— Bagian 20 · وعن أبي هريرة قال: كنت عند النبي ﷺ، فذكر عنده ال… —
Bagian 20
وعن أبي هريرة قال: كنت عند النبي ﷺ، فذكر عنده الأعاجم فقال: (لأنا أوثق بهم مني بكم) أو قال: (ببعضكم). قالوا: فهذا قول رسول الله ﷺ في العجم، وقد قال الله ﷿ في العرب:﴾ وكذب به قومك وهو الحق ﴿. قالوا: وأنزل في بجير الراهب وفعلته وأسيد بن أبي شعبة ووهب بن تامين وعده من قومه:﴾ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذ يتلى عليهم، قالوا: آمنا به أنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبله مسلمين ﴿. وقال الله ﷿ في العرب:﴾ إنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴿فشتان ما بين القولين: ومنها أن قالوا: روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: (السباق أربعة: أنا سابق العرب، وبلال سابق الحبشة، وسلمان سابق الفرس، وصهيب سابق الروم، وأولى فضيلة المسلم سبقه إلى الإسلام). لقد ثبت منها العجز ما لم يثبت للعرب، وإن كان النبي ﷺ منهم لا من العجم. فإن أنكرتم هذا وقلت قد سبق إلى الإسلام أبو بكر وعمار وأمه سمية وبلال وصهيب والمقداد قلنا: فالسابق إذًا بعد النبي ﷺ ستة عرب وستة عجم، والنبي ﷺ عربي، فلم يساوي عدد أتباعه من رهطه عدد أتباعه من غيرهم دون أن يزيدوا عليه أضعافًا مضاعفة إلا عن عتوهم وتكبرهم على الله ورسوله، ولم يساو عدد الأجانب منهم عدد رهطه إلا حصين بن الأغن سرعة إدعائهم للحق وانقيادهم لله ورسوله، فأي أشكال يبقى مع هذا في فضل العجم على العرب. ومنها أن قالوا: ما أسلم من الأعاجم أحد ثم نافق وارتد بعد إيمانه، وإنما كان النفاق والردة في العرب خاصة، فدل ذلك على أن الأعاجم أقوى بصائر، وأعلم بالله عز وجل
قالوا: ما أسلم من الأعاجم أحد ثم نافق وارتد بعد إيمانه، وإنما كان النفاق والردة في العرب خاصة، فدل ذلك على أن الأعاجم أقوى بصائر، وأعلم بالله عز وجل
ورسوله من العرب ورأس لفضائل الدين، فإذا كانت الأعاجم فيه أرسخ من العرب، فما فضل العرب بعد ذلك على العجم؟ فالجواب -وبالله التوفيق- إن كل فضل ثبت لواحد على آخر، أو لفريق على فريق، لا يخلو من أن يكون رجحانًا في الأسباب التي تتعلق بها مصالح الحياة الدنيا، أو رجحانًا في الألباب التي يستحق بها الثواب في النشأة الأخرى. وهذا القسم الذي ذكرته آخرًا، ولا يمكن أن يقطع بان العرب فيه أفضل من العجم إلا رسول الله ﷺ، والذي توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض من أهل بيته وأصحابه وأزواجه والأبناء الذين كانوا قبله من العرب، فأما غير الذي ذكرناهم فلا يبعد أن يكون في العرب من يدأب في الصالحات ويتنزه عن السيئات، فكثر بها ثوابه في الآخرة، ويكون بما اكتسب أفضل من عجمي لا يوافي القيامة بمثل عمله. وإذا كان ذلك مما لا يمكن أن يقطع به في الآحاد، فكذلك هو في الجملة، لأنه لا يعلم أحد سوى الله ﵎ أن جملة العرب أكثر حظًا من إحسانه يوم القيامة أو جملة العجم. وكل ما أورده المعترض من الآيات والأخبار في دفع غيره من تفضيل العرب على العجم، فإنه ينحو نحو هذا الباب وإنما أريد بها الفضل الذي يظهر في الآخرة دون ما سواه، على أنها أن منعت من تفضيل العرب على العجم بالإطلاق، فكذلك يمنع من تفضيل العجم على العرب، ولا ملجأ للمعرض عليها ولا حجة له فيها، لأن النكتة إذا كانت "إن من كان أتقى فهو أفضل" فالتقوى قد توجد في الفريقين، وإن كل أعجمي أتقى من عربي، وقد يكون عربي أتقى من عجمي بالاحتجاج بما يستوي الفريقان فيه، لا يعني في موضع الخلاف شيئًا.
ل" فالتقوى قد توجد في الفريقين، وإن كل أعجمي أتقى من عربي، وقد يكون عربي أتقى من عجمي بالاحتجاج بما يستوي الفريقان فيه، لا يعني في موضع الخلاف شيئًا. وأما القسم الأول فإنه يتفرع فيه البيان الواقع باللسان المعرب عما في الضمير المترجم عن القلب، وفيه العلم والحكمة، وفيه الحمية والشجاعة، وفيه الجود والسماحة والوفاء بالذمة، فأما البيان، فللعرب فيه التقدم والفضل الذي يعترف به لهم اضرارًا من لم يعترف لهم به اختيارًا، ولهم من أصناف النظم الذي لا يدخل بعضها على بعض نحو نظم الشعر، ونظم الخطب، ونظم الرسائل والاسجاع الحسنة، والأمثال الدالة على وفرة الذكاء، وصحة الذهن. وهذا الفوز في المعرفة والحكم الموجودة في إشعارها الدالة على مثلما وصفنا من دلالة الأمثال ما ليس لغيرهم، وإنما أخذت العجم قول الشعر عن العرب، ثم
لم تلحق ثناءهم، ولا نكرت على مثل رسائلهم وخطبهم، ولا تعرفت لغاتهم، كتعرفة العربية، ولا اتبعت الوزن فيكون لها النحو والصرف الذي هي على الإنفراد علم كثير، وله علماء يعتكف على الأخذ عنهم ويرتحل في طلبه من البلدان إليهم، وفيه من الكتب المتقسمة بين الواضح والغامض مثل ما لسائر العلوم الجلية، ولربما استنفذ الشغل به من الواحد، العمر الطويل، ثم لا يقف من جملته إلا على الشيء القليل، أما العلم والحكمة، فإنه لا يعرف للفرس علم تفردوا به، إنما لهم أنساب ورسوم اجتمعوا عليها ووضعوها لما سلبهم الله تعالى كتابه، ورفع من بينهم خطابه، فاضطره إلى اختراع، اخترعوه من المثل المرسوم، فكانوا فيها كما قال الله ﷿:﴾ بئس للظالمين بدلاً ﴿وما من قوم إلا ولهم فيما بينهم عادة وموضوعات تعارفوها وجروا عليها، ولا يكادون يعرفون غيرها. وذلك موجود في اهل كل سوق، وفي أهل كل بيت، فلئن كانت علماء الفرس اتخذت لأنفسها مع أصاغرها وضعًا يجرون عليه ويتعاجلون به، فكذلك لا يوجب أن يكون العلماء الأمم وحكماء الفرق.
سوق، وفي أهل كل بيت، فلئن كانت علماء الفرس اتخذت لأنفسها مع أصاغرها وضعًا يجرون عليه ويتعاجلون به، فكذلك لا يوجب أن يكون العلماء الأمم وحكماء الفرق. وأما العرب فلهم علم الأنواء ومعرفة الأوقات الحر والبرد، لا من قبل سير الشمس الذي هو عنان، والعلم به ضرورة، ولكن من وجود دقيقة لا يدركها إلا من ياخذها عنهم، فيحسبون منها ما يحسبه المنجمون، ويصيبون منه أبدًا، فلا يخطئون. وأما ذم الله تعالى من قال: "مطرنا بنو كذا" لا لأنه كاذب في وقوع المطر عند ذلك النو، ولكن لأنه كان يرى المطر نعمة من الكوكب، وكان حقه أن يراها من الله تعالى. ولها من العلم بالخيل من الإنفراد، مثل ما لها من الفضل بحبلها العراب، فلو اقتصر عليها وجعلت مثلاً لأدبارها. وقيل أن رجحان العرب على العجم كرجحان العرب على براذين العجم، فكان ذلك من أقرب الأمثال، فلهم في العلم ما يحتاج إبانه فيه قراطيس كثيرة، ولا يكمل لإدراك ألفاظهم التي يعتبرون بها من خلقها وأخلاقها وسيئاتها إلا يشار إليه في علم اللغة، معترف له بالفضل والأخذ به.
ولها علم الفراسة والقيافة المعمول بها في الجاهلية والإسلام، الموثوق بها في مقاطع الأحكام. قد كانت فيها مع ذلك الكهانة والعيافة، فأما الكهانة فلم يكن من قوم أفشى منها فيهم، وكانت عمدتها الأخبار المسترقة من السماء، وأما العيافة فقد كانت من نتاج الفهم والذكاء والكيس. ولكن الإسلام أبطلها، ومتع من النزول عليها والحكم بها، وليس للفرس مما ذكرنا شيء. وقد كان في العرب أيضًا كتب كثير وأطباء معروفون، ثم لا يشكل على أحد أنه لا خط كالخط العربي، ولا لفظ أبهى من اللفظ العربي، ولا قوم أشد حمية ولا أنفة من العرب. فقد قيل: الحمية عشرة أجزاء، تسعة منها في العرب، ولأجلها كانوا يئدون البنات وإن كانت الحمية إذا بلغت هذا الحد، كانت شرفًا، ونهى الله تعالى عن الشرف. ولا قوم أشجع من العرب، ولذلك كان عظم قتالهم بالرماح والسيوف، لأن القتال إذا كان بالسهام تباعدت المواقف، وتباعدها شهادة من كل واحد من الفريقين على نفسه بالإخافة من صاحبه، وإذا كانت بالسيوف والرماح، تدانت الصفوف والدنو من العدو دلالة بأنه الجرأة والشهامة وقلة الحفل بالخصم، ولذلك قال زهير حكيم العرب فيما مدح به هرم بن سنان المري: يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضاربت حتى إذا ما ضاربوا أعنفا وشجعان العرب وأبطالهم معروفون وأخبارهم مدونة. ولذلك جود الاجواد منهم وحفظهم حق الجار والتذمم. فقد كان منهم هاشم بن عبد مناف الذي بلغ بين إطعامه كل من ورد عليه ومر به، إذ كان يقال له: (مطعم طير السماء)، وكان ينفق على الحاج في كل سنة ربع ماله، وقد كان في العرب من لا يسميهم من أثر غيره على نفسه بما كانت في قعده هكلته. ومنهم من ورد على أسير فاستغاث به ففداه، وماله غائب عنه فأطلقه، وأمام في القدم كأنه حتى أحضر ماله، فأذاه. ومنهم من استجار به غيره فقتله، فلم يمت من قرابة جاره أحد إلا وذاه، ومنهم من نزل به ضيف، ولا مال له إلا بعير فنحره للضيف، ولولا أن كتابنا هذا ليس إلا لأخبار الديانات لا وردت مما جاء في هذه الأبواب ما يشفي الصدر، ولكنها موجودة عند أهلها لا يتعذر الوصول إليها على من أرادها بإذن الله تعالى.
