— Bagian 14 · ا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم ﵊ إلّا أن يبعث أب… —
Bagian 14
ا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم ﵊ إلّا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها. وكان فيما سألوه مع ذلك أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا.
أوثانهم إلّا بأيديهم، فقال ﵊: "كسروا أوثانكم بأيديكم, وأما الصلاة: فلا خير في دين لا صلاة فيه"، فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب أمَّرَ عليهم عثمان بن أبي العاص, وكان من أحدثهم سنًّا، لكنه كان من أحرصهم على التفقّه في الإسلام وتعلم القرآن. فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية،......................
فلمَّا دخل المغيرة عليها علاها بضربها بالمعول، وخرج نساء ثقيف حسرًا يبكين عليه، وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحليها. وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله
إلى المؤمنين: إن عضاه وج, وصيده حرام لا يعضد، من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد، وتنزع ثيابه، فإن تعدَّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ النبي محمدًا، وإن هذا أمر النبي محمد رسول الله"، وكتب خالد بن سعيد بأمر محمد بن عبد الله، فلا يتعدَّاه أحد, فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله. و"وج": واد بالطائف. واختلف فيه: هل هو حرم يحرم صيده وقطع شجره؟ فالجمهور: أنه ليس في البقاع حرم إلّا حرم مكة والمدينة, وخالفهم أبو حنيفة
في حرم المدينة. وقال الشافعي -في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره، واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما: ما تقدَّم، والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إن صيد وج وعضاهه حرم محرَّم لله" رواه الإمام أحمد وأبو داود, لكن في سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه. وفي مغازي المعتمر بن سليمان التيمي عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمه عمرو بن أوس عن عثمان بن أبي العاص، قال: استعملني رسول الله ﷺ وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة،
فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلّت مني، فوضع يده على صدري، وقال: "يا شيطان, اخرج من صدر عثمان"، فما نسيت شيئًا بعده أريد حفظه. وفي صحيح مسلم، عن عثمان بن أبي العاص، قلت: يا رسول الله، إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي، فقال: "ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته تعوَّذ بالله منه, واتفل على يسارك ثلاثًا" قال: ففعلت فأذهبه الله عني.
الوفد الثالث: وفد بني عامر وقدم وفد بني عامر عليه ﷺ، قال ابن إسحاق: لما فرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب،
فدخلوا في دين الله أفواجًا، يضربون إليه من كل وجه. فوفد عليه ﵊ بنو عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس, وخالد بن جعفر، وحيان بن أسلم بن مالك، وكان هؤلاء النفر, لفظ: رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم -عدو الله- عامر بن الطفيل على رسول الله ﷺ, وهو يريد أن يغدر به، فقال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه، فاعله بالسيف, فكلّم عامر رسول الله ﷺ.
وقال: والله لأملأنَّها عليك خيلًا ورجالًا، فلمَّا ولَّى, قال ﵊: "اللهم اكفني عامر بن الطفيل". فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويحك، أينما كنت أمرتك به؟ فقال: والله ما هممت بالذي أمرتني به إلّا دخلت بيني وبينه، أفأضربك بالسيف؟ ولما كانوا ببعض الطريق بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله.
ه ما هممت بالذي أمرتني به إلّا دخلت بيني وبينه، أفأضربك بالسيف؟ ولما كانوا ببعض الطريق بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله.
وفي صحيح البخاري: أن عامرًا أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال، يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. فطُعِنَ في بيت امرأة, فقال: أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل بني فلان. ائتوني بفرسي, فمات على ظهر فرسه.
......................................
الوفد الرابع: وفد عبد القيس وقدم وفد عبد القيس عليه، زاده الله شرفًا وكرمًا لديه، وهي قبيلة كبيرة يسكنون البحرين, ينسبون إلى عبد القيس بن أقصى -بسكون الفاء بعدها ضاد مهملة.
بوزن أعمى, ابن دُعْمي -بضم الدال وسكون العين المهملتين وكسر الميم بعدها تحتانية. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ, فقال: "ممن القوم"؟ قالوا: من ربيعة، قال: "مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى"،
فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل، نأخذ به ونأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة.
قال: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت،
فاحفظوهنَّ وادعوا إليهنَّ من وراءكم". قال ابن القيم: ففي هذه القصة أن الإيمان بالله مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون موتابعوهم كلهم، ذكر ذلك الشافعي في المبسوط، وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة، ولم يعد الحج من هذه الخصال، وقد كان قدومهم في سنة تسع، وهذا أحد ما يحتج به على أنَّ الحج لم يكن فُرِضَ بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان فرض لعدَّه من الإيمان كما عَدَّ الصوم والزكاة. انتهى.
نة تسع، وهذا أحد ما يحتج به على أنَّ الحج لم يكن فُرِضَ بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان فرض لعدَّه من الإيمان كما عَدَّ الصوم والزكاة. انتهى.
وقد كان لعبد القيس وفدتان: إحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا له ﵊: حال بيننا وبينك كفار مضر، وكان ذلك قديمًا، إمَّا في سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين، وكان عدد الوفد الأوَّل ثلاثة عشر رجلًا، وقيل: كانوا أربعة عشر راكبًا،
وفيها سألوه عن الإيمان، وعن الأشربة، وكان فيهم الأشج، وكان كبيرهم، وقال له ﵊: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناءة" رواه مسلم من حديث أبي سعيد. وأخرج البيهقي: قال: بينما النبي ﷺ يحدث أصحابه قال: "سيطلع عليكم من.
ههنا ركب هم خير أهل المشرق"، فقام عمر بن الخطاب نحوهم، فلقي ثلاثة عشر راكبًا، فبشَّرهم بقوله ﵊, ثم مشى معهم حتى أتوا النبي ﷺ، فرموا بأنفسهم عن ركبائهم، فأخذوا يده فقبَّلوها. الحديث, وأخرجه البخاري في الأدب المفرد. فيمكن أن يكون أحد المذكورين غير راكب أو مرتدفًا. وثانيتهما: كانت في سنة الوفود وكان عددهم حينئذ
اربعين رجلًا، كما في حديث أبي خيرة الصباحي عند ابن منده. ويؤيد التعدد: ما أخرجه من وجه آخر أنه ﵊ قال لهم: "مالي أرى ألوانكم تغيّرت"؟ ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغيّر، وفي قولهم: يا رسول الله، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا في قولهم: كُفَّار مضر، وقولهم: الله ورسوله أعلم.
ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا، ما في البخاري: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين، وهي قرية لهم، وإنما جمَّعوا بعد رجوع وفدهم إليهم. قال في فتح الباري: فدلَّ على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام. وما جزم به ابن القيم من أنَّ السبب في كنه لم يذكر الحج في الحديث؛ لأنه لم يكن فرض هو المعتمد. وقد قدمت الدليل على قدم إسلامهم، لكن جزمه تبعًا للواقدي بأن قدومهم كان في سنة تسع قبل فتح مكة ليس بجيد؛ لأن
فرض الحجّ كان سنة ست على الأصح، ولكنه اختار -كغيره- أنَّ فرض الحج في السنة العاشرة، حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور شيء. وقد احتجَّ الشافعي بكونه على التراخي, بأن فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنه ﷺ كان قادرًا على الحج في سنة ثمان، وفي سنة تسع، ولم يحجّ إلا في سنة عشر، وسيأتي في حجه ﷺ من مقصد عبادته مزيد بيان لذلك -إن شاء الله تعالى. فإن قلت: كيف قال ﷺ: "آمركم بأربع" والمذكورات خمس؟ قلت: أجاب القاضي عبد الوهاب تبعًا لابن بطال: بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان التي هي الأربع, ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: وكذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض.
انوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: وكذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض.
وقال غيره: قوله: "وأن تعطوا" معطوف على قوله: "بأربع" أي: آمركم بأربع وآمركم بأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان: بأن والفعل، مع توجه الخطاب إليهم. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يحتمل أن يقال: إنه ﵊ عد الصلاة والزكاة واحدة؛ لأنها قرينتها في كتاب، وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد الخمس؛ لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما: إنه إخراج مال معين. وقال البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعودة بذكرها، والثلاثة الأخرى حذفها الراوي اختصارًا أو نسيانًا.
وتعقَّب بأنه وقع في صحيح البخاري أيضًا في رواية: "آمركم بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله" وعقد واحدة" فدلَّ على أن الشهادة إحدى الأربع. وقال القرطبي: قيل إن أوّل الأربع المأمور بها: إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تركبًا، وإلى هذا نحا الطيبي، فقال: عادة البلغاء أنَّ الكلام إذا كان منصوبًا لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرِّين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام. قال: ولهذا لم
بعد الشهادتين في الأوامر، انتهى ملخصًا من فتح الباري.
الوفد الخامس: وفد بني حنيفة وقدم عليه ﵊ وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة الكذّاب، فكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار، من بني النجار،
خصًا من فتح الباري.
الوفد الخامس: وفد بني حنيفة وقدم عليه ﵊ وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة الكذّاب، فكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار، من بني النجار،
فأتو بمسيلمة إلى رسول الله ﷺ يستر بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، في يده عسيب من سعف النخل، فلمَّا انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب -كلَّمه وسأله، فقال له رسول الله ﷺ: "لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك". وذكر حديثه ابن إسحاق على غير ذلك, فقال: حدَّثني شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة: أنَّ وفد بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ وخلَّفوا مسيلمة في رحالهم، فلمَّا أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خَلَّفنا صاحبنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله ﷺ بما أمر به للقوم، وقال لهم: إنه ليس بشركم مكانًا، يعني: لحفظه ضيقة أصحابه،
ثم انصرفوا، فلمَّا قدموا اليمامة ارتدَّ -عدوّ الله- وتنبَّأ وقال: إني أشركت في الأمر معه، ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى, من بين صفاق وحشي. وسجع اللعين على سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ، فقال: إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وهاجر، إن مبغضك رجل فاجر. وفي رواية: إنا أعطيناك الجماهر, فخذ لنفسك وبادر، واحذر أن تحرص أو تكاثر، وفي رواية: إنا أعطيناك الكواثر, فصل لربك وبادر, في الليالي الغوادر.
ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتي في أوائل مقصد معجزاته ﵊ من تسجيع مسيلمة الركيك زيادةً على ما ذكرته هنا إن شاء الله. وقيل: إنه أدخل البيضة في القارورة وادعى أنها معجزة له، فافتضح بنحو ما ذكر: أن النوشادر إذا ضرب في خل الخمر ضربًا جيدًا، وتجعل فيه بيضة بنت يومها يومًا وليلة فإنها تمتد كالخيط، فتجعل في القارورة ويصب عليها الماء البارد فإنها تجمد. ولما سمع اللعين أن النبي ﷺ مسح رأس صبيّ كان ألمَّ به داء فشفي في الوقت, ومج في عين بئر فكثر ماؤها، وتفل في عين علي -وكان أرمد- فبرأ, فتفل في بئر فغار ماؤها، وفي عين بصير فعمي، ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها وييس ضرعها، ولله در الشقراطيسي حيث يقول -يخاطب النبي ﷺ: أعجزت بالوحي
............ أرباب البلاغة في ... عصر البيان فضلَّت أوجه الحيل سألتهم سورة في مثل حكمته ... فتلَّهم عنه حين العجز حين تُلي فرام رجس كذوب أن يعارضه ... بعي غي فلم يحسن ولم يطل مثبج بركيك الإفك ملتبس ... ملجلج بزري الزور والخطل يمج أول حرف سمع سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل كأنه منطق الورهاء شذَّ به ... لبس من الخبل أو مسّ من الخبل
أمرت البئر واغورت لمحبته ... فيها وأعمى بصير العين بالتفل وأيبس الضرع منه شؤم راحته ... من بعد إرسال رسل منه منهمل فشبَّه هذا الكلام الذي عارض به مسيلمة بكلام امرأة ورهاء، وهي الحمقاء التي تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهي تهذي بكلام مشذّب -أي مختلط- لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بضعًا؛ ككلام من به خبل -بسكون الموحدة, أي: فساد، أو مسّ من الخبل -بفتحها- أي جنون. ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحلَّ لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبي. وقد كان كتب لرسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإني قد أشركت معك الأوامر، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر.
أنه نبي. وقد كان كتب لرسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإني قد أشركت معك الأوامر، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر.
فقدم عليه ﷺ بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله ﷺ: ِ "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". وفي الصحيحين من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على رسول الله ﷺ فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل
النبي ﷺ معه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي ﷺ قطعة من جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: "لو سالتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني"، ثم انصرف ﷺ. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ: "إنك الذي أريت فيه ما رأيت" فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "بينا أنا نائم, رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمَّني شأنهما, فأوحي إلي في المنام أن
انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدي، فهذان هما: أحدهما العنسي صاحب صنعاء
والآخر مسيلمة الكذاب".
فإن قلت: كيف يلتئم خبر ابن إسحاق مع الحديث الصحيح أنَّ النبي ﷺ اجتمع به وخاطبه، وصرَّح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريد ما أعطاه. فالجواب: إن المصير إلى ما في الصحيح أَوْلَى. ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى تابعًا وكان رأس بني حنيفة غيره، ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرة متبوعًا، وفيها خاطبه النبي ﷺ. أو القصة واحدة، وكانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة منه واستكبارًا أن يحضر مجلس النبي ﷺ، وعامله ﵊ معاملة الكرم على عادته في الاستئلاف, فقال لقومه: "إنه ليس بشركم" أي: مكانًا، لكونه كان يحفظ رحالهم، وأراد
استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يفد في مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر إليه بالإنذار. والعلم عند الله تعالى.
الوفد السادس: وفد وطئ وقدم عليه ﷺ وفد طيء، وفيهم زيد الخيل
د في مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر إليه بالإنذار. والعلم عند الله تعالى.
الوفد السادس: وفد وطئ وقدم عليه ﷺ وفد طيء، وفيهم زيد الخيل
وهو سيدهم، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال ﵊: "ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه"، ثم سمَّاه زيد الخير.
فخرج راجعًا إلى قومه، فقال ﷺ: "أن ينج زيد من حمى المدينة"، فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد أصابته الحمَّى فمات. قال ابن عبد البر: وقيل مات في آخر خلافة عمر. وله ابنان: مكنف
وحريث، أسلما وصحبَا رسول الله ﷺ, وشهدا قتال أهل الردة مع خالد.
الوفد السابع: وفد كنده وقدم عليه ﷺ وفد كندة, في ثمانين أو ستين راكبًا من كندة، فدخلوا عليه مسجده،
قد رجلوا جممهم، ولبسوا جباب الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا, قال ﷺ: "أولم تسلموا"؟ قالوا: بلى، قال: "فما هذا الحرير في أعناقكم
فشقوه فنزعوه وألقوه.
الوفد الثامن: وفد الأشعريين وفد الأشعريين وأهل اليمن. وقد عليه -زاده الله شرفًا وكرمًا لديه- الأشعريون وأهل اليمن. قيل: هو من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ أبو الفضل شيخ الإسلام ابن حجر: المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفد حمير. قال: ووجدت في كتاب الصحابة لابن شاهين من طريق إياس بن عمرو الحميري: أنه قدم وافدًا على رسول الله ﷺ في نفرٍ من حمير فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين.. الحديث.
