه بحسنِ بدنِ امرأةٍ أخرى إذا لم تدعُ إليه حاجة شرعية من رغبة في زواجها ونحو ذلك: ١٨٥٤- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٢٤٠] ، ومسلم [ليس فيه] ؛ عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تُباشِرِ المرأةُ المَرأةَ فَتَصِفُها لزَوْجِها كأنَّهُ ينظر إليها".
٥٤٣- فصل [كراهة القول للمتزوّج: بالرِّفاءِ والبنينَ] : ١٨٥٥- يُكره أن يُقال للمتزوّج: بالرفاءِ والبنينَ، [راجع رقم: ١٤٥٥] وإنما يُقال له: باركَ الله لك، وباركَ عليك؛ كما ذكرناه في كتاب النكاح [برقم: ١٤٥٤] . [ودليل كراهته رواهُ النسائي، رقم: ٢١٧٣، ٣٣٧١؛ وابن ماجه، رقم: ١٩٠٦؛ والإمامُ أحمدُ في مسندهِ رقم: ١٧٤٠، ١٥٣١٣؛ عن الحسن، قال: تزوج عقيل ابن أبي طالب امرأةً من بني جثم، فقيل لهُ: بالرَّفاء والبنين، فقال: لا تقولوا ذلك، أن رسول الله ﷺ نهانا عن ذلك، وأمرنا أن نقول: "بارك الله لك وبارك عليك"] .
٥٤٤- فصل [كراهة موعظة الغضبان حال غضبه] : ١٨٥٦- رَوَى النحاسُ، عن أبي بكر محمدِ بن يحيى -وكان أحد الفقهاء العلماء الأدباء- أنه قال: يكرهُ أن يُقال لأحدٍ عند الغضبِ: أذْكُرَ اللَّهَ تَعالى! خوفاً من أن يحملهُ الغضبُ على الكفر، وكذا لا يقالُ لهُ: صلِّ على النبيّ ﷺ! خوفاً من هذا.
٥٤٥- فصل [كراهة أن يقول الإنسانُ: الله يعلمُ ما كان كذا، أو كان] : ١٨٥٧- من أقبح الألفاظ المذمومة، ما يعتادهُ كثيرون من الناس إذا أرادَ أن يَحلِفَ على شيءٍ، فيتورعُ عن قوله: والله؛ كراهيةَ الحنث، أو إجلالاً لله تعالى، وتصوّناً عن الحلف، ثم يقولُُ: الله يعلم ما كان كذا، أو لقد كان كذا ونحوهُ، وهذه العبارةُ فيها خطرٌ، فإن كان صاحبُها متيقناً أن الأمر كما قال، فلا بأس بها، وإن كان تشكَّكَ في ذلك فهو من أقبح القبائح؛ لأنه تعرّضَ للكذب على الله تعالى، فإنه أخبرَ أن الله تعالى يعلمُ شيئاً لا يتقن كيف هو. وفيه دقيقة أخرى أقبحُ من هذا. وهو أنه تعرّض لوصف الله تعالى بأنه يعلمُ الأمرَ على خلاف ما هُو، وذلك لو تحقَّقَ كان كفرًا، فينبغي للإنسان اجتنابُ هذه العبارة.
ة أخرى أقبحُ من هذا. وهو أنه تعرّض لوصف الله تعالى بأنه يعلمُ الأمرَ على خلاف ما هُو، وذلك لو تحقَّقَ كان كفرًا، فينبغي للإنسان اجتنابُ هذه العبارة.
٥٤٦- فصل [كراهة تعليق الدعاء على المشيئة] : ١٨٥٨- ويكرهُ أن يقولَ في الدعاءِ: اللَّهم اغفر لي إن شئت، أو إن أردتَ، بل يجزمُ بالمسألة. ١٨٥٩- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٣٣٩] ، ومسلم [رقم: ٢٦٧٩/ ٩] ؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَقُولَنَّ أحدكمُ: اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ؛ لِيَعْزِمِ المَسألةَ، فإنَّهُ لا مكرهَ لَهُ". وفي روايةٍ لمسلم [رقم: ٢٦٧٩/ ٨] : "ولَكنْ ليَعْزِمْ وليُعظمِ الرَّغْبَةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمهُ شيءٌ أعطاهُ". ١٨٦٠- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري رقم: ٦٣٣٨؛ مسلم رقم: ٢٦٧٨] ؛ عن أنسٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذَا دَعا أحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المسألةَ، وَلا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ فأعْطِني، فإنَّه لا مُسْتَكْرِهَ له".
٥٤٧- فصل [حكم الحلفُ بغير أسماء الله وصفاته] : ١٨٦١- ويُكره الحلفُ بغيرِ أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتهِ، سواءٌ في ذلك: النبيُ ﷺ، والكعبةُ، والملائكة، والأمانةُ، والحياةُ، والروحُ، وغير ذلك. ومن أشدِّها كراهة: الحلف بالأمانة١. ١٨٦٢- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٦٤٦] ، ومسلم [رقم: ١٦٤٦] ؛ عن ابن عُمر ﵄، عن النبي ﷺ، قال: "إنَّ اللَّهَ يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بأبائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بالله أوْ لِيَصمُت". وفي رواية في الصحيح: "فمن كان حالفا لا يَحْلِفْ إِلاّ باللَّهِ أو ليسكت". وفي رواية في الصحيح: "فَمَنْ كانَ حالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلاّ باللَّهِ أوْ لِيَسْكُتْ". ١٨٦٣- وَرَوَيْنَا في النهي عن الحلف بالأمانة تشديداً كثيراً، فمن ذلك ما روينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٢٥٣] ، بإسناد صحيح؛ عن بُريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ حَلَفَ بالأمانَةِ فليس منا".
تشديداً كثيراً، فمن ذلك ما روينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٢٥٣] ، بإسناد صحيح؛ عن بُريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ حَلَفَ بالأمانَةِ فليس منا".
٥٤٨- فصل [كراهة الحلف في البيع ونحوه] : ١٨٦٤- يُكره إكثارُ الحلف في البيع ونحوهِ، وإن كان صادقاً. ١٨٦٥- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٦٠٧] ، عن أبي قتادة ﵁، أنهُ سمع رسُول الله ﷺ يقولُ: "إيَّاكُمْ وكثرةَ الحلفِ في البَيْعِ، فإنَّهُ يُنفق ثُمَّ يَمْحَقُ".
٥٤٩- فصل [كراهةِ تسمية قوس الله بقوس قُزَح] : ١٨٦٦- يُكره أن يُقال: قوسُ قزح، لهذه التي في السماء، رَوَيْنَا في "حلية الأولياء" [٢/ ٣٠٩] لأبي نعيم، عن ابن عباسٍ ﵄، أن النبي ﷺ، قال: "لا تَقُولُوا: قَوْسَ قُزَحَ، فإنَّ قُزَحَ شيطانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: قَوْسَ اللَّهِ ﷿، فهُوَ أمانٌ لأهْلِ الأرْضِ". قلتُ: "قُزَح" بضم القاف وفتح الزاي، قال الجوهري [١/ ٣٩٦] وغيره: هي غير مصروفةٍ؛ وتقولهُ العوامُ: قُدَح، بالدالِ، وهو تصحيفٌ.
٥٥٠- فصل [كراهة التحدث بالمعصية] : ١٨٦٧- يكرهُ للإِنسان إذا ابتُلي بمعصيةٍ أو نحوها أن يخبرَ غيرَه بذلك، بل ينبغي أن يتوب إلى الله تعالى، فيقلعَ عنها في الحال، ويندمَ على ما فعل ويعزم ألا يعود إلى مثلها أبداً؛ فهذه الثلاثةُ هي أركان التوبة، لا تصحّ إلا باجتماعها، فإن أخبرَ بمعصيته شيخَه أو شبهَه ممّن يرجو بإخباره أن يعلمهُ مخرجاً من معصيته، أو ليعلمهُ ما يسلمُ به من الوقوع في مثلها، أو يعرفهُ السببَ الذي أوقعه فيها، أو يدعوَ له، أو نحوَ ذلك؛ فلا بأسَ به، بل هو حسنٌ، وإنما يكرهُ إذا انتفتْ هذه المصلحةُ. ١٨٦٨- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٠٦٩] ، ومسلم [رقم: ٢٩٩٠] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "كُلُّ أُمّتِي معافىً إلا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِنَ المجاهرةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُل باللَّيْلِ عَمَلاً، ثًمَّ يصبحُ وقد ستره اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: يا فلانُ! عملتُ البارِحَةَ كَذَا وكَذَا، وَقَدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ".
٥٥١- فصل [تحريم الإفساد بين الأهل] : ١٨٦٩- يَحْرُم على المكلّف أن يحدِّث عبدَ الإِنسان أو زوجته أو ابنهُ أو غلامَه ونحوَهم بما يُفسدهم به عليه إذا لم يكنْ ما يُحدِّثهم به أمراً بمعروفٍ أو نهياً عن منكر. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: ١٨] . ١٨٧٠- وَرَوَيْنَا في كتابي أبو داود [رقم: ٢١٧٥] والنسائي [في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: ١٤٨١٧] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "من خبَّبَ زوجةَ امرئٍ أوْ مملوكهُ فَلَيْسَ مِنَّا". قلتُ: "خبَّب" بخاءٍ معجمةٍ، ثم باءٍ موحدةٍ مكررةٍ، ومعناهُ: أفسدهُ وخدعهُ.
ال: قال رسول الله ﷺ: "من خبَّبَ زوجةَ امرئٍ أوْ مملوكهُ فَلَيْسَ مِنَّا". قلتُ: "خبَّب" بخاءٍ معجمةٍ، ثم باءٍ موحدةٍ مكررةٍ، ومعناهُ: أفسدهُ وخدعهُ.