ذا ليس إلا لأخبار الديانات لا وردت مما جاء في هذه الأبواب ما يشفي الصدر، ولكنها موجودة عند أهلها لا يتعذر الوصول إليها على من أرادها بإذن الله تعالى. فأما الفرس بالعراء من هذا كله، وإنما لهم البذح والزهو والصلف والفخر بالأموال
والعدد التي كانت لسلفهم، وقد سلبهم الله ﷿ جميعها بأيدي العرب ورماحهم وسيوفهم. والبسر بن أقر بن جعثم أعرابيًا من نبيئ بذبح سواري كسرى، إذ كان رسول الله ﷺ بشره بذلك، فأنى يسوغ لهم الفخر على قومهم أذلهم الله بهم وأعلى بهم عليهم، ويفل الملك عنهم إليهم حكمًا منه عدلاً، وقضاء حقًا وبالله التوفيق. ثم جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحب العرب فيحبني أحبهم، ومن أبغض العرب فيبغضني أبغضهم) وعنه ﷺ أنه قال لسلمان: (يا سلمان، لا تبغضني فتفارق دينك: قال: قلت يا رسول الله وكيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: تبغض العرب فتبغضني). وعنه ﷺ أنه سمع رجلاً يقول: إني امرؤ حميري بنسبي، لا من ربيعة آبائي ولا مضر، فقال له: (ذاك أضرع لجدك وأبعد من الله ورسوله) وعنه ﷺ قال: (من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي)، وعنه ﷺ: (إذا اختلف الناس فالحق في مضر) وعنه ﷺ قال: (الأئمة من قريش) وقال: (الناس تبع لقريش، خيارهم أخيارهم، وشرارهم أشرارهم) وعنه ﷺ: (أن قريشًا أهل صبر وأمانة، فمن فعالهم الغواء تركته الله لوجهه يوم القيامة) وعنه ﷺ: (تعلموا عن قريش ولا تعلموها، وقدموا قريشًا ولا تقدموها) وعنه ﷺ: (إن القرشي قوة الرجلين من غير قريش) قيل للزهري: ما عنى بذلك؟ قال: في نيل الرأي. وقيل أن قريشًا لهم ولد النضر بن كنانة خاصة، وكانوا متفرقين، فجمعهم قصي بن
لقرشي قوة الرجلين من غير قريش) قيل للزهري: ما عنى بذلك؟ قال: في نيل الرأي. وقيل أن قريشًا لهم ولد النضر بن كنانة خاصة، وكانوا متفرقين، فجمعهم قصي بن
كلاب بمكة، فقيل له القرشي، وسموا به قريشًا، والقرش الجمع والتقرش الجمع، فأما ما قاله المحتج لباطله: إن أبا العرب والعجم إبراهيم صلوات الله عليه، لأن إسماعيل أبو العرب، واسحق أبو العجم، فإنه يريد العجم بني إسرائيل خاصة، وهم كما قال: وإن كان يريد بهم لما فرس الذين كانوا مجوسًا، فإن هذه دعوى لا تبين صحتها، وأهل الأنساب لا يعرفونها، فإنه لم يثبت. ونسب العرب من إبراهيم ثابتة، كان لها من الفضل البين على العجم، إنهم من ولد خليل الله إبراهيم، وليس للعجم من الأبناء الذين يختصون بهم والد مثله. وإن ثبت كانت المقابلة بين إسماعيل وولده، واسحق وولده من أول أيامها إلى ألآن. وسنقول في هذا لك بعد ما يوفق تعالى له غير أنا نقتصر في هذا الوقت على ذكر ما انتهى إليه من الفريقين ونؤخر ما كان قبله، فنقول للمحتج: قد علمنا أن بني إسرائيل الذين لا شك في أنهم ولد إسحق، قد كان الله تعالى فضلهم على غيرهم سنين وأعمارًا، ثم أخرهم، وقدم العرب عليهم فحول النبوة والملك عنهم إلى العرب وحكم لهم بالأمرين إلى يوم القيامة، فبان بذلك فضل العرب على العجم. ألا ترى أن بني إسرائيل يوم كانت النبوة والملك فيهم، كانوا أفضل من الروم والهند والترك وكذلك العرب اليوم أفضل من بني إسرائيل ثم هم بذلك أولى، لأن النبوة والملك بعدما خلا منهم ليسا بمرتحلين، ويوم كان في بني إسرائيل، كانوا مدرجة لهما إلى العرب وبالله التوفيق. وأما قوله: "إن اسحق أبو الأنبياء والملوك وإسماعيل لم يلد إلا عبدة الأوثان وسفك الدماء والغائبين في الأرض إلى أن ظهر النبي ﷺ". فجوابه: إن اسحق ابن عمه ولد المجوس الذين هم عبدة الأوثان ومستحلوا البنات والأمهات، وهم ولد الروم على ما مضى وبقي فيهم من أصناف الكفر إلحادًا وغير إلحاد، وما كانت عبادة الأصنام في العجم أقل منها في العرب، فما في هذا.
البنات والأمهات، وهم ولد الروم على ما مضى وبقي فيهم من أصناف الكفر إلحادًا وغير إلحاد، وما كانت عبادة الأصنام في العجم أقل منها في العرب، فما في هذا. وأما دعواه في إن أم إسماعيل كانت أمة لأم اسحق، فالأخبار في ذلك مختلفة، فقد روى أن النمرود الذي استدعى سارة إلى داره، لما أراد أن يمد يده إليها يبست يده، فسألها أن تدعو له، فدعت فأطلق الله تعالى يده فأرسلها ووهب لها هاجر، ثم أن سارة وهبتها لإبراهيم صلوات الله عليه لتعجيزها وعقمها من الولد.
وروي أنه أراد أن يمسها، فزلزل البيت من قواعده، فأجرها إلى البستان، فلما أرادها يبست يده ورجلاه، فسألها عن إبراهيم، فأخبرته أنه نبي الله وزوجها، فدعاه فحضر فسأله أن يدعو ربه ليطلق يده ورجليه، فأوحى الله لا تفعل حتى يخرج إليه من جميع ملكه فأعلمه إبراهيم صلوات الله عليه ذلك فخرج إليه من جميع ملكه، وكانت هاجر، فدعا له إبراهيم ﵇. فأطلق الله تعالى، وعمل إبراهيم إلى ما كان أعطاه، فرد إليه ما خلا هاجر فإنه أمسكها. وفي هذه الرواية بيان أن هاجر لم تكن لسارة، ولو كانت لسارة لصارت لإبراهيم إذا وهبتها له، ولكن إسماعيل ابن أمة إبراهيم، لا ابن أمة سارة. وليس في هذا ما يمنع من تقديم إسماعيل على اسحق، فإن ابن الكافرة قد يكون أفضل من ابن حرة، وإنما الذي حدث الكفر، ولا يكون أكثر منه. وأما دعوى هذا المحتج: أن اسحق هو الذبيح فإنها غير ثابتة، لأن المسلمين من لدن الصحابة إلى الآن مختلفون في الذبيح من ابن إبراهيم صلوات الله عليه، وإلا ظهر أنه إسماعيل، لأن الله ﷿ أخبر عما أراه إبراهيم في منامه، وما كان منه، ومن آيته في الإسلام لأمره، وما تدار كفاية من رحمه، وقيضه له من الذبيح الذي قد أولده، وجزاه به بعد أطال من السلام والمباركة عليه، ثم قال بعد ذلك كله:﴾ وبشرناه باسحق نبيًا من الصالحين ﴿فدل هذا السياق على أن إسحق لم يكن في ذلك الوقت مولودًا، فكيف يكون هو الذبيح؟ فإن قيل: إنما أراد وبشرناه، يكون إسحق نبيًا، فإنما وقعت البشارة له بنبوته لا بكونه. قيل: إن قوله ﷿:﴾ وبشرناه باسحق نبيا ﴿فوجب أن تكون البشارة بنفسه أولاً ثم بنبوته. فمن قصرها على النبوة، فقد أخل بمقتضى هذا الخبر. وأيضًا فإن الله ﷿: أخبر أنه لما صرف عن إبراهيم كيد أعدائه قال:﴾ إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴿يعني الهجرة. فإنه دعا فقال: ﴿رب هب لي من
بمقتضى هذا الخبر. وأيضًا فإن الله ﷿: أخبر أنه لما صرف عن إبراهيم كيد أعدائه قال:﴾ إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴿يعني الهجرة. فإنه دعا فقال: ﴿رب هب لي من
الصالحين ﴿فأجابه وبشره﴾ بغلام حليم ﴿ثم وصف هذا الغلام الذي بشر به، فإنه لما بلغ معه السعي، فلما أسلم لأمر الله تعالى فيه إنقاذه، وتركه له وميزه مع ذلك بأن أخبر كما قال في قصة أيوب ﵇:﴾ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ﴿. ويؤكد هذا أنه لما قال:﴾ رب هب لي من الصالحين ﴿لم يكن له يومئذ ولد. فلما بشر بغلام حليم، لم يكن ذلك إلا عن إسماعيل، لا عن من يخلق بعد ولم يولد. وقول الله ﷿﴾ فبشرناه بغلام حليم ﴿، يدل على أن المعنى فبشرناه بغلام يأمره بما يشق الصبر على مثله، فيحكم ولا يضطرب، وكذلك فعل. لأنه لما قال:﴾ يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك، فانظر ماذا ترى، قال: يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴿. فبان بهذا أن الخبر عن إسماعيل كان الذي بشر به من ذلك الوقت والله أعلم. وأيضًا، فإن الأخبار تظاهرت بأن هذا الأمر كان بمكة وإسماعيل هو الذي أمر إبراهيم بإسكانه الحرم. فأما اسحق ﵇، فلا يذكر أنه دخل الحرم قط. وقال ابن عباس: "لقد جاء الإسلام ورأس الكبش بقريبه في الحرم. وقد تبين أنه دخل في الحرم ويزيد، أن إراقة دماء الهدى إنما صارت سنة موروثة في الأرض المقدسة. فعلمنا أن أصل ذلك إنما كان ذبح إبراهيم، كما كانت سائر المناسك من إرث إبراهيم وابنه الذي كان بالحرم إسماعيل. وأيضًا فإن الملائكة الذين بشروا سارة بالولد بشروها باسحق، ومن وراء إسحق يعقوب. واعتقد إبراهيم أن ذلك كان لأن وعد الله حق. فلو أمر الله تعالى بذبح اسحق قبل أن يولد له يعقوب، إلى أن يعتقد أن يعقوب غير كائن من اسحق. واعتقاد ذلك اعتقاد الخلف من خبر الله تعالى، ولا يليق اعتقاد ذلك بأنبياء الله. فصح أن الكلام لم يكن باسحق، وإنما كان بإسماعيل.
عقوب غير كائن من اسحق. واعتقاد ذلك اعتقاد الخلف من خبر الله تعالى، ولا يليق اعتقاد ذلك بأنبياء الله. فصح أن الكلام لم يكن باسحق، وإنما كان بإسماعيل.