والحاصل: إن الترجمة مشتملة على طائفتين، وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، فإن قدوم الأشعريين كان مع أبي موسى في سنة سبع عند فتح خيبر، وقدوم حمير كان في سنة تسع، وهي سنة الوفود، ولهذا اجتمعوا مع بني تميم. روى يزيد بن هارون، عن حميد, عن أنس, أن رسول الله ﷺ قال: "يقدم عليكم قوم هم أرقّ منكم قلوبًا". فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون: غدًا نلقى الأحبه ... محمدًا وحزبه
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله -صلى اله عليه وسلم- يقول: "جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا، الإيمان يمان،
والحكمة يمانية, والسكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس".
رواه مسلم. وفي البخاري: إن نفرًا من بني تميم جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقال: "أبشروا يا بني تميم"، فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ, وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: "أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله, جئنا لنتفقه في الدين ونسألك عن هذا الأمر، فقال: "كان الله ولم يكن شيء غيره
وكان عرشه على الماء, وكتب في الذكر كل شيء". وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي موسى.
عن هذا الأمر، فقال: "كان الله ولم يكن شيء غيره
وكان عرشه على الماء, وكتب في الذكر كل شيء". وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي موسى.
الوفد التاسع: قدوم صرد بن عبد الله الأزدي وقدم عليه -صلوات الله وسلامه عليه- صرد بن عبد الله الأزدي، فأسلم وحسن إسلامه، في وفد من الأزد، فأمَّره ﵇ على مَنْ أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم أهل الشرك. فخرج صرد يسير بأمر رسول الله ﷺ حتى نزل بجرش، وبها قبائل من قبائل العرب،
فحاصروهم فيها قريبًا من شهر، وامتنعوا فيها، فرجع عنهم قافلًا، حتى إذا كان في جبل لهم, وظنّوا أنه إنما ولَّى عنهم منهزمًا, خرجوا في طلبه، حتى أدركوه, عطف عليهم فقتلهم قتلًا شديدًا. وكان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله ﷺ رجلين منهم، فبينما هما عنده ﵊ عشية, فقال لهما ﵊: "إن بدن الله لتنحر عند شكر"، أي: المكان الذي وقع به قتل قومهم"، قال:
فجلس الرجلان إلى أبي بكر وعثمان, فقالا لهما: إن رسول الله ﷺ لينعي لكما قومكما. فخرجا إلى قومهما فوجداهم قد أصيبوا في اليوم الذي قال فيه ﷺ ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر. فخرج وفد جرش حتى قدموا عليه -صلوات الله وسلامه عليه, فأسلموا, وحمى لهم حمى حول قريتهم.
الوفد العاشر: بني الحارث بن كعب قال ابن إسحاق: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى.
الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه. فأقام خالد فيهم، يعلمهم الإسلام, وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك, ثم أقبل على رسول الله ﷺ ومعه وفدهم، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد بن المحجل، وشداد بن عبد الله.
م خالد فيهم، يعلمهم الإسلام, وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك, ثم أقبل على رسول الله ﷺ ومعه وفدهم، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد بن المحجل، وشداد بن عبد الله.
وقال لهم ﵊: "بم كنتم تغلبون من قاتلكم"؟ , قال: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: "صدقتم". وأمَّرَ عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال أو من ذي القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله ﷺ.
الوفد الحادي عشر: وفد همدان وقدم عليه ﷺ وفد همدان، فيهم: مالك بن النمط، وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك،
فلقوا رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية، على الرواحل المهرية والأرحبية، ومالك بن النمط يترجز بين يديه ﷺ
وذكروا له كلامًا كثيرًا حسنًا فصيحًا. فكتب لهم ﵊ كتابًا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمَّرَ عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف. وكان لا يخرج لهم سرح إلّا أغار عليه. وروى البيهقي بإسناد صحيح عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب فأمره أن يقفل خالدًا إلا رجلًا ممن كان مع
خالد أن يعقب مع علي. فلمَّا دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفَّنا صفًّا واحدًا، ثم تقدَّم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم, فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خَرَّ ساجدًا, ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همدان، السلام على همدان" مرتين، وأصل الحديث في صحيح البخاري. وهذا أصحّ مما تقدم،
ولم تكن همدان تقاتل ثقيفًا ولا تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن وثقيف بالطائف. قاله ابن القيم في الهدي النبوي.
الوفد الثاني عشر: وفد مزينة روى البيهقي عن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول الله ﷺ أربعمائة
رجل من مزينة، فلمَّا أردنا أن ننصرف قال: "يا عمر، زوّد القوم"، قال: ما عندي إلا شيء من تمر ما أظنه يقع من القوم موقعًا. قال: "انطلق فزودهم" , فانطلق بهم، فأدخلهم منزله, ثم أصعدهم إلى علية، فلمَّا دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق، فأخذ القوم منه حاجتهم. قال النعمان: وكنت في آخر من خرج، فنظرت: وما أفقد موضع تمرة من مكانها.
الوفد الثالث عشر: وفد دوس وفد دَوْس: وكان قدومهم عليه ﷺ بخيبر.
قال ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرَّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرِّق بين المرء وابنه, وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أدني حين غدوت إليه كرسفًا،
مك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أدني حين غدوت إليه كرسفًا،
فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله. قال: فغدوت إلى المسجد, فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريًبا منه، فأبى الله أن يسمعني بعض قوله: فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت: واثكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنًا قبلت، وإن كان قبيحًا تركت. قال: فمكثت حتى أتى ﵊ إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته فقلت: يا محمد, إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف أن لا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا، فاعرض عليَّ أمرك. فعرض عليَّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن،
فلا والله ما سمعت قولًا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله، إني امرؤ مطاع في قومي, وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية. قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللَّهم في غير وجهي، إني أخشى أن يقولوا إنها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل فوقع رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلمَّا جئت أتاني
أبي -وكان شيخًا كبيرًا- فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني, فديني دينك، قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهّر ثيابك ثم تعالى أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهَّر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم. ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني, فلستُ منك ولستِ مني، قالت: لِمَ؟ قلت: فرَّق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمدًا، فقالت: فديني دينك, فأسلمت. ثم دعوت دَوْسًا إلى الإسلام، فأبطئوا عليَّ, فجئت رسول الله ﷺ فقلت:
َ؟ قلت: فرَّق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمدًا، فقالت: فديني دينك, فأسلمت. ثم دعوت دَوْسًا إلى الإسلام، فأبطئوا عليَّ, فجئت رسول الله ﷺ فقلت:
يا نبي الله, إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال: "اللَّهمَّ اهد دوسًا"، ثم قال: "ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم"، فرجعت إليهم, فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس.
ثم لحقنا برسول الله ﷺ بخيبر, فأسهم لنا مع المسلمين. وهذا يدل على تقدُّم إسلامه، وقد جزم ابن أبي حاتم بأنه قدم مع أبي هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية.
.................................................
الوفد الرابع عشر: وقد نصارى نجران ... الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران وقدم عليه ﷺ وفد نصارى نجران، فلمَّا دخلوا المسجد النبوي بعد العصر حانتز
صلاتهم، فقاموا يصلون فيه، فأراد الناس منعهم, فقال ﵊: "دعوهم"، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. وكانوا ستين راكبًا، منهم أربعة وعشرون رجلًا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم؛ العاقب أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم, واسمه: عبد المسيح. والسيد: صاحب رحلهم ومجتعهم، واسمه: الأيهم -بتحتية ساكنة, ويقال: شرحبيل, وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل،
قد شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرَّفوه ومَوَّلُوه، وكان يعرف أمر النبي ﷺ, وشأنه وصفته, مما علمه من الكتب المتقدمة, ولكن حمله جَهْلُه على الاستمرار في النصرانية، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عن أهلها. فدعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، فقال: "إن أنكرتم ما أقول فهلمَّ أباهِلكم".
