— Bagian 7 · ني: البخاري: أصحُّ الروايات في حديث: "اللَّهُمَّ… —
Bagian 7
ني: البخاري: أصحُّ الروايات في حديث: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا" رواية أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه. قال البخاري: وأصحُّ شيء في الباب
حديثُ عوف بن مالك. ووقع في رواية أبي داود [رقم: ٣٢٠١] : "فأحْيِهِ على الإِيمَانِ، وتوفه على الإِسْلامِ" والمشهور في معظم كتب الحديث: "فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَتَوَفَّهُ على الإِيمَانِ" كما قدمناهُ. ٨٢٥- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣١٩٩] وابن ماجه [رقم: ١٤٩٧] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "إذا صَلَّيْتُمْ على المَيِّتِ فأخْلِصُوا لَهُ الدُّعاءَ". ٨٢٦- وروينا في سنن أبي داود [رقم: ٣٢٠٠] ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، في الصلاة على الجنازة: "اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا، وأنْتَ خَلَقْتَها، وأنْتَ هَدَيْتَهَا للإِسْلام، وأنْتَ قَبَضْتَ رُوحَها، وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرّها وعلانيتها، جئناك شُفَعاءَ، فاغْفِرْ لَهُ". ٨٢٧- وروينا في سنن أبي داود [رقم: ٣٢٠٢] وابن ماجه [رقم: ١٤٩٩] ، عن واثلةَ بن الأسقع ﵁، قال: صلى بنا رسولُ الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: "اللَّهُمَّ! إنَّ فلان بن فلانةٍ فِي ذِمَّتِكَ، وحبل جوارك، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْر وَعَذَاب النَّارِ، وأنْتَ أهْلُ الوَفاءِ وَالحَمْدِ؛ اللَّهُمَّ فاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرحيم". ٨٢٨- واختبار الإِمام الشافعي ﵀ دعاءً التقطه من مجموعة هذه الأحاديث وغيرها١، فقال: يقول: "اللَّهُمَّ هذا عبدك وابن عبدك، خرج من
تَ الغَفُورُ الرحيم". ٨٢٨- واختبار الإِمام الشافعي ﵀ دعاءً التقطه من مجموعة هذه الأحاديث وغيرها١، فقال: يقول: "اللَّهُمَّ هذا عبدك وابن عبدك، خرج من
رَوْحِ الدُّنْيا وَسَعَتِها، ومَحْبُوبُهُ وأحِبَّاؤُهُ فيها، إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ ومَا هُوَ لاقيهِ، وكان يَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وأنْتَ أعْلَمُ به؛ اللهم نَزَلَ بِكَ وأنْتَ خيرٌ مَنْزُولٍ به، وأصْبَحَ فَقيراً إلى رَحْمَتِكَ وأنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ رَاغِبِينَ إليك، شُفَعَاءَ لَهُ؛ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِناً فَزِدْ في إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئاً فَتَجاوَزْ عَنْهُ، وَلَقِّه بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَهُ، وافسخ لَهُ في قَبْرِهِ، وَجافِ الأرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ
الأمْنَ مِنْ عَذَابِكَ حتَّى تَبْعَثَهُ إلى جَنَّتِكَ، يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". هذا نصّ الشافعي في "مختصر المزني" [١/ ١٨٣] رحمهما الله. ٨٢٩- قال أصحابنا: فإن كان الميتُ طفلاً دعا لأبوبه، فقال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَهُما فَرَطاً، واجْعَلْهُ لَهُما سَلَفاً، واجْعَلْهُ لَهُما ذُخْراً، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُما، وأفرغ الصَّبْرَ على قُلوبِهِما، وَلا تَفْتِنْهُما بعدهُ، وَلا تَحْرِمْهُما أجْرَهُ. هذا لفظ ما ذكره أبو عبد الله أحمد بن سليمان البصري الزبيري من أصحابنا في كتابه الكافي، وقاله الباقون بمعناه، وبنحوه قالوا. ويقول معهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا،.... إلى آخره. قال الزبيري: فإن كانتْ امرأةً، قال: اللَّهُمَّ هَذِهِ أَمَتُكَ، ... ثم ينسقُ الكلام؛ والله أعلمُ. ٨٣٠- وأما التكبيرة الرابعة، فلا يجبُ بعدها ذكرٌ بالاتفاق، ولكن يُستحبّ أن يقول ما نصّ عليه الشافعي ﵀ في "كتاب البويطي"، قال: يقول في الرابعة: اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنا أجرهُ، وَلا تَفْتِنّا بَعْدَهُ. قال أبو عليّ ابن أبي هريرة من أصحابنا: كان المتقدمون يقولون في الرابعة: رَبَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عَذَابَ النَّارِ.
بَعْدَهُ. قال أبو عليّ ابن أبي هريرة من أصحابنا: كان المتقدمون يقولون في الرابعة: رَبَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عَذَابَ النَّارِ. قال: وليس ذلك بمحكيّ عن الشافعي، فإنه فعله كان حسناً. قُلتُ: يكفي في حسنه ما قد قدّمناه في حديث أنس في باب دعاء الكرب [برقم: ٦٦٦] ؛ والله أعلم. ٨٣١- قلتُ: ويُحتجّ للدعاء في الرابعة بما رويناه في السنن الكبير [٤/ ٤٢] للبيهقي، عن عبد الله ابن أبي أوفى ﵄، أنه كبّر على جنازة ابنة له أربع تكبيراتٍ، فقام بعد الرابعة كقدرِ ما بين التكبيرتين،
يستغفر لها ويدعو، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا. وفي رواية: كبَّرَ أربعاً، فمكثَ ساعةً حتى ظننا أنه سيكبّر خمساً، ثم سلَّم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف، قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصنع، أو قال: هكذا صنعَ رسولُ الله ﷺ. قال الحاكم أبو عبد الله [١/ ٣٦٠] : هذا حديثٌ صحيحٌ. ٢٠٩- فصل في حكم السلام في صلاة الجنازة وحكم المسبوق: ٨٣٢- وإذا فرغَ من التكبيرات وأذكارها، سلَّمَ تسليمتين كسائر الصلوات، لما ذكرناه من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وحكمُ السلام على ما ذكرناه في التسليم في سائر الصلوات، [الباب، رقم: ١٠١] ، هذا هو المذهب الصحيح المختار، ولنا فيه هنا خلافٌ ضعيفٌ تركته لعدم الحاجة إليه في هذا الكتاب. ٨٣٣- ولو جاء مسبوقٌ، فأدرك الإِمامَ في بعض الصلاة، أحرمَ معه في الحال، وقرأ الفاتحة، ثم ما بعدها على ترتيب نفسه، ولا يُوافق الإِمام فيما يقرؤه، فإن كبَّرَ، ثم كبَّرَ الإِمامُ التكبيرة الأخرى قبل أن يتمكن المأموم من الذكر، سقطَ عنه كما تسقط القراءةُ عن المسبوق في سائر الصلوات؛ وإذا سلَّمَ الإِمامُ، وقد بقي على المسبوق في الجنازة بعضُ التكبيرات لزمه أن يأتي بها مع أذكرها على الترتيب، هذا هو المذهبُ الصحيح المشهور عندنا. ولنا قولٌ ضعيفٌ: إنه يأتي بالتكبيرات البقايات متواليات بغير ذكرٍ؛ والله أعلم.
ن يأتي بها مع أذكرها على الترتيب، هذا هو المذهبُ الصحيح المشهور عندنا. ولنا قولٌ ضعيفٌ: إنه يأتي بالتكبيرات البقايات متواليات بغير ذكرٍ؛ والله أعلم.
بابُ ما يقولُه الماشي مع الجَنَازة: ٨٣٤- يُستحبّ له أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى، والفكر فيما يلقاهُ الميتُ، وما يكونُ مصيرهُ، وحاصلُ ما كان فيه، وأن هذا آخرُ الدنيا، ومصيرُ أهلها؛ وليحذرْ كلَّ الحذرِ من الحديث بما لا فائدةَ فيه، فإن هذا وقتُ فِكر وذكر يقبح فيه الغفلةُ واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلامَ بما لا فائدة فيه منهيٌّ عنهُ في جميع الأحوال، فكيف في هذا الحال. ٨٣٥- واعلم أن الصوابَ المختارَ ما كان عليه السلفُ ﵃: السكوتُ في حال السير مع الجنازة، فلا يُرفع صوتٌ بقراءة، ولا ذكر، ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة؛ وهي أنهُ أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوبُ في هذا الحال. فهذا هو الحقّ، ولا تغترَّنَّ بكثرة من يُخالفه، فقد قال أبو عليّ الفُضَيْل بن عِياض ﵁ ما معناه: الزمْ طرقَ الهدَى، ولا يضرُّكَ قلّةُ السالكين، وإياك وطريق الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين [مر برقم: ٦٠٠، وسيرد برقم: ١٣٦٢] . وقد روينا في سنن البيهقي [٤/ ٧٤] ما يقتضي ما قلته. ٨٣٦- وأما ما يفعله الجهلةُ من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه، وغلظ تحريمه، وفسق من تمكّن من إنكاره فلم ينكره في كتاب "آداب القرّاء" ["التبيان"، رقم: ٢٦٤] والله المستعان، وبه التوفيق.
بابُ ما يقولُه مَنْ مرَّتْ به جنازة أو رآها: ٨٣٧- يُستحبّ أن يقول: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذي لاَ يَمُوتُ. وقال القاضي الإمام أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه "البحر": يُستحبّ أن يدعوَ ويقول: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الحَيُّ الَّذي لاَ يَمُوتُ، فيستحبّ أن يدعوَ لها، ويثني عليها بالخير إن كانت أهلاً للثناء، ولا يجازفُ في ثنائه.
يدعوَ ويقول: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الحَيُّ الَّذي لاَ يَمُوتُ، فيستحبّ أن يدعوَ لها، ويثني عليها بالخير إن كانت أهلاً للثناء، ولا يجازفُ في ثنائه.