فإن قيل: قد بشر إبراهيم باسحق، ومن وراء إسحق يعقوب، ولكنه الخبر إن يعقوب كائن من إسحق. فلعله لما بشر به ظن أنه كائن له من صلبه. فلما أمر بذبح اسحق لم يحتج إلى اعتقاد الخلف في خبر الله تعالى. قيل: إن الرجل لا يكون وراء ابن آخر، لأنهما جميعًا لصلبه ينسبان إليه نسبة واحدة، وإنما يكون ابن الابن وراء الإبن لأنه لا ينسب إليه إلا بعد أن ينسب إلى الإبن، فيكون ابن الصلب هو الذي يليه، ثم ابنه من ورائه. فلما بشر إبراهيم باسحق ومن وراء اسحق يعقوب فقد بين أن يعقوب كان من اسحق. وأما ما رواه المحتج عن رسول الله ﷺ أنه قال لصفيه، فإن ثبت فقد يخرج أنهما افتخرا عليها بأنهما من قريش، وإن قريشًا ذروه الناس، فقال النبي ﷺ: (إن كان افتخارهما بالكفار ومن آبائهما، فأنت أحق بالفخر، لأن أباك هارون وعمك موسى فإنهما نبيان). والمفاضلة إذا كانت بين الأبناء ثم كانت في آباء أحد المتفاخرين نبي، فلم يكن في الآباء الآخرين وجه ذلك النبي من النسب إلا أب كافر لم يشكل على ذي عقل، إن عدو الله لا يعدل نبي الله. فإن قيل: يقدمه عليه لآبائه الكافر، وإنما يقدمه عليه بإسماعيل، ولم يقل النبي ﷺ صفيه، إنما أبوهما إسماعيل وأبوك اسحق. فيكون ذلك دليلاً على ما أردت والله أعلم. فإن قال قائل: لم امتنعتم من تقديم ولد اسحق على ولد إسماعيل، وفي ولد اسحق النبوة الدائمة إلى مبعث نبيكم ﷺ، ولم يكن في ولد إسماعيل نبوة إلى أن كان نبيكم ﷺ أنكرتم أن يكون من ولده نبيان أو ثلاثة أشرف وأكرم من ولد نبي واحد. قيل -وبالله التوفيق- إنما أثبتنا ذلك من أوجه: أحدهما أن أصل العرب والعجم، إذا كان إبراهيم صلوات الله عليه كما دعيت، وكان فخر النبيين به، ثم أن النبوة لما درجت منه إلى اسحق، ومنه إلى أولاده وصارت لها شرائع غير شريعة إبراهيم، فكان من أهلها يهود ونصارى﴾ ما كان إبراهيم يهوديًا ولا
نصرانيًا ﴿ولما درجت منه إلى إسماعيل ولم يزل بعد ذلك إلى أن أورثها الله محمدًا ﷺ وأحبابه ما درس منها كان ولد إسماعيل في هذا الوجه، أمس لإبراهيم وأخص به. وإذا كان جل الفخر به، وجب أن يكون أولى به، أحق بهذا الفخر والله أعلم. يتبين بما قلنا أن العرب في جاهليتها لم تكن تدع حج البيت وتعظيم الشهر الحرام ويبقى نكاح البنات والأخوات والأمهات خلاف الفرس ولا يدع الختان والغسل من الجنابة، ويعمل في العتق والطلاق على ما جاء به الإسلام، ويرى الثنيوية بالثلث والتزوج على المرأة والرجعة في الواحدة والتبيين، ويحكم في دية النفس بمائة من الإبل ويورث الحشي من حيث يقول، ويعترف بالملكين، وينسخ الأعمال، فإن فيما يروى أن عبد المطلب بن هاشم كتب بخطه ذكر حق له على رجل من أهل حمير فقال: باسمك اللهم ذكر حق عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري، من أهل صنعاء له ألف درهم فضة طيبة، ومتى دعاه بها أجابه أشهد الله والملكان وقال الأعشى: فلا تحسبني كافرًا لك نعمة ... على شاهدي يا شاهد الله فاشهد فالشاهد الأول لسانه، والشاهد الآخر الملك، وأما الفرس ولا يخفى بعدهم من هذا كله، وذلك لصدق ما وصفت. ووجه آخر: وهو أن شريعة إسماعيل لم يلحقها النسخ من الله تعالى. إلى أن جاء محمد ﷺ، ولحقت شريعة اسحق النسخ، إذ قد علمنا أن شرائع التوراة استوثقت لموسى لما أنزل التوراة عليه، فقد صار إسماعيل من هذا الوجه مقدمًا على اسحق، لأن من نسخت شريعته على لسان غيره، فقد تناهت نبوته بعد مدة. ودامت نبوة إسماعيل أضعافها إلى مبعث نبينا ﷺ. وقد ظهر أن حظ إسماعيل من النبوة أجزل وأكثر من حظ اسحق. ووجه ثالث: وهو أن شرائع الأنبياء من ولد اسحق نسخت على لسان محمد ﷺ وهي قائمة تعرف ويعمل بها ولم يعلم لإسماعيل شريعة قائمة نسخت. ولكنها قد كانت
اسحق. ووجه ثالث: وهو أن شرائع الأنبياء من ولد اسحق نسخت على لسان محمد ﷺ وهي قائمة تعرف ويعمل بها ولم يعلم لإسماعيل شريعة قائمة نسخت. ولكنها قد كانت
درست إلا أشياء فيها، فإن كانت السابقة هي الدراسة، فإنها شريعة واحدة بعث الله تعالى بها إسماعيل ثم لم ينسخها. وهذا يوجب له الفضل والتقديم، وإن كانت المستأنفة غيرها، ففي ذلك شيئان: أحدهما: أنه ليس نسخ الدارس كنسخ القائم. والآخر: أن محمدًا ولد إسماعيل ودعوة إبراهيم صلوات الله عليه، فإن نسخ شيء من شريعة إسماعيل على لسان محمد ﷺ فكأنما نسخ على لسان إسماعيل ﵇. وأما إذا نسخت شرائع ولد اسحق على لسان نبي ولد إسماعيل، كان هذا نقلاً للأمر من فريق إلى فريق، وينبغي أن يكون المنقول إليهم خيرًا من المنقول عنهم وبالله التوفيق. ووجه رابع: وهو أن الله ﷿ ثناؤه اختار إسماعيل لحرمه والاجتماع مع أبيه على إعادة البيت، وجعله أصلاً للعرب، كيعرب بن قحطان، ولم يكن يختار لأفضل البقاع ولجوارته والقيام بعمارته من ابن خليله، بعد أن أكرمه، فأتم البيت، وقضى إعادته على مده إلا أفضلهما وأكرمهما والله أعلم. ووجه خامس: وهو أن ولد اسحق، لما كانت فيهم أنبياء لم يكن أمثالهم في ولد إسماعيل فكذلك فيهم كانت قبلة أنبياء، والمعتدون الذين بلغ من اعتداءاتهم أن مسخوا قردة وخنازير، ولم يكن من ولد إسماعيل قبل نبي ولا ما أوجب الله تعالى به، فمسخ أحد منهم لو مسخه، فأخذ الأمرين في كل واحد من الفريقين بالآخر. ووجه سادس: وهو إن إسماعيل دعوة إبراهيم، فإنه قال:﴾ رب هب لي من الصالحين ﴿فرزقه الله تعالى إسماعيل. وأما إسحق فجزاء جزاه الله به لما كان من إسلامه إسماعيل لأمر الله فيما هو ثواب طاعة أقامها إبراهيم بإسماعيل. وكيف يتوهم أن يكون مقدمًا على إسماعيل هذا والنعمة المبتدأة أسنى وأجزل وأنهى وأجزل مما يجري مجرى الأعراض والله أعلم. ومما جاء في فضل إسماعيل ﵇ ما روى عن الضحاك بن معد، أغار على بني إسرائيل
ذا والنعمة المبتدأة أسنى وأجزل وأنهى وأجزل مما يجري مجرى الأعراض والله أعلم. ومما جاء في فضل إسماعيل ﵇ ما روى عن الضحاك بن معد، أغار على بني إسرائيل
في أربعين رجلاً من بني معد، فقال بنو اسرائيل لموسى: أن بني معد أغاروا علينا وهم قليل، فكيف لو كانوا كثيرًا، وأنت نبينا، فادع الله عليهم. فتوضأ موسى وصلى وقال: يا رب، أن بني معد أغاروا على بني إسرائيل، وسألوني أن أدعوك عليهم! فقال الله ﷿: (يا موسى لا تدع عليهم فإنهم عبادي، وأنهم ينتهون عند أول أمري، وإن منهم نبيًا أحبه وأحب أمته). وفي حديث آخر أنه دعا عليهم ثلاث مرات فلم يجب منهم. فقال: يا رب! دعوتك على قوم فلم تجبني منهم بشيء! فقال: يا موسى دعوتني على قوم هم خيرتي في آخر الزمان. وأما ما احتجوا به من نهي النبي ﷺ عن الفخر بالجاهلية فله تأويلان: أحدهما: أنه دلهم بذلك على أحكام الآخرة، فأخبرهم أنهم لا يعنون موضع الحاجة إلى الأعمال الصالحة شيئًا. وهذا يدل على أنهم لا يعنون في موضع الحاجة إلى التقديم والترجيح لبعض أحكام الدنيا شيئًا. فإن النبي ﷺ قال: (يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا) فهذا خبره عن نفسه في حكم الآخرة. ثم قال مع هذا: (الأئمة من قريش) وقال: (قدموا قريشًا ولا تقدموها). فاعتبر النسب في الدنيا، فدل ذلك على ما وصفت من معنى قوله في الآباء الذين مضوا في الجاهلية من تعظيم قبيلة إلى قبيلة، حتى كانت تصل الجماعة من غيرها بالواحد من نفسها. وزعم أن غيرها ليس بأكفاء لها. فأبان النبي ﷺ: أن دماءهم وأعراضهم متساوية. والتأويل الأول أشبه لأن النبي ﷺ قال: (ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى). والتقوى لا توجب فضلاً في حكم القصاص. فعلمنا أن المراد أحكام الآخرة والله أعلم.