وفي البخاري من حديث حذيفة؛ جاء السيد والعاقب صاحبَا نجران إلى رسول الله ﷺ, يريدان أن يلاعناه -يعني: يباهلاه, فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل. وعند أبي نعيم: إن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل الذي قال ذلك هو العاقب؛ لأنه كان صاحب رأيهم، وفي زيادات يونس بن بكير في المغازي: إن الذي قال ذلك هو شرحبيل. فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنَّا -يعني: باهلناه- لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا, زاد في رواية ابن مسعود عند الحاكم: أبدًا, ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا،
وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث إلا أمينًا، فقال: "لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمين". فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ, فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، فلمَّا قام قال ﷺ: "هذا أمين هذه الأمة".
وفي رواية يونس بن بكير: إنه صالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وساق الكتاب الذي بينهم مطولًا. وذكر ابن سعد: إن السيد والعاقب رجعَا بعد ذلك وأسلما. وفي ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصَرَّ بعد ظهور الحجة, ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفًا وخلفًا، ومما عرف بالتجربة أنَّ من باهل وكان مبطلًا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة.
الف إذا أصَرَّ بعد ظهور الحجة, ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفًا وخلفًا، ومما عرف بالتجربة أنَّ من باهل وكان مبطلًا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة.
الوفد الخامس عشر: فروة بن عمرو الجذامي وقدم عليه ﷺ رسول فروة ابن عمرو الجذامي ملك الروم -وكان منزله معان- بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، ولما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه ثم صلبوه على ماء بفلسطين، وضربوا عنقه على ذلك الماء.
الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة وقدم عليه ﷺ ضمام بن ثعلبة، بعثه بنو سعد بن بكر. روى البخاري من حديث أنس بن مالك قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد, دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله،
ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟
فقال له النبي ﷺ: "قد أجبتك". فقال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة, فلا تجد علي في نفسك, فقال: "سل عمَّا بدا لك" , فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله
أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "اللَّهمَّ نعم" , فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: "اللهمَّ نعم" , فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر في السنة؟ قال: "اللَّهم نعم" , فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فنقسمها على فقرائنا, فقال النبي ﷺ: "اللهم نعم".
فقال الرجل: آمنت بما جئت به, وأنا رسول مَنْ ورائي من قومي, وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
وزاد ابن إسحاق في مغازيه: فقال: آلله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئًا وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ فقال ﷺ: "اللهمَّ نعم". قال: وكان ضمام رجلًا جلدًا ذا غديرتين، ثم أتى بعيره فأطلق عقله ثم خرج حتى أتى قومه فاجتمعوا إليه، وكان أوّل ما تكلَّم به أن قال: بئست الَّلات والعزَّى, فقالوا: مه يا ضمام, اتق البرص والجنون والجذام، قال: ويلكم، إنهما لا يضران ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا
بئست الَّلات والعزَّى, فقالوا: مه يا ضمام, اتق البرص والجنون والجذام، قال: ويلكم، إنهما لا يضران ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا
استنقذكم به، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.
الوفد السابع عشر: وفد طارق بن عبد الله وقومه وفد طارق بن عبد الله وقومه, روى البيهي عن جامع بن شداد قال: حدَّثني رجل يقال له طارق بن عبد الله قال: إني لقائم بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل وهو يقول: أيها الناس, قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجَّع يتبعه فيرميه
بالحجارة يقول: يا أيها الناس, إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت من هذا؟ فقالوا: هذا غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول الله. قلت: من ذا الذي يفعل هذا؟ قالوا: عمه عبد العزّى. قال: فيما أسلم الناس وهاجروا، خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلمَّا دنونا من حيطانها ونخلها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابًا غير هذه، فإذا رجل في طمرين له فسلم, وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون؟ قلنا: نريد المدينة، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نمتار من تمرها، قال: ومعنا ظعينة
لنا، ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: "أتبيعون جملكم هذا"؟ قالوا: نعم, بكذا وكذا صاعًا من تمر، فأخذ بخطام الجمل فانطلق، فلمَّا توارى عنَّا بحيطان المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا، والله ما بعنا جملنا ممن نعرف, ولا أخذنا له ثمنًا. قال: تقول المرأة التي معنا: والله لقد رأيت رجلًا كأنَّ وجهه قطعة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم, وفي رواية ابن إسحاق: قالت الظعينة: فلا تلاوموا، لقد رأيت وجه رجل لا يغدر بكم، ما رأيت شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه؛ إذ أقبل رجل فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم، هذا تمركم, فكلوا واشبعوا واكتالوا
واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فلمَّا دخلنا المسجد إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس, فأدركنا من خطبته وهو يقول: "تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى".
الوفد الثامن عشر: وفد تجيب وقدم عليه ﷺ وفد تجيب،
وهم من السكون، من ثلاثة عشر رجلًا، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسُرَّ ﵊ بهم وأكرم منزلهم، وأمر بلالًا أن يحسن ضيافتهم، ثم جاءوا رسول الله ﷺ يودعونه, فأمر بلالًا فأجازهم بأرفع مما كان يجيز به الوفود. قال: "هل بقي منكم أحد"؟ قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنًّا، قال: "أرسلوه إلينا"، فلما أقبل الغلام على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا راغبين في الإسلام، والله ما أخرجني من بلادي لا إلا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل
قال: يا رسول الله، إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا راغبين في الإسلام، والله ما أخرجني من بلادي لا إلا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل
غناي في قلبي، فقال ﵊: "اللهم اغفر له وارحمه, واجعل غناه في قلبه"، ثم أمر له بما أمر لرجل من أصحابه, ثم انطلقوا راجعين إلى أهليهم. ثم وافوا رسول الله ﷺ بِمِنَى سنة عشر، فقال: "ما فعل الغلام"؟ قالوا: يا رسول الله, ما رأينا مثله قط، ولا حدَّثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أنَّ الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها.
الوفد التاسع عشر: وفد بني سعد هذيم قدوم وفد بني سعد هذيم من قضاعة:
روى الواقدي عن ابن النعمان عن أبيه, من سعد هذيم قال: قدمت على رسول الله ﷺ وافدًا في نفر من قومي، فنزلنا ناحية من المدينة, ثم خرجنا نؤمَّ المسجد الحرام، فقمنا ناحية ولم ندخل مع الناس في صلاتهم حتى نلقى رسول الله ﷺ ونباعيه، ثم بايعنا ﷺ على الإسلام, ثم انصرفنا إلى رحالنا. وقد كنَّا خلفنا أصغرنا، فبعث ﵇ في طلبنا, فأتي بنا إليه، فتقدَّم صاحبنا
فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله، إنه أصغرنا وخادمنا، فقال: "أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليك"، قال: فكان والله خيرنا وأقرأنا بدعاء رسول الله ﷺ، ثم أمَّره علينا، فكان يؤمّنا, فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام.