٥٥٢- فصل [يقول: أنفقت في الطاعة، ولا يقولُ: غَرِمت] : ١٨٧١- ينبغي أن يُقال في المال المخرج في طاعةِ الله تعالى: أنفقتُ وشبهُه، فيقالُ: أنفقتُ في حجتي ألفاً، وأنفقتُ في غزوتي ألفين، وكذا أنفقتُ في ضيافة ضيفاني، وفي خِتان أولادي، وفي نكاحي، وشبه ذلك؛ ولا يقولُ ما يقولهُ كثيرون من العوامّ: غرمتُ في ضيافتي، وخسرتُ في حجتي، وضيعتُ في سفري. وحاصلهُ: أن أنفقتُ وشبههُ يكونُ في الطاعاتِ، وخسرتُ وغرمتُ وضيعتُ نحوها يكونُ في المعاصي والمكروهاتِ، ولا تُستعمل في الطاعات.
٥٥٣- فصل [نهي المأموم عن إعادة تلاوة إمامه] : ١٨٧٢- مما يُنهى عنه ما يقوله كثيراً من الناس في الصلاة إذا قال الإِمام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٣] فيقولُ المأموم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . فهذا مما ينبغي تركه والتحذير منهُ، فقد قال صاحب "البيان" من أصحابنا ["البيان ٢/ ١٨٨] : إنَّ هذا يبطلُ الصلاة إلا أن يقصد به التلاوة؛ وهذا الذي قالهُ، وإن كان فيه نظرٌ، والظاهرُ أنه لا يوافقُ عليه، فينبغي أن يتجنب، فإنه وإن لم يُبطلِ الصلاةَ، فهو مكروهٌ في هذا الموضعِ، واللهُ أعلمُ.
٥٥٤- فصل [النهي عن قول: الْمُكُوسُ ١ حَقٌّ] : ١٨٧٣- مما يتأكد النهيُ عنهُ والتحذيرُ منه، ما يقولهُ العوامُ وأشباهُهم في هذه المكوس التي نؤخذُ ممن يبيع أو يشتري ونحوهما، فإنهم يقولون: هذا حقّ السلطان، أو عليك حقّ السلطانِ، ونحو ذلك من العبارات المشتملة على تسميته حقاً، لازماً، ونحو ذلك؛ وهذا من أشدّ المنكرات، وأشنع المستحدثات، حتى قد قال بعضُ العلماء: من سمَّى هذا حقاً فهو كافرٌ خارجٌ عن ملّة الإِسلام؛ والصحيحُ أنه لا يكفرُ إلا إذا اعتقدهُ حقاً مع علمهِ بأنه ظلمٌ؛ فالصوابُ أن يُقالَ فيه: المكسُ، أو ضريبةُ السلطانِ أو نحوُ ذلك من العباراتِ؛ وبالله التوفيق.
ُ أنه لا يكفرُ إلا إذا اعتقدهُ حقاً مع علمهِ بأنه ظلمٌ؛ فالصوابُ أن يُقالَ فيه: المكسُ، أو ضريبةُ السلطانِ أو نحوُ ذلك من العباراتِ؛ وبالله التوفيق.
فصل كراهة السؤال بوجه الله ... ٥٥٥- فضل [كراهة السؤال بوجه الله] : ١٨٧٤- يُكرهُ أن يسألُ بوجه الله تعالى غير الجنة. ١٨٧٥- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ١٦٧١] ، عن جابرٍ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "لا يسألُ بوجهِ اللهِ إلاَّ الجنة".
٥٥٦- فصل [حكم من سألَ بالله وتشفع به] : ١٨٧٦- يُكْرَهُ منعُ من سألَ بالله تعالى وتشفَّع به. رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ١٦٧٢] ، والنسائي [رقم: ٢٥٦٧] بأسانيد "الصحيحين"؛ عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "مَنْ اسْتَعاذَ باللَّهِ فأعِيذُوهُ، وَمَنْ سألَ باللَّهِ تَعالى فأعطوهُ، وَمَنْ دَعاكُمْ فأجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونهُ؛ فادْعُوا له ١ حتى تروا أنَّكُمْ قَدْ كافأْتُمُوهُ". [وسيرد برقم: ٢٠٣٦] .
٥٥٧- فصل [كراهة قول: أطال الله بقاءك] : ١٨٧٧- الأشهرُ أنهُ يكرهُ أن يقالَ: أطالَ الله بقاءَك. قال أبو جعفرٍ النحاسُ في كتابه "صناعةُ الكُتَّابِ" [صفحة: ٢٤٢، ٢٤٣] : كَرِهَ بعضُ العلماء قولهم: أطالَ الله بقاءك، ورخَّصَ فيه بعضُهم. ١٨٧٨- قال إسماعيل بن إسحاق: أوَّلُ مَن كتب: أطالَ الله بقاءَك، الزنادقة. ["صناعة الكتاب" صفحة: ٢٤٥] . ١٨٧٩- وروي عن حماد بن سلمة ﵁، أن مُكاتبة المسلمين كانت من فلانٍ إلى فلانٍ، أما بعدُ؛ سلامٌ عليكَ، فإني أحمدُ إليكَ الذي لا إِله إِلاَّ هو، وأسألُه أن يصلِّي على محمدٍ وعلى آل محمدٍ؛ ثم أحدثتِ الزنادقةُ هذه المكاتبات التي أوّلُها: أطالَ الله بقاءك. ["صناعة الكتاب" صفحة: ٢٤٥] .
٥٥٨- فصل [جواز قول: فِداكَ أبي وأُمي] : ١٨٨٠- المذهبُ الصحيحُ المختارُ أنهُ لا يكرهُ قولُ الإنسانِ لغيرهِ: فداكَ أبي وأُمي، أو جعلني اللهُ فداك، وقد تظاهرتْ على جواز ذلك الأحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما، وسواءٌ كانَ الأبوان مسلمين أو كافرين، وكَرِهَ ذلك بعضُ العلماء إذا كان مُسلمين. قال النحاس: وكرهَ مالكُ بن أنسٍ ﵀: جعلني الله فداك، وأجازهُ بعضهم. ["صناعة الكتاب، صفحة: ٢٤٣] قال القاضي عياضٌ: ذهبَ جمهورُ العلماء إلى جواز ذلك، سواءٌ كان الْمُفَدَّى به مسلماً أو كافراً. قلتُ: وقد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك ما لا يُحصى، وقد نبَّهتُ على جملٍ منها في "شرح صحيح مسلم" [٥/ ١٨٤] .
الْمُفَدَّى به مسلماً أو كافراً. قلتُ: وقد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك ما لا يُحصى، وقد نبَّهتُ على جملٍ منها في "شرح صحيح مسلم" [٥/ ١٨٤] .
٥٥٩- فصل [ذم المِراء والجِدال والخُصومة] : ١٨٨١- ومما يُذمّ من الألفاظ: المراءُ والجدالُ والخصومةُ. قال الإِمام أبو حامد الغزالي [٣/ ١١٧] ﵀: المراءُ طعنُك في كلامِ الغير لإِظهار خللٍ فيه لغير غرضٍ سوى تحقيرٍ قائلهِ وإظهار مزيَّتِك عليه. قال: وأما الجدالُ، فعبارةٌ عن أمرٍ يتعلقُ بإظهار المذاهب وتقريرها. قال: وأما الخصومةُ، فلِجَاجٌ في الكلام ليستوفيَ به مقصودَه من مالٍ أو غيرهِ، وتارة يكونُ ابتداءً، وتارة يكونُ اعتراضاً؛ والمراءُ لا يكونُ إلا اعتراضاً. هذا كلام الغزالي. واعلم أن الجدال قد يكون بِحَقّ، وقد يكون بباطل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] فإن كان الجدالُ للوقوفِ على الحقّ وتقريرِه كان محموداً، وإن كان في مدافعةِ الحقّ، أو كان جدالاً بغير علمٍ كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل
ا﴾ [غافر: ٤] فإن كان الجدالُ للوقوفِ على الحقّ وتقريرِه كان محموداً، وإن كان في مدافعةِ الحقّ، أو كان جدالاً بغير علمٍ كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل
تنزل النصوص الواردة في إباحته وذمّه، والمجادلة والجدالُ بمعنى، وقد أوضحتُ ذلك مبسوطاً في "تهذيب الأسماء واللغات" [٢/ ٤٨] . قال بعضُهم: ما رأيتُ شيئاً أذهبَ للدين، ولا أنقص للمروءة، ولا أضيعَ للذةٍ، ولا أشعل للقلب من الخصومة. فإن قلتَ: لا بُدَّ للإنسانِ من الخصومة لاستبقاء١ حقوقه. فالجوابُ: ما أجابَ بهِ الإمامُ الغزالي أن الذمَّ المتأكدَ إنما هُوَ لمن خاصمَ بالباطلِ، أو بغير علمٍ؛ كوكيل القاضي، فإنهُ يتوكلُ في الخصومةِ قبلَ أن يعرفَ أن الحقّ في أيّ جانبِ هوَ، فيخاصمُ بغير علمٍ. ويدخلُ في الذمّ أيضاً مَن يطلبُ حَقَّه لكنهُ لا يقتصرُ على قدرِ الحاجة، بل يظهرُ اللددَ والكذبَ للإِيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خَلَطَ بالخصومة كلماتٍ تُؤذي، وليس له إليها حاجةٌ في تحصيل حقه، وكذلك مَن يحملهُ على الخصومة محضُ العنادِ لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم، وأما المظلومُ الذي ينصرُ حجتهُ بطريق الشرع من غير لددٍ وإسرافٍ، وزيادةِ لجاجٍ على الحاجة من غير قصدِ عنادٍ ولا إيذاء، ففعلهُ هذا ليس حرامًا ولكن الولى تركهُ وما وجدَ إليه سبيلاً؛ لأنَّ ضبطَ اللسان في الخصومة على حدّ الاعتدالِ متعذرٌ، والخصومةُ توغرُ الصدورَ، وتهيجُ الغضبَ، وإذا هاجَ الغضبُ حصلَ الحقدُ بينهما حتى يفرح كل واحدٍ منهم بمساءةِ الآخر، ويحزنُ بمسرّته، ويُطلق اللسانَ في عرضه، فمن خاصمَ فقد تعرّضَ لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغالُ القلب، حتى أنه يكون في صلاته وخاطره متعلق٢ المحاجة والخصومة، فلا يَبقى حالهُ على الاستقامة؛ والخصومةُ مبدأ الشرّ،
لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغالُ القلب، حتى أنه يكون في صلاته وخاطره متعلق٢ المحاجة والخصومة، فلا يَبقى حالهُ على الاستقامة؛ والخصومةُ مبدأ الشرّ،
وكذا الجدالُ والمراءُ. فينبغي ألا يفتحَ عليه بابَ الخصومةِ إلا لضرورةٍ لا بُدَّ منها، وعند ذلك يُحفظُ لسانهُ وقلبهُ عن آفات الخصومة. ١٨٨٢- رَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٩٤] ، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "كَفَى بك إثمًا ألا تَزَالَ مُخَاصِماً". ١٨٨٣-وجاء عن عليّ ﵁، قال: إن للخصوماتِ قُحَمًا. ["كنز العمال"، رقم: ١٥٣٣٣] . قلتُ: القُحَمُ بضم القاف وفتح الحاء المهملة، هي: المهالكُ.