وأما المحتج: إن الله تعالى ذكر العجم قبل العرب من قوله﴾ وأعجمي وعربي ﴿. فجوابه: إن هذا شيء أخبر الله تعالى أن العرب كانت تقول: لو أنزل عليهم كتابًا لأعجمته. ولو كان الله تعالى قال ذلك عن نفسه بطل قوله جل وعلا:﴾ هو الذي خلقكم، فمنكم كافر ومنكم مؤمن ﴿وقوله ﷿:﴾ وجعل الظلمات والنور ﴿وليس ذلك دليل على أن فضل الظلمة على النور، ولا فضل كافر على مؤمن. وأما الاحتجاج بالأخبار التي رواها في تفضيل الفارسية على العربية. فجوابه: أنها كلها موضوعة مزورة، لا يثبت أهل الجرح والتعديل، وعلماء التصحيح منها شيئًا. والمحتج بها أصلاً مخالف لها لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (العربية لغة فمن نطق بها فهو عربي). لأنه وكثير من العجم قد نطقوا بالعربية ثم لم يكونوا عربًا. وإن كانوا قد صاروا عربًا، فمن ألف منهم بالعربية ما ألف في فضل العجم على العرب إنما جنى على نفسه، وخطب على أمثاله، وهو يرى أنه قطيع من غيره ويرفع من نفسه، وكفى به جهلاً أن لا يميز بين ما له وما عليه. وأيضًا فإن معنى الحديث أن يثبت إنما العربية لغة، ولغة كل قوم ما جبلوا عليه، فمن نطق بالعربية بأن جبل عليها فهو عربي. فأما من جبل على غيرها ثم يعلمها فإنه يكون بنفس النطق بها عربيًا، كما لا يصير الطائر ملقن كلام الناس إنسانًا. فإن قيل: وكيف صار إسماعيل أبا العرب؟ قيل: قد روى إن الله تعالى ألهمه العربية. وقد يجوز أن يكون أوحى إليه بأحدها عن الملك لا عن الناس. وفي الجملة علمه الله تعالى العربية كما علم آدم الأسماء كلها، فلذلك صار أصلاً للعرب. وخص مع ذلك ببلد العرب، وقيض له جيرانًا من العرب، كما علم آدم الأسماء كلها فكان لهذه الأمة ليعرب بن قحطان الأمة المتقدمة التي يقال لها "العرب العاربة". وأما ما روي من أن الله تعالى إذا تكلم بالرضى، تكلم بالفارسية، وإذا تكلم بالغضب
ذه الأمة ليعرب بن قحطان الأمة المتقدمة التي يقال لها "العرب العاربة". وأما ما روي من أن الله تعالى إذا تكلم بالرضى، تكلم بالفارسية، وإذا تكلم بالغضب
تكلم بالعربية. فإنه لو ثبت لدل على أن لغة العرب أهذب وأجزل وأجل، وإن الله ﷿، لم يبعث النبي العربي إلا كما بعثه بالسيف والرمح. فكانت اللغة العربية أشبه بها من الفارسية اللينة التي تنزل من العربية منزلة الرخاء من الصبا، والهواء من السماء. وأما ما روى أن حملة العرش يتكلمون بالفارسية، فيحتمل أن يكون المراد به أنهم يحسنونها حتى إذا عرض الكرام الكاتبون عليهم أو على صاحب اللوح منهم، ما نسخوه من ألفاظ أهل الفارسية، عرفها المعروض عليه، لأن التكلم بالفارسية عادتهم. وإن كان المراد به ما قاله المحتج، فلا دليل له فيه على فضل العجم على العرب، لأن الناس لا يحتلفون في إن العربية أبهى الألسنة وأفضل اللغات، وإنما يرجح من يرجح بخصال سوى المنطق لا باللغة، ولولا أن ذلك كذلك لم يتحمل المصنفون في فضل العجم على العرب بنياتهم العربية للإعراب بها عما في نفوسهم. ويجادل عن قومه بلسانهم. ولكنه عرف ما فيه من الصغار والمذلة غياب قياسته بالعربية، وإضافة إليها. فلذلك عدل عنها. فإن قيل: إذا فعلوا ذلك ليفهموا أخصامهم من العرب! قيل: كانت العرب بأسرها غافلة عن الأعجمية ليس بينها من يعرفها! كلا أن ما يصنف في هذا الباب، لا يقصد به التأدية، وإنما يقصد فيه الحاضر، وقل أحد منهم يجهل الأعجمية. فلو كان كذلك لكان ينبغي للعرب إذا جاء ذكر العجم جوابًا، أو كتابًا أن يعدل في مكالمتها إلى الاعجمية، وليسوا يفعلون هذا بل يلزمون نساءهم، ولم يعلم أحد من العجم أنكر ذلك عليهم واستدعى منهم غيره كما كان ذلك إلا لاستغناء العرب بنفس لغتها عن غيرها، وحاجة العجم إلى اكتساب الجمال لأنفسها بالنسبة للعرب في منطقها، فقد كان ينبغي لها أن لا تغلظ في نقضها وبالله التوفيق. هذا وقد روى عن ابن عباس ﵁: أن أهل الجنة يتكلمون بالعربية بلغة محمد ﷺ. وروى أيضًا أن أهل النار يتكلمون بالفارسية.
أن لا تغلظ في نقضها وبالله التوفيق. هذا وقد روى عن ابن عباس ﵁: أن أهل الجنة يتكلمون بالعربية بلغة محمد ﷺ. وروى أيضًا أن أهل النار يتكلمون بالفارسية. وروى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أنا عربي والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي). وقال ﵁: "لا يدخل الجنة أعجمي" يقول:
تقلب ألسنتهم فيكون عربيًا، كقول النبي ﷺ: (أن الجنة لا يدخلا العجز). أي نشآن النشأة الثانية غير عجز. ولا يختلف المسلمون، أن أشرف كتب الله القرآن، وهو عربي، فلو لم تكن العربية أشرف اللغات لم ينزل الله تعالى أشرف كتبه بها. وأما قول المحتج: إن كانت العربية أفضل فمن يعلمها من العجم فنطق بها، فما فضل العربي عليه؟ فجوابه: أن فضل العربي عليه أنه أصل فيها وهو دخيل، وأنه ينزل من العربي منزلة الطائر الملقن من ملقنه. ولو جاز له ما جاز من نفسه من هذا القول لجاز أن يقال: إن كان النبي ﷺ أفضل من غيره بأن يوحي إليه، فهو إذا أدى إلى الناس جميع ما أوحي إليه فعلموه. فماذا فضله بعد ذلك عليهم؟ وأدى إلى هذا فبين فساده ظاهر غراره. فإن سأل سائل: عن العربية، لم سميت العربية؟ قيل له: -وبالله التوفيق- إن الجواب المشهور في ذلك؟ أن يقال: إن أول من عدل عن السريانية وتكلم بالعربية يعرب بن قحطان وكان يجب أن يقال اللغة اليعربية، ولكنهم حذفوا الياء طلبًا للتخفيف وقالوا: العربية. وفي هذا نظر، لأن العلماء ذكروا أن غابر أبا قحطان كان له ثلاثة بنين: أحدهم قحطان، والآخر يقطان، والآخر يقال له: ماتح ويقال: فالغ، ويقال: بلاغ. فإن كان هذا هكذا لم يمكن أن يكون يعرب أول من نطق بالعربية، لأن قحطان وفالغ ويقطان أسماء عربية. ولا يحفظ هذا، إن الإسمان -أعني يقطان وقحطان- إلا عربيان. فلو لم يكن غابرًا عربي اللسان، لأشبه أن لا يسمى ابنيه باسمين عربيين والله أعلم. وعلى أن غابر أيضًا اسم عربي، فالأشبه أن يكون المسمى به عربيًا. وفيه وجه آخر: وهو أن اللغة المنسوبة إلى العرب، والعرب سموا عربًا لأنهم سكان البدو وينزلون على الماء حيث أصابوه. فإذا تقادموا فيه عرفوا بموضع آخر فيه ماء وصاروا إليه، والعرب في لسانهم الماء. يقال: بئر كثيرة العرب. أي الماء. وبئر عربة: أي
كثير الماء. فسموا عربًا لأنهم يبتغون العرب وهو الماء، ويسكنون حيث يكون، كما سموا المطر سماء، لأنه من قبل اسماء يأتي ومن ناحيتها ينزل. وعلى هذا فيحتمل أن يكون إسماعيل صار أصلاً جديدًا للعرب، لأن الله تعالى لما أسكنه واديًا غير ذي زرع، وماء خصه بماء أنيط له، ثم وردت غيرهم إحدى قبائل العرب ذلك الماء، فنزلوا عليه، فعلمه الله ﵎ العربية، ليمكنه مناطقة جيرانه. وكان الماء يسمى في لسانهم عربًا، ولا يسميهم إياه، سموا بهذا الاسم. استحق في اللسان الذي أحدث الله تعالى تعليمه إياه إن يسمى عربيًا، لأن غيره إنما كان يدعى باسم ما مشترك بينه وبين غيره. وأما الذي اتبعه الله تعالى لإسماعيل إنما كان كرامة له خاصة مكان يدعى له وينسب إليه في اللسان الذي استحدثه أحق، فصار أصلاً جديدًا للعربي من حيث علمه الله لغة العرب الذين كانوا. وحقق له المعنى الذي لأجله كانوا يسمون عربًا والله أعلم. ووجه آخر: هو أنهم سموا عربًا لشدة إعرابهم الخيل إذا ركبوا، وسميت خيلهم عربًا لشدة جريها، وسرعتها. لأنهم يسمون النهر الشديد الجري عربه، فشبهوا خيلهم بها، إذ كان لا يشكل أنه ليس في دواب الدنيا أشد منها ولا أجرى، وأغذ سيرًا منها. وشبهوا ركبانها أيضًا بها، فقيل لهم عرب ولخيلهم عراب والله أعلم. ويشبه أن يكون النهر يسمى عربه، ويجمع على العراب كالسبخة والسباخ، والرملة والرمال، ويقولون للخيل عراب، أي أنها شديدة الجري. ويكون قول النبي ﷺ للفرس الذي ركبه وجد به نحو أخبار: (يا علي أن كل فرس شديد نهر). وهذا يجري فضله في الجري على غيره، كفضل البحر على البحر والله أعلم. وهذا المعنى أيضًا يقتضي أن يكون إسماعيل أصلاً آخر للعرب، لأنه لما سكن مكة واختلط بجرهم وتزوج فيهم، يعلم الرمي، ولم يكن يركب إلا الخيل العراب، وانضم إلى ذلك تعليم الله ﷻ إياه لسان العرب إما إلهامًا وإما وحيًا. فصار اللسان لسانهم والمركب مركبهم، والأصل منهم، والعادة عادتهم، فوجب أن يكون كأحدهم والله أعلم.
تعليم الله ﷻ إياه لسان العرب إما إلهامًا وإما وحيًا. فصار اللسان لسانهم والمركب مركبهم، والأصل منهم، والعادة عادتهم، فوجب أن يكون كأحدهم والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن العرب سموا عربًا لإعرابهم الكلام، وهو إلزامهم وآخر الأسماء والأفعال حركات مختلفة على حسب اختلاف مقاصدهم واغراضهم، وسموا هذه الحركات إعرابًا، إذ كانت تعرب، أي تبين على الأعراض. وأما غيرهم فإنهم لا يتكلمون بالأسماء والأفعال إلا مرسلة مسكنه، وصلوا الكلام أو رفقوا ويحتاجون إلى التمييز بين المفاصل إلى زيادة الحروف ونقصانها، وذلك مما يشركهم العرب فيه، لأن لهم من حروف العلات التي يشتقونها حالاً، ويحذفونها حالاً ويبدلونها لغيرها حالاً، مثل ما لغيرهم. فأما الدلالة بالحركات على المقاصد، فإنهم يختصون بها من بين أهل اللغات، وهي في لسانهم إعراب وبيان وإيضاح، سموا لذلك عربًا. ولما أتى الله تعالى من ذلك لإسماعيل صلوات الله عليه ما أتى بأول من تكلم لهذه اللغة من غير إحراج له إلى التعلم صار أصلاً للعرب كالأصل الذي تقدمه والله أعلم. وأما قول المحتج: إن العرب آذت رسول الله عليه وسلم حيًا وميتًا إلى آخر الفصل .. فجوابه: أن بني إسرائيل ما قصروا في قتل الأنبياء ﵈، وأتاهم خطاب الله تعالى إذ يقول:﴾ فكم تقتلون أنبياء الله من قبل ﴿وإياهم عنا بقوله ﷿:﴾ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير الحق وقولهم: قلوبنا غلف، بل طبع الله عليها بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا، وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا، وقولهم، إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴿إلى قوله:﴾ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل ﴿. وفيهم نزل:﴾ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون. ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا ﴿﴾ وترى كثيرًا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت، لبئس ما كانوا يعملون ﴿.