الوفد العشرون: وفد بني فزارة وفد بني فزارة: قال أبو الربيع بن سليمان في كتاب الاكتفاء: ولما رجع رسول الله ﷺ من تبوك، قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلًا, منهم خارجة بن حصن،
والحر بن قيس، ابن أخي عيينة بن حصن، وهو أصغرهم، مقرِّين بالإسلام، وهم مسنتون، على ركاب عجاف، فسألهم ﵊ عن بلادهم, فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا،
فادع لنا ربك يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك. فقال ﷺ: "سبحان الله!! ويلك، هذا إنما شفعت عند ربي ﷿, فمن ذا الذي يشفع ربنا إلينا؟ لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله، كما يئط الرجل الجديد". وقال ﵊: "إن الله ﷿ ليضحك
لذي يشفع ربنا إلينا؟ لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله، كما يئط الرجل الجديد". وقال ﵊: "إن الله ﷿ ليضحك
"من شففكم وقرب غياثكم". فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا ﷿؟ فقال: "نعم". قال الأعرابي: لن نعدمك من رب يضحك خيرًا. فضحك رسول الله ﷺ من قوله, وصعد المنبر فرفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه
وكان مما حفظ دعائه: "اللهم اسق بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مربعًا طبقًا واسعًا عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهمَّ سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق, اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء"، الحديث رواه ابن سعد والبيهقي، ويأتي تمامه
إن شاء الله تعالى في الاستسقاء في مقصد عباداته ﵊.
الوفد الحادي والعشرين: وفد بني أسد ... الوفد الحادي والعشرون: وفد بني أسد وقدم عليه ﷺ وفد بني أسد، عشرة رهط فيهم وابصة بن معبد، وطليحة بن خويلد،
ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، فقال متكلمهم: يا رسول الله, إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك ولم تبعث إلينا بعثًا. فأنزل الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] .
................................
الوفد الثاني والعشرون: وفد بهراء وقدم عليه -صلوات الله وسلامه عليه- وفد بهراء من اليمن، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا، فلمَّا انتهوا إلى باب المقداد رحَّب بهم، وقدّم لهم جفنة من حيس،
فأكلوا منها حتى نهلوا, وردَّت القصعة وفيها شيء، فجمع في قصة صغيرة فأرسل بها إلى رسول الله ﷺ في بيت أم سلمة، فأصاب منها هو ومن معه في البيت حتى نهلوا، ثم أكل منها الضيف ما أقاموا، يرددون ذلك عليهم وما تغيض، حتى جعلوا يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحبّ الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلّا في الحين، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله ﷺ أنه أكل منها وردَّها، فإن هذه بركة أصابعه ﵊، فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقينًا، وتعلَّموا الفرائض, وأقاموا أيامًا، ثم ودَّعوا رسول الله ﷺ, فأمر لهم بجوائز وانصرفوا إلى أهليهم.
الوفد الثالث والعشرون: وفد عذرة وقدم عليه ﷺ وفد عذرة، في صفر سنة تسع، وكانوا اثني عشر رجلًا، منهم جمرة بن النعمان، فرحَّب بهم ﷺ، فأسلموا وبشَّرَهم بفتح الشام, وهرب هرقل إلى ممتنع من بلاده،
ثم انصرفوا وقد أجيزوا.
الوفد الرابع والعشرون: وفد بلي وقدم عليه ﷺ وفد بلي، فأسلموا، فقال ﷺ: "الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار" , ثم ودَّعوا رسول الله ﷺ بعد أن أجازهم.
قدم عليه ﷺ وفد بلي، فأسلموا، فقال ﷺ: "الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار" , ثم ودَّعوا رسول الله ﷺ بعد أن أجازهم.
الوفد الخامس والعشرون: وفد بني مرة وقدم عليه ﷺ وفد بني مرة وكانوا ثلاثة عشر رجلًا، ورئيسهم: الحارث بن عوف، فقال لهم ﵊: "كيف البلاد"؟ فقالوا: والله إنا لمسنتون، فادع الله لنا، فقال ﵊: "اللهم اسقهم الغيث" , ثم أقاموا أيامًا ورجعوا بالجائزة, فوجدوا بلادهم قد أمطرت في ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله ﷺ.
....................................
الوفد السادس والعشرون: وفد خولان وقدم عليه -زاده الله شرفًا وكرمًا لديه- وفد خولان، في شعبان سنة عشر، وكانوا عشرة، فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدّقون برسلوه، وقد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنّة لله ولرسوله، وقدمنا زائرين لك, فقال ﵊: "أمَّا ما ذكرتم من مسيركم إلي فإنَّ لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة" , ثم قال ﷺ: "ما فعل صنم
خولان الذي كانوا يعبدونه"؟ قالوا: بدَّلنا الله به ما جئت به، إلا أن عجوزًا وشيخًا كبيرًا يتمسكان به، وإن قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله تعالى. ثم علَّمهم ﵊ فرائض الدين، وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، وأن لا يظلموا أحدًا، ثم أجازهم ورجعوا إلى قومهم، وهدموا الصنم.
الوفد السايع والعشرون: وفد محارب ... الوفد السابع والعشرون: وفد محارب وقدم عليه ﷺ وفد محارب عام حجة الوداع، وكانوا أغلظ العرب وأفظهم عليه أيام عرضه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاءه ﵊ منهم عشرة فأسلموا، ثم انصرفوا إلى أهليهم.
الوفد الثامن والعشرون: وفد صداء وقدم عليه ﵊ وفد صداء في سنة ثمان، وذلك أنه لما انصرف من الجعرانة بعث قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن فيها صداء، فقدم رجل منهم علم
﵊ وفد صداء في سنة ثمان، وذلك أنه لما انصرف من الجعرانة بعث قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن فيها صداء، فقدم رجل منهم علم
بالبعث على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله, أردد الجيش، وأنا لك بقومي، فرد قيسًا. ورجع الصدائي إلى قومه فقدم على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلًا منهم، فبايعوه على الإسلام ورجعوا إلى قومهم, ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله ﷺ منهم مائة رجل في حجة الوداع. ذكره الواقدي وذكر من حديث زياد بن الحرث الصدائي: إنه الذي قدم على رسول الله ﷺ فقال: اردد الجيش، وقال: وكان زياد هذا معه في بعض أسفاره, وأنه ﵊ قال له: "يا أخا صداء, هل معك ماء"؟ قلت: معي شيء في إداوتي، فقال: "صبه"، فصببته في قعب ثم وضع عليه
الصلاة والسلام- كفه فيه, فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه عينًا تفور.
الوفد التاسع والعشرون: وفد عسان ... الوفد التاسع والعشرون: وفد غسان وقدم عليه ﷺ وفد غسَّان، في شهر رمضان سنة عشر، وكانوا ثلاثة نفر، فأسلموا وأجازهم ﵊ بجوائز، وانصرفوا راجعين.
الوفد الثلاثون: وفد سليمان وقدم عليه وفد سلامان في شوّال سنة عشر، كما قال الواقدي، وكانوا سبعة نفر، فيهم حبيب بن عمرو، فأسلموا وشكوا إليه
جدب بلادهم, فدعا لهم ثم ودعوه, وأمر لهم بالجزائز، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد أمطرت في اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله ﷺ تلك الساعة.
الوفد الحادي والثلاثون: وفد بني عبس وقدم عليه وفد بني عبس، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا, فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا، فقال ﵊: "اتقوا الله حيث كنتم, فلن يلتكم من أعمالكم شيئًا".
...................................................
الوفد الثاني والثلاثون: وفد غامد وقدم عليه وفد غامد سنة عشر، وكانوا عشرة، فأقروا بالإسلام, وكتب لهم كتابًا فيه شرائع الإسلام،
وأمر أُبَيّ بن كعب يعلمهم قرآنًا، وأجازهم ﵊, وانصرفوا.
الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد وقدم عليه وفد الأزد، ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة، وأبو موسى المديني، من حديث أحمد بن أبي الحواري.
قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله ﷺ, فلما دخلنا عليه وكلَّمْنَاه أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا.
فقال: "ما أنتم"؟ قلنا: مؤمنون، فتبسَّم ﵊ وقال: "إن لكل قول حقيقة, فما حقيقة قولكم وإيمانكم"؟ قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلَّقنا بها في الجاهلية, فنحن عليها إلّا أن تكره منها شيئًا، فقال ﷺ: "ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي"؟ قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: "وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها"؟ قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله, ونقيم الصلاة
أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: "وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها"؟ قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله, ونقيم الصلاة
ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلًا. قال: "وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية"؟. قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضاء بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال ﷺ: "حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء"، ثم قال: "وأنا أزيدكم خمسًا, فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون،
ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدًا زائلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخلدون". فانصرفوا وقد حفظوا وصيته ﵊ وعملوا بها.
الوفد الرابع والثلاثون: وفد بني المنتفق وقدم عليه وفد بني المنتفق
روى عبد الله بن الإمام أحمد، في زوائد مسند أبيه عن دلهم بن الأسود عن عاصم بن لقيط، أن لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، أبا رزين العقيلي،
المعروف في أهل الطائف، خرج وفدًا على رسول الله ﷺ, ومعه صاحب له يقال له: نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبًا فقال: "يا أيها الناس، ألا إني قد خبَّأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لتسمعوا الآن، ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا له: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ، ألا ثم لعله يلهيه
حديث نفسه أو حديث صاحبه، ألا وإني مسئول, هل بلغت؟ ألَا اسمعوا تعيشوا ... " الحديث. وفيه ذكر البعث والنشور والجنة والنار، وفيه ثَمَّ قال: قلت يا رسول الله، علام أبايعك؟ فبسط ﷺ يده وقال: "على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن لا تشرك بالله شيئًا" الحديث.
الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع وقدم عليه ﷺ وفد النخع، وهم آخر الوفود قدومًا عليه, وكان قدومهم في نصف المحرَّم سنة إحدى عشرة، في مائتي رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ مقرِّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل.
كان قدومهم في نصف المحرَّم سنة إحدى عشرة، في مائتي رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ مقرِّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل.
فقال رجل منهم، يقال له: زرارة بن عمرو، يا رسول الله, إني رأيت في سفري هذا عجبًا، قال: "وما رأيت"؟ قال: رأيت أتانًا تركتها كأنها ولدت جديًا أسفع أحوى، فقال له رسول الله ﷺ: "هل تركت لك مصرة"؟ قال: نعم، قال: "فإنها قد ولدت غلامًا وهو ابنك"، فقال يا رسول الله: ما باله أسفع أحوى؟
قال: "ادن مني"، فدنا منه، قال: "هل بك من برص تكتمه"؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما علم به أحد، ولا اطَّلع عليه غيرك، قال: "فهو ذلك". قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان مدلجيان ومسكتان. قال: "ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته". قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزًا شمطاء، خرجت من الأرض. قال: "تلك بقية الدنيا".
قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض, فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، قال رسول الله ﷺ: "تلك فتنة تكون في آخر الزمان" , قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: "تقتل الناس إمامهم" وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه, "يحسب المسيء فيها أنه محسن، ويكنّ دم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك". قال: يا رسول الله, ادع الله أن لا أدركها، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم لا يدركها". فمات فبقي ابنه فكان ممن خلع عثمان بن عثمان ﵁ انتهى ملخصًا من الهدي النبوي، والله الموفق, وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في تعبيره الرؤيا ﷺ, من المقصد الثاني. انتهى.
المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ﷺ ... المقصد الثالث: فيما فضَّله الله تعالى به من كمال خلقته وجمال صورته, وكرمه تعالى به من الأخلاق الزكية, وشَرَّفه به من الأوصاف المرضية. وما تدعو ضرورة حياته إليه ﷺ, وفيه أربعة فصول. الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ﷺ: اعلم أنَّ من تمام الإيمان به ﷺ, الإيمان بأن الله تعالى جعل خلق
بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدمي مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتضح من عظيم خلق نفسه الكريمة، وما يتضح من عظيم أخلاق نفسه آيات على ما تحقق له من سر قلبه المقدّس، ولله در الأبوصيري حيث قال: فهو الذي تَمَّ معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النسم منزه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
المقدّس، ولله در الأبوصيري حيث قال: فهو الذي تَمَّ معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النسم منزه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
يعني: حقيقة الحسن الكامل كائنة فيه؛ لأنه الذي تَمَّ معناه دون غيره، وهي غير منقسمة بينه وبين غيره، وإلّا لما كان حسنه تامًّا؛ لأنه إذا انقسم لم ينله إلّا بعضه فلا يكون تامًّا. وفي الأثر: إن خالد بن الوليد خرج في سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء, فقال له سيد ذلك الحي: صِفْ لنا محمدًا، فقال: أما إني أفصل فلا، فقال الرجل: أجمل، فقال: الرسول على قدر المرسل،
ذكره ابن المنير في أسرار الإسراء. فمن ذا الذي يصل قدره أن يقدر قدر الرسول، أو يبلغ من الاطلاع على مأثور أحواله المأمول والمسئول؟!. وقد حكى القرطبي -في كتاب الصلاة- عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ؛ لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما أطاقت أعيننا رؤيته ﷺ, ولقد أحسن
الأبوصيري حيث قال أيضًا: أعيا الورى فهم معناه فليس يرى ... للقرب والبعد فيه غير منفحم كالشمس تظهر للعينين من بعد ... صغيرة وتكل الطرف من أمم وهذا مثل قوله أيضًا: إنما مثلوا صفاتك للنا ... س كما مثل النجوم الماء وأشار بقوله "تظهر" إلى وجه التشبيه بالشمس لا مطلقًا، ولقد بَيِّنَ عيب التشبيه بها على الإطلاق أبو النواس -عفا الله عنه
حيث قال: يتيه الشمس والقمر المنير ... إذا قلنا كأنهما الأمير لأن الشمس تغرب حين تمسي ... وأن البدر ينقصه المسير وهذه التشبيات الواردة في حقه ﵊ إنما هي على سبيل التقريب والتمثيل، وإلا فذاته أعلى ومجده أغلى. فأما رأسه الشريف المقدَّس فحسبك ما ذكره الترمذي في جامعه بسنده إلى هند بن أبي هالة قال: كان رسول الله ﷺ عظيم الهامة.
وقال نافع بن جبير: وصف لنا علي ﵁ رسول الله ﷺ فقال: كان عظيم الهامة. وأما وجهه الشريف: فحسبك ما روى الشيخان من حديث البراء قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير البائن.
وأما وجهه الشريف: فحسبك ما روى الشيخان من حديث البراء قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير البائن.