بابُ ما يقولُه مَن يُدْخِلْ الميّتَ قبرَه: ٨٣٨- روينا في سنن أبي داود [رقم: ٣٢١٣] ، والترمذي [رقم: ١٠٤٦] ، والبيهقي [٤/ ٥٥] وغيرها، عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر، قال: "بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلى سُنَّة رَسُولِ الله ﷺ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. قال الشافعي والأصحاب ﵏: يُستحب أن يدعو للميت مع هذا. ["الأم" ١/ ٢٤٦] . ٨٣٩- ومن أحسن الدعاء ما نصّ عليه الشافعي ﵀ في "مختصر المزني" [١/ ١٨٥] ، قال: يقول الذين يدخلونه القبر: [بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلى ملّةِ رسولِ الله ﷺ] ، اللهم سلمه١ إليك الأشِحاء من ولده وأهله وَقَرابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيا وَالحَياةِ إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ وأنْتَ خيرُ مَنْزُولٍ بِهِ، إنْ عاقَبْتَهُ فبذنبه٢، وإنْ عَفَوتَ عَنْهُ فأنْتَ أهْلُ العَفْوِ، أنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إلى رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ اشكر حسناته، واغفر سيئاته٣، وأعذهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَاجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِكَ الأمْنَ منْ عَذَابِكَ، واكْفِهِ كل هولٍ دُونَ الجَنَّةِ، اللَّهُمَّ اخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الغابِرِينَ، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعْدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ، يا أرْحَمَ الراحمين. ["البيان" ٣/ ١٠٥] .
بابُ ما يقولُه بعدَ الدَّفْن: ٨٤٠- السُّنَّة لمن كان على القبر أن يحثي في القبر ثلاث حثيات بيديه جميعاً من قِبل رأسه. قال جماعةٌ من أصحابنا: يُستحبّ أن يقول في الحثية الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ، وفي الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة طه: ٥٦] . ٨٤١- ويُستحبّ أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعة قدر ما يُنحر جزور ويقسم لحمها [مسلم، رقم: ١٢١] ، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن، والدعاء للميت، والوعظ، وحكايات أهل الخير، وأحوال الصالحين. ٨٤٢- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: ١٣٦٢] ، ومسلم [رقم: ٢٦٤٧] ؛ عن علي ﵁، قال: كنّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسولُ الله ﷺ، فقعدَ وقعدنا حولَه، ومعه مخصرةٌ، فنكسَ، وجعلَ ينكتُ بمحصرته، ثم قال: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ إِلاَّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ" فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: "اعلموا! فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". وذكر تمام الحديث. ٨٤٣- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٢١] ، عن عمرو بن العاص ﵁، قال: إذا دفنتموني أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى أستأنسَ بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسُل ربي. ٨٤٤- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٢٢١] والبيهقي [٤/ ٥٦] ، بإسناد حسنٍ، عن عثمان ﵁، قال: كان النبي إذا فرغَ من دفن الميت وقفَ عليه، فقال: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فإنَّهُ الآنَ يُسْألُ". ٨٤٥- قال الشافعي والأصحاب: يُستحب أن يقرؤوا عنده شيئاً من القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآن كلَّه كان حسناً. ["الجموع" ٥/ ٢٩٤؛ وفيه
هُ الآنَ يُسْألُ". ٨٤٥- قال الشافعي والأصحاب: يُستحب أن يقرؤوا عنده شيئاً من القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآن كلَّه كان حسناً. ["الجموع" ٥/ ٢٩٤؛ وفيه
أن هذا قول الأصحاب، وفي رياض الصالحين، رقم: ٩٤٧ أن هذا قول الشافعي] . ٨٤٦- وروينا في "سنن البيهقي" [٤/ ٥٦] بإسناد حسن، أن ابن عمر استحبَّ أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوّل سورة البقرة وخاتمتها. ٢١٤- فصل [في تلقين الميت] : ٨٤٧- وأما تلقينُ الميّت بعد الدفن، فقد قال جماعة كثيرون من أصحابنا استحبابه، وممّن نصَّ على استحبابه: القاضي حسين في "تعليقه"، وصاحبه أبو سعد المتولي في كتابه التتمة، والشيخ الإِمام الزاهد أبو الفتح، نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، والإِمام أبو القاسم الرافعي وغيرهم، ونقله القضاي حسين عن الأصحاب. وأما لفظه، فقال الشيخ نصر: إذا فرغ من دفنه يقف عند رأسه، ويقولُ: يا فلانُ بن فلانٍ، اذكر العهد الذي خرجتَ عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَن في القبور، قُل: رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيّاً، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إماماً، وبالمسلمين إخواناً، ربّي الله لا إِلهَ إِلا هو، وهو رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ. هذا لفظ الشيخ نصر المقدسي في كتابه "التهذيب" ولفظ الباقين بنحوه، وفي لفظ بعضهم نقص عنه، ثم منهم مَن يقول: يا عبد الله ابن أمة الله، ومنهم مَن يقول: يا عبد الله ابن حوّاء، ومنهم من يقول: يا فلان -باسمه- ابن أمة الله، أو يا فلانُ ابن حوّاء، وكله بمعنى. ٨٤٨- وسُئل الشَّيخ الإِمام أبو عمرو ابن الصلاح ﵀، عن هذا التلقين، فقال في "فتاويه" [١/ ٢٦١] : التلقين هو الذي نختاره، ونعمل به، وذكره جماعة من أصحابنا الخراسانيين، قال: وقد روينا فيه حديثاً من حديث أبي أمامة
ليس بالقائم إسناده١، ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام به قديماً. قال: وأما تلقين الطفل الرضيع فما له مُستند يعتمدُ، ولا نراهُ، والله أعلمُ. قلتُ: الصوابُ أنه لا يلقنُ الصغيرُ مُطلقًا، سواءٌ كانَ رضيعاً، أو أكبر منه ما لم يبلغ ويَصِر مكلفاً؛ والله أعلم.
تند يعتمدُ، ولا نراهُ، والله أعلمُ. قلتُ: الصوابُ أنه لا يلقنُ الصغيرُ مُطلقًا، سواءٌ كانَ رضيعاً، أو أكبر منه ما لم يبلغ ويَصِر مكلفاً؛ والله أعلم.
بابُ وصيّةِ الميّتِ أنّ يُصلِّيَ عليه إنسانٌ بعينه أو أن يُدفن على صفة مخصوصية وفي مَوْضعٍ مَخصوص، وكذلك الكفنُ وغيرُه من أمورِه التي تُفعل والتي لا تفعل ... بابُ وصيّةِ الميّتِ أنّ يُصلي عليه إنسانٌ بعينه أو أن يُدفن على صفةٍ مخصوصةٍ وفي مَوْضعٍ مَخصوص، وكذلك الكفنُ وغيرُه من أمورِه التي تُفعل والتي لا تُفعل: ٨٤٩- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٨٧] ، عن عائشة ﵂، قالت: دخلت على أبي بكر ﵁ -يعني: وهو مريض- فقال: في كم كفّنتم النبيّ ﷺ؟ فقلت: في ثلاثة أثوابٍ، قال: في أيّ يوم تُوفي رسول الله ﷺ؟ قالت: يوم الاثنين، قال: فأيّ يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه،
به رَدْع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفِّنوني فيها، قلتُ: إن هذا خلقٌ، قال: إن الحيّ أحقُ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة؛ فلم يتوفّ حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودُفن قَبْلَ أنْ يُصبحَ. قلت: قولها: "رَدْع"، بفتح الراء، وإسكان الدال، وبالعين المهملات؛ وهو: الأثر. وقوله: "للمهلة"، روي بضم الميم وفتحها وكسرها، ثلاث لغات، والهاء ساكنةٌ؛ وهو: الصديد الذي يتحلل من من بدن الميت. ٨٥٠- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٩٢] ، أن عمر بن الخطاب ﵁، قال لما جُرح: إذا أنا قُبِضتُ فاحملوني، ثم سلموا، وقولوا: يستأذنُ عمرُ، فإن أذنتْ لي -يعني عائشةَ- فأدخلوني، وإن ردّتني فردّوني إلى مقابر المُسْلِمِينَ. ٨٥١- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٩٦٦] ، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص، قال: قال سعد: الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليَّ اللبنَ نصباً كما صُنع برسول الله ﷺ. ٨٥٢- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٢١] ، عن عمرو بن العاص ﵁، أنه قال، وهو في سياقة الموت: إذا أنا متّ فلا تصحبني نائحةٌ، ولا نارٌ، فإذا دفنتموني فشنّوا عليَّ التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنسَ بكم، وأنظر ماذا أراجع به رُسُل ربي. قلت: قوله: "شنوا"، روي بالسين المهملة وبالمعجمة، ومعناهُ: صبوهُ قليلاً قليلاً. وروينا في هذا المعنى حديث حذيفة المتقدم [رقم: ٨٠٧] في باب جاوز إعلام أصحاب الميت بموته، وغير ذلك من الأحاديث، وفيما ذكرناه كفايةٌ، وبالله التوفيق.
. وروينا في هذا المعنى حديث حذيفة المتقدم [رقم: ٨٠٧] في باب جاوز إعلام أصحاب الميت بموته، وغير ذلك من الأحاديث، وفيما ذكرناه كفايةٌ، وبالله التوفيق.
٨٥٣- قلتُ: وينبغي ألا يقلد الميتُ، ويتابع في كلّ ما وصَّى به، بل يعرضُ ذلك على أهل العلم، فما أباحوهُ فُعل، وما لا فلا. وأنا أذكرُ من ذلك أمثلة: ٨٥٤- فإذا أوصى بأن يدفن في موضع من مقابر بلدته، وذلك الموضع معدنُ الأخيار، فينبغي أن يُحافظ على وصيته. ٨٥٥- وإذا أوصى بأن يصلِّي عليه أجنبي، فهل يُقَدَّم في الصلاة على أقارب الميت؟ فيه خلافٌ للعلماء، والصحيح في مذهبنا أن القريب أولى، لكن إذا كان الموصَى له ممّن يُنسب إلى الصلاح، أو البراعة في العلم مع الصيانة والذكر الحسن، استحبّ للقريب الذي ليس هو في مثل حاله إيثاره رعاية لحقّ الميت. ٨٥٦- وإذا أوصى بأن يُدفن في تابوت لم تنقذ وصيته إلا أن تكون الأرض رخوة، أو نديّة يحتاجُ فيها إليه، فتُنفذ وصيّته فيه، ويكون من رأس المال، كالكفن. ٨٥٧- وإذا أوصى بأن يُنقل إلى بلد آخر لا تنفّذ وصيّته، فإن النقلّ حرامٌ على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرّح به المحققون، وقيل: مكروه. قال الشافعي ﵀: إلا أن يكون بقرب مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس، فيُنقل إليها لبركتها. ٨٥٨- وإذا أوصى بأن يُدفَن تحته مِضربة أو مخدة تحتَ رأسه، أو نحو ذلك لم تُنفذ وصيّته. ٨٥٩- وكذا إذا أوصى بأن يُكفن في حرير، فإن تكفينَ الرجال في الحرير حرامٌ، وتكفينُ النساء فيه مكروهٌ وليس بحرامٍ، والخنثى في هذا كالرجل. ٨٦٠- ولو أوصى بأن يُكفن فيما زاد على عدد الكفن المشروع، أو في ثوب لا يَستر البدن لا تنفذ وصيّته. ٨٦١- ولو أوصى بأن يُقرأ عند قبره، أو يُتصدّق عنه، وغير ذلك من أنواع القرب، نفذت وصيته إلا أن يقترن بها ما يمنع الشرع منها بسببه. ٨٦٢- ولو أوصى بأن تُؤَخَّرَ جنازته زائداً على المشروع لم تنفذ. ٨٦٣- ولو أوصى بأن يُبنى عليه في مقبرة مسبلةٍ للمسلمين لم تنفّذ وصيته، بل ذلك حرامٌ؛ والله أعلم.
وصى بأن تُؤَخَّرَ جنازته زائداً على المشروع لم تنفذ. ٨٦٣- ولو أوصى بأن يُبنى عليه في مقبرة مسبلةٍ للمسلمين لم تنفّذ وصيته، بل ذلك حرامٌ؛ والله أعلم.
بابُ ما ينفعُ الميّتَ من قَوْل غيره: ٨٦٤- أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم، ويَصلُهم ثوابه. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها. ٨٦٥- وبالأحاديث المشهورة، كقوله ﷺ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بقيع الغرقد" [أخرجه مسلم، رقم: ٩٧٤، وسيرد برقم: ٨٧٣] . ٨٦٦- وكقوله ﷺ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لحينا وميتنا" [رواه الترمذي، رقم، ١٠٢٤؛ والنسائي، رقم: ١٩٨٦ ومر برقم: ٨٢٤] وغير ذلك. ٨٦٧- واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصلُ. وذهب أحمل بن حنبل وجماعةٌ من العلماء وجماعةٌ من أصحاب الشافعي إلى أنه يَصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهمّ أوصلْ ثوابَ ما قرأته إلى فلانٍ؛ والله أعلم. ويُستحبّ الثناء على الميت وذكر محسانه. ٨٦٨- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: ١٣٦٧] ومسلم [رقم: ٩٤٩] ، عن أنس ﵁، قال: مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبيّ ﷺ: "وَجَبَتْ" ثم مرّوا بأخرى أثنوا عليها شرّاً، فقال: "وَجَبَتْ"،
فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: "هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرَاً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّاً فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ؛ أنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّه في الأرْضِ". ٨٦٩- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٦٨] ، عن أبي الأسود، قال: قدمتُ المدينةَ، فجلستُ إلى عمرَ بن الخطاب ﵁، فمرّتْ بهم جنازةٌ، فأُثني على صاحبها خيرًا، فقال عمرُ: وجبتْ؛ ثم مُرّ بأخرى، فأُثني على صاحبها خيرًا، فقال عمرُ: وجبتْ؛ ثم مُرّ بالثالثة، فأُثني على صاحبها شرًّا، فقالَ عمرُ: وجبتْ. قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أميرَ المؤمنين؟ قال: قلتُ كما قال النبيّ ﷺ: "أيُّمَا مسلمٌ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وَثَلاَثَةٌ"، فقلنا: واثنان، قال: "وَاثْنانِ" ثم لم نسأله عن الواحد. والأحاديث بنحو ما ذكرنا كثيرةٌ؛ والله أعلمُ.
بابُ النهي عن سب الأموات بغير حق ومصلحة شرعية: ٨٧٠- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٩٣] ، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا تَسُبُّوا الأمْوَاتَ فإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا". ٨٧١- وروينا في سنن أبي داود [رقم: ٤٩٠٠] ، والترمذي [رقم: ١٠١٩] بإسناد ضعيف ضعَّفه الترمذي، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم". [مر برقم: ٨١٣] .
٠٠] ، والترمذي [رقم: ١٠١٩] بإسناد ضعيف ضعَّفه الترمذي، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم". [مر برقم: ٨١٣] .
٨٧٢- قلتُ: قال العلماءُ: يَحرم سبُّ الميت المسلمَ الذي ليس معلناً بفسقه. وأما الكافرُ، والمُعلِنُ بفسقه من المسلمين، ففيه خلاف للسلف، وجاءت فيه نصوص متقابلة، وحاصلُه أنه ثبت في النهي عن سبّ الأموات ما ذكرناهُ في هذا الباب. وجاء في الترخيص في سبّ الأشرار أشياء كثيرةٌ، منها: ما قصَّه الله تعالى علينا في كتابه العزيز، وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته؛ ومنها: أحاديثُ كثيرة في الصحيح، كالحديث الذي ذكر فيه رسول الله ﷺ عمروَ بن لحيّ [البخاري، رقم: ٤٦٢٤؛ مسلم، رقم: ٢٨٥٦] وقصة أبي رِغال، [أبو داود، رقم: ٣٠٨٨، وراجع رقم: ١٥٢٨ التالي] والذي كان يسرقُ الحاجَّ بمحجنه١، وقصة ابن جُدْعان [مسلم، رقم: ٢١٤] وغيرهم، ومنها الحديث الصحيح الذي قدّمناه [رقم: ٨٦٨] لَمَّا مرّت جنازة فأثنوا عليها شرّاً، فلم ينكر عليهم النبيّ ﷺ، بل قال: "وجبتْ". واختلف العلماءُ في الجمع بين هذه النصوص على أقوال: أصحُّها وأظهرُها أن أمواتَ الكفاء يجوز ذكر مساويهم؛ وأما أمواتُ المسلمين المعلنين بفسق، أو بدعةٍ، أو نحوهما، فيجوز ذكرُهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه للتحذير من حالهم، والتنفيذ من قبول ما قالوه، والاقتداء بهم فيما فعلوه، وإن لم تكن حاجةٌ لم يجزْ؛ وعلى هذا التفصيل تُنَزَّلُ هذه النصوص، وقد أجمعَ العلماءُ على جرح المجروح من الرواة، والله أعلمُ.
الاقتداء بهم فيما فعلوه، وإن لم تكن حاجةٌ لم يجزْ؛ وعلى هذا التفصيل تُنَزَّلُ هذه النصوص، وقد أجمعَ العلماءُ على جرح المجروح من الرواة، والله أعلمُ.
بابُ ما يقولُه زائرُ القبور: ٨٧٣- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٩٧٤] ، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ كلّمَا كان ليلتُها من رسول الله ﷺ يخرجُ من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وَأتاكُمْ ما تُوعدُون، غَداً مُؤَجَّلُونَ، وَإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحقُونَ؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ". [مر برقم: ٨٦٥] . ٨٧٤- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٩٧٤] ، عن عائشة ﵂ أيضاً، أنها قالت: كيف أقولُ يا رسولَ الله؟ -تعني: في زيارة القبور- قال: "قُولي: السَّلامُ على أهْلِ الدّيارِ مِنَ المُؤْمنينَ وَالمُسْلمينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ المستقدمين منّا والمستأخرين، إنا إن شاء الله بكم لاحقون". ٨٧٥- وروينا بالأسانيد الصحيحة في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٢٣٧] ، والنسائي [رقم: ٢٠٣٧] ، وابن ماجه [رقم: ٤٣٠٦] ؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى المقبرة، فقال: "السلامُ عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
٤٣٠٦] ؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى المقبرة، فقال: "السلامُ عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
٨٧٦- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٠٥٣] ، عن ابن عباس ﵄، قال: مرّ رسول الله ﷺ بقبور المدينة١، فأقبلَ عليهم بوجهه، فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنا وَلَكُمْ، أنْتُمْ سَلَفُنا وَنَحْنُ بالأثَرِ" قال الترمذي: حديثٌ حسن. ٨٧٧- وروينا في "صحيح مسلم" ﵀ [رقم: ٩٧٥] ، عن بريدة ﵁، قال: كان النبي ﷺ يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدّيارِ مِنَ المؤْمِنِينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ، أسألُ اللَّهُ لَنَا ولَكُمُ العافيَةَ". ٨٧٨- ورويناه في "كتاب النسائي" [رقم: ٢٠٤٠] وابن ماجه [رقم: ١٥٤٧] هكذا، وزاد بعد قوله: "للاحقون": "أنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ". ٨٧٩- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٥٩٦] ، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ أتي البقيعَ، فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دار قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أنْتُمْ لَنا فَرَطٌ، وإنَّا بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَهُمْ، وَلا تُضِلَّنا بَعْدَهُمْ". ٨٨٠- ويُستحب للزائر الإِكثار من قراءة القرآن والذكر والدعاء لأهل تلك المقبرة وسائر الموتى والمسلمين أجميع. ٨٨١- ويُستحبّ الإِكثار من الزيارة، وأن يكثرَ الوقوفَ عند قبور أهل الخير والفضل.
بابُ نهي الزائر مَنْ رآه يبكي جزعاً عند قبر وأمرِه إِيَّاه بالصبرِ ونهيِهِ أيضاً عن غير مما نهى الشرعُ عنه ... ٢١٩- بابُ نهي الزائر مَنْ رآه يبكي جزعاً عند قبر وأمرِه إِيَّاه بالصبرِ ونهيِهِ أيضاً عن غير ذلك مما نهى الشرعُ عنه: ٨٨٢- روينا في صحيحي البخاري [رقم: ١٢٥٢] ومسلم [رقم: ٨٢٦] ، عن أنس ﵁، قال: مرّ النبيُّ ﷺ بامرأةٍ تبكي عند قبرٍ، فقال: "اتَّقي اللَّهَ وَاصْبِرِي". ٨٨٣- وروينا في سنن أبي داود [رقم: ٣٢٣٠] ، والنسائي [رقم: ٢٠٤٨] ، وابن ماجه [رقم: ١٥٦٨] بإسناد حسن، عن بَشير بن معبد المعروف بابن الخَصَاصِيَة ﵁، قال: بينما أنا أُماشي النبيَّ ﷺ نظرَ، فإذا رجلٌ يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: "يا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ! ألْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ" وذكر تمام الحديث [راجع رقم: ٨١٤؛ وسيرد رقم ١٤٩٣] . قلت: السِّبتية: النعل التي لا شعرَ عليها، وهي بكسر السين المهملة وإسكان الباء الموحدة. ٨٨٤- وقد أجمعت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودلائله في الكتاب والسنّة مشهورةٌ؛ والله أعلمُ.
بابُ البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين وبمصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك ... ٢٢٠- باب بالبكاء والخوف عند المرور بقبول الظالمين وبمصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك: ٨٨٥- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: ٤٣٣] ؛ ومسلم، [رقم: ٢٩٨٠] ، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يعني: لما وصلوا الْحِجر: ديارَ ثمود: "لا تَدْخُلُوا على هَؤُلاءِ المُعَذَّبينَ إِلاَّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فإنْ لَمْ تَكُونُوا باكينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصيبكم ما أصابهم".
لا تَدْخُلُوا على هَؤُلاءِ المُعَذَّبينَ إِلاَّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فإنْ لَمْ تَكُونُوا باكينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصيبكم ما أصابهم".
كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة: بابُ الأذكارِ المستحبّةِ يومَ الجمعة وليلتها والدُّعاء: ٨٨٦- يُستحبّ أن يُكثر في يومها وليلتها من قراءة القرآن، والأذكار والدعوات، والصلاة على رسول الله ﷺ، ويقرأ سورة الكهف في يومها. قال الشافعي ﵀ في كتاب "الأُم" [١/ ٢٠٨] : وأستحبُّ قراءتَها أيضاً في ليلة الجمعة. ["التبيان"، رقم: ٤٥٨ و٤٥٩] . ٨٨٧- روينا في صحيحي البخاري [رقم: ٩٣٥] ومسلم [رقم: ٨٥٢] ، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﵌ ذكرَ يومَ الجمعة، فقال: "فيهِ ساعةٌ لا يُوافقها عَبْدٌ مسلمٌ، وَهُوَ قائمٌ يُصلي، فيسألُ اللَّهَ تَعالى شَيْئاً إِلاَّ أعطاهُ إيَّاهُ". وأشار بيده يُقللها. قُلتُ: اختلفَ العلماءُ من السلف والخلف في هذه الساعة على أقوال كثيرة منتشرة غاية الانتشار، وقد جمعتُ الأقوالَ المذكورةَ فيها كلها في "شرح المهذّب" [٤/ ٤٢] وبيّنتُ قائلها، وأن كثيراً من الصحابة على أنها بعد العصر. والمراد بقائمٍ يُصلي: من ينتظرُ الصلاة فإنه في صلاةٍ، وأصحّ ما جاء فيها:
المهذّب" [٤/ ٤٢] وبيّنتُ قائلها، وأن كثيراً من الصحابة على أنها بعد العصر. والمراد بقائمٍ يُصلي: من ينتظرُ الصلاة فإنه في صلاةٍ، وأصحّ ما جاء فيها:
٨٨٨- ما رويناه في "صحيح مسلم" [رقم: ٨٥٣] ، عن أبي موسى الأشعري ﵁، أنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "هيَ ما بَيْنَ أنْ يَجْلِس الإِمامُ إلى أن تُقْضَى الصَّلاةَ" يعني: يجلسُ على المنبر. ٨٨٩- أما قراءةُ سورة الكهف، والصلاةُ على رسول الله ﷺ؛ فجاءتْ فيهما أحاديث مشهورةٌ تركتُ نقلَها لطول الكتاب، لكونها مشهورة، وقد سبق جملةٌ منها في بابها [الأرقام: ٤٦٧ و٤٦٩ و٦٣٧، وراجع "التبيان"، الأرقام: ٤٥٨-٤٦٠] . ٨٩٠- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٨٢] ، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "من قال صبيحة يوم الجمعة قبل صَلاةِ الغَدَاةِ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتوب إِلَيْهِ؛ ثَلاثَ مراتٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ". [مر برقم: ٢٢٧ و٤٦٨] . ٨٩١- وروينا فيه [رقم: ٣٧٦] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد يومَ الجمعة أخذ بعضادتي الباب، ثم قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْني أوْجَهَ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وأقْرَبَ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ، وأفْضَلَ مَنْ سألَكَ وَرَغِبَ إِلَيْكَ". ٨٩٢- قلتُ: يُستحب لنا نحن أن نقول: اجْعَلْني مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ، وَمِنْ أقْرَبِ، وَمِنْ أَفْضَلِ، فنزيد لفظة "مِن". ٨٩٣- وأما القراءة المستحبة في صلاة الجمعة، وفي صلاة الصبح يوم الجمعة، فتقدّم بيانها في باب أذكار الصلاة [رقم: ٦٠ وما بعده] . ٨٩٤- وروينا في كتاب ابن السني [رقم: ٣٧٧] ، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ قَرأ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
الْفَلَقِ﴾ [سورة الفَلَقِ] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [سورة النَّاسِ] سَبْعَ مَرَّاتٍ، أعاده اللَّهُ ﷿ بِها مِنَ السُّوءِ إلى الجُمُعَةِ الأُخْرَى". ٢٢٣- فصل [الإكثار من الذكرُ بعد صلاة الجمعة] : ٨٩٥- يُستحبّ الإِكثارُ من ذكر الله تعالى بعد صلاة الجمعة: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] .
باب الأذكار المشروعة في العيدين مدخل ... بابُ الأذْكَارِ المشروعةِ في العِيدين: ٨٩٦- اعلم أنه يُستحبّ إحياء ليلتي العيدين بذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات للحديث الوارد في ذلك: ٨٩٧- "مَنْ أَحْيا لَيْلَتي العِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ القُلُوبُ". ٨٩٨- ورُوي: "مَنْ قَامَ لَيْلَتي العيدين محتسبًا لله١ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حينَ تَمُوتُ القُلُوبُ". هكذا جاء في رواية الشافعي ["الأم" ١/ ٢٣١] وابن ماجه [رقم: ١٧٨٢] وهو حديثٌ ضعيفُ، رويناهُ من رواية أبي أمامة مرفوعاً وموقوفاً، وكلاهما ضعيفُ، لكن أحاديثَ الفضائل يُتسامح فيها كما قدمناه في أول الكتاب. [رقم: ٢٧] . ٨٩٩- واختلف العلماءُ في القدر الذي يَحصل به الإِحياءُ، فالأظهرُ أنه لا يحصل إلا بمعظم الليل، وقيل: يَحصل بساعة.
ما قدمناه في أول الكتاب. [رقم: ٢٧] . ٨٩٩- واختلف العلماءُ في القدر الذي يَحصل به الإِحياءُ، فالأظهرُ أنه لا يحصل إلا بمعظم الليل، وقيل: يَحصل بساعة.
٢٢٥- فصل [استحباب التكبير ليلتي العيدين] : ٩٠٠- ويستحبّ التكبير ليلتي العيدين، ويُستحبّ في عيد الفطر من غروب الشمس إلى أن يُحرم الإِمام بصلاة العيد، ويُستحبّ ذلك خلفَ الصلواتِ وغيرها من الأحوال. ويُكثر منه عند ازدحام الناس، ويُكَبِّر ماشياً وجالساً ومضطجعاً، وفي طريقه، وفي المسجد، وعلى فراشه. وأما عيدُ الأضحى، فيُكَبِّر فيه من بعد صلاة الصبح مِنْ يَوْمِ عَرَفة إلى أن يصليَ العصر من آخر أيام التشريق، ويكبرُ خلفَ هذه العَصْرِ، ثم يقطع، هذا هو الأصحّ الذي عليه العمل، وفيه خلافٌ مشهورٌ في مذهبنا ولغيرنا، ولكن الصحيح ما ذكرناهُ، وقد جاء فيه أحاديث رويناها في "سنن البيهقي" [٣/ ٢٧٨-٢٨٠] ، وقد أوضحتُ ذلك كلَّه من حيث الحديث، ونقل المذهب في "شرح المهذّب" [٣/ ٤٥-٤٨] ، وذكرتُ جميعَ الفروع المتعلقة به، وأنا أشيرُ هنا إلى مقاصده مختصرة. ٩٠١- قال أصحابنا: لفظ التكبير أن يقول: الله أكبر، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، هكذا ثلاثاً متواليات: ويكرّر هذا على حسب إرادته. قال الشافعي والأصحاب: فإن زادَ، فقال: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلَّه كَثِيراً، وَسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلاً، لا إِلهَ إلا الله، ولا نعبدُ إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وعدهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إله إلا الله والله أكبر؛ كانَ حَسَناً. ٩٠٢- وقال جماعة من أصحابنا: لا بأسَ أن يقول ما اعتاده الناسُ، وهو: اللَّهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إله إلا الله، والله أكبر اللَّهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحمدُ.
ل جماعة من أصحابنا: لا بأسَ أن يقول ما اعتاده الناسُ، وهو: اللَّهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إله إلا الله، والله أكبر اللَّهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحمدُ.
٢٢٦- فصل مواضع التكبير: ٩٠٣- اعلم أن التكبير مشروعٌ بعد كلّ صلاة تُصلَّى في أيام التكبير، سواءٌ كانت فريضة، أو نافلة، أو صلاة جنازةٍ، وسواءٌ كانت الفريضةُ مؤدّاة، أو مقضية، أو منذورة، وفي بعض هذا خلافٌ ليس هذا موضع بسطه، ولكن الصحيح ما ذكرته، وعليه الفتوى، وبه العمل؛ ولو كبَّرَ الإِمامُ على خلاف اعتقاد المأموم بأن كان يَرى الإِمامُ التكبيرَ يوم عرفة، أو أيام التشريق، والمأموم لا يراهُ، أو عكسَه، فهل يتابعه، أو يعمل باعتقاد نفسه؟ فيه وجهان لأصحابنا: الأصحُّ يَعمل باعتقاد نفسه؛ لأن القدوة انقطعتْ بالسلام من الصلاة بخلاف ما إذا كبَّر في صلاة العيد زيادة على ما يراهُ المأمومُ، فإنه يُتابعهُ من أجل القُدوة.
٢٢٧- فصل التكبير في صلاة العيد: ٩٠٤- والسُّنّة أن يُكبر في صلاة العيد قبل القراءة تكبيراتٍ زوائد، فيُكَبِّر في الركعة الأولى سبعَ تكبيرات سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية خمسَ تكبيرات سوى تكبيرة الرفع من السجود، ويكونُ التكبيرُ في الأولى بعد دعاء الاستفتاح وقبل التعوّذ، وفي الثانية قبل التعوّذ: ويستحبّ أن يقولَ بين كل تكبيرتين: سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ هكذا قال جمهور أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يقول: لا إِله إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ. ٩٠٥- وقال أبو نصرٍ ابن الصباغ وغيره من أصحابنا: إن قال ما اعتاده الناسُ فحسنٌ، وهو: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيراً، والحمدُ لِلَّه كَثِيراً، وسبحان الله وبحمده بُكْرَةً وأصِيلاً. وكل هذا على التوسعة، ولا حَجْرَ في شيء منه،
ولو ترك جميع هذا الذكر، وترك التكبيرات السبع والخمس، صحَّتْ صلاته، ولا يسجد للسهو، ولكن فاتته الفضيلة؛ ولو نسي التكبيرات حتى افتتح القراءة لم يرجع إلى التكبيرات على القول الصحيح. وللشافعي قول ضعفٌ: أنه يرجعُ إليها. ٩٠٦- وأما الخطبتان في صلاة العيد، فيُستحبّ أن يُكَبِّرَ في افتتاح الأولى تسعاً، وفي الثانية سبعاً. ٩٠٧- وأما القراءة في صلاة العيد، فقد تقدَّم بيانُ ما يُستحبّ أن يقرأ فيها في باب صفة أذكار الصلاة، وهو أنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة ﴿ق﴾ ، وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [أي: سورة القمر] ؛ وإن شاء في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [أي: سورة الأعلى] ، وفي الثانية سورة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [أي: سورة الغاشِيَةِ] .
بابُ الأَذْكارِ في العَشْر الأوّلِ من ذي الحجة ... باب الأذكر في العَشْر الأوّلِ من ذي الحِجّة: ٩٠٨- قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ الآية [الحج: ٢٨] . قال ابن عباس والشافعي والجمهور: هي أيامُ العشر. ٩٠٩- واعلم أنه يُستحبّ الإِكثار من الأذكار في هذا العشر زيادةً على غيره، ويُستحب من ذلك في يوم عَرَفة أكثر من باقي العشر. ٩١٠- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: ٩٦٩] ، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، أنه قال: "ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ مِنْها في هَذِهِ"، قالوا: وَلا الجهادُ فِي سَبيل الله؟ قال: "وَلا الجِهادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطرُ بنَفْسِهِ وَمالِه، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ". هذا لفظ رواية البخاري، وهو صحيح.
ادُ فِي سَبيل الله؟ قال: "وَلا الجِهادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطرُ بنَفْسِهِ وَمالِه، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ". هذا لفظ رواية البخاري، وهو صحيح.
وفي رواية الترمذي [رقم: ٧٥٧] : "ما مِنْ أيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهنَّ أحَبُّ إلى الله تعالى مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ" وفي رواية أبي داود [رقم: ٢٤٣٨] : "مثل هذه"، إلا أنه قال: "مِنْ هَذِهِ الأيَّام" يعني: العشر. ٩١١- ورويناه في "مسند" الإِمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي [٢/ ٢٥] بإسناد الصحيحين، قال فيه: "ما العَمَلُ فِي أيَّامٍ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ في أيام عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ"، قيل: ولا الجهاد؟ وذكر تمامه، وفي رواية [٢/ ٢٦] : "عَشْرِ الأضْحَى". ٩١٢- وروينا في كتاب الترمذي [رقم: ٣٥٨٥] ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ، قال: "خَيْرُ الدُّعاءِ دُعاء يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قديرٌ". ضعَّفَ الترمذي إسنادَه. ٩١٣- ورويناه في "موطأ" الإِمام مالك [رقم: ٥٠٠ و٩٥٥] بإسناد مرسل، وبنقصان في لفظه، ولفظه: "أفْضَلُ الدُّعاءِ دعاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وأفْضَلُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ لَهُ". ٩١٤- وبلغنا عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃، أنه رأى سائلاً يسألُ الناسَ يوم عَرَفَةَ، فقال: يا عاجزُ! في هذا اليوم يُسألُ غيرُ الله ﷿!؟ ٩١٥- وقال البخاري في "صحيحه" [تعليقًا في ١٣ كتاب العيدين: باب رقم: ١٢] : كان عمرُ ﵁ يكبرُ في قُبَّتِهِ بمنى، فيسمعه أهلُ المسجد، فيُكبِّرون ويُكَبِّر أهلُ الأسواق حتى ترتجّ مِنىً تكبيراً. ٩١٦- قال البخاري [في ١٣ كتاب العيدين: باب رقم: ١١] : وكان ابن عمر وأبو هريرة ﵃ يَخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكَبِّران، ويُكَبِّر الناسُ بتكبيرهما.
٦- قال البخاري [في ١٣ كتاب العيدين: باب رقم: ١١] : وكان ابن عمر وأبو هريرة ﵃ يَخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكَبِّران، ويُكَبِّر الناسُ بتكبيرهما.
بابُ الأَذْكارِ المشروعةِ في الكُسُوف: ٩١٧- اعلم أنه يُسنُّ في كسوف الشمس والقمر الإكثار من ذكر الله تعالى، ومن الدعاء. وتُسَنّ الصلاةُ لهُ بإجماع المسلمين. ٩١٨- روينا في "صحيحي" البخاري، [رقم: ١٠٤٤] ، ومسلم [رقم: ٩٠١، ٩٠٢، ٩٠٣] ؛ عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ، لا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لِحياتِهِ، فإذَا رأيْتُمْ ذلكَ، فادْعُوا اللَّهَ تَعالى، وكَبِّرُوا، وَتَصَدَّقُوا". وفي بعض الروايات في صحيحيهما: "فإذَا رأيْتُم ذلكَ فاذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى". وكذلك رويناه [البخاري، رقم، ١٠٥٢؛ مسلم، رقم: ٩٠٧] من رواية ابن عباس. ٩١٩- ورويناه في صحيحيهما [البخاري، رقم: ١٠٥٩؛ ومسلم، رقم: ٩١٢] من رواية أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ: "فإذّا رأيْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذلك فافْزَعُوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره". ٩٢٠- وَرَويناه في صحيحيهما [عند البخاري، رقم: ١٠٦٠؛ ومسلم، رقم: ٩١٥] من رواية المغيرة بن شعبة: "فإذَا رأيْتُموها فادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا".
وكذلك رواه البخاري [رقم: ١٠٤٠] من رواية أبي بكرة أيضاً؛ والله أعلمُ. ٩٢١- وفي صحيح مسلم [رقم: ٩١٣] ، من رواية عبد الرحمن بن سمرة، قال: أتيتُ النبي ﷺ وقد كُسفت الشمسُ، وهو قائمٌ في الصلاة رافعٌ يديه، فجعلَ يُسَبِّحُ ويُهَلِّلُ ويُكَبِّر ويحمَد ويدعو حتى حُسِرَ عنها، فلما حُسر عنها قرأ سورتين، وصلَّى ركعتين. قُلت: "حُر" بضم الحاء، وكسر السين المهملتين، أي: كشف وجلي. ٢٣٠- فصلُ [تطويل القراءة في صلاة الكسوف] : ويُستحبّ إطالة القراءة في صلاة الكسوف، فيقرأ في القومة الأولى نحو سورة البقرة، وفي الثانية نحو مائتي آية، وفي الثالثة نحو مائة وخمسين آية، وفي الرابعة نحو مائة آية، ويسبحُ في الركوع الأوّل بقدر مائة آية، وفي الثاني سبعين، وفي الثالث كذلك، وفي الرابع خمسين؛ ويُطوِّل السجود كنحو الركوع، والسجدة الأولى نحو الركوع الأول، والثانية نحو الركوع الثاني، هذا هو الصحيح. وفيه خلافٌ معروفٌ للعلماء، ولا تَشُكَّنَّ فيما ذكرته من استحباب تطويل السجود، لكن المشهور في أكثر كتب أصحابنا أنه لا يُطوَّل، فإن ذلك السجود غلط وضعيف، بل الصواب تطويله، وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ﷺ من طرق كثيرةٍ، وقد أوضحته بدلائله وشواهده في "شرح المهذب" [٤/ ٥١-٥٥] وأشرتُ هنا إلى ما ذكرت لئلا تغترّ بخلافه. وقد نصّ الشافعي ﵀ في مواضع على استحباب تطويله [انظر "الأم" ١/ ٢٤٥] ؛ والله أعلمُ.
"شرح المهذب" [٤/ ٥١-٥٥] وأشرتُ هنا إلى ما ذكرت لئلا تغترّ بخلافه. وقد نصّ الشافعي ﵀ في مواضع على استحباب تطويله [انظر "الأم" ١/ ٢٤٥] ؛ والله أعلمُ.
٩٢٣- قال أصحابنا: ولا يُطَوِّلُ الجلوسَ بين السجدتين، بل يأتي به على العادة في غيرها، وهذا الذي قالوه فيه نظرٌ، فقد ثبت في حديثٍ صحيح إطالتهُ، وقد ذكرتُ ذلك واضحاً في "شرح المهذب" [٤/ ٥١-٥٥] فالاختيار استحباب إطالته، ولا يُطَوِّلُ الاعتدالَ عن الركوع الثاني، ولا التشهّد وجلوسه؛ والله أعلمُ. ٩٢٤- ولو ترك هذا التطويل كلهُ، واقتصر على الفاتحة صحَّت صلاتهُ، ويُستحبّ أن يقول في كل رفع من الركوع: سمع الله لمن حمدهُ، ربّنا لك الحمد؛ فقد روينا ذلك في الصحيح [البخاري، رقم: ١٠٦٥] . ويُسنّ الجهر بالقراءة في كسوف القمر، ويُستحبّ الإِسرار في كسوف الشمس، ثم بعد الصلاة يخطب خطبتين يُخوِّفهم فيهما بالله تعالى، ويَحثّهم على طاعة الله تعالى، وعلى الصدقة والإِعتاق، فقد صحّ ذلك في الأحاديث المشهورة، ويَحثّهم أيضاً على شكرِ نعمِ الله تعالى، ويحذّرهم الغفلة والاغترار؛ والله أعلمُ. ٩٢٥- روينافي "صحيح البخاري" [رقم: ١٠٥٤] وغيره، عن أسماء ﵂، قالت: لقد أمرَ رسولُ الله ﷺ بالعَتَاقة في كسوف الشمس، والله أعلمُ.
٢٣١- بابُ الأذْكَار في الاسْتسقَاءِ: ٩٢٦- يُستحب الإكثارُ فيه من الدعاء والذكر والاستغفار بخضوع وتذلل، والدعوات المذكورة فيه مشهورةٌ، منها: اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيْثاً مُغِيثاً هَنِيئاً مَرِيئاً١ غدقًا مجللاً سحًا عامّاً طَبَقاً دَائِماً؛ اللَّهُمَّ على الظِّرَابِ ومنابت
يه مشهورةٌ، منها: اللَّهُمَّ اسْقِنا غَيْثاً مُغِيثاً هَنِيئاً مَرِيئاً١ غدقًا مجللاً سحًا عامّاً طَبَقاً دَائِماً؛ اللَّهُمَّ على الظِّرَابِ ومنابت
الشَّجَرِ، وَبُطُونِ الأوْدِيَةِ؛ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفّاراً، فأرْسلِ السَّماءَ عَلَيْنا مِدْرَاراً؛ اللَّهُمَّ اسْقِنا الغيث ولا تجعلنا مِنَ القَانِطِينَ؛ اللَّهُمَّ أنْبِتْ لَنا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنا الضَّرْعَ، وَاسْقِنا مِنْ بَرَكاتِ السَّماءِ، وأنْبِتْ لَنا مِنْ بَرَكاتِ الأرْضِ؛ اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الجَهْدَ وَالجُوعَ والعُرْيَ، واكْشِفْ عَنَّا مِنَ البَلاءِ ما لا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ. ٩٢٧- ويُستحبّ إذا كان فيهم رجلٌ مشهورٌ بالصلاح أن يستسقوا به، فيقولوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِي وَنَتَشَفَّعُ إِلَيْكَ بعبدك فُلانٍ. ٩٢٨- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٠١٠] ، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قُحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللَّهمّ إنّا كنّا نتوسلُ إليك بنبيّنا ﷺ فتسقينا، وإنّا نتوسلُ إليك بعمّ نبيّنا ﷺ، فاسقنا؛ فيُسقون. ٩٢٩- وجاء الاستسقاء بأهل الصلاح عن معاوية وغيره. ٩٣٠- والمستحبّ أن يقرأُ في صلاة الاستسقاء ما يقرأ في صلاة العيد، وقد بيناه [راجع رقم: ٩٠٧ و٢٧٢] ؛ ويكبرُ في افتتاح الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسَ تكبيرات كصلاة العيد، وكل الفروع والمسائل التي ذكرتها في تكبيرات العيد السبع والخمس يجيءُ مثلها هنا، ثم يخطبُ خطبتين يكثرُ فيهما من الاستغفار والدعاء. ٩٣١- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ١١٦٩] بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: أَتَتِ النبيّ ﷺ بَوَاكٍ، فقال: "اللَّهُمَّ اسْقِنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا نافعاً غَيْرَ ضارٌ، عاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ"؛ فأطْبَقَتْ علَيْهِمُ السَّماءُ. ٩٣٢- وروينا فيه [رقم: ١١٧٦] بإسناد صحيح، عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: "اللَّهُمَّ اسْقِ عِبادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وأحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ". ٩٣٣- وروينا في فيه [رقم: ١١٧٦] بإسناد صحيح، قال أبو داود في آخره: هذا إسنادٌ جيدٌ؛ عن عائشة ﵂، قالت: شكا الناسُ إلى رسول الله ﷺ قحوطَ المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناسَ يوماً يخرجون فيه، فخرجَ رسولُ الله ﵌ حين بَدَا حاجبُ الشمس، فقعدَ على المنبر ﷺ، فكبَّرَ وحَمِد الله ﷿، ثم قال: "إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيارِكُمْ، وَاسْتِئْخارَ المَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمانِه عَنْكُمْ، وَقَدْ أمَرَكُمُ اللَّهُ ﷾ أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ"، ثم قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدَّينِ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْت الغَنِيُّ، وَنَحْنُ الفُقَراءُ، أنْزِلْ عَلَيْنا الغَيْثَ، وَاجْعَلْ ما أنْزَلْتَ لَنا قُوَّةً وَبَلاغاً إلى حِينٍ". ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياضُ إبطيه؛ ثم حوّل إلى الناس ظهرَه، وقَلبَ، أو حَوّل رداءَه، وهو رافعٌ يديه، ثم أقبلَ على الناس، ونزلَ فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه ﷿ سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله. تعالى، فلم يأتِ مسجدَه حتى سالت السيولُ، فلما رأى سرعتَهم إلى الكِنِّ ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: "أشْهَدُ أنَّ اللَّهُ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". قلتُ: "إبّان الشيء": وقته، وهو بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحدة. و"قحوط المطر" بضم القاف والحاء: احتباسه. والجدب بإسكان الدال المهملة: ضد الخصب. وقوله: ثم أمطرت هكذا هو بالألف، وهما لغتان: مطرت، وأمطرت، ولا التفات إلى مَن قال: لا يُقال: أمطر،
ء: احتباسه. والجدب بإسكان الدال المهملة: ضد الخصب. وقوله: ثم أمطرت هكذا هو بالألف، وهما لغتان: مطرت، وأمطرت، ولا التفات إلى مَن قال: لا يُقال: أمطر،
بالألف إلا في العذاب. وقوله: "بدتْ نواجذه" أي: ظهرت أنيابه، وهي بالذال المعجمة. واعلم أن في هذا الحديث التصريح بأن الخطبة قبل الصلاة، وكذلك هو مصرّح به في صحيحي البخاري ومسلم، وهذا محمولٌ على الجواز، والمشهور في كتب الفقه لأصحابنا وغيرهم أنه يُستحبّ تقديمُ الصلاة على الخطبة لأحاديث أُخر، أن رسو الله ﷺ قدَّمَ الصلاةَ على الخطبة؛ والله أعلمُ. ٩٣٥- ويُستحبّ الجمع في الدعاء بين الجهر والإِسرار، ورفع الأيدي فيه رفعاً بليغاً. ٩٣٦- قال الشافعي ﵀ في "الأُم" [١/ ٢٥٠-٢٥١] : وليكن من دعائهم: اللَّهُمَّ أمَرْتَنا بِدُعائِكَ، وَوَعَدْتَنا إِجابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْناكَ كما أمَرْتَنا، فأجِبْنا كما وَعَدْتَنا؛ اللَّهُمَّ امْنُنْ عَلَيْنا بِمَغْفِرَةِ ما قارَفْنا، وإِجابَتِكَ في سُقْيانا وَسَعَةِ رِزْقِنا؛ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويُصلِّي على النبي ﷺ، ويقرأ آيةً، أو آيتين ويقولُ الإمامُ: أستغفرُ الله لي ولكم. وينبغي أن يدعوَ بدعاءِ الكرب [المتقدم بالباب رقم: ١٦١] ، وبالدعاء الآخر: "اللَّهُمَّ [ربنا] آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" وغير ذلك من الدعوات التي ذكرناها في الأحاديث الصحيحة. ٩٣٧- قال الشافعي في "الأم" [١/ ٢٥٠] : يخطبُ الإِمامُ في الاستسقاء خطبتين كما يخطبُ في صلاةِ العيد، يكبرُ الله تعالى فيهما، ويحمدهُ، ويُصلي على النبي ﷺ، ويكثرُ فيهما الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه، ويقول كثيراً: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [سورة نوح: ١٠] . ٩٣٨- ثم رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن استسقى، فكان أكثر دعائه الاستغفار. ٩٣٩- قال الشافعي [في "الأمّ" ١/ ٢٥٠، ٢٥١] : ويكون أكثر دعائه الاستغفار، يبدأ به دعاءَه، ويفصلُ به بين كلامه، ويختم به، ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطع الكلام، ويحثّ الناس على التوبة والطاعة والتقرّب إلى الله تعالى.
ستغفار، يبدأ به دعاءَه، ويفصلُ به بين كلامه، ويختم به، ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطع الكلام، ويحثّ الناس على التوبة والطاعة والتقرّب إلى الله تعالى.
بابُ ما يقولُه إذا هَاجَتِ الرِّيح: ٩٤٠- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٨٩٩] ، عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللَّهُمَّ إِني أسألُكَ خَيْرَها وَخَيْرَ ما فِيها، وَخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ ما فيها، وَشَرّ ما أُرسِلَتْ بِهِ". ٩٤١- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٠٩٧] ، وابن ماجه [رقم: ٣٧٣٧] ؛ بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللِّهِ تَعالى، تأتي بالرَّحْمَةِ، وَتأتِي بالعَذَابِ، فإذا رأيْتُمُوها فَلا تَسُبُّوها، وسلوا خَيْرَها، وَاسْتَعِيذُوا باللَّهِ مِنْ شَرّها". قلتُ: قوله ﷺ: "مِنْ رَوْحِ الله" هو بفتح الراء، قال العلماءُ: أي: من رحمة الله بعباده. ٩٤٢- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٠٩٩] ، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف، [رقم: ١٦١٤٦] ، وابن ماجه [رقم: ٣٨٨٩] ؛ عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا رأى ناشئاً في
أفُق السماء، تركَ العملَ، وإن كان في صلاة، ثم يقول: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها" فإن مُطِرَ قال: "اللَّهُمَّ صيِّبًا هَنِيئاً". قلتُ: ناشئاً بهمز آخره، أي: سحاباً لم يتكامل اجتماعه. والصيِّب بكسر الياء المثناة تحت المشددة، وهو: المطرُ الكثيرُ، وقيل: المطرُ الذي يجري ماؤه، وهو منصوب بفعل محذوف، أي: أسألك صيّباً، أو اجعله صيّباً. ٩٤٣- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٢٥٢] وغيره، عن أُبيّ بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تَسُبُّوا الرّيحَ، فإنْ رأيْتُمْ ما تَكْرَهُونَ فَقُولوا: اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرّيحِ وخَيْرِ ما فِيها، وَخَيْرِ ما أُمرت بِهِ؛ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الرّيحِ، وَشَرّ ما فِيهَا، وَشَرّ ما أُمِرَتْ بِهِ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عائشة ﵂، وأبي هريرة، وعثمان ابن أبي العاص، وأنسٍ، وابن عباسٍ، وجابر. ٩٤٤- وروينا بالإِسناد الصحيح في "كتاب ابن السني" [رقم: ٣٠٠] ، عن سلمة بن الأكوع ﵁، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتدّتِ الريحُ يقولُ: "اللَّهُمَّ لَقْحاً لا عَقِيماً". قلتُ: لَقْحَاً أي: حاملاً للماء، كاللقحة من الإِبل. والعقيم: التي لا ماء فيها، كالعقيم من الحيوان، لا ولد فيها. ٩٤٥- وروينا فيه [رقم: ٢٨٥] ، عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله ﵃؛ عن رسول الله ﷺ، قال: "إذا وقعتْ كبيرةٌ، أو
فيها، كالعقيم من الحيوان، لا ولد فيها. ٩٤٥- وروينا فيه [رقم: ٢٨٥] ، عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله ﵃؛ عن رسول الله ﷺ، قال: "إذا وقعتْ كبيرةٌ، أو
هاجتْ ريحٌ عظيمةٌ، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلو العَجَاجَ الأسْوَدَ". ٩٤٦- وروى الإِمام الشافعيُّ ﵀ في كتابه "الأُمّ" [١/ ٢٥٣] بإسناده، عن ابن عباس ﵄، قال: ما هبَّت الريح إلاّ جثا النبي ﷺ على ركبتيه، وقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً وَلا تَجْعَلْها عَذَاباً، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحاً، وَلا تَجْعَلْها رِيحاً". ٩٤٧- قال ابن عباس: والله إن تفسير ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] و ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] . ٩٤٨- وذكر الشافعي ﵀ [في "الأم" ١/ ٢٥٣] حديثاً منقطعاً عن رجل، أنه شكا إلى النبي ﷺ الفقرَ، فقال رسول الله ﷺ: "لَعَلَّكَ تَسُبُّ الرّيحَ". ٩٤٩- قال الشافعي ﵀ [في "الأُم" ١/ ٢٥٣] : لا ينبغي لأحدٍ أن يسبَّ الرياحَ، فإنها خلقٌ لله تعالى ميطعٌ، وجندٌ من أجنادهِ، يجعلُها رحمةً ونقمةً إذا شاء.
بابُ ما يقولُ إذا انقضّ الكَوْكَب: ٩٥٠- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٦٥٨] ، عن ابن مسعود ﵁، قال: أمرنا ألا نُتبع أبصارَنا الكوكبَ إذا انقضّ، وأن نقولَ عند ذلك: ما شَاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إِلاَّ بالله؛ والله أعلمُ.
بابُ تركِ الإِشارةِ والنَّظرِ إلى الكَوْكَبِ والبَرْق: فيه الحديث المتقدم [رقم: ٩٥٠] في الباب قبلَه: ٩٥١- وروى الشافعي ﵀ في "الأم" [١/ ٢٥٣] بإسناده، عن من لا يتّهم، عن عروة بن الزبير ﵄، قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يُشِرْ إليه، وليصفْ ولينعتْ ["المراسيل" لأبي داود، [رقم: ٥٢٩، وسنن البيهقي ٣/ ٣٦٢] . قال الشافعي: ولم تزل العرب تكرهه.
رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يُشِرْ إليه، وليصفْ ولينعتْ ["المراسيل" لأبي داود، [رقم: ٥٢٩، وسنن البيهقي ٣/ ٣٦٢] . قال الشافعي: ولم تزل العرب تكرهه.
بابُ ما يقولُ إذا سمعَ الرَّعْدَ: ٩٥٢- روينا في كتاب الترمذي [رقم: ٣٤٥٠] بإسناد ضعيف، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع صوتَ الرعد والصَّواعق قال: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بِعَذَابِكَ، وَعافِنا قَبْلَ ذلكَ". ٩٥٣- وروينا بالإِسناد الصحيح في "الموطأ" [٢/ ٩٩٢] ، عن عبد الله بن الزبير ﵄، أنه كان إذا سمع الرعدَ تركَ الحديثَ وقال: "سُبْحانَ الَّذي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ". ٩٥٤- وروى الإِمام الشافعي ﵀ [في "الأُمّ" ١/ ٢٥٣] بإسناده الصحيح، عن طاوس الإِمام التابعي الجليل ﵁، أنه كان يقول إذا سمع الرعد: سبحانَ مَنْ سَبَّحَتْ له. قال الشافعي: كأنه يذهب إلى قول الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣] . ٩٥٥- وذكروا عن ابن عباس ﵄، قال: كنّا مع عمر ﵁ في سفر، فأصابنا رعدٌ وبرقٌ وبردٌ، فقال لنا كعبُ: مَن قال حين يسمع الرعد: سُبْحَانَ مَنْ يسبحُ الرعدُ بحمدهِ، وَالمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ؛ ثلاثاً، عُوفي مِنْ ذلكَ الرعد، فقلنا فعوفينا ["الدعاء" للطبراني، رقم: ٩٨٥] .
بابُ ما يقولُ إذا نزلَ المطرُ: ٩٥٦- روينا في "صحيح البخاري" رقم: ١٠٣٢، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر، قال: "اللَّهُمَّ صيبًا نافعًا". ورويناهُ في سنن ابن ماجه [راجع رقم: ٣٨٨٩ و٣٨٩٠، وقال فيه: "اللهم صيبًانافعًا" مرّتين، أو ثلاثاً. ٩٥٧- وروى الشافعي ﵀ في "الأُمّ" [١/ ٢٢٣-٢٢٤] بإسناده حديثاً مرسلاً، عن النبي ﷺ، قال: "اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث". [مر برقم: ٢٣٠؛ وسيرد برقم: ١٠٨٨] . قال الشافعي: وقد حفظتُ عن غير واحدٍ طَلبَ الإِجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة.
بابُ ما يقولهُ بعدَ نزولِ المطر: ٩٥٨- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: ٨٤٦] ، ومسلم [رقم: ٧١] ؛ عن زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةَ الصبح بالحديبية في إثر سماءٍ كانتْ من الليل، فلما انصرفَ، أقبلَ على الناس، فقال: "هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قالَ رَبُّكُمْ"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: "قالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافرٌ، فأمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مؤمنٌ بِي كافرٌ بالكَوْكَبِ؛ وأمَّا مَنْ قال: مُطرنا بنوْء كَذَا
وكَذّا؛ فَذَلِكَ كافرٌ بِي مؤمنٌ بالكَوْكَبِ". [راجع رقم: ١٨٠٩] . قلت: الحديبية معرفة، وهي بئر قريبة من مكة دون مرحلة، ويجوز فيها تخفيف الياء الثانية وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي وأهل اللغة، والتشديد قول ابن وهب، وأكثر المحدثين. و"السماء" هنا: المطر. و"إثر" بكسر الهمزة، وإسكان التاء، ويقال فتحهما، لُغتان. قال العلماء: إن قال مسلمٌ: مُطرنا بنوءِ كذا، مريداً أن النوءَ هُو الموجدُ والفاعل المحدثُ للمطر، صارَ كفارًا مرتدّاً بلا شكّ. وإن قالهُ مُريدًا أنه علامةٌ لنزول المطر، فينزل المطر عند هذه العلامة، ونزوله بفعل الله تعالى وخلقه سبحانه لم يكفر. واختلفوا في كراهته؛ والمختارُ أنه مكروهٌ، لأنه من ألفاظ الكفّار، وهذا ظاهرُ الحديثِ، ونصَّ عليه الشافعي ﵀ في "الأمّ" [١/ ٢٥٢] وغيره؛ والله أعلم. ويُستحبّ أن يشكر الله ﷾ على هذه النعمة، أعني: نُزول المطر.
الكفّار، وهذا ظاهرُ الحديثِ، ونصَّ عليه الشافعي ﵀ في "الأمّ" [١/ ٢٥٢] وغيره؛ والله أعلم. ويُستحبّ أن يشكر الله ﷾ على هذه النعمة، أعني: نُزول المطر.