٥٦٠- فصل [كراهة التقعر والتشدق والسجع في الكلام] : ١٨٨٤- يُكره التقعيرُ في الكلام بالتشدّق، وتكلفُ السجع والفَصاحة، والتصنّع بالمقدمات التي يَعتادُها المتفاصحون، وزخارف القول؛ فكلُ ذلك من التكلُّف المذمُوم، وكذلك تكلفُ السجع، وكذلك التحريّ في دقائق الإِعراب، ووحشي اللغة في حالة مخاطبة العوامّ؛ بل ينبغي أن يقصدَ في مخاطبته لفظاً يفهمهُ صاحبهُ فهماً جليّاً، ولا يستثقلُه. ١٨٨٥- روينا في كتابي أبي داود [رقم: ٥٠٠٥] ، والترمذي [رقم: ٢٨٥٣] ؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ يُبغضُ البَلِيغَ مِنَ الرّجالِ الَّذي يَتَخَلَّل بلسانهِ كما تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. ١٨٨٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٦٧٠] ، عن ابن مسعودٍ ﵁، أن النبي ﷺ قال: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ" قالها ثلاثًا. ["المتنطعون": المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد "رياض الصالحين"، رقم: ١٤٤] .
قال العلماءُ: يعني بالمتنطعين: المبالغين في الأمور. ١٨٨٧- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٠١٨] ، عن جابرٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إِلَيَّ وأقْرَبِكُمْ مِنّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ أحاسِنُكُمْ أخْلاقاً، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيامَةِ؛ الثَّرْثارُونَ وَالمُتَشَدّقُونَ والمتفيهقون" قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيهقون؟ قال: "المُتَكَبِّرُون". قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ. قال: و"الثرثار" هو: الكثيرُ الكلام، والمتشدّقُ: مَن يتطاولُ على الناس في الكلام، ويبذو عليهم. ١٨٨٨- واعلم أنه لا يدخلُ في الذمّ تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراطٌ وإغرابٌ؛ لأن المقصودَ منها تهييج القلوبِ إلى طاعةِ الله ﷿، ولحسن اللفظ في هذا أثرٌ ظاهرٌ.
في الذمّ تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ إذا لم يكن فيها إفراطٌ وإغرابٌ؛ لأن المقصودَ منها تهييج القلوبِ إلى طاعةِ الله ﷿، ولحسن اللفظ في هذا أثرٌ ظاهرٌ.
٥٦١- فصل [كراهة الحديث بعد العشاء إلا بخير] : ١٨٨٩- ويُكره لمن صلى العشاء الآخرة أن يتحدَّثَ بالحديث المباح في غير هذا الوقت، وأعني بالمُباح الذي استوى فعلهُ وتركه. فأما الحديثُ المحرمُ في غير هذا الوقت، أو المكروه، فهو في هذا الوقت أشدّ تحريماً وكراهة. وأما الحديثُ في الخيرِ كمذاكرةِ العلمِ وحكايات الصالحين ومكارم الأخلاق، والحديثُ مع الضيف ومع طالب حاجةٍ ونحوِ ذلك، فلا كراهةَ فيه، بل هو مستحبُ؛ وقد تظاهرت الأحاديثُ الصحيحةُ به، وكذلك الحديثُ للغدرِ والأمور العارضة لا بأس به. وقد اشتهرت الأحاديثُ بكل ما
ذكرتهُ، [راجع "رياض الصالحين" الباب رقم: ٣٣٤] وأنا أُشيرُ إلى بعضها مختصراً، وأرمزُ إلى كثيرٍ منها. ١٨٩٠- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٦٨] ، ومسلم [رقم: ٦٤٧] ؛ عن أبي برزةَ ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يكرهُ النومَ قبل العِشاء والحديثَ بعدَها. وأما الأحاديث بالترخيص في الكلام للأمور التي قَدَّمْتُها فكثيرةٌ. ١٨٩١- فَمِن ذلك حديثُ ابن عمر في "الصحيحين" [البخاري، رقم: ٥٦٤؛ مسلم، رقم: ٢٥٣٧] ؛ أن رسول الله ﷺ صلَّى العشاءَ في آخر حياتهِ، فلما سلَّم قال: "أرأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فإنَّ على رأسِ مائةِ سنةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ على ظَهْرِ الأرْضِ اليَوْمَ أحدٌ". ١٨٩٢- ومنها حديثُ أبي موسى الأشعري ﵁ في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٥٦٧؛ مسلم، رقم: ٦٤١] ؛ أن رسول الله ﷺ أعتم بالصلاة حتى ابْهَارَّ الليلُ، ثم خرجَ رسولُ الله ﷺ فصلَّى بهم، فلما قضَى صلاتهُ، قال لمن حضرهُ: "على رِسْلِكُمْ أعلمُكُم، وأبْشِرُوا أنَّ مِنْ نعمةِ اللَّه عليكُم أنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ يُصلي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ"، أوْ قالَ: "ما صَلَّى أحَدٌ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ".
نعمةِ اللَّه عليكُم أنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ يُصلي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ"، أوْ قالَ: "ما صَلَّى أحَدٌ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ". ١٨٩٣- ومنها حديثُ أنسٍ في "صحيح البخاري" [رقم: ٥٧٢] ، ومسلم، [رقم: ٦٤٠] ؛ أنهمُ انتظروا النبيَّ ﷺ، فجاءَهم قريباً من شطر الليل، فصلَّى بهم -يعني: العشاء- قال: ثم خطبَنا، فقال: "ألا إنَّ النَّاس قَدْ صَلُّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وإنكم لم تَزَالُوا في صلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ". ١٨٩٤- ومنها حديث ابن عباس ﵄، في مبيته في بيت خالته ميمونة، قولهُ: أن النبي ﷺ صلَّى العشاءَ، ثم دخلَ فحدّثَ أهلَه.
وقولهُ: "نَامَ الغليمُ" ١ [البخاري، رقم: ١١٧؛ مسلم، رقم: ٧٦٣] . ١٨٩٥- ومنها حديثُ عبدِ الرحمن بن أبي بكرٍ الصديقِ ﵄، في قصة أضيافه واحتباسه عنهم حتى صلّى العشاء، ثم جاء وكلَّمهم، وكلَّم امرأتَه وابنه، [البخاري، رقم: ٦٠٢؛ مسلم، رقم: ٢٠٥٧] وتكرر كلامُهُم [مرّ برقم: ١٤٩١، ١٧٩٨] . وهذان الحديثان في "الصحيحين"، ونظائرُ هذا كثيرةٌ لا تنحصرُ، وفيما ذكرناهُ أبلغُ كفايةٍ، ولله الحمدُ.
٥٦٢- فصل [كراهةِ تسمية العشاء عتمة والمغرب عشاء] : ١٨٩٦- يُكره أن تُسمَّى العشاء الآخرةُ العتمة. للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك، ويُكره أيضاً أن تُسمَّى المغرب عشاء. ١٨٩٧- رَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٥٦٣] ، عن عبد الله بن مُغَفّل المزني ﵁ -وهو بالغين المعجمة- قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعرابُ على اسمِ صَلاتِكُمُ المَغْرِبِ" قال: ويقولُ الأعرابُ: هي العشاءُ. وأما الأحاديث الواردةُ بتسمية العشاء عتمةً. ١٨٩٨- كحديث [البخاري، رقم: ٦٥٣؛ مسلم، رقم: ٤٣٧] : "لو يَعْلَمُونَ ما في الصُّبْحِ وَالعَتَمَةِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً". ١٨٩٩- فالجواب عنها من وجهين: أحدُهُما: أنها وقعتْ بياناً، لكون النهي ليس للتحريم، بل للتنزيه. والثاني: أنه خُوطب بها مَن يخافُ أنه يلتبس عليه المراد لو سمَّاها عشاءً.
١٩٠٠- وأما تسمية الصبح غداةً فلا كراهة فيه على المذهبِ الصحيح، وقد كثرتِ الأحاديثُ الصحيحةُ في استعمال غداة، وذكر جماعة من أصحابنا كراهةَ ذلك، وليس بشيءٍ. ١٩٠١- ولا بأسَ بتسمية المغربِ والعشاء عشاءين، ولا بأس بقول: العشاءُ الآخرةُ. وما نُقل عن الأصمعي أنه قال: لا يُقال: العشاءُ الآخرةُ، فغلطٌ ظاهرٌ، فقد ثبت في "صحيح مسلمٍ" [رقم: ٤٤٤] ، أن النبي ﷺ، قال: "أيُّمَا امرأةٍ أصَابَتْ بَخُوراً فَلا تَشْهَدْ مَعَنا العِشاءَ الآخرة". وثبت من ذلك كلامُ خلائقَ لا يُحصون من الصحابة في الصحيحين وغيرهما، وقد أوضحتُ ذلك كلهُ بشواهده في تهذيب الأسماء واللغات؛ وبالله التوفيق.