وعن أبي هريرة: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ, كأنَّ الشمس تجري في وجهه. رواه الترمذي والبيهقي وأحمد وابن حبان. قال الطيبي: شبَّه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه ﷺ. قال: ويحتمل أن يكون من تناهي التشبيه جعل وجهه مقرًّا ومكانًا للشمس
ولله در القائل: لم لا يضيء بك الوجود وليلة ... فيه صباح من جمالك مسفر فبشمس حسنك كل يوم مشرق ... وببدر وجهك كل ليل مقمر وفي البخاري: سئل البراء: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل القمر. وكأنَّ السائل أراد مثل السيف في الطول، فردَّ عليه البراء فقال: بل مثل القمر، أي في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقالة،
فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان. وقال الحافظ النسابة أبو الخطاب بن دحية -رحمه الله تعالى- في كتابه "التنوير" في مولد البشير النذير" عند إيراد حديث البراء المذكور ما لفظه: ففي هذا الحديث, من العلم أنَّ التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح الإقرار عليه؛ لأن السائل شبَّه وجه رسول الله ﷺ بالسيف، ولو شبهه بالشمس كان أَوْلَى، فردَّ عليه البراء قوله وقال: بل مثل القمر، وأبدع في تشبيهه؛ لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس كل من يشاهده، ونوره من غير حَرٍّ يفزع،
ولا كلل ينزع، والناظر إلى القمر متمكِّن من النظر بخلاف الشمس التي تعشي البصر. وفي رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة، وقال له رجل: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرًا. وإنما قال: مستديرًا، للتنبيه على أنه جمع الصفتين؛ لأنَّ قوله: مثل السيف, يحتمل أن يريد به الطول، ويحتمل أن يريد به اللمعان -كما تقدَّمت إليه الإشارة فيما سبق من العبارة، فردَّه المسئول ردًّا بليغًا، ولما جرى
التعارف به أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبًا الإشراق، وبالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما، فقوله: وكان مستديرًا، إشارة إلى أنه أراد به التشبيه بالصفتين معًا: الحسن والاستدارة. وقال المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء،
فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو في عيني أحسن من القمر، وفي رواية: بعد قوله: حمراء, فجعلت أماثل بينه وبين القمر. وروى الترمذي والبيهقي عن علي أنه نعته ﷺ فقال: لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير قليل. والمكلثم: المدور الوجه, أي: لم يكن شديد تدوير الوجه, بل في وجهه تدوير قليل. وأنه في حديث علي عند أبي عبيد في الغريب: وكان في وجهه تدوير قليل، قال أبو عبيد
ثم: المدور الوجه, أي: لم يكن شديد تدوير الوجه, بل في وجهه تدوير قليل. وأنه في حديث علي عند أبي عبيد في الغريب: وكان في وجهه تدوير قليل، قال أبو عبيد
في شرحه: يريد أنه ما كان في غاية التدوير، بل كان فيه سهولة وهي أحلى عند العرب. وفي حديث أبي هريرة عند الذهلي في الزهريات في صفته ﷺ: كان أسيل الخدين. قال ابن الأثير: الأسالة في الخد: الاستطالة, وأن لا يكون مرتفع الوجنة. وقال شيخ الإسلام الحافظ بن حجر: ولعلَّ هذا هو الحامل لمن سأل: أكان وجهه مثل السيف؟ وأخرج البخاري عن كعب بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا سرَّ استنار وجهه كأنَّه قطعة قمر، وكنَّا نعرف ذلك منه، أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو
جبينه. وقالت عائشة ﵂: دخل عليَّ النبي ﷺ يومًا مسرورًا تبرق أسارير وجهه. ولذلك قال كعب: كأنه قطعة قمر. وفي حديث جبير بن معطم عند الطبراني: التفت إلينا رسول الله ﷺ بوجهٍ مثل شقة القمر. فهذا محمول على صفته عند الالتفات. وقد أخرج الطبراني حديث كعب بن مالك من طرق في بعضها: كأنه دارة قمر. ويسأل عن السر في التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد للبلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير
تقييد. وقد كان كعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة، فلابُدَّ للتقييد بذلك من حكمة. وما قيل في أن ذلك من الاحتراز من السواد في القمر ليس بالقوي؛ لأن المراد بتشبيهه ما في القمر من الضياء والاستنارة, وهو في تمامه لا يكون فيها أقلّ مما في القطعة المجردة، فكأنَّ التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر. وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: كان وجه رسول الله ﷺ كدارة القمر، أخرجه أبو نعيم. وروى البيهقي عن أبي إسحاق الهمداني.
عن امرأة من همدان -سماها- قالت: حججت مع النبي ﷺ مراتٍ, فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة, بيده محجن, عليه بردان أحمران, يكاد يمس شعره منكبه, إذا مَرّ بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إلى فمه فيقبّله. قال أبو إسحاق: فقلت لها شبهيه فقالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ. وروى الدارمي والبيهقي وأبو نعيم والطبراني عن أبي عبيدة بن محمد بن
ال أبو إسحاق: فقلت لها شبهيه فقالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ. وروى الدارمي والبيهقي وأبو نعيم والطبراني عن أبي عبيدة بن محمد بن
عَمَّار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوّذ صفي لنا رسول الله ﷺ، قالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة، وفي لفظ: يا بني لو رأيته لرأيت الشمس طالعة. وروى مسلم عن أبي الطفيل أنه قيل له: صف لنا رسول الله ﷺ فقال: كان أبيض مليح الوجه. وفيما خرجه الترمذي من حديث هند بن أبي هالة:
كان رسول الله ﷺ فخمًا مفخمًا يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر. وقالت أم معبد حين وصفته لزوجها: مبلج الوجه، يعني: مشرقه مضيئه، ومنه: تبلج الصبح إذا أسفر، وما أحسن قول سيدي علي بن وفى حيث قال:
ألا يا صاحب الوجه المليح ... سألتك لا تغيب عني فأنت روحي متى ما غاب شخصك عن عياني ... رجعت فلا ترى إلّا ضريحي بحقك جد لرقك يا حبيبي ... وداوي لوعة القلب الجريح ورقَّ لمغرم في الحب أمسى ... وأصبح بالهوى دنفًا طريح محب ضاق بالأشواق ذرعًا ... وآوى منك للكرم الفسيح وفي النهاية: إنه ﵊ كان إذا سر فكان وجهه المرآة، وكان الجدر تلاحك وجهه. قال: والملاحكة: شدة الملاءمة، أي: يرى شخص الجدر في وجهه ﷺ. وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر
ليلة البدر. وذلك: لأنَّ القمر يملأ الأرض بنوره, ويؤنس كل من يشاهده، وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكَّن من النظر إليه, بخلاف الشمس التي تغشي البصر فتمنع من تمكن الرؤية، والتشبيه بالبدر أبلغ في العرف من التشبيه بالقمر؛ لأنه وقت كماله، كما قال الفاروق حين رآه أو كلما رآه: لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر وقد صادف هذا التشبيه تحقيقًا، فمن أسمائه ﷺ: البدر:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع ولقد أحسن من قال: كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة ... فلا تظنَّنَّها كافًا لتشبيه وما أحلى قول ابن الحلاوي: يقولون: يحكي البدر في الحسن وجهه ... وبدر الدجى عن ذلك الحسن ينحط كما شبهوا غصن النقا بقوامه ... لقد بالغوا في المدح للغصن واشتطوا فقد حصل للبدر والغصن غاية في الفخر بهذا التشبيه، على أنَّ هذه التشبيهات الواردة في صفاته ﵊ إنما هي على عادة الشعراء والعرب،
وإلّا فلا شيء في هذه التشبيهات المحدثات, يعادل صفاته الخِلْقية والخُلُقية، ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفى الشاذلي -رحمه الله تعالى؛ حيث قال: كم فيه للأبصار حسن مدهش ... كم فيه للأرواح راح مسكر
اته الخِلْقية والخُلُقية، ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفى الشاذلي -رحمه الله تعالى؛ حيث قال: كم فيه للأبصار حسن مدهش ... كم فيه للأرواح راح مسكر
سبحان من أنشأه من سبحاته ... بشرًا بأسرار الغيوب يبشر قاسوه جهلًا بالغزال تغزلًا ... هيهات يشبهه الغزال الأحور هذا وحقك ما له من مشبه ... وأرى المشبه بالغزالة يكفر يأتي عظيم الذنب في تشبيهه ... لولا لرب جماله يستغفر فخر الملاح بحسنهم وجمالهم ... وبحسنه كل المحاسن تفخر فجماله مجلى لكل جميلة ... وله منار كل وجه نير جنات عدن في جنى وجناته ... ودليله أن المراشف كوثر
هيهات ألهو عن هواه بغيره ... والغير في حشر الأجانب يحشر كتب الغرام علي في أسفاره ... كتبًا تئوّل بالهوى وتفسر فدع الدعي وما ادعاه في الهوى ... فدعيه بالهجر فيه تهجر وعليك بالعلم العليم فإنه ... لخطيبه في كل خطب منبر وأما بصره الشريف ﷺ, فقد وصفه الله تعالى في كتابه العزيز بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] .
وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يرى بالليل في الظلمة كما يرى في النهار في الضوء. رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يرى في الظلمات كما يرى في الضوء. رواه البيهقي.
وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال: "هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري" رواه البخاري ومسلم. وعند مسلم من رواية أنس بن مالك أنه ﷺ قال: "أيها الناس، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي".
وعن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] قال: كان ﷺ يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه. رواه الحميدي في مسنده، وابن المنذر في تفسيره. وهذه الرؤية رؤية إدراك, والرؤية لا تتوقف على
٩] قال: كان ﷺ يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه. رواه الحميدي في مسنده، وابن المنذر في تفسيره. وهذه الرؤية رؤية إدراك, والرؤية لا تتوقف على
وجود آلتها التي هي العين عند أهل الحق, ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنسبة إلى القديم العالي، أما المخلوق: فتتوقَّف صفة الرؤية في حَقِّه على الحاسَّة والشعاع والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان خرق عادة في حقِّه ﵊، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها. قال الحرالي: وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالّة على ما في حقيقة أمره في الاطّلاع الباطن لسعة علمه، ومعرفته لما بربه لا بنفسه, أطلعه على ما بين يديه مما تقدَّم من أمر الله، وعلى ما وراء الوقت
مما تأخَّر من أمر الله، فلمَّا كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب, جعل الله تعالى له ﷺ مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه, كما قال ﷺ. انتهى. ومن الغريب ما ذكره الزاهدي يختيار محب بن محمود، شارح القدوري في رسالته الناصرية: أنه ﷺ كان له بين كتفيه عينان كسَمِّ الخياط يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب. وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم، وهذا إن كان نقلًا عن الشارع ﵊ بطريق صحيح فمقبول, وإلا فليس المقام مقام رأي، على أن الأقعد في إثبات كونه معجزة حملها على الإدراك من غير آلة. والله أعلم.
وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف. وعن بعضهم: المراد بها العلم, إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم, أو بأن يلهم، والصحيح والصواب ما تقدَّم. وقد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم، ما ذكره ابن الجوزي في بعض كتبه بغير إسناد: أنه ﷺ قال: "إني لا أعلم ما وراء جداري هذا" , فإن صحَّ فالمراد منه نفي العلم بالمغيبات،
فكيف يجتمعان؟ وأجيب بأنَّ الأحاديث الأُوَل ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد, وأما إذا ذهبنا إلى أن الإدراك بالبصر وهو الصواب فلا إشكال؛ لأن نفي العلم هنا عن الغيب وذاك عن مشاهدة. وفي "المقاصد الحسنة" للحافظ شمس الدين السخاوي حديث: "ما أعلم ما خلف جداري هذا". قال شيخنا -يعني شيخ الإسلام ابن حجر: لا أصل له. قلت: ولكنه قال في تلخيص تخريج أحاديث الرافعي عند قوله في الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه. هو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة في ذلك
مقيدة بحالة الصلاة, وبذلك يجمع بينه وبين قوله: "لا أعلم ما رواء جداري هذا" انتهى. قال شيخنا: وهذا مشعر بوروده، وعلى تقدير وروده لا تنافي بينهما لعدم تواردهما على محل واحد. فإن قيل: يشكل على هذا -أيضًا- إخباره ﷺ بكثير من المغيبات التي في زمنه وبعده، ووقعت كما أخبر ﷺ. فالجواب: إن نفي العلم في هذا ورد على أصل الوضع، وهو أن علم الغيب مختص بالله
تعالى، وما وقع منه على لسان نبيه ﷺ وغيره فمن الله تعالى، إمَّا بوحي أو إلهام، ويدل على ذلك الحديث الذي فيه: أنه لما ضلت ناقته ﷺ تكلّم بعض المنافقين وقال: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال ﷺ لما بلغه ذلك: "والله إني لا أعلم إلّا ما علَّمني ربي، وقد دلني الله عليها, وهي في موضع كذا وكذا، حبستها شجرة بخطامها" , فذهبوا فوجدوها كما أخبر ﷺ. فصحَّ أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره إلّا ما أعلمه ربه ﵎. وذكر القاضي عياض في الشفاء أنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وعند السهيلي: اثني عشر.
َّ أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره إلّا ما أعلمه ربه ﵎. وذكر القاضي عياض في الشفاء أنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وعند السهيلي: اثني عشر.
وفي حديث أبي هالة: وإذا التفت التفت جميعًا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جلّ نظره الملاحظة. وهي مفاعلة من اللحظ: وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ، وأمّا الذي يلي الأنف فالمؤق والماق. وقوله: وإذا التفت التفت جميعًا, أراد أنه لا يسارق
النظر، وقيل: لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف, ولكن كان يقبل جميعًا ويدبر جميعًا. قاله ابن الأثير. وعن علي قال: كان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة. رواه البيهقي. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم أشكل العينين منهوس القدمين، رواه مسلم. والشكلة: الحمرة...................................................
تكون في بياض العين وهو محمود محبوب، وأمَّا الشهلة: فإنها حمرة في سوادها, وهذا هو الصواب: لا ما فسره به بعضهم بأنه طول شق العين. وعند الترمذي في حديث عن علي، أنه نعت رسول الله ﷺ فقال: كان في وجهه تدوير أبيض مشرب بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار. والأدعج: الشديد سواد الحداقة.
والأهداب: الطويل الأشفار: وهي شعر العين. وعنده -أيضًا- عن علي قال: كان أسود الحدقة أهدب الأشفار. وعن علي: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن لأخطب يومًا على الناس، وحبر من أحبار اليهود واقف بيده سفر ينظر فيه، فلمَّا رآني قال: صف لي أبا القاسم، فقلت: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. الحديث، وفيه: قال علي: ثم سكت، فقال الحبر: وماذا؟ قلت: هذا ما يحضرني، قال الحبر: في عينيه حمرة حسن اللحية، ثم قال علي: هذه والله صفته، قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة في سفر آبائي، وإني أشهد أنه نبي وأنه رسول الله إلى الناس كافة. الحديث. وأما سمعه الشريف فحسبك أنه قد قال:
صلى الله عليه وسلم: "إني أرى ما لا ترون, وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلّا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى" رواه الترمذي من رواية أبي ذر.
ترون, وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلّا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى" رواه الترمذي من رواية أبي ذر.
وما رواه أبو نعيم عن حكيم بن حزام، بينما رسول الله ﷺ في أصحابه؛ إذ قال لهم: "تسمعون ما أسمع"؟ قالوا: ما نسمع من شيء، قال: "إني لأسمع أطيط السماء، وما تلازم أن تئط, وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم".
وأما جبينه الكريم ﷺ, فقد كان واضح الجبين، مقرون الحاجبين. بهذا وصفه علي، كما عند ابن سعد وابن عساكر فقال: مقرون الحاجبين صلت الجبين. أي: واضحه، والقرن: اتصال شعر الحاجبين. وعند البيهقي عن رجل من الصحابة قال:



