— Bagian 15 · رأيت رسول الله ﷺ، فإذا رجل حسن الجسم, عظيم الجبه… —
Bagian 15
رأيت رسول الله ﷺ، فإذا رجل حسن الجسم, عظيم الجبهة, دقيق الحاجبين. ولله در القائل: جبينه مشرق من فوق طرته ... يتلو الضحى ليلة والليل كافره بالمسك خطت على كافور جبهته ... من فوق نوناتها سينًا ضفائره مكمل الخلق ما تحصى خصائصه ... منضر الحسن قد قلت نظائره وقال ابن أبي هالة: أزجّ الحواجب -وفُسِّرَ بالمقوس الطويل الوافر الشعر,
ثم قال: سوابغ من غير قرنٍ بينهما عرق يدره الغضب، أي: يمتلئ دمًا إذا غضب, كما يمتلئ الضرع لبنًا إذا در. قاله في النهاية. وعن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊: اسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل، فجعلتك آية
للعالمين، فإياي فاعبد، وعليَّ فتوكّل، فَسِّر لأهل سوران: أني أنا الله الحي القيوم، لا أزول، صدقوا النبي الأمي، صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، وريحه كالمسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة
الحديث. والأنجل: الواسع شق العين. والقرن -بالتحريك: التقاء الحاجبين. وما وصفه به ابن أبي هالة مخالف لما في حديث مقاتل بن حيان وما في حديث أم معبد, فإنها قالت: أزجّ أقرن، أي: مقرون الحاجبين، قال ابن الأثير: والأوّل هو الصحيح في صفته، يعني: سوابغ في غير قرن.
والقنى في الأنف: طوله ودقة أرنبته مع خدب في وسطه. وقد وصفه ﵊ غير واحد: بأنَّه كان عظيم الهامة، كما في حديث ابن أبي هالة المشهور, وقال علي بن أبي طالب -في حديث رواه الترمذي وصححه البيهقي: ضخم الرأس. وكذا قال أنس في رواية البخاري. وكان ﵊ أيضًا ضخم الكراديس، وهي رءوس العظام، كما وصفه به علي في حديث الترمذي, وقال أيضًا في رواية: جليل المشاش والكتد, وفُسِّرَ برءوس العظام كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أي: عظيمهما. والكتد -بفتحتين ويجوز كسر التاء: مجتمع الكتفين. وكان ﵊ دقيق العرنين،
لمشاش والكتد, وفُسِّرَ برءوس العظام كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أي: عظيمهما. والكتد -بفتحتين ويجوز كسر التاء: مجتمع الكتفين. وكان ﵊ دقيق العرنين،
أي: أعلى الأنف، كما وصفه به علي في رواية ابن سعد وابن عساكر، وفي روايته أيضًا عن ابن عمر من وصف علي له أيضًا: أقنى الأنف، وفسر بالسائل المرتفع وسطه، وقال ابن أبي هالة: أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، والأشم: الطويل قصبة الأنف. وأما فمه الشريف ﷺ: ففي مسلم من حديث جابر أنه ﷺ كان ضليع الفم،
يعني واسعة. وكذا وصفه به ابن أبي هالة، وزاد: يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، يعني: لسعة فمه، والعرب تمدح به وتذم بصغر القم. وقال شمر: عظيم الأسنان. وفي حديث عند البزار والبيهقي, قال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ أسيل الخدين واسع الفم. ووصفه ﷺ ابن أبي هالة فقال: أشنب مفلج الأسنان. والشنب: رونق الأسنان
وماؤها. وقيل: رقتها وتحديدها. وأفلج الأسنان أي: متفرقها. وقال علي: مبلج الثنايا -بالموحدة، أخرجه ابن سعد من حديث أبي هريرة. وعند ابن عساكر عن علي: براق الثنايا. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنتين, إذا تكلم ريء
كالنور يخرج من بين ثناياه, رواه الترمذي في الشمائل، والدارمي، والطبراني في الأوسط. وكان ﵊ أحسن عباد الله شفتين, وألطفهم ختم فم. بحر من الشهد في فيه مراشفه ... ياقوته صدف فيه جواهره وعن أبي قرصافة قال: بايعنا رسول الله ﷺ أنا وأمي وخالتي، فلمَّا رجعنا قالت لي أمي وخالتي: يا بني، ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن وجهًا, ولا أنقى ثوبًا, ولا ألين كلامًا، ورأينا كالنور يخرج من فيه. وأما ريقه الشريف:
ففي الصحيحين، عن سهل بن سعد, أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله رسوله، ويحبه الله ورسوله"، فلمَّا أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، قال: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع.
ها، قال: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع.
الحديث متفق عليه. وأتي بدلو من ماء فشرب من الدلو، ثم صب في البئر، أو قال: مجَّ في البئر ففاح منها مثل رائحة المسك. رواه أحمد من حديث وائل بن حجر. وبزق في بئر في دار أنس، فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها، رواه أبو نعيم. وكان ﵊ يوم عاشوراء, يدعو برضعائه وبرضعاء ابنته فاطمة, فيتفل في أفواهم ويقول للأمهات: "لا ترضعنهم إلى الليل"، فكان ريقه يجزيهم.
رواه البيهقي. ودخلت عليه عميرة بنت مسعود هي وأخواتها يبايعنه وهنَّ خمس, فوجدنه يأكل قديدًا, فمضغ لهنَّ قديدة فمضغنها, كل واحدة بينهنَّ قطعة, فلقين الله وما وجد لأفواههنّ خلوف، رواه الطبراني. ومسح ﷺ بيده الشريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر عتبة وبطنه, وكان به شرى، فما كان يشم أطيب رائحة منه. رواه الطبراني. وأعطى الحسن لسانه -وكان قد اشتد ظمؤه- فمصَّه حتى روي. رواه ابن عساكر, ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفى الشاذلي المالكي ﵁
حيث يقول: جنى النحل في فيه وفيه حياتنا ... ولكنه من لي بلثم لثامه رحيق الثنايا والمثاني تنفست ... إذا قال في فيح بطيب ختامه وأمّا فصاحة لسانه، وجوامع كلمه، وبديع بيانه وحكمه، فكان ﷺ أفصح خلق الله،
وأعذبهم كلامًا، وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقًا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح, شعر: ينظم در الثغر نثر مقوله ... فيا حسنه ونثره ونظامه يناجي فينجي من يناجي من الجوى ... فكل كليم برؤه في كلامه ففصاحة لسانه ﵊ غاية لا يدرك مداها،
ومنزلة لا يداني منتهاها، وكيف لا يكون ذلك وقد جعل الله تعالى لسانه سيفًا من سيوفه، يبين عنه مراده, ويدعو إليه عباده، فهو ينطق بحكمه عن أمره، ويبين عن مراده بحقيقة ذكره. أفصح خلق الله إذا لفظ، وأنصحهم إذا وعظ, لا يقول هجرًا، ولا ينطق هذرًا، كلامه كله يثمر علمًا،
ويمتثل شرعًا وحكمًا، لا يتفوه بَشَرٌ بكلام أحكم منه في مقالته، ولا أجزل منه في عذوبته. وخليق بمن عبَّر عن مراد الله بلسانه، وأقام به الحجة على عباده ببيانه، وبَيِّنَ مواضع فروضه وأوامره ونواهيه وزواجره, ووعده ووعيده وإرشاده, أن يكون أحكم الخلق جنانًا وأفصحهم لسانًا، وأوضحهم بيانًا. وقد كان ﵊ إذا تكلم تكلم بكلام مفصَّل مبيّن، يعده العادّ، ليس بهذر مسرع لا يحفظ،
وقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها: ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا، كان يحدِّث حديثًا لو عده العاد لأحصاه, وكان يعيد الكلمة ثلاثًا حتى تعقل عنه.
وكان يقول: "أنا أفصح العرب". وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال: كانت لغة إسماعيل قد درست, فجاءني بها جبريل فحفظتها. رواه أبو نعيم.
وروى العسكري في الأمثال من حديث علي بسند ضعيف جدًّا قال: قدم بنو نهد على النبي ﷺ: الحديث وفيه: ذكر خطبتهم وما أجابهم به النبي ﷺ قال: فقلنا: يا نبي الله، نحن بنو أب واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك لتكلم العرب بلسان ما نعرف أكثره، قال: "إن الله ﷿ أدَّبني فأحسن تأديبي، ونشأت في بني سعد بن بكر".