بابُ ما يقولُه إذا نزلَ المطرُ وخِيفَ منه الضَّرَر: ٩٥٩- روينا في صحيحي البخاري [رقم: ١٠١٣] ، ومسلم [رقم: ٨٩٧] ؛ عن أنس ﵁، قال: دخل رجلٌ المسجدَ يوم جمعةٍ، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يخطبُ، فقال: يا رسُول الله! هلكتِ الموالُ وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا١، فرفعَ رسولُ الله ﷺ يديْهِ، ثم قال: "اللَّهُمَّ أغِثْنا، اللَّهُمَّ أغِثْنا، اللَّهُمَّ أغِثْنا"؛ قال أنس: واللهُ ما نرى في السماء من سحابٍ
ولا قزعةٍ، وما بيننا وبين سلع -يعني: الجبل المعروف بقرب المدينة- من بيتٍ ولا دارٍ، فطلعتْ من ورائه سحابةٌ مثل الترسِ، فلما توسطت السماءَ انتشرتْ، ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سَبْتَاً، ثم دخلَ رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ يخطبُ، فقال: يا رسول الله! هلكتِ الأموالُ، وانقطعتِ السبلُ، فادع الله يمكسها عنّا؛ فرفعَ رسولُ الله ﷺ يديه، ثم قال: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا ولاَ عَلَيْنا، اللَّهُمَّ على الآكام والظارب وبطون الأودية ومَنَابِتِ الشَجَرِ"، فانقلعتْ، وخرجنا نمشي في الشمس. هذا حديثٌ لفظه فيهما، إلا أن في رواية البخاري: "اللَّهُمَّ اسْقِنا". بدل: "أغِثْنا". وما أكثر فوائده؛ وبالله التوفيق.
انقلعتْ، وخرجنا نمشي في الشمس. هذا حديثٌ لفظه فيهما، إلا أن في رواية البخاري: "اللَّهُمَّ اسْقِنا". بدل: "أغِثْنا". وما أكثر فوائده؛ وبالله التوفيق.
بابُ أذكارِ صَلاة التَّراويْح: ٩٦٠- اعلم أن صلاة التراويح سُنّة باتفاق العلماء، وهي عشرون ركعة، يسلمُ من كل ركعتين، وصفةُ نفس الصلاةِ كصفة باقي الصلوات على ما تقدم بيانهُ، ويَجيء فيها جميعُ الأذكار المتقدمة: كدعاء الافتتاح، وإستكمال الأذكار الباقية، واستيفاء التشهد، والدعاء بعده، وغير ذلك مما تقدم، وهذا وإن كان ظاهراً معروفاً، فإنما نبَّهتُ عليه لتساهل أكثر الناس فيه، وحذفهم أكثر الأذكار؛ والصوابُ ما سبق. ٩٦١- وأما القراءةُ، فالمختارُ الذي قالهُ الأكثرون، وأطبقَ الناسُ على العمل به، أن تقرأ الختمةُ بكمالها في التراويح جميع الشهر، فيقرأ في كل ليلة نحو جزء من ثلاثين جزءاً. ويُستحبّ أن يرتل القراءة، ويبيِّنها، وليحذرْ من التطويل عليهم بقراءة أكثر من جزءٍ، وليحذرْ كلَّ الحذرِ مما اعتاده جهلةُ أئمة كثير من المساجد من قراءة سورة الأنعام بكمالها في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة من شهر رمضان، زاعمين أنها نزلتْ جملةً، وهذه بدعة قبيحة، وجهالة ظاهرةٌ مشتملةٌ على مفاسد كثيرةٍ، سبق بيانها [رقم: ٦٠١] ، وقد أوضحتها في كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" [رقم: ٢٨٣] ؛ وبالله التوفيق.
بابُ أذكارِ صَلاةِ الحَاجة: ٩٦٢- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٤٧٩] ، وابن ماجه [رقم: ١٣٨٤] ؛ عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "من كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أوْ إلى أحدٍ مِن بَني آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأ، وليُحسن الوُضُوءِ، ثُمَّ ليُصَلّ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ لِيُثْنِ على الله ﷿، وَلْيُصَلّ على النَّبِيّ ﷺ، ثُمَّ ليَقُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ الله الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّه رَبّ العَرْشِ العظيم، الحمدُ لله رب العالمين، أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلّ بِرّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلّ إثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْباً إِلاَّ غفرتهُ، وَلا هَمَّاً إِلاَّ فرجتهُ، وَلا حاجَةً هِيَ لَكَ رِضاً إِلاَّ قَضَيْتَها يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". قال الترمذي: في إسناده مقالٌ. ٩٦٣- قُلتُ: ويستحبُ أن يدعوَ بدُعاء الكرب، وهُو: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" لما قدمناه [برقم: ٦٦٦] عن الصحيحين فيهما. ٩٦٤- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٣٥٧٣] ، وابن ماجه [رقم: ١٣٨٥] ؛ عن عثمان بن حُنَيْف ﵁، أن رجلاً ضريرَ البصر أتى النبي ﷺ، فقال: ادعُ اللَّهَ تعالى أن يعافيني، قال: "إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبرْتَ، فَهُوَ خيرٌ لَكَ"، قال: فادعهُ؛ فأمرهُ أن يتوضأَ فيُحسنَ وضوءهُ، ويدعوَ بهذا الدعاء: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ وأتوجهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ محمدٍ نَبِيّ الرَّحْمَةِ ﷺ، يا مُحَمَّدُ! إني تَوَجَّهْتُ بكَ إلى رَبّي في حاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لي: اللَّهُمَّ فشعفه فِيّ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
بابُ أَذْكَار صَلاةِ التَّسبيحِ ١: ٩٦٥- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢/ ٣٤٨] ، عنهُ، قال: وقد روي عن النبي ﷺ غيرُ حديثٍ في صلاة التسبيح، ولا يصح منه كبير شيءٍ، قال: وقد رأى ابنُ المبارك وغيرُ واحدٍ من أهل العلم صلاة التسبيح، وذكروا الفضل فيه. ٩٦٦- قال الترمذي [٢/ ٣٤٨، ٣٤٩] : حدّثنا أحمد بن عبدة، قال:
شيءٍ، قال: وقد رأى ابنُ المبارك وغيرُ واحدٍ من أهل العلم صلاة التسبيح، وذكروا الفضل فيه. ٩٦٦- قال الترمذي [٢/ ٣٤٨، ٣٤٩] : حدّثنا أحمد بن عبدة، قال:
حديثنا أبو وهب، قال: سألتُ عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبّح فيها، قال: يكبرُ، ثم يقولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تبارك اسمك وتعالى جدك وَلا إِلهَ غَيْرُكَ؛ ثم يقولُ خمس عشرة مرّة: سُبحانَ الله والحمدُ لِلَّهِ ولا إله إلا الله والله أكبرُ، ثم يتعوذُ، ويقرأُ: بسم الله الرحمن الرحيم؛ وفاتحة الكتاب، وسورة؛ ثم يقول عشر مرات: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ ثم يركع، فيقولها عشراً؛ ثم يرفع رأسه، فيقولها عشراً؛ ثم يسجدُ، فيقولها عشراً؛ ثم يرفع رأسه، فيقولها عشراً؛ ثم يسجدُ السجدة الثانية، فيقولها عشراً، يُصلي أربع ركعات على هذا، فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة يبدأ بخمس عشرة تسبيحة، ثم يقرأ ثم يسبّح عشراً؛ فإن صلى ليلاً فأحبّ إليّ أن يسلّم في ركعتين؛ وإن صلّى نهاراً، فإن شاء سلّم، وإن شاء لم يسلم ["المستدرك للحاكم" ٣/ ٣٠] . وفي رواية فيه [١/ ٣٤٩] ، عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: يبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم، وفي السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثاً، ثم يُسبِّح التسبيحات. وقيل لابن المبارك فيه أيضًا [٢/ ٣٥٠] : إن سها في هذه الصلاة، هل يُسبِّح في سجدتي السهو عشراً عشراً؟ قال: لا، إنما هي ثلاث مائة تسبيحة. ٩٦٧- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٨٢] وابن ماجه [رقم: ١٣٨٦] ؛ عن أبي رافع ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ للعباس: "يا عَمُّ! ألا أصلُك، ألا أحبُوك، ألا أنفعُك"؟ قال: بلى! يا رسول الله، قال: "يا عَمّ؟! صَلّ أرْبَعَ رَكعَاتٍ، تَقْرأُ فِي كُلّ رَكْعَةٍ بِفاتِحَةِ القُرآنِ وَسُورَةٍ، فإذَا انْقَضَتِ القِرَاءةُ فَقُلِ: اللَّهُ أكبرُ، والحمدُ لِلَّهِ، وسبحانَ اللَّهِ، وَلا إِلهَ إِلاَّ اللَّهِ؛ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أنْ تَرْكَعَ، ثُمَّ ارْكَعْ، فَقُلْها عَشْراً، ثُمَّ افرع رأسَكَ، فَقُلْها
سبحانَ اللَّهِ، وَلا إِلهَ إِلاَّ اللَّهِ؛ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أنْ تَرْكَعَ، ثُمَّ ارْكَعْ، فَقُلْها عَشْراً، ثُمَّ افرع رأسَكَ، فَقُلْها
عَشْراً، ثُمَّ اسْجُدْ، فَقلْها عَشْراً، ثُمَّ ارْفَعْ رأسَكَ، فَقُلْها عَشْراً، ثُمَّ اسْجُدْ الثانية فقلها عشرا، ثم ارْفَعْ رأسَكَ، فَقُلْها عَشْراً قَبْلَ أنْ تَقُومَ، فَتِلْكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلّ ركعة، وهي ثلاث مائة في أرْبَعِ رَكَعاتٍ، فَلَوْ كانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ رَمْلِ عالِجٍ غَفَرَهَا اللَّهُ تَعالى لَكَ"، قال: يا رَسولَ الله! مَن يستطيع أن يقولها في كل يوم؟ قال: "إنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَقُولَهَا في كل يومٍ فَقُلْها فِي جمعةٍ، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أن تقولها في كل جمعةٍ، فَقُلْها فِي كل شهرٍ"، فلم يزل يقولُ له حتى قال: "قُلْها في سَنَةٍ". قال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ. ٩٦٨- قلتُ: قال الإمامُ أبُو بكرٍ بنُ العربي في كتابه "الأحوذيّ في شرح الترمذي" [رقم: ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧] : حديثُ أبي رافع هذا ضعيف ليس له أصل في الصحة، ولا في الحسن، قال: وإنما ذكره الترمذي لينبّه عليه لئلا يغترّ به. قال: وقول ابِن المبارك ليس بحجةٍ؛ هذا كلامُ أبي بكر بن العربي. وقال العُقَيْلي: ليس في صلاة التسبيح وطرقها، ثم ضعَّفها كلَّها، وبيّن ضعفَها؛ ذكرهُ في كتابهِ في "الموضوعات"١ [١/ ١٤٣] .