٥٦٣- فصل [حرمةِ إفشاء السر] : ١٩٠٢- ومما يُنهَى عنه إفشاءُ السرّ، والأحاديثُ فيه كثيرةٌ، وهو حرامٌ إذا كان فيه ضررٌ أو إيذاءٌ. ١٩٠٣- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٦٨] ، والترمذي [رقم: ١٩٥٩] ؛ عن جابر ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "إذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بالحَدِيثِ، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَهِيَ أمانةٌ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
الترمذي [رقم: ١٩٥٩] ؛ عن جابر ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "إذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بالحَدِيثِ، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَهِيَ أمانةٌ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
٥٦٤- فصل [كراهة سؤال الرجل عن سبب ضربه امرأته] : ١٩٠٤- يكرهُ أن يُسألَ الرجلُ: فيم ضربَ امرأتهُ من غير حاجةٍ. قد رَوَيْنَا في أوّل هذا الكتاب في حفظ اللسان الأحاديث الصحيحة في السكوت عمّا لا تظهر فيه المصلحة. ١٩٠٥- وذكرنا [رقم: ١٧٠٧] الحديث الصحيح في [الترمذي، رقم: ٢٣١٧] : "من حُسن إسلامِ المرءِ تركهُ ما لا يعنيهِ". ["الأربعون النووية"، الحديث رقم: ١٢؛ مر برقم: ١٧٠٧؛ وسيرد برقم: ٢٠٦٧] . ١٩٠٦- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٢١٤٧] ، والنسائي [في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: ١٠٤٠٧] وابن ماجه [رقم: ١٩٨٦] ؛ عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا يُسألُ الرَّجُلُ فيمَ ضرب امرأته".
٥٦٥- فصل [حكم قول الشعر] : ١٩٠٧- أَمَّا الشعر، فقد رَوَيْنَا في "مسند أبي يعلى الموصلي" ٨/ ٤٧٦٠] ، بإسناد حسنٍ؛ عن عائشة ﵂، قالت: سُئل رسولُ الله ﷺ عن الشعر، فقال: "هُوَ كلامٌ حسنهُ حسنٌ، وقبيحهُ قَبِيحٌ". ١٩٠٨- قال العلماء: معناهُ: أنَّ الشعرَ كالنثر، لكن التجرّدَ له والاقتصارَ عليه مذمومٌ. وقد ثبتَت الأحاديثُ الصحيحةُ بأن رسول الله ﷺ سمع الشعرَ، وأمرَ حسانَ بن ثابت بهجاء الكفّار. ١٩٠٩- وثبت أنه ﷺ قال: "إن من الشعر حكمةً" [البخاري، رقم: ٦١٤٥؛ أبو داود، رقم: ٥٠١٠] . ١٩١٠- وثبت أنه ﷺ قال: "لأن يمتلئ جوفُ أحَدِكُمْ قَيْحاً خيرًا لَهُ منْ أنْ يمتلئ شعرًا" [البخاري، رقم: ٦١٥٥؛ مسلم، رقم: ٢٢٥٧] وَكُلُّ ذلك على حسب ما ذكرناهُ.
ت أنه ﷺ قال: "لأن يمتلئ جوفُ أحَدِكُمْ قَيْحاً خيرًا لَهُ منْ أنْ يمتلئ شعرًا" [البخاري، رقم: ٦١٥٥؛ مسلم، رقم: ٢٢٥٧] وَكُلُّ ذلك على حسب ما ذكرناهُ.
٥٦٦- فصل [النهي عن الفحشُ وبذاءةُ اللسان] : ١٩١١- ومِمَّا يُنهى عنه الفحس، وبذاءةُ١ اللسان، والأحاديثُ الصحيحة فيه كثيرةٌ معروفة. ومعناهُ: التعبيرُ عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة، وإن كانتْ صحيحةً، والمتكلّمُ بها صادقٌ، ويقعُ ذلك كثيراً في ألفاظ الوقاع ونحوها. وينبغي أن يستعملَ في ذلك الكنايات، ويعبّر عنها بعبارة جميلة يُفهم بها الغرضُ، وبهذا جاءَ القرآن العزيز، والسنن الصحيحة المكرمةُ، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] والآيات والأحاديث الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ. قال العلماءُ: فينبغي أن يستعملَ؛ في هذا وما أشبههُ من العبارات التي يستحيا من ذكرها بصريح اسمها؛ الكنايات المفهمة، فيكنَّى عن جماع المرأة بالإِفضاءِ والدخولِ والمعاشرةِ والوقاعِ ونحوها، ولا يُصَرِّح بالنَّيْكِ والجماع ونحوهما، وكذلك يُكنّي عن البولِ والتغوطِ: بقضاء الحاجة والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرّحُ بالخِرَاءة والبول ونحوهما، وكذلك ذكرُ العيوب: كالبرص والبخرِ والصنانِ وغيرها، يعبرُ عنها بعباراتٍ جميلةٍ يفهمُ منها الغرضُ؛ ويلحقُ بِما ذكرناهُ من الأمثلةِ ما سواهُ. واعلم أن هذا كلهُ إذا لم تدعُ حاجةٌ إلى التصريح بصريح اسمهِ، فإن دعتْ حاجةٌ لغرضِ البيانِ والتعليم، وخِيفَ أن المخاطَب لا يفهمُ المجاز، أو يفهمُ غيرَ المرادِ؛ صرحَ حينئذٍ باسمه الصريح ليحصلَ الإِفهامُ الحقيقيُ، وعلى هذا يحملُ ما جاء في الأحاديث من التصريح بمثل هذا، فإن ذلك محمولٌ على الحاجةِ كما ذكرنا، فإن تحصيل الإفهامِ في هذا أولى من مراعاةِ مجردِ الأدبِ؛ وبالله التوفيقُ. ١٩١٢- رَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٧٧] ، عن عبد الله بن مسعودٍ
رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله ﷺ: "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ وَلا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. [مر برقم: ١٧٧٣] . ١٩١٣- وَرَوَيْنَا في "كتابي الترمذي" [رقم: ١٩٧٤] ، وابن ماجه [رقم: ٤١٨٥] ؛ عن أنس ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "ما كان الفحشُ في شيءٍ إلاَّ شانهُ، وَما كانَ الحياءُ في شيءٍ إلاَّ زانهُ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
٥٦٧- فصل [بر الوالدين] : ١٩١٤- يحرمُ انتهارُ الوالدِ والوالدةِ وشبههما تحريماً غليظاً، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإِسراء: ٢٣، ٢٤] . ١٩١٥- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٩٧٣] ، ومسلمٍ [رقم: ٩٠] ؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "مِنَ الكَبائرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ"، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتمُ الرجلُ والديه؟ قال: "نَعَمْ، يَسُبّ أبَا الرَّجُلِ فَيسبُّ أباهُ، وَيَسُبُّ أمهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ". ١٩١٦- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ١٥٣٨] ، والترمذي [رقم: ١١٨٩] ؛ عن ابن عمر ﵄، قال: كان تحتي امرأةُ، وكنتُ أحبُّها، وكان عمرُ يكرهُها، فقال لي: طلّقْها؛ فأبيتُ، فأتى عمرُ ﵁ النبيَّ ﷺ، فذكرَ ذلك لهُ، فقال النبيُّ ﷺ: "طَلِّقْها". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحُ.
ُّها، وكان عمرُ يكرهُها، فقال لي: طلّقْها؛ فأبيتُ، فأتى عمرُ ﵁ النبيَّ ﷺ، فذكرَ ذلك لهُ، فقال النبيُّ ﷺ: "طَلِّقْها". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحُ.