نبي الله، نحن بنو أب واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك لتكلم العرب بلسان ما نعرف أكثره، قال: "إن الله ﷿ أدَّبني فأحسن تأديبي، ونشأت في بني سعد بن بكر".
وعن محمد بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن جده قال: قال رجل: يا رسول الله، أيدالك الرجل امرأته؟ قال: "نعم, إذا كان ملفجًا". فقال له أبو بكر: يا رسول الله، ما قال لك، وما قلت له؟ قال: "قال: أيماطل الرجل أهله؟ قلت له: نعم, إذا كان مفلسًا" , قال أبو بكر: يا رسول الله، لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم, فما سمعت أفصح منك، قال: "أدبني ربي ونشأت في بني سعد"، رواه السرقسطي في الدلائل.
بسند واهٍ. وكذا أخرجه ابن عساكر. قال في القاموس: ودالكه أي: ماطله. انتهى. وقوله: "ملفجًا" بضم الميم وفتح الفاء- اسم فاعل من "ألفج الرجل" فهو ملفج، إذا كان فقيرًا، وهو غير مقيس, ومثله: أحصن فهو محصن، وأسهب فهو مسهب، في ألفاظ شدت، والقياس الكسر، قاله ابن مرزوق, لكن ابن الأثير: لم يجئ إلا في ثلاثة أحرف: أسهب وأحصن وألفج. وقال غيره: معناه: أيداعب الرجل امرأته، يعني قبل الجماع؟ وسمَّاه مطلًا لكون غرضها الأعظم الجماع. قال: إذا كان عاجزًا؛ ليكون ذلك محركًا لشهوته، ولعجزه سمي مفلسًا.
وقال ابن الأثير: يماطلها بمهرها إذا كان فقيرًا. وأمَّا ما يروى: أنا أفصح مَنْ نطق بالضاد. فقال ابن كثير: لا أصل له. انتهى, لكن معناه صحيح والله أعلم. وقد حَدُّوا الفصاحة بخلوص الكلام من التنافر والغرابة ومخالفة القياس. والمراد بالتنافر: تقارب مخارج الحروف كقوله: غدائره مستشزرات إلى العلا فإن السين والشين والتاء والزاي كلها متقاربة المخارج.
والغرابة: كون الكلمة لا تدل على المراد من أوّل وهلة لاحتمال معنى آخر. ومخالفة القياس: استعمال الكلمة على غير قياس، كإبقاء وجود المثلين من كلمة واحدة من غير إدغام. كقوله: الحمد لله العلي الأجلل والفصاحة: يوصف بها الكلام والكلمة والمتكلم. والبلاغة: أن يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته، والجزالة خلاف الركاكة. ففصاحته ﷺ إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية.
لام والكلمة والمتكلم. والبلاغة: أن يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته، والجزالة خلاف الركاكة. ففصاحته ﷺ إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية.
والزيادة التي تصدع القلوب قبل الأذهان، وتقرع الجوانح قبل الآذان، مما يروق ويفوق، ويثبت له على سائر البشر الحقوق التي لا تقابل بالعقوق، فهو صاحب جوامع الكلم وبدائع الحكم، وقوارع الزجر وقواطع الأمر، والأمثال السائرة، والغرر السائلة، والدرر المنثورة، والدراري المأثورة, والقضايا المحكمة، والوصايا المبرمة، والمواعظ التي هي على القلوب محكمة، والحجج التي هي للد الخصماء.
مفحمة ملجمة. وقليل هذا الوصف في حقه ﷺ وزاده فضلًا وشرفًا لديه، وقد روى الحاكم في مستدركه وصحَّحه من حديث ابن عباس: إن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد ﷺ. وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، وقد جمع الناس من كلامه الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه دواوين، وفي كتاب الشفاء للقاضي عياض من ذلك ما يشفي العليل.
كقوله ﷺ: "المرء مع من أحب". وقوله: "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين".
وقوله: السعيد من وعظ بغيره. ومما لم يذكره القاضي عياض ﵀: قوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات
.................................................................................................
رواه الشيخان وغيرهما. وقوله: ليس للعامل من عمله إلا ما نواه. وتحت هاتين الكلمتين كنوز من العلم.
ولهذا قال الشافعي -رحمه الله تعالى: حديث الأعمال بالنيات يدخل فيه نصف العلم، وذلك أن للدين ظاهرًا وباطنًا، والنية متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، وأيضًا فالنية عبودية القلب، والعمل عبودية الجوارح. وقال بعض الأئمة: حديث الأعمال بالنيات ثلث الدين، ووجهه أن الدين: قوله وعمل ونية.
وقوله: "نية المرء خير من عمله" رواه الطبراني, لكن قال بعضهم: لا يصح رفعه, قال: ورواه القضاعي عن إسماعيل بن عبد الله الصفار، أخبرنا علي بن عبد الله بن الفضل, حدثنا محمد بن الحنفية الواسطي، أخبرنا محمد بن عبد الله الحلبي، حدثنا يوسف بن عطية, عن ثابت عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "نية المؤمن أبلغ من عمله". قال: وهذا الإسناد لا ضوء عليه، ويوسف بن عطية أحد رجاله متروك الحديث. ورواه عثمان بن عبد الله الشامي من حديث النواس بن سمعان وقال: "نية المؤمن خير من عمله"،
ذا الإسناد لا ضوء عليه، ويوسف بن عطية أحد رجاله متروك الحديث. ورواه عثمان بن عبد الله الشامي من حديث النواس بن سمعان وقال: "نية المؤمن خير من عمله"،
ونية الفاجر شر من عمله" , وقال ابن عدي: عثمان بن عبد الله الشامي له أحاديث موضوعات، هذا من جملتها، وقال: من الجوزي, لا يصح رفعه، ومعناه: إن النية سر، والعمل ظاهر، والعمل السر أفضل، وهو يقتضي أنه لو نوى أن يذكر الله أو يتفكر، تكون نية الذكر خيرًا منه، وليس بصحيح. وقيل: معناه: إن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية، وهذا بعيد؛ لأن العمل إذا خلا عن النية لم يكن فيه خير أصلًا. وقيل: النية عمل القلب، والفعل عمل الجوارح، وعمل القلب خير من عمل الجوارح، فإن القلب أمير الجوارح، وبينه وبينها علاقة، فإذا تأمّلت تألم القلب، وإذا تألم القلب تألمت, فارتعدت الفرائص وتغير اللون، فإن القلب الملك الراعي, والجوارح خدمه ورعيته، وعمل الملك أبلغ من عمل رعيته.
وقيل: لما كانت النية أصل الأعمال كلها وروحها ولبها، والأعمال تابعة لها تصح بصحتها وتفسد بفسادها، وهي التي تقلب العمل الصالح فتجعله فاسدًا، وغير الصالح تجعله صالحًا مثابًا عليه، ويثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، فلذا كانت نية المؤمن خيرًا من عمله. وقال أبو بكر بن دريد في محتباه: المعنى -والله أعلم- أنَّ المؤمن ينوي الأشياء من أنواع البر نحو الصدقة والصوم وغير ذلك, فلعله يعجز عن بعض ذلك وهو معقود النية عليه، فنيته خير من عمله.
وقوله ﷺ: "يا خيل الله اركبي". رواه أبو الشيخ في الناسخ والمنسوخ عن سعيد بن جبير، والعسكري عن أنس، وابن عائذ في المغازي عن قتادة, ولفظه عن ابن عائذ قال: بعث رسول الله ﷺ يومئذ -يعني يوم الأحزاب- مناديًا ينادي: "يا خيل الله اركبي". قال العسكري وابن دريد في مجتباه: وهذا على المجاز والتوسع، أراد: يا فرسان خيل الله اركبي، فاختصره.
ي يوم الأحزاب- مناديًا ينادي: "يا خيل الله اركبي". قال العسكري وابن دريد في مجتباه: وهذا على المجاز والتوسع، أراد: يا فرسان خيل الله اركبي، فاختصره.