ر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون. ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا ﴿﴾ وترى كثيرًا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت، لبئس ما كانوا يعملون ﴿. وفيهم نزل:﴾ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم، ولعنوا بما قالوا، بل يداه
مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين ﴿. وفيهم نزل:﴾ قل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله، من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، أولئك شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل ﴿. وآيات كثيرة أمثالها ما كتبناها. ومعلوم أن ابن إسماعيل لم يبلغوا في ارتكاب المحارم هذا التبلغ. ولا ضربوا مثل بيت المقدس، ولا حرقوا مصاحف كتب الله تعالى، ولا سبوا ذراري الأنبياء ﵈. كما فعله (بخت نصر) الذي من رؤوس العجم. فكيف يكون لبني إسرائيل وغيرهم من العجم أن يعيروا العرب بإيذاء رسول الله ﷺ، وهم قد فعلوا ما هو كثير من ذلك وأكثر. وأما قولهم: أن العجم أعانت على نقل الملك من بني أمية إلى هاشم.
رهم من العجم أن يعيروا العرب بإيذاء رسول الله ﷺ، وهم قد فعلوا ما هو كثير من ذلك وأكثر. وأما قولهم: أن العجم أعانت على نقل الملك من بني أمية إلى هاشم. فجوابه: أنا لم نقل أن الأفضل للعجم بحال، وأنا لم نأت أمرًا نحمد عليه أو يؤجر قط، وإنما أنكرنا تقديمهم على العرب وإعانتهم على نقل الملك إلى بني هاشم، لا يستثقل من تقديمهم بما أنكرناه، لأن نصرة العرب رسول الله ﷺ أجل قدرًا من إعانة العجم قرابته على الملك. فلا يجوز أن يؤخروا على العجم مع عظيم بلائهم لما ذكرتموه من بلاء العجم بعده. واحتمال العرب على قتال الفرس حتى سلبهم الله تعالى ملكهم من يديهم لا يقصر عن إعانة العجم بعدما كثروا في الإسلام على بني هاشم، لينتزعوا الملك من بني أمية، لكنه يزيد عليها درجات كثيرة، فصح أن الذي اعتمدوه لا معتمد فيه، وأما تعييرهم العرب بالزنا، فجوابه: أن الزنا ليس بأقبح من نكاح البنات والأمهات ووطئهن. لأن الزنا من العرب كان يكون بالأجنبيات اللاتي يحللن بالنكاح والأم والبنت لا تحلان بنكاح قط. وقد كان في المجوس من يعمل هذا. كل عروس يريد إدخالها على زوجها. فيقبضها ثم ترد إلى زوجها. وهذا في المجاهرة بالفاحشة لا ينقص على نصب الرايات، ولا عن إكراه الإماء بالبغاء.
وأما تعييرهم العرب بالفقر والفاقة. فجوابه: إن العجم لم يكونوا كلهم ملوكًا ولا أغنياء ولم يخلوا مرات كان فيهم غني وفقير. والعرب أيضًا لم يكونوا كلهم فقراء، بل كان فيهم محتاج وغير محتاج إلا أن العرب في الجملة كانت أقل مالاً. وعلى قلة مالها أبين جودًا، وأعون على النوائب، وأقرى الأضياف، وأوصل للأرحام، فليس لهم مما قالوه متعلق. وأما دعواهم إعانة ملوك العجم من استعان بهم من ملوك العرب، فإنها ما فعلت من ذلك ما يستحق به حمدًا ولا تكرمًا. فإن المحفوظ من هذا، أن سيف بن ذي يزن سأل أبو وذيان يعينه على استخلاص اليمن من أيدي الحبشة فقد كان ظهروا عليها وعاشوا فيها. فأجابه بعد مدة طويلة، وأمر فأخرج من السجون كل من كان القتل وجب عليه فيما عندهم، فضموا إليه، فخرج لهم فأظفره الله تعالى على الحبشة، فهكذا كانت إعانته إياه، فلينظر العاقل فيه، ألوم هو أم كرم؟ ولئن كان أعان سيف بن ذي يزن على الحبشة، فلقد قتل النعمان بن المنذر لأنه خطب إليه ابنته، فرده عنها، ولم يره لها كفئًا، وما وضع بقتله الصغار الذي ألبسه النعمان باستعاضة إياه، فإن القتل قد يصيب الناس من الأكفاء، وغير الأكفاء، فليحسب ابرويز حية نهشت ملك العرب أو عقربًا لدغته، فلا عار في ذلك عليه. وقد شفا الله ﷿ الصدور من ابرويز بتسليط ابنه عليه حتى قتله، ثم لم يمهل جماعتهم إلا قليلاً حتى سلبهم الملك، ونقل عنهم الملك إلى العرب، فتقلوهم حقًا وسلبوهم حقًا، وألجأهم إلى دين الله فقبلوه، ولم يسلموا حتى أسلموا بهذا عاقبة أمرهم التي قضى الله جل ثناؤه بها عليهم، والعقول تشهد بأن الله تعالى لا يظلم عباده ولا يصطفي الأرذل على الأفضل، فلا إشكال مع هذا بفضل العرب على غيرهم، إذ قال الله تعالى إخبارهم على جميع من تقدمهم وأقر النبوة والملك فيهم إلى قيام الساعة. فلا يقدم أحد عليهم كما قدموا على غيرهم وبالله التوفيق. وأما قول المحتج: أن النبي ﷺ أخبر: أن العرب ترجع إلى دين آبائها، وأن الموالي يضربونهم على الدين عودًا كما ضربوهم عليه بدءًا. فجوابه: أن هذا إذا كان وقضى وكان الموالي الذين يضربون العرب الراجعة إلى دين
دين آبائها، وأن الموالي يضربونهم على الدين عودًا كما ضربوهم عليه بدءًا. فجوابه: أن هذا إذا كان وقضى وكان الموالي الذين يضربون العرب الراجعة إلى دين
آبائها، خير من أولئك العرب إلا في النسب، كما كان العرب المسلمون الذين ضربوا أكفار العجم على كفرهم حتى تركوه، خير من أولئك العجم عندكم إلا في النسب. وليست المفاضلة بين المؤمنين أو الكافرين، لأن بعض الكفر يغني عن كل فضل وسرت الإيمان تسير كثيرًا من النقص. وإنما المفاضلة بين المسلمين أو بين الكافرين، فالمعارضة بالفضل الذي يوجب إيمان النوعين على الكافر لا معنى له والله اعلم. وأما قوله: إن النبي ﷺ ألحق رياسة العرب لأشراط الساعة، فدل ذلك على أنها من أدبار الدنيا. فجوابه: إنه أتاه بذلك الذين سماهم عربًا. البدويون الذين لا يقرأون ولا يحجون ولا يعتمرون، ولا يتراهنون بالقمار ويستألكون أموال الناس، ولا ينصرون الله تعالى دينًا ولا يكرمون له وليًا ولا يذلون له عدوًا. وليس يبعد أن يكون برؤيته هذه الفرقة من أشراط الساعة، أمارتها بادبار الدنيا، إلا أنه كما يوجد في العرب من يكون بهذه الصفة فلا يستحق تفضيلاً بذلك أن يقدم في العدم أمثالهم واردًا منهم، ثم أن ذلك لا يوجب تأخير العجم كلهم عند هذا القائل. كذلك ما قاله لا يوجب تأخير العرب كلهم عندنا، وإنما الكلام على الجملتين بلا تفضيل، أو على أهل الفضل من الفريقين. هل يجب للعربي بعربيته زيادة حق أو لا يجب؟ وأما رواية المحتج في هذه الأخبار لا يحكم في موضع الاختلاف والله أعلم. وأما ما قاله في الكفاءة، ورواه فيها من الأخبار. فجوابه: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: (العرب بعضها أكفاء لبعض، قريش بعضها إلفًا لبعض، والعجم بعضها إلفًا لبعض) وأجمع المسلمون على أن العجمية إذا دعيت إلى عربي وجب على وليها تزويجها. فصح أنه لم يرد بالحديث. أن العرب ليسوا أكفاء للعجم، وإنما أريد به أن العجم ليسوا أكفاء للعرب. كما أن الله جل ثناؤه لما قال في القصاص ﴿الحر بالحر والعبد
أنه لم يرد بالحديث. أن العرب ليسوا أكفاء للعجم، وإنما أريد به أن العجم ليسوا أكفاء للعرب. كما أن الله جل ثناؤه لما قال في القصاص ﴿الحر بالحر والعبد
بالعبد﴾ وأجمع المسلمون على أن العبد يقتل بالحر، علمنا أن هذا التمييز إنما كان من قبل الحر للعبد. والأخبار التي رواها، وضعها في غير موضعها لأنه ليس في شيء منها وجوب تزويج العربية العجمي، وإنما منها الأذن في ذلك، ولسنا ننكر أن المرأة والولي إذا رضيا بذلك جاز، وإنما الخلاف في أن أحدهما إذا كان يأبى، هل يجبر على ما يأباه نم ذلك أو لا يجبر؟ ولم يرو في هذا خبر إلا عن عمر ﵁، ولم يكن من ذلك من عمر عزمًا وإنما كان اختيارًا. فأما احتجاجه بالحور العين، فلا يلزم. لأن الحور العين ليس بأفضل من حال أهل الجنة لا من عربهم ولا من عجمهم. فإن جميع ما يوصف من فضلهن، طريقه طريق حسن الخلقة واعتدال البنية والدلال والملاحة والنقاء والصفاء، وحب الأزواج والعطف عليهم، وشيء مما يجري هذا المجرى لا اعتداد به في تفضيل أحد من العرب والعجم على غيره. والمعاني التي تقع بها المفاضلة بين العرب والعجم لا وجود لها في الحور العين، وإنما خلقهن الله لرجال أهل الجنة، فلا كلام عليهن بكفاءة، وغير كفاءة، وإنما يليق هذا الاعتبار بما بين أهل الدنيا والله أعلم. وأيضًا فإن الله ﷿ آثر الحور العين في الجنة منزلة الأماء في الدنيا، لأنه لم يجعل لهن فيما بينهن وبين رجال الجنة أمرًا على أنفسهن، كما لم يجعل للإماء في الدنيا أمرًا على أنفسهن. فمن اشترى أمة من شريف أو وضيع ملكها. وأما الحرائر في الدنيا، فقد جعل لهن على أنفسهن أمرًا، لأن من شاه منهن أن لا تتزوج أصلاً تركت. وهذا ما لا يكون للحور العين، فكذلك لا ينكر أن يكون لإحداهن رضاء واحد أو كراهية، ولم يجعل لهن تزويج أنفسهن وإنما تزويجهن إلى أوليائهن. لكان لهم إذا لم يعلموا أنهن فيما يدعون خير أن لا يزوجوا ولا خير في غير الكفر، فلهم أن لا يزوجوه، هذا هو الجملة. ثم الذي يبين أن العجمي لا يكون كفيًا للعربية، ما قدمنا ذكره والله أعلم. يبين هذا أن العربية والإسرائيلية إذا كرهت هندًا يحبطها أو تركيًا لم يجز أن تزوج