بابُ النهي عن الكذاب وبيان أقسامه ... بابُ النهي عن الكَذبِ وبيان أقسامهِ: ١٩١٧- قد تظاهرتْ نصوصُ الكتاب والسنّة على تحريم الكذب في الجملةِ، وهو من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب. وإجماعُ الأمةِ منعقدٌ على تحريمهِ مع النصوص المتظاهرةِ، فلا ضرورة إلى نقل أفرادها، وإنما المهمُ بيانُ ما يُستثنى منهُ، والتنبيهُ على دقائقه. ١٩١٨- ويكفي في التنفير منهُ الحديثُ المتفقُ على صحته، وهو ما رَوَيْنَاه في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٣٣؛ مسلم، رقم: ٥٩] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "آيَةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حدث كذب، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا اؤتمن خان". [ومر برقم: ١٦٢٣] . ١٩١٩- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٣٤؛ مسلم، رقم: ٥٨] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبيَّ ﷺ قال: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقاً خالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خصلةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خصلةٌ مِنْ نفاقٍِ حتَّى يَدَعَها: إذا اؤتمن خانَ، وَإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عاهَدَ غدرَ، وَإِذَا خاصَمَ فَجَرَ". وفي رواية مسلمٍ: "إذا وعدَ أخلفَ" بدل: "وإذا اؤتمن خان". ١٩٢٠- وأما المستثنى منهُ فقد روينا في صحيحي البخاري [رقم: ٢٦٩٢] ومسلم [رقم: ٢٦٠٥] ؛ عن أُمّ كلثوم ﵂، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "لَيْسَ الكذابُ الَّذي يصلحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمي خَيْراً، أوْ يَقُولُ خَيْراً". هذا القدرُ في "صحيحيهما". وزاد مسلمٌ في روايةٍ لهُ: قالتْ أُمّ كلثوم: ولم أسمعهُ يرخصُ في شيءٍ مما يقول الناسُ إلا من ثلاثٍ؛ يعني: الحرب، والإِصلاح بين الناس،
في "صحيحيهما". وزاد مسلمٌ في روايةٍ لهُ: قالتْ أُمّ كلثوم: ولم أسمعهُ يرخصُ في شيءٍ مما يقول الناسُ إلا من ثلاثٍ؛ يعني: الحرب، والإِصلاح بين الناس،
وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها. فهذا حديثٌ صريحٌ في إباحة بعض الكذب للمصلحة، وقد ضبط العلماءُ ما يباحُ منهُ. ١٩٢١- وأحسنُ ما رأيتهُ في ضبطهِ، ما ذكرهُ الإمامُ أو حامدٍ الغزالي ﵀ في الإحياء [٣/ ١٣٧] فقال: الكلامُ وسيلةٌ إلى المقاصد، فكلُّ مقصودٍ محمودٍ يمكنُ التوصلُ إليه بالصدق والكذب جميعاً، فالكذبُ فيه حرامٌ لعدم الحاجة إليه، وإن أمكنَ التوصل إليه بالكذب، ولم يمكن بالصدق، فالكذبُ فيه مباحٌ إن كان تحصيلُ ذلك المقصود مُباحًا، وواجبٌ إن كان المقصود واجباً؛ فإذا اختفى مسلمٌ من ظالمٍ وسألَ عنهُ، وجبَ الكذبُ بإخفائه، وكذا لو كان عندهُ أو عندَ غيره وديعةٌ، وسأل عنها ظالمٌ يُريدُ أخذَها، وجبَ عليه الكذب بإخفائها، حتى لو أخبرَه بوديعةٍ عندَه، فأخذَها الظالمُ قهراً، وجبَ ضمانُها على المُودع المُخبر، ولو استحلفهُ عليها لزمهُ أن يَحلفَ ويورِّي في يمينه، فإن حلفَ ولم يورِ حنثَ على الأصحّ، وقيل: لا يحنثُ، وكذلك لو كان مقصودُ حربٍ، أو إصلاحِ ذاتِ البين، أو استمالةُ قلبِ المجني عليهِ في العفوِ عن الجناية لا يحصل إلا بكذب، فالكذبُ ليس بحرامٍ؛ وهذا إذا لم يحصُل الغرضُ إلا بالكذب، والاحتياطُ في هذا كلهِ أن يورّي؛ ومعنى التوريةِ: أن يقصدَ بعبارته مقصوداً صحيحاً ليس هُو كاذباً بالنسبة إليه، وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ، ولو لم يقصد هذا بل أطلق عبارةَ الكذب فليس بحرامٍ في هذا الموضع. ١٩٢٢- قال أبو حامد الغزالي: وكذلك كل ما ارتبط به غرضٌ مقصودٌ صحيح له أو لغيره، فالذي لهُ: مثلُ أن يأخذهُ ظالمٌ ويسألهُ عن مالهِ ليأخذهُ، فله أن ينكرهُ، أو يسألهُ السلطانُ عن فاحشةٍ بينهُ وبينَ الله تعالى ارتكبَها، فله أن ينكرَها، ويقولُ: ما زنيتُ، أو ما شربتُ مثلاً؛ وقد
اشتهرتِ الأحاديث بتلقينِ الذين أقرّوا بالحدودِ الرجوع عن الإِقرار؛ وأما غرضُ غيره؛ فمثل أن يُسأَلَ عن سرّ أخيه فينكرهُ ونحوُ ذلك، وينبغي أن يُقابل بين مَفسدةِ الكذب والمفسدةِ المترتبة على الصدقِ؛ فإن كانت المفسدةُ في الصدق أشدّ ضرراً فله الكذبُ، وإن كان عكسهُ، أو شكّ؛ حرمَ عليه الكذبُ؛ ومتى جازَ الكذبُ، فإن كان المبيحُ غَرَضًا يتعلّقُ بنفسه، فيستحب ألا يكذبَ، ومتى كان متعلقاً بغيرهِ لم تجزِ المسامحةُ بحقّ غيره، والحزمُ تركه في كل موضعٍ أُبيحَ إلا إذا كان واجباً. ١٩٢٣- واعلم أن مذهبَ أهل السنّة أن الكذبَ هو الإِخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواءٌ تعمدتَ ذلك أم جهلته، لكن لا يأثمُ في الجهل، وإنما يأثمُ في العمد، ودليلُ أصحابنا تقييد النبيّ ﷺ: "مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ". [كما في البخاري، رقم: ١٢٩١؛ مسلم، رقم: ٣] .
بابُ الحثِّ على التثّبت فيما يحكيهِ الإِنسانُ والنهي عن التحديث بكلِّ ما سمعَ إذا لم يظنّ صحته: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] . ١٩٢٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٥] ، عن حفص بن عاصم التابعي الجليل، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "كَفَى بالمرءِ كَذِباً أنْ يُحدِّثَ بكُل ما سمِع".
َوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٥] ، عن حفص بن عاصم التابعي الجليل، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "كَفَى بالمرءِ كَذِباً أنْ يُحدِّثَ بكُل ما سمِع".
ورواه مُسلمٌ من طريقين: أحدهُما هكذا. والثاني: عن حفص بن عاصمٍ، عن النبيّ ﷺ مرسلاً لم يذكر أبا هريرة، فتُقدَّمُ روايةُ مَن أثبت أبا هريرة، فإن الزيادة من الثقة مقبولة، وهذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه أهلُ الفقهِ والأصولِ والمحقّقون من المحدّثين، أن الحديثَ إذا رُوي من طريقين: أحدهُما مرسلٌ والآخرُ متصلٌ، قدّم المتصلُ وحكم بصحةِ الحديثِ، وجازَ الاحتاجُ به في كل شيءٍ من الأحكام وغيرها؛ والله أعلمُ. ١٩٢٥- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٥] ، عن عُمر بن الخطاب ﵁، قال: بحسبِ المرءِ من الكذبِ أن يحدّثِ بكلّ ما سمعَ. وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٥] ، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، مثلهُ. والأثارُ في هذا الباب كثيرةٌ ١٩٢٦- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٧٢] ، بإسناد صحيح؛ عن أبي مسعودٍ، أو حذيفةَ بن اليمان ﵄؛ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "بِئْسَ مطيةُ الرجلِ زَعَمُوا". قال الإِمام أبو سليمان الخطابي فيما رويناه عنهُ في "معالم السن" [٥/ ٢٥٤] : أصلُ هذا الحديث إنَّ الرجُل إذَا أراد الطعن في حاجةٍ، والسير إلى بلدٍ، ركب مطية وسار حتى يبلغ حاجتهُ، فشبّهَ النبيّ ﷺ ما يُقدم الرجلُ أمامَ كلامهِ ويتوصل به إلى حاجته من قولهم: "زعموا" بالمطيّة، وإنما يُقالُ: زعمُوا في حديثٍ لا سند له ولا ثبت١، إنما هو شيءٌ يُحكى على سبيل البلاغ، فذمّ النبي ﷺ من الحديث ما هذا سبيلهُ، وأمر بالتوثق فيما يحكيه التثبت فيه، فلا يَرويه حتى يكون مَعْزُوًّا إلى ثبتٍ. هذا كلامُ الخطابي؛ واللهُ أعلمُ.
فذمّ النبي ﷺ من الحديث ما هذا سبيلهُ، وأمر بالتوثق فيما يحكيه التثبت فيه، فلا يَرويه حتى يكون مَعْزُوًّا إلى ثبتٍ. هذا كلامُ الخطابي؛ واللهُ أعلمُ.