وقوله: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". رواه الشيخان وغيرهما، والله أعلم- أنَّ حظ العاهر الحجر ولا شيء له في الولد، وقيل: أراد أن حظه الغلظة والخشونة من إقامة الحد التي نهايتها رميه بالحجر, وقيل: أراد بالحجر هنا الكناية عن رجوعه بالخيبة على الولد إذا لم تكن المرأة زوجًا له، والله أعلم.
وقوله: كل الصيد في جوف الفرا. وهو بفتح الفاء: حمار الوحش، رواه الرامهرمزي في الأمثال، وسنده جيد، ولكنه مرسل، ونحوه عند العسكري وقال: جوف أو جنب. وهذا خاطب به النبي ﷺ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب حين جاءه مسلمًا بعد أن كان عدوًّا له, وهجَّاء كثير الهجاء مقذعًا فيه، فكأنه يقول ﷺ إن الحمار الوحشي من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنك أعظم أهلي
وأمسّهم رحمًا بي، ومن أكرم من يأتيني, وكل دونك. انتهى. وقوله: "الحرب خدعة". رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمى النبي ﷺ الحرب خدعة, وليس عند مسلم "سمى"، وقوله: "خدعة" مثلث الخاء- أشهرها: فتح الخاء وإسكان الدال، قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي ﷺ، والثانية، ضمّ الخاء وإسكان الدال, والثلاثة: ضمّ الخاء وفتح الدال.
وقد قال ذلك النبي ﷺ يوم الأحزاب، لما بعث نعيم بن مسعود, وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، وأشار بذلك إلى المماكرة أنفع من المكاثرة. قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن إلا أن
يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل. وقوله: "إياكم وخضراء الدِّمَن". رواه الرامهرمزي والعسكري في الأمثال، وابن عدي في الكامل، وأبو بكر بن دريد في المجتبى, والقضاعي في مسند الشهاب, والديلمي من حديث الواقدي, قال: حدثنا محمد بن سعيد بن دينار, عن أبي وجزة يزيد بن عبيد, عن عطاء بن يزيد الليثي, عن أبي سعيد مرفوعًا: قيل: يا رسول الله وما زاد؟ قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء" قال ابن عدي: تفرَّد به الواقدي. ومعناه: إنه كره نكاح الفاسدة، وقال: إن أعراق السوء تنزع
أولادها، وتفسير حقيقته: إن الريح تجمع الدمن، وهي البعر، في البقعة من الأرض، ثم يركبه الساقي، فإذا أصابه المطر أنبت نباتًا غضًّا ناعمًا يهتز, وتحته الأصل الخبيث، فيكون ظاهره حسنًا وباطنه قبيحًا فاسدًا, والدمن جمع دمنة, وأنشد زفر بن الحارث: وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا ومعنى البيت: إن الرجلين قد يظهران الصلح والمودة، وينطويان على البغضاء والعداوة، كما ينبت المرعى على الدمن، وهذا أكثري أو كلي في زمنًا، أشار إليه شيخنا. وقوله: الأنصار كرشي وعيبتي. رواه البخاري، أي: إنهم بطانته وموضع سره،
والعيبة كذلك؛ لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يجمع ثيابه في عيبته. وقيل: أي هم الذين اعتمد عليهم وأفزع إليهم وأقوى بهمن وقيل أراد بالكرش الجماعة، أي: جماعتي وصحابتي، ويقال: عليه كرش من الناس, أي: جماعة، ووقع في رواية الترمذي: ألّا إن عيبتي التي آوي
زع إليهم وأقوى بهمن وقيل أراد بالكرش الجماعة، أي: جماعتي وصحابتي، ويقال: عليه كرش من الناس, أي: جماعة، ووقع في رواية الترمذي: ألّا إن عيبتي التي آوي
إليها أهل بيتي وإن كرشي الأنصار. وقوله: "ولا يجني على المرء إلا يده". رواه الشيخان، ولأحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص: "لا يجني جانٍ إلا على نفسه" , وقد أراد ﷺ بهذا: إنه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره، إن قتل أو جرح أو زنى، وإنما يؤخذ بما جنته يده، فيده هي التي أدته لذلك. وقوله: "ليس الشديد من غلب الناس, إنما الشديد من غلب نفسه" رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه الشيخان.
بلفظ: "ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" يعني: إنه إذا ملكها كان قد قهر أكبر أعدائه وشر خصومه. ولذلك قال: أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك. وهذا من باب المجاز، ومن فصيح الكلام؛ لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شدة من الغضب وقهرها بحلمه، وصرعها بثباته كان كالصرعة الذي يصر.
الرجال ولا يصرعونه. وقوله: "ليس الخبر كالمعاينة". رواه أحمد وابن منيع والطبراني والعسكري.
وقوله: "المجالس بالأمانة". رواه العقيلي في ترجمة حسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه عن جده عن علي.
رفعه، وعن جابر بن عتيك: إذا حدَّث الرجل ثم التفت فهي أمانة، ورواه أبو داود في سننه, والترمذي في جامعه, وابن أبي الدنيا في الصمت. وغيرهم. ففي هاتين الكلمتين من الحمل على آداب العشرة وآداب الصحبة وكتم السر، وحفظ الود وحفظ العهد، وإصلاح ذات البين, والتحذير من النميمة بين الإخوان، الموقعة للشنآن ما لا يكاد يخفى على مبادئ الأذهان.
وقوله: "البلاء موكل بالمنطق". رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، من رواية إبراهيم عن ابن مسعود، ورواه الديلمي عن أبي الدرداء مرفوعًا: "البلاء موكل بالمنطق" , وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أبي الدرداء وابن مسعود. قال شيخنا في المقاصد الحسنة: ولا يحسن من مجموع ما ذكرناه
عًا: "البلاء موكل بالمنطق" , وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أبي الدرداء وابن مسعود. قال شيخنا في المقاصد الحسنة: ولا يحسن من مجموع ما ذكرناه
الحكم عليه بالوضع، ويشهد لمعناه قوله ﷺ للأعرابي الذي دخل عليه يعوده, وقال ﵊: "لا بأس هو طهور"، فقال الأعرابي: بل هي حمَّى تفور على شيخ كبير تزيره القبور، فقال ﵊: "فنعم إذًا". وأنشد في معناه: لا تنطقنَّ بما كرهت فربما ... نطق اللسان بحادث فيكون
وقوله ﵊: "ترك الشر صدقة". رواه بعضهم: ومعنى ذلك: إن من ترك الشر وأذى الناس فكأنه تصدّق عليهم، وعلم من ذلك أن فضل ترك الشر كفضل الصدقة. وقوله: "وأي داء أدوى من البخل" رواه البخاري،
والبخل قد جعله ﷺ داء، وليس بداء مؤلم لصاحبه، وإنما شبهه بالداء إذ كان مفسدًا للرجل مورثًا له سوء الثناء، كما أن الداء المرض المشي يئول إلى طول الضنا وشدة العنا، والمقصد من هذا النهي عن البخل أعاذنا الله منه.
وقوله: "لا ينتطح فيها عنزان". أي: لا يجري فيها خلف ولا نزاع. وقوله: "الحياء خير كله". متفق عليه. وقوله: "اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع".
رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة. وقوله: سيد القوم خادمهم. رواه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب "آداب الصحبة" له عن عقبة بن عامر رفعه، وفي سنده ضعف أو انقطاع. ورواه غيره أيضًا. وقوله: "فضل العلم خير من فضل العبادة".
رواه الطبراني والبزَّار. وقوله: "الخيل في نواصيها الخير".
متفق عليه من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة،
وفي لفظ لغيرهما: "معقود بنواصيها الخير". وقوله: "أعجل الأشياء عقوبة البغي".