وهي كارهة. وقد يكرم الله تعالى في الجنة من يدخلها إياهم من الترك والهند بالحور العين. فكذلك العربية إذا كرهت العجمي لم تزوج إياه وهي كارهة. وإن كان الله تعالى قد يكرم العجمي إذا أدخله الجنة الحور العين والله أعلم. وأما احتجاجهم بقول الله ﷿:﴾ ثم لا يكونوا أمثالكم ﴿، فإن الذي رواه في نفسه من الحديث لم يكن فيه حجة، لأنه بين أن المعنى. ثم لا يكونوا أمثالكم في الذهاب عن أوامر أمثالكم. ولسنا ننكر أن العجم المطيعة لله تعالى خير من العرب العاصية لله تعالى. وإنما الخلاف في الفريقين إذا كانا جميعًا مطيعين. وقد علمنا أن في كل واحد من الفريقين عاصيًا ومطيعًا. فلا معنى للاحتجاج بالآية في غير موضع الخلاف. وأما ما رواه عن النبي ﷺ من قوله: (إن احسابكم هذه ليست بمسيئات على أحد) ولسنا نخالفه ونقول: ليست العجمية نسبة، ولكن العربية فضيلة، كما أن لا هاشمية ليس بسنة، ولكن الهاشمية فضيلة. ولا نبوة تسبب نسبة، ولكن النبوة والرسالة فضيلة والله أعلم. وأما ما رواه عن النبي ﷺ أنه قال: (لو كان الدين معلقًا بالثريا، لتناوله رجال من الفرس). وتشبه أن تكون أخبار بأن الفرس يسلمون، وتفتح بلادهم، ويذهب ملك الاكاسرة. وإن الدين وإن كان بعيدًا منهم اليوم لتشددهم في المجوسية فسيقلب الحال، ويكون منهم رجال يتدينون، وليس هذا ما يوجب بفضلهم على العرب. وأما ذكر المحتج بقول الله ﷿ في العرب:﴾ وكذب به قومك ﴿. وقوله في نفر من أهل الكتاب:﴾ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴿. فجوابه: إن كل العرب لم يكذبوا، وكل أهل الكتاب لم يصدقوا، وإن كان قوم منهم صدقوا فقوم من العرب قد صدقوا، فلا نقول: إن المكذب من العرب خير من
ؤمنون ﴿. فجوابه: إن كل العرب لم يكذبوا، وكل أهل الكتاب لم يصدقوا، وإن كان قوم منهم صدقوا فقوم من العرب قد صدقوا، فلا نقول: إن المكذب من العرب خير من
المصدق من العجم، بل المصدق من العجم أفضل. وإنما كلامنا في مصدق من العرب ومصدق من العجم. وقد يكون هذا في مواضع وبإزاء ما أثنى الله تعالى على النفر الذين ذكرهم الله من أهل الكتاب ثناؤه على العرب إذ يقول:﴾ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴿إلى آخر السورة. وقوله:﴾ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ﴿إلى آخر القصة. وبإزاء ذمة المكذبين من العرب ذمه المكذبين من أهل الكتاب:﴾ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴿إلى آخر الآية. وأمثالها كثيرة. وفي ذلك ما يشغل المحتج عن الإحتجاج بما ذكره. وأما ما قاله في السابق، فغلط منه. لأنه ليس معنى ذلك الحديث أن النبي ﷺ لما بعث سابق العرب إلى دين الإسلام تبعه في الإسلام أبو بكر وعمار وأمه وصهيب ثم بلال وسلمان، وإنما المعنى أن صهيبًا أول من أسلم من الروم. وسلمان أول من أسلم من الفرس، ثم كان قد أسلم من العرب خلق كثير، إلى أن أسلم كل واحد من هؤلاء. ألا ترى أن سلمان إنما أسلم بعد قدوم النبي ﷺ المدينة، فكيف يجوز أن يقال: إن السابق سنة بلائه من العرب وبلائه من العجم. وأما قول المحتج: أنه لم يرتد من العجم أحد بعدما أسلم. فجوابه: أن العجم إن كان من ولد إسحق ﷺ، فقد علم أن إسحق لم يكن يعبد النار، ولا كان ثنويًا، فهل يكون أحد أب لولده هذا، إلا كفر بعد إيمان. وهل قول النصارى للمسيح: هو الله أو ابن الله إلا كفر. ألم يكونوا ولا آباؤهم من قبل عليه. وهل الإنكار لنبوة نبينا ﷺ بعد تقدم البشارات به في الكتب المتقدمة إلا كفرًا بعد إيمان. وأما اليوم فإن نصرة العجم بالروم معروفة، وزيادة ضررهم على ضرر الروميين عنه فلا يخفى. فكيف يجوز لهذا المحتج أن ينزههم هذا التنزيه إلا لعصبيته، وبالله العصمة والتوفيق.
رة العجم بالروم معروفة، وزيادة ضررهم على ضرر الروميين عنه فلا يخفى. فكيف يجوز لهذا المحتج أن ينزههم هذا التنزيه إلا لعصبيته، وبالله العصمة والتوفيق.
السادس عشر من شعب الإيمان
- وهو باب في شح المرء بدينه - متى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر؟ وذلك لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه فقد وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجل يحب القوم، لا يحبهم إلا لله ﷿، والرجل إن قذف في النار كان أحب إليه من أن يرجع يهوديًا أو نصرانيًا). فأبان ﷺ بهذا الخبر أن للشح بالدين من الإيمان، لن ذكره الحلاوة وليس الإيمان مما يطعم، دليل على أنه ضرب الحلاوة مثلاً للإيمان، وأراد أن الشحيح بدينه كالمتطعم للشيء الحلو فكما -أي الراغب في الحلو- لا يجد حلاوته فيلتذ بها إلا بتطعمها، كذلك الراغب في الإيمان لا يسلم مقصودة منه، إلا بأن يكون شحيحًا به، فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت ما يفسده عليه، كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه والله أعلم. ويأتي في هذا الباب ما اقتصه الله تعالى من خبر شعيب النبي ﷺ إذ قال له قومه:﴾ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا. قال أو لو كنا كارهين، قد افترينا على الله كذبًا، إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علمًا، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴿. فإن في الجواب عدة معاني مرجعها كلها إلى الشح بالدين:
أحدها: أن شعيبًا ﵇ سمى مهانته، المستكبرين من قومه نجاة قومه وقد علم أن ضد النجاة الهلكة، ومن كان عنده: أن الكفر هلكة والإيمان نجاة، لم يكن شحيحًا إلا على دينه. والثاني أنه أشار بقوله على الله توكلنا إلا أنه قد فوض أمره إلى الله تعالى، فإن العصمة من الجلاء عن الوطن، فذلك فضله، وإن جلاهم وما يهمون به من إخراجه بالجلاء أحب إليه من مفارقة الدين، وهذا من الشح بالدين، لأن الله ﷿ جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل. فقال:﴾ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴿. فضرب المثل بمفارقة الدار كما ضربه بمفارقة الحياة. قال:﴾ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴿. فأخبر أنه إنما لم يسلط النبي ﷺ، والمسلمين على أولئك اليهود فيقتلونهم بل بأسيافهم لأنه كتب عليهم الجلاء. فبان أن الجلاء نظير القتل إذ كان يقوم في مستحق العذاب العاجل مقامه. وإذا كان كذلك، وقد امتنع شعيبًا النبي ﷺ مما ورد عنه بعدما توعد بالجلاء، فقد أظهر الشح بالدين، فلذلك ينبغي لغيره أن يكون. والثالث أن شعيبًا ﵇ فرغ إلى الله تعالى واستنصره، فدعاه كما يدعي في الشدائد إذا عرضت، والخطوب إذا نزلت، فقال:﴾ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴿استعظامًا منه لما كان يخاطب به، وتأملاً أن يدفع الله عنه أذية الكفار فلا يسمعونه في دينه ما يشق عليه سماعه. وهذا أيضًا من الشح بالدين، كما لو كان يراد منه مال وهو يأبى فاسترفع الله تعالى شرهم بدعائه وتضرعه، فكان ذلك شحًا بالمال. ومعلوم أن الله ﷿ إنما يقيض علينا هذا ومثله لتتأدب بآداب الذين يصف لناسيرهم ثم يمنعها، وبيان مذاهب الذين يصف لنا طرائقهم ثم يدعها، ويتبع الأحسن من الوجهين دون الأصح منها، كما قال ﷿:﴾ فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ﴿. فصح أن الشح بالدين من أركان الدين، لا يجد حلاوة الدين من لا يجد به الشح في قلبه والله أعلم. وهو
ه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ﴿. فصح أن الشح بالدين من أركان الدين، لا يجد حلاوة الدين من لا يجد به الشح في قلبه والله أعلم. وهو
الذي ورد به القرآن، والخبر عن المصطفي ﷺ في هذا الباب، فهو الأمر الذي يشهد بصحته العقل، ولا يوجد فيه بخلافه وجه، لأن من اعتقد دينًا ثم لم يكن في نهاية الشح به والإشفاق عليه كان ذلك دلالة على أنه لا يعرف قدره، ولا يبين موضع الحظ لنفسه فيه، ومن لاحق عنده أمل يكن الحق عنده وبالله العصمة. ثم أن الشح بالدين ينقسم قسمين: أحدهما الشح بأصله كيلا يذهب. والآخر الشح بكماله كيلا ينقص. والشحان جميعًا من أركان الإيمان، ألا ترى أن الله ﷿ كما مدح شعيبًا ﷺ وأثنى عليه بأنه شح على دينه، فلم يفارق مع استكراه قومه إياه على مفارقته وكذلك قد مدح يوسف صلوات الله عليه بأن استعصم حين مراودته امرأة العزيز عن نفسه، وقال﴾ رب السجن أحب إلى مما تدعونني إليه ﴿فبان أن الشح على شعب الإيمان لئلا ينقص كالشح على أصله كيلا يذهب وبالله التوفيق، وهذا سبيل كل متنفس مسنون به لأن الشحيح بماله، كما لو شح بجماعته يشح بابعاضه. والشحيح بنفسه يشح بأطرافه، كما يشح بجميع ماله لذا يبغضه كذا الدين وبالله التوفيق. وقد قيل في قول الله ﷿ أخبر أن أهل الجنة يقولونه أنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم، أنهم كانوا مشفقين أن يسلبوا الإسلام فجزاهم الله تعالى بإشفاقهم على دينهم الناس من جهنم إياه وعز فإنهم قدره أن بينهم عليه فأداهم في الآخرة إلى رضوانه وطول دار المقامة من حسناته.
الإسلام فجزاهم الله تعالى بإشفاقهم على دينهم الناس من جهنم إياه وعز فإنهم قدره أن بينهم عليه فأداهم في الآخرة إلى رضوانه وطول دار المقامة من حسناته. وروى أن حذيفة المرعشي ﵀ سئل عمن كانت المعاصي قبره عينه، هل يعرف. الله ﷿؟ فقال: أرأيت من كانت نعله أحب إليه دينه أي دين دينه. رأيت رجلاً صنع نعله. ومعنى هذا أن المغرمين بالباطل لا يتفكرون في أن ما يتعاظمونه يثلم إيمانهم ويقلب سماهم ويعر حكمهم، ويحبط في مواقف أهل الدين قدرهم. ثم لا يرى أحدًا منهم يصنع نعله لأنه إن كان في داره لم يتركها حيث تصل الأيدي إليها، بل يخزنها ويحفظها إذا خلفها عند دخول مسجد أو غيره، لم يهملها ولم ينتظرها ويجوزها إما بنفسه وإما بغيره، لئلا توجد. فهذا يدل على أن فعله أعز عليه من دينه إذا كان يقصد الدين فيثلمه
الثلمة بعد الثلمة، ثم يواقعه نفسًا باضاعة النعل، فمن كان هذا دينه، فأي دين دينه؟ أما أن يكون منافق القلب أو يكون إيمانه في نهاية الضعف. وما قال حذيفة ﵀ من هذا، فكما قال: فمن أهمه من أمر دينه ما ذكرنا، وكره أن يكون المنزلة التي وصفنا، فليدع المعاصي كما يدع الكفر نفسه، حتى إذا أسلم له أصل دينه بأجزائه فلقي الله ﷿ وهو كامل، وفضل الجميع له حاصل وبالله التوفيق. ومن الشح على الدين أن المؤمن إذا كان من قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم، وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له وافق قال الله ﷿:﴾ ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله ﴿. فيدخل في هذا من هاجر إلى رسول الله ﷺ في حياته ليلقاه ويصحبه ويجاهد معه. ومن هاجر بعده إلى حيث يستطيع إظهار دينه ونصب إعلام شريعته، فيه قال الله تعالى﴾ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴿. فدخل في ذلك الرجوع إليه حقًا في سؤاله عما أشكل والرجوع بعد وفاته إلى سنته وما بلغ الناس عن ربه ﷻ فكذلك يدخل في الهجرة، وإليه الوجهان اللذان ذكرتهما والله أعلم.
ك الرجوع إليه حقًا في سؤاله عما أشكل والرجوع بعد وفاته إلى سنته وما بلغ الناس عن ربه ﷻ فكذلك يدخل في الهجرة، وإليه الوجهان اللذان ذكرتهما والله أعلم. فإن أقام بدار الجهالة ذليلاً مستضعفًا وهو يقدر على الانتقال إلى حيث يخالفها فقد ترك -وفي قول كثير من العلماء- فرضًا واجبًا، لأن الله تعالى قال:﴾ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض. قالوا ألم تكن أرض الله واسعة، فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكن الله عفوً غفورًا ﴿. ويوعد تارك الهجرة من البلد الذي يكون مستضعفًا فيه، إذا كان قادرًا عليها مثل هذا الوعيد، فثبت أنها فريضة لازمة أيضًا. فإن الهجرة من مكة كانت واجبة قبل الفتح لما كان المسلم يخشاه بها من الفتنة على الفتنة، وأنه كان يعجز من إظهار دينه ولا يتمكن كما ينبغي من عبادة ربه، فأي مسلم حرص له أو مثله في بلد فهو في معنى المسلمين كانوا يومئذ.
فإن قيل للذاهب إلى هذا المعنى قد يجوز أن تكون هذه الآية في الناس على الكفر فغابهم من الليل إلى الإيمان، لأنه ليس فيها تصريح بذكر المؤمن. قيل: ليس كذلك، لأن الله تعالى استثنى الضعفاء من الجملة فقال: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم". والله جل ثناؤه لا يعفو عن الكافر وإن كان عازمًا على الإيمان مائلاً إليه ما لم يؤمن. فبان بهذا أن الآية فيمن آمن وكان يدين الحق، إلا أنه مستضعف بين قومه لا يتمكن معه إقامة الدين والله أعلم. فإن قيل له: إنما نزلت هذه الآية قبل فتح مكة فلما فتحت مكة، قال النبي ﷺ: (لا هجرة من مكة بعد الفتح، لأنها تصير بالفتح دار الإسلام). والهجرة المفروضة من دار الكفر لا من دار الإسلام، لأن دار الإسلام مهاجر إليها فلا تكون بها. وأما غير مكة إذا لم يكن فيها إقامة الدين فيها لزمهم الهجرة منها، لأنها قد عادت إلى حالها الأولى، فكل بلد ظهر فيه الفساد كانت أيدي أهلها أعلى من أيدي أهل الصلاح أو غلب الجهل على سكانه أو انبعث فيهم الأهواء أو ضعف العلماء وأهل الحق عن مقاومتهم، واضطره إلى كتمان ما عندهم خوفًا من الإعلان على أنفسهم فهو في وجوب الهجرة منه عند القدرة كمكة قبل الفتح والله أعلم. فمن ذهب إلى هذا الرأي قال: من أقام ببلد يكون الحال فيه على ما وصفنا، ولم يكن فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا الردع عن الباطل أو نصرة الحق، وهو يقدر على مفارقته إلى حيث يكون الحال فيه بخلاف ذلك لم يكن من إلا شحًا بدينه لكنه من السمحى به المتساهلين فيه والله أعلم. وأما شعيب النبي ﷺ فإنه لم يهاجر بلده بعد أن قال له قومه:﴾ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ﴿لم يكن جزاه مهاجرًا، فإنه كان بين مصر والمؤتفكات والبوادي الفارغة، وكان مصر يومئذ دار الكفر والإلحاد، وقد
ين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ﴿لم يكن جزاه مهاجرًا، فإنه كان بين مصر والمؤتفكات والبوادي الفارغة، وكان مصر يومئذ دار الكفر والإلحاد، وقد
استولى عليها فرعون وملأه، فلم يكن ليهاجر من بلده وقومه إلى شر منه ومنهم. فلما تردد أمره بين المقام خلال الكفار أو الانتقال إلى بلد آخر ونزول بعض البوادي بين السباع فاختار المقام في بلده، وتوكل على الله جل ثناؤه فيه، إلا أن يجري فيه من قومه ما لا يظن وقعه، وكان ظنه بالله تعالى إلا يخليهم وما يريدون والله أعلم. وأما من خالف هذا الرأي قال: أنا لا ننكر وجوب الهجرة من دار الكفر، وعلى كل دار كان الكفار ظاهرين عليها، والمسلم فيها غير مجلي وإسلامه، وهو في كل وقت فيه على نفسه في دينه، ولا فرق في ذلك بين كفر وكفر. وأما ما كان من دار الإسلام إلا أن الفساد كان غالبًا فيه أو بعض الأهواء، أو كان أهله ظاهرين على أهل الحق فلا تحبب الهجرة منه. وكذلك المسلم في دار الكفر إنما كان على دينه، ولا يعرض له ولم يكن يخاف أحدًا على دينه ولا نفسه ولا ماله، فليس عليه أن يهاجر منها إلى غيرها. وأما الأول فلأن الدار دار الإسلام، فلا يجب على مسلم هجر داره. وأما الآخر فلأن مكانه من دار الكفر قد ظهر من نجاسة الكفر، فصارت له كالدار كلها لأهله، لو أسلموا مكانه فإن أوذي أو منع من التدين بالإسلام هاجر إن استطاع، لأنه قد صار محولاً بينه وبين سكانه من الدار، إذ قد فارق أن تكون له مأمنًا وعقدًا، كما تكون المساكن لأهلها، ولا سبيل إلى رفض الدين. فأما إذا لم يمكنه أن يقيمه إلا بالهجرة، هاجر والله أعلم.
الدار، إذ قد فارق أن تكون له مأمنًا وعقدًا، كما تكون المساكن لأهلها، ولا سبيل إلى رفض الدين. فأما إذا لم يمكنه أن يقيمه إلا بالهجرة، هاجر والله أعلم. وأما قول الله ﷿:﴾ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴿. فالمراد يد القادرون على الهجرة من مسلمي أهل مكة إذا لم يلحقوا برسول الله ﷺ، يوعدهم الله ﷿ لهذا الوعيد الغليظ على تلك الهجرة، واستثنى العاجزين عنها ذكورًا كانوا أو أناثًا، وكبارًا أو صغارًا، ومناهم العفو والمغفرة، ثم أخبر عما في الهجرة من الفضل والمهاجر من الثواب، فقال:﴾ ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله ﴿. فأخبر أن أجره لا يضيع وعمله لا يحبط
عاش حتى وصل إلى رسول الله ﷺ أو احترم دونه. وهذا كله قبل الفتح، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام سقط فرض الهجرة فقال رسول الله ﷺ: (لا هجرة بعد اليوم). وإنما كانت الهجرة قبل الفتح واجبة لمعنيين. أحدهما حيلولة المشركين من أسلم بها، وبين التدين بالإسلام والعمل به، وكانوا هم الظاهرين عليها ولم يكونوا يطافون. والآخر أن النبي ﷺ هو الإمام والمتبع، فلما هاجر من مكة وهي وطنه، وفيها عشيرته، لم يكن لمسلم أن يرغب بنفسه عن نفسه فيقيم بها وهو مفارق إياها، رغبة عنها لظهور الكفر فيها واستيلاء الكفر عليها. فلما فتح الله تعالى مكة لنبيه ﷺ فصارت دار الإسلام بعوده إليها، زال المعنيان جميعًا، فزال معنى الهجرة. وفي وجوب الهجرة على من أسلم بمكة معنى ثالث، ولكنه ذلك إنما يكون بعد نزول فرض القتال، لزم المسلمين من أهل مكة أن يتحيزوا إلى رسول الله ﷺ ليكونوا معه يدًا واحدة على قتال المشركين، ولئلا يغتالهم أهل مكة إن سمعوا أن النبي ﷺ قد هم بقصدهم وقتالهم، فتجتمع لهم الأمة على أنفسهم، والاجتماع مع أخوانهم على قتال الأعداء والله أعلم. فإن قيل: فما الذي يفعله المبتلي لمجاورة الفساق وأهل الأهواء؟
وقتالهم، فتجتمع لهم الأمة على أنفسهم، والاجتماع مع أخوانهم على قتال الأعداء والله أعلم. فإن قيل: فما الذي يفعله المبتلي لمجاورة الفساق وأهل الأهواء؟ قيل: يعمل لخاصته، ويدرأ العوام، وقد يمكنه من ذلك ما لم يمكن المبتلي بمجاورة المشركين، لأن للفساق يعلمون إن خلاف ما هم فيه، فلا يحملهم ذلك على أن يتحولوا بين الصلح وإصلاحه، وأهل الأهواء قد علموا من أنفسهم أنهم متأولون، والمتأول قد يخطئ ويصيب فلا يحملهم ذلك أيضًا على أن يكرهوا أحدًا منهم من يخالفه على إتباع هواه، فيصير المحق أن يرجى بين ظهرانهم أيامه، وليكم المصلح أيضًا أن يدافع فيما بين المفسدين أوقاته، وليس المشركين كذلك لأنهم يعتقدون أنهم المحقون، وإن المسلمين هم المبطلون قطعًا بذلك وبناء فلا يبعد أن يحملهم ذلك على أنه المسلمين واغتيالهم. فلذلك يلزمه إذا أشفق على نفسه ويخاف أن يقضي على دينه وإن لم يكن لهم منهم مخافة فلا هجرة عليه والله أعلم.
السابع عشر من شعب الإيمان وهو باب في طلب العلم والعلم إذا أطلق علم الدين، وهو ينقسم أقسامًا. فمنها علم الأصل. وهو معرفة الباري جل ثناؤه، وقد تقدم القول عن كثير من فصولها. ومنها معرفة ما جاء من عند الله تعالى. ودخل في هذا علم النبوة، ومما تميز به الشيء من الشيء. وعلم أحكام الله تعالى وأقضيته. ومنها معرفة بطلب علم الأحكام فيه وهو الكتاب والسنة. نصوصها ومعانيها، وتمييز وجوه القياس وشروطه ومعرفة أقاويل السلف من الصحابة والتابعين ومن دونهم، وتمييز الاجتماع والاختلاف. ومنها معرفة ما به يمكن طلب الأحكام في الكتاب والسنة، وهو العلم بلسان العرب وعاداتها، وفي مخاطباتها وتمييز مراتب الأخبار لينزل كل جزء منزلته، ويوفي بحسنها حقه، ثم أن طلب العلم من فروض الدين، إلا أنه من فروض الكفاية دون الأعيان والمقدار الذي يجب طلبه وتحصيله منه ما يقع به الكفاية للعمل. وأفتى من لا علم له عنده ممن ينزل به ونبوته، فإن فرض أولئك مسألة العلماء وتقليدهم وذلك أن يعمل أن الدلائل الدالة على الباري ﷻ، وقدمه ووحدانيته وقدرته، ما يخرج به من معرفة الله من حدود المقلدين، ويتسع به للدعاء إلى سبيله والنصح بالحجة عن دينه، ويعلم من دلائل النبوة ما يخص منها نبينا ﷺ ما يستيقن بنبوته وصدقه ويكمل به للنصح بالحجة عنه، ويعلم من علم الكتاب ما يميز به الحكم من المتشابه، والخاص من العام، والمحمل من المفسد، والمطلق من المفيد، والظاهر من المحتمل، والناسخ من المنسوخ، والمجازي من الحقيقة، والأمر من الندب، والإباحة والنهي عن
خاص من العام، والمحمل من المفسد، والمطلق من المفيد، والظاهر من المحتمل، والناسخ من المنسوخ، والمجازي من الحقيقة، والأمر من الندب، والإباحة والنهي عن
التنزيه، وما جاء منها بلفظ الخبر وليس بخبر. ومما جاء بلفظ الخبر وهو بالحقيقة خبر فإذا ميز وجوه الخطاب بعضها من بعض، وعرف الأكثر مما جاء في كل شيء منها، وقال الناس في تأويله، وإلا ظهر الأشبه أن يكون هو المراد، فلا عليه أن بقي وراء ذلك شيء لم يبلغه فلم يعلمه. فإن الإحاطة بعلم الكتاب كله لم يكن إلا لمن أنزل عليه. وأما الناس بعده، فعلم الكتاب فيهم متفرق ولا يؤخذ عند أحد منهم إلا تعلمه. وعلوم الكتاب كثيرة. منها علم بألفاظه وما أريد بها، وهذا هو الذي يقال له التفسير، ويدخل في هذا القسم ما اختلف فيه من القراءات ووجوهها. ومنها علم المكي والمدني وأسباب التنزيل، ومن نزل فيه وما نزل لأجله. ومنها علم الحاجات التي فيه، فقد أودعه الله تعالى من البراهين والحجج ما إذا عرفت حق المعرفة لم يحتج معها ولا وراها، إلى غيرها. ومنها علم الأحكام المثبتة فيه جملة وتفصيلاً وتمييز الثابت منها والزائل. ومنها علم الأمثال المضروبة فيه، والوقوف على ظاهر أمثاله فيه ودلائل عليه. ومنها علم الوعد والوعيد والمدح والذم. ومنها علم القصص وأنباء الأولين المذكورة للاعتبار بها وتسلية النبي ﷺ وتصبيره. ومنها علم ما فيه الحث على الاعتصام بالله ﷿ والالتجاء في النوائب إليه، والدلالة على وجوه الاحتراس من شياطين الأنس والجن. ومنها علم الأخبار بالعواقب تبيينًا للنبي ﷺ وتبيينًا للمؤمنين.
ام بالله ﷿ والالتجاء في النوائب إليه، والدلالة على وجوه الاحتراس من شياطين الأنس والجن. ومنها علم الأخبار بالعواقب تبيينًا للنبي ﷺ وتبيينًا للمؤمنين. ومنها علم إعجازه ومبانيه في نظمه شعر الشعراء وخطبة الخطباء، وبلاغة البلغاء، وما بني من هذه العلوم إلا ويوجد منه في السنة مثل ما يوجد فيه في الكتاب إلا الإعجاز، فإنه يخص بالقرآن، وفيها زيادات كثيرة لأن الله ﷾ جعل نبيه ﷺ مبينًا الكتاب، ومعرفًا للناس منه بما لا يدركونه إلا ببيانه، وأوصى الله كثيرًا مما لا ذكر له في الكتاب، فبلغه عنه كما لا أن ما ينتهي من سنته إلينا، فقد تأتينا متواترة، وقد تأتينا مستفاضة غير متواترة، وقد تأتينا من قبل الاحاد، والقلة يختلفون مرة، ويتفقون أخرى، وقد يكون الناقل موثوقًا به، وقد يكون غير موثوق به، ومواقع الثقة تختلف.
فيكون منه الجرح ألين، وقد تكون منه الشهرة بالتدليس أو الغفلة أو مخالفة الحفاظ الإثبات لمن شاركهم في الرواية، ولا يكون في منزلتهم. ومن الأخبار ما يعارض ومنها ما يلم من التعارض، ومنها مسند ومرسل فمنقطع ومنقطع لا غنى بالمعنى من رواية الأكثر الأظهر من عامة ما وصفنا، فإن شذ عنه بعد الطلب الحثيث والعناية الشديدة بعض ما ذكرناه بلا غلبة ولكنه لا علم له أن يعتمد ما يراه مثبتًا في كتب العلماء، ويشهدوا على أنه سنة حتى يسمعها فمن يرويها له وحدثه إياها بإسناد متصل منه للنبي ﷺ بكون نقلتها عدولاً، وكلما قلت أنه لا شيء على من جهله من بيان الكتب والسنة، فإنما أريد به، إن العالم الذي حصل ما رواه، إن عمل بخلافه أو أفتى به غيره بعدما أوجبه الاستدلال عنده، فلا حرج عليه فيه ما لم يبلغه الذي قضي عنه، أو ينصح له ما كان كائنًا عليه. فإذا علم منه ما كان لا يعلمه، فقد صار محجوبًا به، والتحق بسائر ما عنده، وكذلك أقاويل السلف وما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه لا يتهيأ أن يحاط بجميعها، ولكن أكثر ذلك قد عرف وحفظ وجلد في كتب أفردت لذلك الاختلاف ما خلد من السنن وتفسير القرآن وتأويله. فينبغي للمفتي أن يتبع ما جاء منها ولا يقتصر على ما عده منها في كتابه دون أن يسمعه ممن يبلغ وتأويله.
ك الاختلاف ما خلد من السنن وتفسير القرآن وتأويله. فينبغي للمفتي أن يتبع ما جاء منها ولا يقتصر على ما عده منها في كتابه دون أن يسمعه ممن يبلغ وتأويله. فينبغي للمعنى به قابله، ثم يقابل بعضهما ببعض ويتحر عند العمل والفتيا أرجحهما. ولا يحل له أن يتخذ لنبيه ﷺ عديلاً من أمته، فينصبه بالانتساب إلى مذهبه، ويعادي فيه، ويوالي ويدع لقوله السنن الصحاح، ولا يبالي بل ينبغي له أن ينزل علم السلف منزلة واحدة، إلا المقدار الذي ظهر من فضل بعضهم على بعض، فإنه لا يذكره ولا يدفعه، ولا يلزم إتباع أحد منهم بعدما جهد، وتبلغ حد المجتهدين، وصار من أهل الفتوى والقضاء بين المسلمين، قد يجد قوله على الإنفراد أمامه، ولا وفاق أصوله أصله وليتبع النبي ﷺ الذي هو من أمته، ومحجوج بالكتاب الذي أنزل عليه من ربه. وما يثبت عنده من قوله وفعله وبسحر وفاقه لا زمان من دونه، وليحذر خلافه، لا خلاف من ليس مثله، وليعلم أنه هو المعصوم، المبرأ من الكذب فيما يبلغ، والخطأ فيما يحكم. والمنزه من كل قصد فيما اصطفاه الله تعالى من النبوة، وأكرمه به من الرسالة. فأما من عداه كائنًا من كان، من أفراد الصحابة والتابعين فليس أحد منهم في درايته ورأيه، معصومًا من الخطأ أو الزلل، ولا عنده من علم الدين
لا يبغضه، وإن كانوا قد يتفاوتون، فيكون البعض الذي عند واحد منها أرجح من البعض الذي عند غيره. وينبغي لمن أراد طلب العلم، ولم يكن من أهل لسان العرب، أن يتعلم اللسان أولاً، ويتدرب فيه، ثم يطلب علم القرآن، فلن تتضح له معاني القرآن إلا بالآثار والسنن، ولا الآثار إلا بأخبار الصحابة، ولا أخبار الصحابة إلا بما جاء عن التابعين. فإن علم الدين هكذا أدى إلينا، فبلغنا درجة بعد درجة، فمن أراده فليتدرج إليه بدرجة. فيكون قد أتى الأمر بابه، وقصده من وجهه، فإذا بلغه الله درجة المجتهدين فلينظر في أقاويل المختلفين، ويتخير منها ما يراه أرجح وأقوم، وليقس ما يحدث وينوب على أشبه الأصول وأولاها به. فأما أن يقصد علم الدين ثم يقتصر عند المطلب على قول رجل من علماء السلف، من كان، وإن كان بعد في العلم شأوه، ويتبع ما جاء منه، ويرفض من يخالف ولا يقتديه فكل ما بلغه عنه قلبه، وكل ما بلغه عن غيره تركه، وينتصب مع ذلك داعيًا للناس من احتباه، ومنفرًا إياه عن سواه، كأنه نبه المبعوث إليه وإلى غيره. فيكون المسلم تبعًا عنده، من اتبع متبوعه، ويترك الحائدين عنه عند منزلة أهل الكتاب من المسلمين، إذ كان أهل الكتاب تمسكوا بما لا يتمسك به. وهؤلاء عنده أيضًا عدلوا إلى ما لا يعد إليه. فهذا هو النبأ العظيم الذي الناس عنه معرضون، ولنسألن يوم القيامة عما كانوا يعملون. وأقرب ما يلزم ذكره أن الذي ارتضاه لا يأمنه واتخذه قدوة لنفسه بما كان يرضى أن يكون له، دون رسول الله صلي الله عليه وسلم أمام ينتهي إليه ويقصر نفسه عليه، فلا يقتدي إلا به، ولا يأخذ إلا من علمه، ويقارب من اتبعه، ويباعد من رغب عنه، لكنه طلب العلم حيث وجده، وأخذه ممن كان عنده.