بابُ التعريض والتورية: ١٩٢٧- اعلم أن هذا الباب من أهمّ الأبوابِ، فإنهُ مما يكثرُ استعمالهُ وتعمُ به البلوى، فينبغي لنا نعتني بتحقيقه، وينبغي للواقف عليه أن يتأملَه ويعملَ بهِ، وقد قدمنا ما في الكذب من التحريم الغليظ [الباب رقم: ٥٦٨] وما في إطلاق اللسان من الخطر، وهذا البابُ طريقٌ إلى السلامة من ذلك. واعلم أن التوريةَ والتعريضَ معناهُما: أن تُطلقِ لفظاً هُو ظاهرٌ في معنى، وتريدُ به معنىً آخر يتناوله ذلك اللفظ، لكنهُ خلافُ ظاهره، وهذا ضربٌ من التغرير والخداع. قال العلماءُ ﵏: فإن دعتِ إلى ذلك مصلحةٌ شرعيةٌ راجحةٌ على خداعِ المخاطب، أو حاجة لا مندوحةَ عنها إلا بالكذب، فلا بأس بالتعريض، وإن لم يكن شيءٌ من ذلك فهو مكروهٌ، وليس بحرامٍ، إلا أن يُتوصَل به إلى أخذ باطلٍ، أو دفع حقٌ، فيصيرُ حينئذٍ حراماً، هذا ضابطُ الباب. فأما الآثارُ الواردةُ فيهِ، فقد جاءَ من الأثارِ ما يُبيحهُ، وما لا يبيحهُ، وهي محمولةٌ على هذا التفصيل الذي ذكرناهُ. ١٩٢٨- فمما جاء في المنع: ما روينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٩٧١] ، بإسناد فيه ضعفٌ، لَكِنْ لم يُضَعِّفه أبو داود، فيقتضي أن يكون حسناً عندهُ كما سبق بيانه [رقم: ٧٥] ، عن سفيان بن أسيدٍ -بفتح الهمزة- ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "كَبُرَتْ خِيانَةً أنْ تُحدث
أخاكَ حَدِيثاً هُوَ لَكَ بِهِ مصدقٌ، وأنت [له] بِهِ كاذبٌ ". ١٩٢٩- وَرَوَيْنَا عن ابن سيرين ﵀، أنه قال: الكلامُ أوسعُ من أن يكذب ظريفٌ [أخرجه ابن عدي والبيهقي كما في "الدر المنثور"، سورة التوبة/ الآية: ١١٩. ١٩٣٠- مثال التعريض المباحِ ما قالهُ النخعي ﵀: إذا بَلَغَ الرجلَ عنك شيءٌ قلتَه، فقل: الله يعلمُ ما قلتُ من ذلك من شيءٍ؛ فيتوهم السامعُ النفيَ، ومقصودُك: الله يعلمُ الذي قلتهُ. ١٩٣١- وقال النخعيُّ أيضاً: لا تقُل لابنك: أشتري لك سُكَّرًا؟ بل قُل: أرأيتَ لو اشتريتُ لك سُكرًا؟ ١٩٣٢- وكان النخعي إذا طلبهُ رجلٌ، قال للجارية: قُولي لهُ: اطلبهُ في المسجد. ١٩٣٣- وقال غيره: خرج أبي في وقتٍ قبل هذا. ١٩٣٤- وكان الشعبي يخطّ دائرة، ويقولُ للجارية: ضعي أُصبعك فيها، وقولي: ليس هو ههنا. ١٩٣٥- ومثل هذا قولُ الناس في العادة لمن دعاهُ لطعامٍ: أنا على نيةٍ؛ موهماً أنه صائمٌ، ومقصودُه على نيّة ترك الأكل. ١٩٣٦- ومثلهُ: أبصرتَ فُلانًا؟ فيقول: ما رأيتُه، أي: ما ضربتُ رئته، ونظائرُ هذا كثيرةٌ. ١٩٣٧- ولو حلف على شيءٍ من هذا، وورَّى في يمينه لم يحنثْ، سواءٌ حلفَ بالله تعالى أو حلفَ بالطلاق أو بغيره، فلا يقعُ عليه الطلاق
، ونظائرُ هذا كثيرةٌ. ١٩٣٧- ولو حلف على شيءٍ من هذا، وورَّى في يمينه لم يحنثْ، سواءٌ حلفَ بالله تعالى أو حلفَ بالطلاق أو بغيره، فلا يقعُ عليه الطلاق
ولا غيره، وهذا إذا لم يحلّفه القاضي في دعوى؛ فإن حلَّفهُ القاضي في دعوى، فالاعتبارُ بنيةِ القاضي إذا حلفهُ باللهِ تعالى، فإن حلفهُ بالطلاق، فالاعتبار بنيّة الحالف؛ لأنهُ لا يجوز للقاضي تحليفهُ بالطلاقِ، فهو كغيره من الناس؛ والله أعلمُ. ١٩٣٨- قال الغزالي [٣/ ١٤٠] : ومن الكذبِ المحرّم الذي يوجبُ الفسقَ، ما جرتْ به العادةُ في المبالغةِ، كقوله: قلتُ لك مائة مرة، وطلبتك مائة مرةٍ، ونحوهُ؛ فإنه لا يرادُ به تفهيمُ المرات، بل تفهيم المبالغة، فإن لم يكن طلبهُ إلا مرّة واحدة كان كاذباً، وإن طلبهُ مراتٍ لا يعتادُ مثلُها في الكثرة لم يأثم، وإن لم يبلغْ مائة مرّة، وبينهما درجات، يتعرّضُ المبالغُ للكذب فيها. ١٩٣٩- قلتُ: ودليل جوازِ المبالغةِ، وأنهُ لا يعد كاذبًا ما رويناه في الصحيحين [بل في "صحيح مسلم" فقط، رقم: ١٤٨٠] ، أن النبي ﷺ قال: "أمَّا أبُو الجَهْمِ، فَلا يضعُ العَصَا عَنْ عاتِقِهِ، وأمَّا مُعاويَةُ فَلا مال له"، [برقم: ١٧٤٠] ومعلوم أنه كان له ثوبٌ يلبسهُ، وأنهُ كان يضعُ العصا في وقت النوم وغيرهِ؛ وبالله التوفيق.
بابُ ما يقولهُ ويفعلهُ مَنْ تكلَّمَ بكلامٍ قبيح: قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصّلت: ٣٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦] .
ُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦] .
١٩٤٠- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٤٨٦٠] ، ومسلم [رقم: ١٦٤٧] ؛ عن أبي هريرةَ ﵁، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ فَقالَ في حلفهِ باللاَّتِ والعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَمَنْ قالَ لِصَاحِبِهِ: تَعالَ أُقامِرْكَ؛ فَلْيَتَصَدَّقْ". ١٩٤١- واعلم أن مَن تكلم بحرامٍ، أو فعله؛ وجب عليه المبادرة إلى التوبة، ولها ثلاثة أركانٍ: أن يقلع في الحال عن المعصية، وأن يندمَ على ما فعل، وأن يَعزِمَ ألاّ يعود إليها أبداً، فإن تعلَّق بالمعصية حق آدمي وجب عليه مع الثلاثةِ رابعٌ، وهو ردُ الظلامةِ إلى صاحبها، أو تحصيل البراءةِ منها، وقد تقدمَ بيانُ هذا. [رقم: ١٧٥٣] . ١٩٤٢- وإذا تابَ مِنْ ذنبٍ، فينبغي أن يتوبَ من جميع الذنوب؛ فلو اقتصرَ على التوبةِ من ذنبٍ صحَّت توبتهُ منهُ؛ وإذا تابَ من ذنبٍ توبةً صحيحةً كما ذكرنا، ثُم عادَ إِلَيْهِ في وقتٍ، أَثِمَ بالثاني، وَوَجَبَ عليهِ التوبة منهُ، ولم تبطلْ توبتهُ من الأوّل؛ هذا مذهبُ أهل السنّة خلافاً للمعتزلةِ في المسألتين؛ وبالله التوفيقُ.
ي وقتٍ، أَثِمَ بالثاني، وَوَجَبَ عليهِ التوبة منهُ، ولم تبطلْ توبتهُ من الأوّل؛ هذا مذهبُ أهل السنّة خلافاً للمعتزلةِ في المسألتين؛ وبالله التوفيقُ.
بابٌ في ألفاظٍ حُكي عن جماعةٍ من العلماء كراهتُها وليست مكروهة مدخل ... بابٌ في ألفاظٍ حُكي عن جماعةٍ من العلماءِ كراهتُها وليستْ مكروهةً: ١٩٤٣- اعلم أن هذا البابَ مما تدعو الحاجةُ إليه لئلا يغترّ بقولٍ باطلٍ ويعوّل عليه. ١٩٤٤- واعلم أن أحكامَ الشرع الخمسة، وهي: الإِيجابُ، والندبُ، والتحريمُ، والكراهةُ، والإباحةُ؛ لا يثبتُ شيءٌ منها إلا بدليلٍ، وأدلة الشرع معروفةٌ، فما لا دليلَ عليه لا يلتفتُ إليه، ولا يحتاجُ إلى جوابٍ؛ لأنه ليس بحجةٍ، ولا يُشتغل بجوابهِ؛ ومع هذا فقد تبرعَ العلماءُ ﵏، في مثل هذا بذكرٍ دليلٍ على إبطالهِ، ومقصودي بهذه المقدمةِ أنّ ما ذكرتُ أن قائلاً كرههُ، ثم قلتُ: ليس مكروهاً، أو هذا باطلٌ، أو نحو ذلك، فلا حاجةً إلى دليل على إبطاله، وإن ذكرتهُ كنتُ متبرّعاً به، وإنما عقدتُ هذا الباب لأُبيِّن الخطأَ فيه من الصواب، لئلا يُغترّ بجلالةِ مَن يضافُ إليه هذا القولُ الباطل. ١٩٤٥- واعلم أني لا أُسَمِّي القائلين بكراهةِ هذه الألفاظ لئلا تسقطَ جلالتُهم ويساءُ الظنّ بهم، وليس الغرض القدح فيهم، وإنما المطلوب التحذير من أقوال باطلةٍ نُقلت عنهم، سواءٌ أصحّتْ عنهم، أم لم تصحّ، فإن صحَّتْ لم تقدحْ في جلالتهم كما عرف، وقد أضيفُ بعضُها لغرضِ صحيحٍ: بأن يكونَ ما قالهُ مُحتملاً، فينظر غيري فيه، فلعلّ نظرهُ يخالفُ نظري، فيعتضدهُ نظرهُ بقولِ هذا الإمامِ السابقِ إلى هذا الحكمِ، وبالله التوفيقُ. ١٩٤٦- فمن ذلك ما حكاهُ الإمامُ أبو جعفرٍ النحاسُ في كتابهِ: "شرح أسماء الله تعالى سبحانهُ" عن بعض العلماءِ أنه كره أن يُقال: تصدّق الله عليكَ، قال: لأن المتصدّقَ يرجُو الثواب. قلتُ: هذا الحكم خطأ صريحٌ، وجهلٌ قبيحٌ، والاستدلال أشدُ فساداً. ١٩٤٧- وقد ثبت في "صحيح مسلم" [رقم: ٦٨٦] ، عن رسول الله ﷺ، أنه قال في قصرِ الصلاةِ: "صدقةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فاقْبَلُوا صدقتهُ".