وقوله: "وإن من الشعر حكمًا". رواه أبو داود من رواية صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده, سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من البيان لسحرًا،
وإن من العلم جهلًا، وإن من الشعر حكمًا،
فقال صعصعة بن صوحان: صدق رسول الله ﷺ
أما قوله: "إن من البيان سحرًا" , فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق, فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق، وأما قوله: "إن من العلم جهلًا"، فتكلُّف العالم إلى علمه ما لا يعلم بجهله، وأمَّا قوله: "إن من الشعر حِكَمًا"، فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتَّعظ بها الناس. ومفهومه: إن بعض الشعر ليس كذلك؛ لأن من تبعيضية, وفي البخاري:
"إن من الشعر حكمة" أي: قولًا صادقًا مطابقًا للحق. قال الطبري: وفي هذا رَدٌّ على من كره الشعر مطلقًا، واحتجَّ بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان. وعن أبي أمامة -رفعه- أنَّ إبليس لما هبط إلى الأرض قال: رب اجعل لي قرآنًا، قال: قرآنك الشعر. ثم أجاب عن ذلك: بأنها أحاديث واهية, وهو كذلك. فحديث أبي أمامة فيه: علي بن زيد الألهاني، وهو ضعيف. وعلى تقدير قوتها فهو محمول على الإفراد فيه والإكثار منه.
ويدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد، عن عمرو بن الشريد عن أبيه، استنشدني النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته مائة قافية. وقوله: "الصحة والفراغ نعمتان" رواه البخاري.
.................................
وقوله ﷺ: "استعينوا على الحاجات بالكتمان, فإن كل ذي نعمة محسود". رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه،
.............................
وقوله ﷺ: "استعينوا على الحاجات بالكتمان, فإن كل ذي نعمة محسود". رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه،
وأخرجه الخلعي عن علي مرفوعًا: "استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان لها". وقوله: "المكر والخديعة في النار". رواه الديلمي عن أبي هريرة، ومعناه: إن ذا المكر والخداع لا يكون تقيًّا ولا خائفًا لله؛ لأنه إذا مكر غدر، وإذا غدر خدع، وإذا فعلهما أوبق, وهذا لا يكون في تقيّ، فكلُّ خِلَّة جانبت التقى فهي في النار.
وقوله: "من غَشَّنَا فليس منا". رواه مسلم في صحيحه عن حديث أبي هريرة. وقوله: "المستشار مؤتمن".
رواه أحمد وغيره. ومعناه: إن من أفضى إليك بسرِّه وآمنك على ذات نفسه, فقد جعلك بموضع نفسه، فيجب عليك أن لا تشير عليه إلّا بما تراه صوابًا،
فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلّا الثقة في نفسه، والسر الذي ربما كان في إذاعته تلف النفس أَوْلَى بأن لا يجعل إلّا عند الموثوق به. وقوله ﷺ: "الندم توبة" رواه الطبراني في الكبير.
وقوله: "الدالّ على الخير كفاعله". رواه العسكري وابن جميع، ومن طريقه المنذري عن ابن عباس في حديث مرفوع بلفظ: "كل معروف صدقة
والدالُّ على الخير كفاعله, والله يحب إغاثه اللهفان". والمعنى: إن من دلَّك على خير وأرشدك إليه فنلته بإرشاده فكأنه فعل ذلك الخير. وقوله: "حبك للشيء يعمي ويصم" رواه أبو داود والعسكري من حديث بقية
ابن الوليد، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن خالد بن محمد الثقفي عن بلال بن أبي الدرداء عن أبيه مرفوعًا، ولم ينفرد به بقية, بل توبع عليه. وابن أبي مريم ضعيف. وقد حكم الصغاني عليه بالوضع. وتعقَّبه العراقي وقال: ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب، ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا شديد الضعف، فهو حسن. وقال العسكري: أراد النبي ﷺ أنَّ من الحب ما يعميك عن طريق الرشد، ويصمك عن استماع الحق، وأن الرجل إذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل أو دين أصمَّه حبه عن العدل وأعماه عن الرشد فلا، ولذا قال بعض الشعراء:
، ويصمك عن استماع الحق، وأن الرجل إذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل أو دين أصمَّه حبه عن العدل وأعماه عن الرشد فلا، ولذا قال بعض الشعراء:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا أشار إليه شيخنا السخاوي في المقاصد الحسنة. وقوله ﵊: "العارية مؤادَّة والمنحة مردودة, والدَّيْن مقضي والزعيم غارم" رواه الترمذي وأبو داود. وقوله: "سبقك بها عكاشة
رواه البخاري. وقوله: "عجب ربك من كذا". روي من عدة روايات عند البخاري وغيره, ومعناه كما قال ابن الأثير: عظم ذلك عنده وكبر لديه، أَعْلَمَ الله أنه إنما يتعجّب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه، فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده. وقيل: معنى "عجب ربك" أي: رضي وأثاب، فسمَّاه عجبًا مجازًا وليس بعجب في الحقيقة, والأول الوجه. وقوله: "قُتِلَ صبرًا"
رواه غير واحد. وقوله: "ليس المسئول بأعلم من السائل" رواه مسلم وغيره. وقوله: "ولا ترفع عصاك عن أهلك أدبًا" رواه أحمد، أي: لا تدع تأديبهم وجمعهم على طاعة الله تعالى، يقال: شق العصا، أي: فارق الجماعة، وليس المراد: الضرب العصا، ولكنَّه جعله مثلًا، وقيل معناه: لا تغفل عن أدبهم ومنعهم من الفساد، قاله ابن الأثير.
وقوله: "إنما مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم" رواه البخاري،
وذكره ابن دريد وقال: إنه من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يسبق ﷺ إلى معناه.
أي: كل ما أنبت الجدول، وإسناد الإنبات إليه مجاز، والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى، وليست "من" للتبعيض، وحبطًا -بفتح المهملة والموحدة والطاء المهملة أيضًا- وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل حتى تنتفخ فتموت، ويلم -بضم الياء- أي: يقرب من الهلاك، وهو مَثَلٌ للمنهمك في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها.
وقوله ﵊: "خير المال عين ساهرة لعين نائمة". ومعناه: عين ماء تجري ليلًا ونهارًا وصاحبها نائم، فجعل دوام جريانها: سهرًا لها. وقوله: "خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة". رواه الإمام أحمد
والطبراني عن سويد بن هبيرة. ومعنى "مأمورة": أي: كثيرة النتاج، و "سكة مأبورة" , أي: طريقة مصطفة من النخل، ومنه قيل للأزقة: سكة، والتأبير تلقيح النخل. انتهى. وقوله ﵊: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"، رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
وقوله: "زر غبًّا تزدد حبًّا". رواه البزار، والحارث بن أبي أسامة عن أبي هريرة مرفوعًا، وفي بعض أحاديث الباب أنه قيل: يا أبا هريرة, أين كنت أمس؟ قال: زرت ناسًا من أهلي، فقال: "يا أبا هريرة, زر غبًّا تزد حبًّا".
وقوله: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم". رواه أبو يعلى والبزار من طرق، أحدها حسن بلفظ: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق". وقوله: "الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل". رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقيّ.
ق". وقوله: "الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل". رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقيّ.
وقوله: "إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى" رواه البزار والحاكم في علومه، والبيهقي في سننه،
كلهم من طريق محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر به مرفوعًا. وهو مما اختلف فيه على ابن سوقة في إرساله ووصله، وفي رفعه ووقفه، ثم في الصحابي، أهو جابر أو عائشة أو عمر. ورجَّح البخاري في تاريخه من حديث ابن المنكدر الإرسال،
ومعناه: إنه بقي في طريقه عاجزًا عن مقصده، لم يقض وطره، وقد أعطب ظهره. والوغول: الدخول، فكأنه قال: إن هذا الدين -مع كونه يسيرًا سهلًا- شديدًا، فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق، فإن من بالغ بغير رفق وتكلّف من العبادة فوق طاقته يوشك أن يملّ حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مثله كمثل الذي يعسف الركاب, ويحملها من السير على ما لا تطيق رجاء الإسراع، فينقطع ظهره، فلا هو قطع الأرض التي أراد، ولا هو أبقى ظهره سالمًا ينتفع به بعد ذلك. وقوله ﵊: "من شادّ هذا الدين غلبه".
رواه العسكري عن بريدة، وللبخاري من حديث معن بن محمد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه،
فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
وقوله: "الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت
والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني". رواه الحاكم عن شدَّاد بن أوس، وقال: صحيح على شرط البخاري، وتعقَّبه الذهبي بأن فيه ابن أبي مريم وهو واهٍ. وكذا رواه العسكري والقضاعي والترمذي وابن ماجه.