٥٧٣- فصل صحة قول: اللَّهمّ أعتقني مِنَ النَّار: ١٩٤٨- وَمَنْ ذلك ما حكاهُ النحاسُ أيضاً، عن هذا القائل المتقدم ذكرهُ، أنه كره أن يُقال: اللَّهمّ أعتقني منَ النَّارِ، قال: لأنه لا يعتقُ إلا مَن يطلب الثواب. قلتُ: وهذه الدعوى والاستدلال من أقبح الخطأ، وأرذل الجهالة بأحكام الشرع، ولو ذهبتُ أتتبعُ الأحاديثَ الصحيحة المصرِّحة بإعتاق الله تعالى مَن شاءَ من خلقهِ لطال الكتابُ طولاً مُمِلًّا. ١٩٤٩- وذلك كحديث: $"مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً أعتقَ اللَّهُ تَعالى بكُل عضوٍ منها عضوًا مِنَ النَّارِ" [البخاري، رقم: ٦٧١٥؛ مسلم، رقم: ١٥٠٩] . ١٩٥٠- وحديث: "ما مِنْ يَوْمٍ أكْثَرُ أنْ يُعْتِقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ عَبْداً مِنَ النّارِ مِنْ يومِ عَرَفة" [مسلم، رقم: ١٣٤٨] .
٥٧٤- فصل [صحة قول: افعل على اسم الله] : ١٩٥١- ومن ذلك قولُ بعضهم: يكرهُ أن يقولَ: افعلْ كذا على اسم الله؛ لأن اسمهُ سبحانه على كلِّ شيءٍ. قال القاضي عياضُ ﵀ وغيرهُ: هذا القول غلط. ١٩٥٢- فقد ثبتت الأحاديث الصحيحية أن النبي ﷺ قال لأصحابه في الأضحية: "اذْبَحُوا على اسْمِ الله" [مسلم، رقم: ١٩٦٠] أي: قائلين: باسم الله.
٥٧٥- فصل [صحة قول: جمعَ الله بيننا في مستقرٌ رحمتهِ، وصحة قول: ارحمنا برحمتك] : ١٩٥٣- ومن ذلك ما رواهُ النحاسُ، عن أبي بكرٍ محمدِ بن يحيى -قال: وكان من الفقهاء الأدباء العُلماء، قال: لا تقُل: جمعَ اللهُ بيننا في مستقرٌ رحمتهِ، فرحمةُ اللهِ أوسعُ من أن يكونَ لها قرارٌ، قال: ولا تقُل: ارحمنا برحمتك. قُلتُ: لا نعلمُ لما قالهُ في اللفظين حجة، ولا دليلَ له فيما ذكرهُ، فإن مرادَ القائل بـ "مستقر الرحمةِ": الجنةُ، ومعناهُ: جمعَ الله بيننا في الجنة التي هي دارُ القرار، ودارُ المقامةِ، ومحل الاستقرارِ، وإنما يدخلها الداخلون برحمة اللَّهَ تَعالى، ثُمَّ من دخلَها استقرَّ فيها أبداً، وأمِنَ الحوادث والأكدار، وإنما حصل له ذلك برحمةِ الله تعالى، فكأنه يقولُ: اجمع بيننا في مستقرٍّ ننالُهُ برحمتك.
ثُمَّ من دخلَها استقرَّ فيها أبداً، وأمِنَ الحوادث والأكدار، وإنما حصل له ذلك برحمةِ الله تعالى، فكأنه يقولُ: اجمع بيننا في مستقرٍّ ننالُهُ برحمتك.
٥٧٦- فصل [صحة قول: اللهمَّ أجِرْنا من النار، وصحة قول: اللهمْ ارزقنا شفاعةَ النبيّ ﷺ] : ١٩٥٤- روى النحاسُ عن أبي بكرِ المتقدمِ، أنه قال: لا يقُل: اللهمَّ أجِرْنا من النارِ، ولا يقُل: اللهمْ ارزقنا شفاعةَ النبي ﷺ، فإنما يشفعُ لمنِ استوجبَ النار. قلتُ: هذا خطأ فاحشٌ، وجهالةٌ بَيِّنةٌ، ولولا خوفُ الاغترار بهذا الغلط وكونه قد ذكرَ في كتبٍ مصنفةٍ لما تجاسرتُ على حكايته، فكم من حديثٍ في الصحيحِ جاء في ترغيب المؤمنين الكاملين بوعدهم شفاعة النبي ﷺ. ١٩٥٥- لقوله ﷺ: "مَنْ قالَ مثْلَ ما يقولُ المُؤَذِّنُ حلَّت لَهُ شَفاعَتِي" [أخرج نحوه مسلم، رقم: ٣٨٤] وغير ذلك. ١٩٥٦- ولقد أحسن الإمامُ الحافظُ الفقيهُ أبو الفضل عياضٌ
-﵀ في قوله: قد عُرف بالنقل المستفيض سؤالُ السلفِ الصالح ﵃ شفاعةَ نبيًا ﷺ، ورغبتهم فيها، قال: وعلى هذا لا يُلتفت إلى كراهةِ مَن كرهَ ذلك؛ لكونها لا تكونُ إلا للمذنبين، لأنهُ ثبتَ في الأحاديث في [صحيح مسلم رقم: ٢٢٠] وغيره؛ إثباتُ الشفاعةِ لأقوامٍ في دخولهمُ الجنة بغيرِ حسابٍ، ولقومٍ في زيادةِ درجاتهم في الجَنَّةِ. قال: ثمّ كل عاقلٍ معترفٌ بالتقصير، مُحتاجٌ إلى العفوِ، مشفقٌ من كونهِ من الهالكينَ، ويلزمُ هذا القائلَ ألا يدعوَ بالمغفرةِ والرحمةِ، لأنهما لأصحاب الذنوب؛ وكلُّ هذا خلافُ ما عُرفَ من دعاءِ السلفِ والخلفِ.
٥٧٧- فصل [لا أصل لإنكار قول: توكلت على ربي الرب الكريم] : ١٩٥٧- ومن ذلك ما حكاهُ النحَّاسُ عن هذا المذكور، قال: لا تقُل: توكّلتُ على ربي الربّ الكريم، وقل: توكلتُ على ربي الكريم. قلتُ: لا أصلَ لما قال.
م] : ١٩٥٧- ومن ذلك ما حكاهُ النحَّاسُ عن هذا المذكور، قال: لا تقُل: توكّلتُ على ربي الربّ الكريم، وقل: توكلتُ على ربي الكريم. قلتُ: لا أصلَ لما قال.
٥٧٨- فصل [أن لا كراهةٌ في تسميةِ الطوافِ شوطًا] : ١٩٥٨- ومن ذلك ما حُكي عن جماعة من العلماء أنهم كرهوا أن يسمَّى الطوافُ بالبيت شوطاً أو دوراً، قالوا: بل يقالُ للمرةِ الواحدةِ طوافةٌ، وللمرتين طوفتان، وللثلاث طوفاتٌ، وللسبع طوافٌ. قلتُ: وهذا الذي قالوه لا نعلمُ له أصلاً، ولعلَّهم كرهوه لكونه من ألفاظ الجاهلية، والصوابُ المختار أنه لا كراهةَ فيه. ١٩٥٩- فقد روينا في صحيحي البخاري رقم: ١٦٠٢، ومسلم رقم: ١٢٦٦؛ عن ابن عباسٍ ﵄ قال: أمرهم رسولُ الله ﷺ أن يرملوا ثلاثةَ أشواطٍ، ولم يمنعهُ أن يأمرهُمَ أن يرملُوا الأشواطَ كلَّها إلا الإبقاء عليهم.
٥٧٩- فصل [في حكم استعمال اسم رمضان مجردًا من كلمة شهر] : ١٩٦٠- ومن ذلك: صُمنا رمضانَ، وجاءَ رمضانُ، وما أشبهَ ذلك؛ إذا أُريد به الشهرُ. واختلف في كراهته؛ فقال جماعةٌ من المتقدمين: يكرهُ أن يُقالَ رمضانُ من غيرِ إضافة إلى الشهر، رُوي ذلك عن الحسنِ البصري ومجاهدٍ. قال البيهقي: الطريقُ إليهما ضعيفٌ. ومذهبُ أصحابنا أنه يكرهُ أن يقالَ: جاءَ رمضانُ، ودخلَ رمضانُ، وحضرَ رمضانُ، وما أشبه ذلك مما لا قرينة فيه تدلّ على أن المرادَ الشهرُ، ولا يكرهُ إذا ذُكر معه قرينةٌ تدلُ على الشهر، كقولهِ: صمتُ رمضانَ، وقمتُ رمضانَ، ويجبُ صومِ رمضانَ، وحضرَ رمضانُ الشهر المبارك، وشِبْهُ ذلك. هكذا قالهُ أصحابنا، ونقلهُ الإِمامان: أقضى القضاة أبو الحسنِ الماوردي في كتابهِ الحاوي، وأبو نصرٍ ابن الصباغ في كتابه الشامل عن أصحابنا، وكذا نقلهُ غيرُهما من أصحابنا عن الأصحاب مُطلقًا.
أقضى القضاة أبو الحسنِ الماوردي في كتابهِ الحاوي، وأبو نصرٍ ابن الصباغ في كتابه الشامل عن أصحابنا، وكذا نقلهُ غيرُهما من أصحابنا عن الأصحاب مُطلقًا. ١٩٦١- واحتجُّوا بحديث رويناه في سنن البيهقي ٢٠١/٤، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تَقُولُوا رَمَضَانُ، فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ". وهذا الحديثُ ضعيفٌ ضعَّفهُ البيهقيُ، والضعف عليه ظاهرٌ، ولم يذكرْ أحدٌ رمضانَ في أسماء الله تعالى مع كثرةِ مَنْ صُنِّفَ فيها. والصوابُ والله أعلمُ: ما ذهب إليه الإِمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه ٣٠- كتاب الصوم ٥
-باب هل يقالُ رمضانُ أو شهر رمضانَ، ومن رأى كله واسعًا] ، وغير واحدٍ من العلماءِ المحققينَ أنه لا كراهةَ مطلقاً كيفما قال؛ لأن الكراهةَ لا تثبتُ إلا بالشرع، ولم يثبتُ في كراهته شيءٌ، بل ثبتَ في الأحاديث جوازُ ذلك، والأحاديث فيه من الصحيحين وغيرهما أكثر من أن تُحصر. ١٩٦٢- ولو تفرَّغت لجمع ذلك رجوتُ أن يبلغ أحاديثهُ مئاتين١، لكن الغرضَ يحصلُ بحديث واحدٍ، ويكفي من ذلك كله ما رويناهُ في صحيحي البخاري رقم: ١٨٩٨، ومسلم رقم: ١٠٧٩؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقضتْ أبوابُ النَّارِ، وصُفِّدَتِ الشَّيَاطين". وفي بعض روايات الصحيحين في هذا الحديث: "إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ". وفي رواية لمسلم رقم: ١٠٧٩: "إذَا كانََ رَمَضَان". ١٩٦٣- وفي الصحيح [البخاري ١١٢/٤] تعليقًا: "لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ". ١٩٦٤- وفي الصحيح [البخاري، رقم: ٨؛ مسلم، رقم: ١٦؛ متن الأربعين النووية، رقم: ٣] : "بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ" منها: "صوم رمضان" وأشباهُ هذا كثيرةٌ معروفةٌ. سيرد برقم: ٢٠٧٦.
٥٨٠- فصل [حكم تسمية السور] : ١٩٦٥- ومن ذلك ما نُقل عن بعض المتقدمين أنه يكرهُ أن يقولَ: سورة البقرة، وسورة الدخان، والعنكبوت، والروم، والأحزاب، وشبه ذلك؛ قالوا: وإنما يقالُ: السورةُ التي يذكرُ فيها البقرةُ، والسورةُ التي يذكرُ فيها النساءُ، وشبهُ ذلك. [راجع رقم: ٦٢٠ السابق، و"التبيان في آداب حَمَلة القرآن"، رقم: ٤٣٤] قلتُ: وهذا خطأ مخالف للسُّنَّة. فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك فيما لا يُحصى من المواضعِ؛ كقولهِ ﷺ: ١٩٦٦- الآيَتانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مَنْ قَرأهُما في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ" وهذا الحديث في الصحيحين [البخاري، رقم: ٥٠٤٠؛ مسلم، رقم: ٨٠٧] ومرَّ برقم: ٤٩٦ وأشباههُ كثيرةٌ لا تنحصر.
بَقَرَةِ، مَنْ قَرأهُما في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ" وهذا الحديث في الصحيحين [البخاري، رقم: ٥٠٤٠؛ مسلم، رقم: ٨٠٧] ومرَّ برقم: ٤٩٦ وأشباههُ كثيرةٌ لا تنحصر.
٥٨١- فصلُ [في صحة القولِ: يقولُ اللَّهُ تَعالى] : ١٩٦٧- ومن ذلك ما جاء عن مطرفٍ ﵀، أنه كره أن يقول: إنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ في كتابهِ؛ قال, وإنما يقالُ: إن الله تعالى قال. كأنه كره ذلك لكونه لفظاً مضارعاً، ومقتضاهُ الحالُ، أو الاستقبالُ، وقول الله تعالى هُو كلامهُ، وهُو قديمٌ. قلتُ: وهذا ليس بمقبولٍ، وقد ثبتَ في الأحاديث الصحيحة استعمالُ ذلك من جهاتٍ كثيرةٍ، وقد نبهتُ على ذلك في شرح صحيح مسلمٍ, وفي كتاب آداب القرّاء [التبيان في آداب حملة القرآن] قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] . ١٩٦٨-[وفي صحيح مسلمٍ رقم: ٢٦٨٧] ، عن أبي ذرّ، قال: قال النبيّ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ ﷿: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ " [الأنعام: ١٦٠] . ١٩٦٩-[وفي صحيح البخاري رقم: ٤٥٥٤] في تفسير: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [٣آل عمران: ٩٢] ، قال أبو طلحة: يا رسول الله! إن الله تعالى يقولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] .
َ﴾ [٣آل عمران: ٩٢] ، قال أبو طلحة: يا رسول الله! إن الله تعالى يقولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] .
كتاب جامع الدّعوات مدخل ... كتاب جامع الدّعوات: ٥٨٢- جامع الدعوات ١٩٧٠- اعلم أن غرضنا بهذا الكتاب ذكرُ دعواتٍ مهمَّةٍ مستحبَّةٍ في جميع الأوقات، غير مختصّة بوقتٍ أو حال مخصوصٍ. واعلم أن هذا البابَ واسعٍ جداً، لا يمكنُ استقصاؤهُ، ولا الإِحاطة بمعشارهِ، لكني أشيرُ إلى أهمّ المهمّ من عيونه. ١٩٧١- فأولُ ذلك الدعواتُ المذكوراتُ في القرآن, التي أخبرَ الله ﷾ بها عن الأنبياء -صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم، وعن الأخيار، وهي كثيرةٌ معروفةٌ؛ ومن ذلك ما صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه فعلهُ أو علمهُ غيرهُ؛ وهذا القسم كثيرٌ جداً، تقدّم جملٌ منهُ في الأبوابِ السابقةِ، وأنا أذكرُ منهُ هُنا جُملًا صحيحةً تضمَّ إلى أدعية القرآن وما سبق؛ وبالله التوفيق. ١٩٧٢- روينا بالأسانيد الصحيحة، في سنن أبي داود [رقم: ١٤٧٩] ، والترمذي [رقم: ٢٩٦٩ و٣٢٤٧] ، والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف [رقم: ١١٦٤٣] ، وابن ماجه [رقم: ٣٨٢٨] عن النعمانِ بن بشيرٍ ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الدعاءُ هُوَ العبادةُ". قال الترمذي: حديث حسن صحيحٌ.
ا في تحفة الأشراف [رقم: ١١٦٤٣] ، وابن ماجه [رقم: ٣٨٢٨] عن النعمانِ بن بشيرٍ ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الدعاءُ هُوَ العبادةُ". قال الترمذي: حديث حسن صحيحٌ.
١٩٧٣- وروينا في سنن أبي داود [رقم: ١٤٨٢] بإسناد جيدٍ، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يَستحبّ الجوامعَ من الدعاء، ويدعُ ما سوى ذلك. ١٩٧٤- وروينا في كتاب١ الترمذي [رقم: ٣٣٧٠] ، وابن ماجه [رقم: ٣٨٢٩] ؛ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ شيءٌ أكرمَ على اللهِ تَعالى مِنَ الدُعاءِ". ١٩٧٥- ورويناهُ في كتاب الترمذي [رقم: ٣٣٨٢] ، عن أبي هريرةَ, قال رسول الله ﷺ: "مَنْ سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ فَلْيُكْثِرِ الدعاءَ في الرَّخاءِ". ١٩٧٦- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٣٨٩] ، ومسلم [رقم: ٢٦٩٠] ؛ عن أنسٍ ﵁ قالَ: كان أكثرُ دُعاءِ النبيّ ﷺ: "اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حسنة، وفي الآخرةِ حسنة، وقنا عذابَ النار ". [مرَّ برقم: ١٣٦] . زاد مسلمٌ في روايته، قال: وكان أنسٌ إذا أرادَ أن يدعوَ بدعوةٍ دعا بها، فإذا أرادَ أن يدعُو بدُعاءٍ دعا بها فيه. ١٩٧٧- وروينا في [صحيح مسلم ٢٧٢١] ، عن ابن مسعودٍ ﵁، أن النبي ﷺ كان يقولُ: "اللهم إني أسألُكَ الهُدَى والتُّقَى والعفاف والغنى". [وتقدَّم برقم: ٣٩١] . ١٩٧٨- وروينا في [صحيح مسلم ٣٤/٢٦٩٧] ، عن طارق بن أشيم الأشجعي الصحابي ﵁ قال: كان الرجل إذا أسلمَ علَّمهُ النبيُّ ﷺ الصلاةَ، ثم أمرهُ أن يدعوَ بهذه الكلمات: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَارْحَمْنِي وَاهْدِني وعافني وارزقني".
وفي روايةٍ أخرى لمسلم [رقم: ٣٦/٢٦٩٧] عن طارقٍ، أنه سمع النبيّ ﷺ، وأتاهُ رجلُ، فقال: يا رسول الله! كيف أقولُ حين أسألُ ربِّي؟ قال: "قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَارْحَمْني وَعافني وَارْزُقْني، فإنَّ هَؤُلاءِ تجمعُ لَكَ دُنياك وآخِرَتَكَ". ١٩٧٩- وروينا فيه [رقم: ٢٦٥٤] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "اللَّهُمَّ يا مصرِّفَ القُلُوبِ صرِّف قُلُوبَنا على طاعَتِكَ". ١٩٨٠- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٦١٦] ، ومسلم [رقم: ٢٧٠٧] ؛ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِنْ جهدِ البلاءِ، ودركِ الشقاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ". وفي رواية عن سفيان، أنه قال: في الحديث ثلاثٌ، وردتُ أنا واحدة لا أدري أيتهُن ... وفي روايةٍ: قال سفيانُ: أشكُ أني زدتُ واحدة منها. ١٩٨١- وروينا في صحيحهما البخاري، [رقم: ٦٣٦٧] ؛ مسلم [رقم: ٢٧٠٦] ؛ عن أنسٍ ﵁، قالَ: كان رسولُ الله ﷺ يقولُ: "اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك مِنَ العجزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ والهرمِ والبُخلِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَماتِ". وفي رواية أخرجها البخاري، [رقم: ٦٣٦٧] ؛ الترمذي [رقم: ٣٤٨٠] : "وضَلَعُ الدَّيْنِ، وغَلَبَة الرّجالِ". قلتُ: ضَلَعُ الدَّيْن: شدتهُ وثقلُ حملهِ؛ والمحيا والممات: الحياة والموت. ١٩٨٢- وروينا في صحيحيهما البخاري [رقم: ٨٣٤] ؛ مسلم [رقم: ٢٧٠٥] ؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكرٍ الصديق