وقوله: "ما حاك في صدرك فدعه" رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة. وقوله ﷺ: "تنكح المرأة لجمالها ومالها ودينها وحسبها
فعليك بذات الدين ترتبت يداك" متَّفَق عليه من حديث أبي هريرة.
طبراني في الكبير من حديث أبي أمامة. وقوله ﷺ: "تنكح المرأة لجمالها ومالها ودينها وحسبها
فعليك بذات الدين ترتبت يداك" متَّفَق عليه من حديث أبي هريرة.
وقوله: "الشتاء ربيع المؤمن، قصر نهاره فصامه, وطال ليلة فقامه". رواه البيهقي وأحمد وأبو نعيم مختصرًا، والعسكري بتمامه، كلهم من حديث درَّاج عن أبي الهيثم
عن أبي سعيد، وله شواهد. وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن؛ لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويشرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة, ولا يحصل له جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد, فلا يحصل فيه مشقّة الصيام.
وقوله ﵊: "القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى". رواه الطبراني في الأوسط من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر، والقضاعي بدون: وكنز لا يفنى, عن أنس. وفي القناعة أحاديث كثيرة، ولو لم يكن في القناعة إلّا التمتع بالعزِّ لكفى صاحبه، وكان من
دعائه ﵊: "اللهم قَنِّعني بما رزقتني" , وأنشد بعضهم: ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعًا ما عاش مفتقرًا وقوله ﷺ: "ما خاب من استحار, ولا ندم من استشار،
ولا عال من اقتصد". رواه الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أنس. وقوله ﵊: "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة،
والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم". رواه البيهقي في الشعب، والعسكري في الأمثال، وابن السني والديلمي من طريقه, والقضاعي, كلهم من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا. وضعَّفه البيهقي، لكن له شاهد عن العسكري من حديث خلّاد بن عيسى, عن ثابت عن أنس رفعه: "الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق نصف الدين". وكذا أخرجه الطبراني وابن لال
ومن شواهده أيضًا: ما للعسكري عن أنس رفعه: "السؤال نصف العلم، والرفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ في اقتصاد". وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: "السؤال نصف العلم, والرفق نصف المعيشة". وفي صحيح ابن حِبَّان من حديث طويل عن أبي ذر, أن النبي ﷺ قال له: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق". وهذا
اللفظ عند البيهقي في الشعب. وله أيضًا وللعسكري عن علي مرفوعًا: "التودد نصف الدِّين، وما عال امرؤ قط على اقتصاد"، أي: ما افتقر من أنفق قصدًا, ولم يجاوزه إلى الإسراف. وقوله ﵊: "المؤمن من أمنه الناس" رواه الترمذي. وقوله: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده،
والمهاجر مَنْ هجر ما حرَّم الله عليه"، متفق عليه عن ابن عمرو، به مرفوعًا، وعن أبي موسى، ومسلم عن جابر. وقوله: "قلة العيال أحد اليسارين".
رواه صاحب مسند الفردوس ولفظه: "التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل, والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين". وقوله ﵊: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك
ولا تخن من خانك". رواه أبو داود والترمذي من رواية شريك وقيس بن الربيع،
هم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين". وقوله ﵊: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك
ولا تخن من خانك". رواه أبو داود والترمذي من رواية شريك وقيس بن الربيع،
كلاهما عن أبي صالح والحارث من رواية الحسن، كلاهما عن أبي هريرة. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وأخرجه الدارمي في مسنده، والحاكم وقال: إنه صحيح على شرط مسلم، ولكن أعلّه ابن حزم وكذا ابن القطان والبيهقي. وقال أبو حاتم: إنه منكر، وقال الشافعي: إنه لي بثابت عند أهله. وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبي ﷺ من وجه صحيح. قال شيخنا: لكن بانضمامها يقوى الحديث. انتهى. وقوله: "الرضاع يغيّر الطباع،
رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر. وقوله ﵊: "لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد
له". رواه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، والبيهقي في الشعب عن أنس. وقوله: "النساء حبائل الشيطان". رواه في مسند الفردوس عن عقبة بن عامر. وقوله ﵊: "حسن العهد من الإيمان" رواه الحاكم في مستدركه
عن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي فقال لها: "من أنت"؟ فقالت: جثامة المزينة, قال: "أنت حسانة، كيف أنتم، كيف حالكم، كيف كنتم بعدنا"؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي، فلمَّا خرجت قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الاقبال؟ قال: "إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان"، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين وليس له علة. وقوله ﵊: "الخمر جماع الإثم".
وقوله ﷺ: "جمال الرجل فصاحة لسانه". رواه القضاعي من حديث الأوزاعي, والعسكري من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر، كلاهما عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا. وأخرجه أيضًا الخطيب وابن طاهر، وفي إسناده أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي, والديلمي من حديث جابر رفعه: "الجمال صواب المقال،
والكمال حسن الفعال بالصدق". وعند العسكري من حديث العباس, قلت: يا نبي الله, ما الجمال في الرجل؟ قال: "فصاحة لسانه". وقوله ﵊: "منهومان لا يشبعان: طالب علم, وطالب دنيا".
بالصدق". وعند العسكري من حديث العباس, قلت: يا نبي الله, ما الجمال في الرجل؟ قال: "فصاحة لسانه". وقوله ﵊: "منهومان لا يشبعان: طالب علم, وطالب دنيا".
رواه الطبراني في الكبير, والقضاعي عن ابن مسعود رفعه، وهو عند البيهقي في المدخل, عن القاسم قال: قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب العلم وصاحب الدنيا. ولا يستويان، أمَّا صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان، وأمَّا صاحب العلم فيزداد من رضا الرحمن. وقال: إنه موقوف منقطع. وكذا رواه البزار والعسكري
وغيرهما وبمجموعها يتقوَّى، وإن كانت مفراداته ضعيفة فيكون حسنًا، والله أعلم. وقوله ﵊: "لا فقر أشدَّ من الجهل، ولا مال أعزَّ من العقل، ولا وحشة أشد من العجب". رواه ابن ماجه. وقوله ﵊: "الذنب لا ينسى، والبر لا يبلى،
والديان لا يموت، فكن كما شئت". رواه في مسند الفردوس عن ابن عمر. وقوله ﵊: "ما جمع شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم". رواه العسكري في الأمثال من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي زين العابدين مرفوعًا بزيادة: "وأفضل الإيمان التحبُّب إلى الناس، ثلاث من لم تكن فيه فليس مني ولا من الله، حلم يرد به جهل الجاهل،
وحسن خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن معاصي الله". وعنده أيضًا من حديث جابر مرفوعًا: "ما أوى شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، وصاحب العلم غرثان إلى الحلم". وقوله ﵊: "التمسوا الرزق في خبايا الأرض". رواه في جزء ب ي ب ي عن ابن أبي شريح
والمراد الزرع، وأنشدوا: تنبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يومًا أن تجاب فترزقا وقوله ﵊: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل, وعدّ نفسك من أهل القبور"
رواه البيهقي في الشعب, والعسكري من حديث ابن عمر مرفوعًا في حديث. وأخرجه البخاري والترمذي وغيرهم. وقوله ﵊: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء،
وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر"، أخرجه الطبراني في الكبير بسند حسن.
وقوله ﵊: "العفو لا يزيد العبد إلا عزًّا، والتواضع لا يزيده إلا رفعه, وما نقص مال من صدقة". وروى مسلم: "ما نقضت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا،
وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". وروى القضاعي عن أبي سلمة عن أم سلمة مرفوعًا: "ما نقص مال من صدقة, ولا عفا رجل عن مظلمة إلّا زاده الله تعالى بها عزًّا". وروى الديلمي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "والذي نفس محمد بيده, لا ينقص مال من صدقة". ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وقوله ﵊: "اللهم إني أعوذ بك من شَرِّ سمعي، ومن شَرِّ بصري، ومن شَرِّ لساني، ومن شَرِّ قلبي ومن شَرِّ مَنِيّي". أخرجه أبو داود في جامعه, والحاكم في مستدركه عن شكل. وقوله ﷺ: "اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى
ومن شَرِّ لساني، ومن شَرِّ قلبي ومن شَرِّ مَنِيّي". أخرجه أبو داود في جامعه, والحاكم في مستدركه عن شكل. وقوله ﷺ: "اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى
رواه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه. وقوله ﵊: "إن الدنيا عرض حاضر, يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق, يحكم فيها ملك عادل قادر، يحق فيها الحق ويبطل الباطل، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا، فإن كل أمّ يتبعها ولدها". رواه أبو نعيم في الحلية من حديث شداد.
وقوله ﵊: "أخسر الناس صفقةً من أذهب آخرته بدنيا غيره". وعند ابن النجار من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه, وهو مما بيض له الديلمي: "أخسر الناس صفقة رجل أخلق يديه في آماله, ولم تساعده الأيام على أمنيته،
فخرج من الدنيا بغير زاد, وقدم على الله بغير حجة". وقوله ﵊: "إن من كنوز البر كتمان المصائب".
وقوله ﵊: "اليمين حنث أو ندم". رواه أبو يعلى وابن ماجه إلّا أنه قال: إنما الحلف. وقوله ﵊: "لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك". رواه الترمذي من حديث مكحول عن واثلة،
وقال: حسن غريب، وهو عند الطبراني أيضًا، وفي رواية لابن أبي الدنيا: "فيرحمه الله "، بدل: "فيعافبه الله". وروى الترمذي مرفوعًا: "مَنْ عَيِّرَ أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله". وقوله ﵊ لأبي هريرة: "جف القلم بما أنت لاق".
قال صاحب فتح المنَّة بشرح الأخبار لمحيي السنة: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها، فإن الفراغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده، فهو من إطلاق اللازم على الملزوم، وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية. وقوله ﵊: "اليوم الرهان وغدًا السباق, والغاية الجنة, والهالك من دخل النار".
وقوله ﵊: "من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنة". رواه جماعة، منهم العسكري عن جابر به، وفي البخاري والترمذي عن سهل بن سعد بلفظ: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة".
لى الله الجنة". رواه جماعة، منهم العسكري عن جابر به، وفي البخاري والترمذي عن سهل بن سعد بلفظ: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة".
والمراد بما بين لحييه: اللسان وما يتأتَّى به النطق، وما بين رجليه: الفرج، وقال الداودي: المراد بما بين اللحيين: الفم، فيتناول الأقوال والأكل والشرب وسائر ما يتأتَّى بالفم. وفي لفظ: "من توكَّل لي ما بين فقيمه ورجليه أتوكل له بالجنة"، والفقم -بالضم والفتح: اللحى. وفي لفظ آخر: "من تكفَّل لي تكفلت له". وللديلمي -بسند ضعيف- عن أنس رفعه: "من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه وجبت له الجنة"، ولفظ الإحياء: من وقي, يعني: البطن
من القبقبة، وهو صوت يسمع في البطن، وكأنَّه حكاية ذلك الصوت، ويجوز أن يكون كناية عن أكل الحرام وشبهه، والذكر واللسان. فهذا وأشباهه مما يعسر استقصاؤه, يدلك على ذلك أنه ﷺ قد رقي في الفصاحة وجوامع الكلم درجةً لا يقاس بها غيره، وحاز مرتبة لا يقدر فيها قدره ﷺ. ومما عدّ من وجوه بلاغته: ما ذكر أنه جمع متفرقات الشرائع وقواعد الإسلام في أربعة أحاديث وهي: حديث "إنما الأعمال بالنيات ... " وحديث "الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن ... "
رواه مسلم. وحديث "البينة على المدعي واليمين على من أنكر". وحديث "لا يكمل إيمان المرء....."
حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه" رواه الشيخان.
فالحديث الأول: يشتمل على ربع العبادات. والثاني: على ربع المعاملات. والثالث: على ربع الحكومات وفصل الخصومات. والرابع: على ربع الآداب والمناصفات, ويدخل تحته التحذير من الجنايات.
قال ابن المنير. ومما عُدَّ أيضًا من أنواع بلاغته, كلامه ﵊ مع كل ذي لغة بليغة بلغته اتساعًا في الفصاحة، واستحداثًا للألفة، فكان ﷺ يخاطب أهل الحضر بكلام ألْيَن من الدهن وأرقّ من المزن، ويخاطب أهل البدو بكلام أرسى من الهضب وأرهف من العضب. فانظر إلى دعائه لأهل المدينة حين سألوه ذلك فقال: "اللهمَّ بارك لهم في مكيالهم, وبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم،
وفي حديث آخر: "اللهمَّ بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنَا, اللهمَّ إني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكَّة ومثله معه". ثم انظر دعاءه لبني نهد وقد وفدوا عليه في جملة الوفود، فقام طهفة بن رهم
النهدي يشكو الجدب إليه, فقال: يا رسول الله, أتيناك من غورى تهامة، بأكوار الميس، نرتمي بنا العيس، نستخلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير، ونستحيل الرهام، ونستحيل الجهام، من أرض غائلة النطاء، غليظة الوطاء، قد نشف المدهن، ويبس الجعثن، وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن وما يحدث من الزمن، لنا دعوة الإسلام وشرائع الإسلام ما طما البحر وقام تعار، ولنا نعم همل، أغفال ما تبل ببلال، ووقير كثير الرسل قليل الرسل، أصابتها سنية حمراء مؤزلة، لي لها علل ولا نهل.
فقال لهم رسول الله ﷺ: "اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها، وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك له في المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة،
، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة،
ولا تتثاقل عن الصلاة". ثم كتب معه كتابًا إلى بني نهد: "بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله ﷿ ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض والفريش، وذو العنان الركوب، والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الإماق، وتأكلوا الرباق، من أقرَّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله ﷺ الوفاء بالعهد
والذمّة، ومن أبى فعليه الربوة". وتحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى التفسير: فالميس: شجر صلب تعمل منه أكوار الإبل ورحالها. ونستحلب -بالحاء المهملة- الصبير: بفتح الصاد المهملة وكسر الموحَّدة، وهو سحاب أبيض متراكب متكاثف, أي: نستدرّ السحاب. ونستحلب -بالخاء المعجمة، الخبير -بالخاء المعجمة- أيضًا ثم الموحدة: النبات والعشب، شبه بخبير الإبل وهو وبرها، واستخلابه: احتشاشه بالمخلب، وهو المنجل، والخبير: يقع على الوبر والزرع والأكار, قاله ابن الأثير.
ونستعضد البرير: أي: نقطعه ونجنيه من ثمره للأكل، وهو بموحَّدة وراءين بينهما مثناة تحتية: ثمر الأراك إذا اسودَّ وبلغ, وقيل: هو اسم له في كل حال، وكانوا يأكلونه في الجدب. ونستخيل -بالخاء المعجمة- الرهام -بكسر الراء: وهي الأمطار الضعيفة، واحدتها رهمة، أي: نتخيّل الماء في السحاب القليل، وقيل: الرَّهْمَة أشدّ وقعًا من الديمة. ونستجيل -بالجيم- أي: نراه جائلًا يذهب به الريح ههنا وههنا. والجهام -بالجيم- أي: السحاب الذي فرغ ماؤه. ومن روى نستخيل -بالخاء المعجمة بدل الجيم- فهو نستغفل من "خلت، أخال" إذا ظننت، أراد لا نتخيّل في السحاب حالًا إلّا المطر, وإن كان جهامًا لشدة حاجتنا إليه، ومن رواه بالحاء المهملة -وهو الأشهر- أراد: لا ننظر من السحاب في حال إلّا إلى جهام من قلة المطر.
ب حالًا إلّا المطر, وإن كان جهامًا لشدة حاجتنا إليه، ومن رواه بالحاء المهملة -وهو الأشهر- أراد: لا ننظر من السحاب في حال إلّا إلى جهام من قلة المطر.
وأرض غائله -بالغين المعجمة- والنطاء -بكسر النون- أي: مهلكة للبعد، يقال: بلد نطي، أي: بعيد، ويروى المنطأ وهو مفعل منه. والمدهن: نقرة في الجبل. والجعثن: بالجيم والمثلثة، أصل النبات، ويقال: أصل الصليان خاصّة, وهو نبت معروف. والعسلوج: بضم العين وبالسين المهملتين، آخره جيم، وهو الغصن إذا يَبِسَ وذهبت طراوته، وقيل: هو القضيب الحديث الطلوع، يريد أن الأغصان يبسن وهلكت من الجدب، وجمعه، عساليج. والأملوج: بالضم والجيم، وَرَق شجر يشبه الطرفاء والسرو، وقيل: هو ضرب من النبات ورقه كالعيدان، وقيل: هو نوى المقل. وفي رواية: وسقط الأملوج من البكارة -بالكسر- جمع البكرة -بالفتح, يريد أن السمن الذي قد علا بكارة الإبل بما رعت
من هذه الشجرة قد سقطت عنها، فسمَّاه باسم المرعى؛ إذ كان سببًا له. وهلك الهدي -بفتح الهاء وكسر الدال المهملة والتشديد- كالهدي بالتخفيف، وهو ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لينحر، فأطلق على جميع الإبل وإن لم تكن هديًا، تسمية للشيء ببعضه، يقال: كم هدي بني فلان؟ أي: كم إبلهم. ومات الوديّ: بالتشديد، فسيل النخل، يريد: هلكت الإبل ويبست النخل. وبرئنا إليك من الوثن والعنن، الوثن: الصنم، والعنن: الاعتراض، يقال: عنَّ لي شيء, أي: اعتراض، كأنه قال: برئنا إليك عن الشرك والظلم، وقيل: أراد به الخلاف والباطل. وما طمي البحر: أي: ارتفع بأمواجه. وتعار -بكسر التاء المثناة الفوقية- يصرف ولا يصرف، اسم جبل. ولنا نعم همل: أي: مهملة لا رعاء لها، ولا فيها ما يصلحها ويهديها، فهي كالضالة. والإبل الأغفال: لا لبن فيها
وقوله ﵊: "اللهمَّ بارك لهم في محضها" -بالحاء المهملة والضاد المعجمة- أي: خالص لبنها. "ومخضها" -بالمعجمتين: ما مخض من اللبن وأخذ زبده. "ومذقها" -بفتح الميم وسكون المعجمة وبالقاف- أي: ممزوج بالماء. "وابعث راعيها في الدثر" -بالمهملة المفتوحة ثم المثلثة الساكنة ثم الراء: المال الكثير، وقيل: الخصب والنبات الكثير. "وافجر له الثمد" -بفتح المثلثة: الماء القليل، أي: صيّره كثيرًا. "وودائع الشرك" , قيل: المراد بها العهود والمواثيق، يقال: توادع الفريقان إذا أعطى كل واحد.
منهم عهده للآخر لا يغزوه، وقيل: المراد ما كانوا استودعوه من أموال الكفَّار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، أراد إحلالها لهم؛ لأنها مال كافر قدر عليه من غير عهد ولا شرط. "ووضائع الملك" جمع وضيعة، وهي الوظيفة التي تكون على الملك، وهو ما يلزم الناس في أموالهم من الزكاة والصدقة، أي: لكم الوظائف التي تلزم المسلمين لا تتجاوز عنكم ولا نريد عليكم فيها شيئًا. "ولا تلطط" بضم المثناة الفوقية، ثم اللام الساكنة ثم طاءان، الأولى مكسورة والثانية مجزومة على النهي، أي: لا
لا تتجاوز عنكم ولا نريد عليكم فيها شيئًا. "ولا تلطط" بضم المثناة الفوقية، ثم اللام الساكنة ثم طاءان، الأولى مكسورة والثانية مجزومة على النهي، أي: لا
تمنعها. "ولا تلحد في الحياة" بضم المثناة الفوقية وإسكان اللام وكسر الحاء المهملة وآخره دال مهملة، أي: لا تمل عن الحق ما دمت حيًّا. قال بعضهم: كذا رواه القتيبي: لا وتلطط ولا تلحد على النهي للواحد، ولا وجه له؛ لأنه خطاب الجماعة، ورواه غيره: ما لم يكن عهد ولا موعد ولا تثاقل عن الصلاة، ولا تلطط في الزكاة وتلحد في الحياة. قال الحافظ أبو السعادات الجزري، وهو الوجه؛ لأنه خطاب للجماعة واقع على ما قبله.
وقوله: "ولا تتثاقل عن الصلاة" أي: لا تتخلف. "والوظيفة" الحق الواجب. "والفريضة" أي: الهرمة المسنة، أي: لا تأخذ في الصدقات هذا الصنف, كما أنا لا نأخذ خيار المال. "والفارض" -بالفاء والضاد المعجمة: المريضة. "والفريش" -بفتح الفاء آخره شين معجمة- وهي من الإبل, كالنفساء من بنات آدم، أي: لكم خيار المال وشراره، ولنا وسطه.
"وذو العنان" بكسر العين- سير اللجام. "والركوب" بفتح الراء- أي: الفرس الذلول. "والضبيس" بفتح المعجمة وكسر الموحدة آخره مهملة- المهر العسر الصعب. امتنَّ عليهم بترك الصدقة في الخيل جيدها ورديئها. "ولا يمنع" بضم المثناة التحتية وفتح النون- سرحكم -بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة- ما سرح من المواشي، أي: لا يدخل عليكم أحد في مراعيكم. "ولا يعضد طلحكم" أي: لا يقطع. "ولا بحبس دركم" أي: لا تحبس ذوات الدر عن المرعى إلى أن تجتمع
ملة- ما سرح من المواشي، أي: لا يدخل عليكم أحد في مراعيكم. "ولا يعضد طلحكم" أي: لا يقطع. "ولا بحبس دركم" أي: لا تحبس ذوات الدر عن المرعى إلى أن تجتمع
الماشية ثم تعد، أو أنَّ معناه أن لا نأخذها لما في ذلك من الأضرار. "والإماق" -بالميم- أي: ما لم تضمروا الغيظ، والبكاء، مما يلزمكم من الصدقة، قاله في القاموس. وقال الزمخشري: المراد إضمار الكفر والعمل على ترك الاستبصار في دين الله، وفي رواية: الرماق -بالراء والميم- أي: النفاق، يقال: رامقته رماقًا، وهو أن تنظر إليه شزرًا نظر العداوة، يعني: ما لم تضق قلوبكم عن الحق، يقال: عيش رماق، أي: ضيق، وعيش رمق، ومرفق: أي ممسك الروح، والرمق: بقية الروح وآخر النفس. "وتأكلوا الرباق" -بكسر الراء وبالموحدة المخففة- أي: إلا أن تنقضوا العهد، واستعار الأكل لنقض العهد؛ لأن البهيمة إذا أكلت الربق -وهو الحبل, يجعل فيه عرى وتشد به- خلصت من الرباط.
"والربوة" -بكسر الراء وفتحها وضمها- أي: الزيادة. يعني: من تقاعد عن إعطاء الزكاة فعليه الزيادة في الفريضة عقوبة له. فانظر إلى هذا الدعاء والكتاب الذي انطبق على لغتهم، وجاد وزاد عليها في الجزالة والبداوة, أين هذا من كتابه ﷺ لأنس في الصدقة،
وأين ذلك من كتابه بين قريش والأنصار, إنهم أمّة واحدة دون الناس من قريش على رباعتهم، يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى، ويفكون عافيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على من بقى عليهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، وأن سلم المؤمنين واحد على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت يعقب بعضهم
بعضًا، ومن اعتبط مؤمنًا قتلًا فهو قَوْد إلّا أن يرضى ولي المقتول، ومن ظلم وأَثِمَ فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأولاهم بهذه الصحيفة البر المحسن". كذا روي مختصرًا من حديث ابن شهاب. وقوله: "دسيعة ظلم": أي عظيمة من الظلم. "ورباعتهم" أمرهم القديم الذي كانوا عليه. "ويتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى" أي:
يكونون على ما كانوا عليه من أخذ الديات وإعطائها، وهو تفاعل من العقل، والمعاقل: الديّات، جمع معقلة، يقال: بنو فلان على معاقلهم التي كانوا عليها، أي: على مراتبهم وحالاتهم. "ولا يوتغ" أي: لا يهلك. "ويعقب بعضهم بعضًا" أي: يكون الغزو بينهم نوبًا, فإذا خرجت طائفة ثم عادت لم تكلف أن تعود ثانية حتى يعقبها غيرها. وأين هذا اللين في القول، وقرب المأخذ في اللفظ على طريق الحاضرة وعرف الجمهور المشهور أيضًا من كتابه لذي المشعار الهمداني، لما لقيه وفد همدان مقدمه من تبوك، فقال له مالك بن نمط: يا رسول الله، نصية.
من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف, ويام لا ينقض عهدهم عن سنة ماحل، ولا سوداء عنقفير، ما قام لعلع، وما جرى اليعفور بصلع. فكتب لهم النبي ﷺ: "هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحفاف الرمل، مع وافدها ذي المشعار مالك بن النمط ومن أسلم من قومه، على أنّ لهم فراعها ووهاطها وعزازها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عفاها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة،
مه، على أنّ لهم فراعها ووهاطها وعزازها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عفاها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة،
ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض الداجن والكبش الحوري، وعليهم فيها الصالغ والقارح". وقوله: نصية من كل حاضر وباد، قال ابن الأثير: النصية من ينتصي من القوم, أي: يختار من نواصيهم، وهم الرءوس والأشراف، ويقال للأشراف: نواص، كما يقال للأتباع أذناب. وأتوك على قلص: بضم القاف واللام- جمع قلوص، وهي الناقة الشابّة. قال: ولا تزال قلوصًا حتى تصير نازلًا. والنواج: السراع.
وقوله: متصلة بحبائل الإسلام, أي: عهوده وأسبابه. وخارف: بالخاء المعجمة. ويام -بالمثناة التحتية: قبيلتان. ولا ينقض عهدهم عن سنة ماحل: أي: لا ينقض بسعي ساعٍ بالنميمة والإفساد، كما يقال: لا أفسد ما بيني وبينك بمذاهب الأشرار وطرقهم في الفساد. والسنة: الطريقة، والسنن أيضًا. والعنقفير -بفتح العين المهملة وسكون النون وتقديم القاف- الداهية, أي: لا ينقض عهدهم بسعي الواشي ولا بداهية تنزل. ولعلع: جبل. وما جرى اليعفور -بفتح التحتية،
الخشف، وولد البقرة الوحشية، وقيل: هو تيس الظباء، والجمع: اليعافير، والياء زائدة. ويصلح -بضم الصاد المهملة وتشديد اللام- الأرض التي لا نبات فيها. وقوله ﵊: "وأهل جناب الهضب" بكسر الجيم- اسم موضع. "وحفاف الرمل" أسماء بلادهم. "وفراعها" بكسر الفاء وبراء وعين مهملة- أي: ما علا من الجبال أو الأرض. "ووهاطها" بكسر الواو، وبطاء مهملة- المواضع المطمئنة، واحدها وهط، وبه سمي الوهط، مال كان لعمرو بن العاص بالطائف. وقيل: الوهط: قرية بالطائف كان الكرم المذكور بها. "وعزازها" بفتح العين المهملة.
المطمئنة، واحدها وهط، وبه سمي الوهط، مال كان لعمرو بن العاص بالطائف. وقيل: الوهط: قرية بالطائف كان الكرم المذكور بها. "وعزازها" بفتح العين المهملة.
ثم زاءين مخفَّفَتين- ما صلب من الأرض واشتدَّ وخشن، وإنما يكون في أطرافها. "وتأكلون علافها" بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء- جمع علف، وهو ما تأكله الماشية. "وعفاءها" بفتح المهملة وتخفيف الفاء وبالمد- أي: المباح. "ومن دفئهم" بكسر الدال المهملة وسكون الفاء وبالهمز- قال في المجمل: نتاج الإبل وألبانها والانتفاع بها. "وصرامهم" بكسر الصاد المهملة وتخفيف الراء- أي: من نخلهم. "والثلث" بكسر المثلثة واللام الساكنة وبباء موحدة- ما هرم.
من ذكور الإبل وتكسَّرت أسنانه. "والناب" بالنون والموحدة- الناقة الهرمة التي طال نابها. "والفصيل" بالمهملة- الذي انفصل عن أمه. "والفارض" بالفاء- المسنّ من الإبل. "والداجن" بالمهملة والجيم- الدابّة التي تألف البيوت. "والكبش الحوري" بالحاء المهملة ثم واو مفتوحتين فراء مكسورة- الذي في صوفه حمرة. "والصالغ" بالصاد المهملة والغين المعجمة،
من صلغت الشاة ونحوها: إذا تمت أسنانها. "والقارح" بالقاف والراء والحاء المهملة- وهو من الخيل الذي دخل في السنة الخامسة. وهذا من جنس كتابه لقطن ابن حارثة العليمي من كلب: "هذا كتاب من محمد لعمائر كلب وأحلافها، ومن ظأره الإسلام من غيرهم من قطن بن حارثة العليمي، بإقام الصلاة لوقتها،
وإيتاء الزكاة بحقها في شدة عقدها ووفاء عهدها بمحضر من شهود المسلمين" وسمى جماعة منهم دحية بن خليفة الكلبي، "عليهم من الهمولة الراعية البساط الظئار في كل خمسين ناقة غير ذات عوار، والحمولة المائرة لهم لاغية، وفي الشوي الوري مسنة حامل أو حائل، وفيما سقى الجدول من العين المعين العشر،
وفي العثري شطره بقيمة الأمين, لا يزاد عليهم وظيفة ولا يفرق. عهد على ذلك الله ورسوله، وكتب ثابت بن قيس بن شماس". وتفسير غريبه أن قوله: "من ظأره الإسلام" بالظاء المعجمة والهمزة آخره هاء- أي: عطفه عليه وعليهم. "في الهمولة" بفتح الهاء- هي التي ترعى بأنفسها, ولا تستعمل فعولة بمعنى مفعولة. "والبساط" التي معها أولادها.
"والظئار" أن تعطف الناقة على غير ولدها. "والحمولة المائرة لهم لاغية" يعني: إن الإبل التي تحمل عليها الميرة -وهي الطعام ونحوه مما يجلب للبيع- لا تؤخذ منها زكاة؛ لأنها عوامل. "وفي الشوي" بفتح الشين المعجمة وكسر الواو والياء المشددة- اسم جمع للشاة. "والوري" السمينة. ومن هذا النمط كتابه ﷺ لوائل بن حجر -بتقديم الحاء المضمومة على الجيم الساكنة.
إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب"، وذكر الفرائض فقال: "في التبعة شاة لا مفوّرة الألياط ولا ضناك، وأنطوا الثبجة وفي السيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عامًا، ومن زنى مم ثيب فرجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدين، ولا غمة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام،
الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عامًا، ومن زنى مم ثيب فرجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدين، ولا غمة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام،
ووائل بن حجر يترفَّل على الأقيال". وفسَّر الأقيال -وهو بالقاف والمثناة التحتية -بالرؤساء الذين دون الملوك. "والعباهلة" بالمهملة المفتوحة والموحدة- الذين أقروا على ملكهم لا يزالون. "الأرواح" بفتح الهمزة وسكون الراء آخرة عين مهملة- جمع رائع، وهم ذوو الهيئات الحسان الوجوه. "والمشابيب" بفتح الميم والشين والمعجمة
وباءين موحَّدتين بينهما مثناة تحتية ساكنة -السادة الرءوس، الحسان الوجوه. "وفي التيعة" بكسر المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية وبالعين المهملة- أربعون من الغنم, وفي القاموس والنهاية: أدنى ما تجب فيه الصدقة من الحيوان. "ولا مقورة" بضم الميم وفتح القاف وتشديد الواو. "والألياط" بفتح الهمزة وسكون اللام آخرها طاء مهملة- أي: لا مسترخية الجلود لكونها هزيلة. "ولا ضناك" بكسر المعجمة وتخفيف النون- ضدها, وهي الكثيرة اللحم. "وأنطوا" بقطع الهمزة
أي: أعطوا. "والثبجة" بالمثلثة ثم موحَّدة ثم جيم مفتوحات، وقد تكسر الموحدة، أي: أعطوا الوسط في الصدقة لا من خيار المال ولا من رذالته. "وفي السيوب" بضم المهملة والمثناة التحتية وواو وآخره موحدة- أي: الركاز، قاله الهروي، وقيل: المال المدفون في الجاهلية والمعدن. "ومن زنى مم بكر" بكسر الراء بلا تنوين؛ لأن أصله من البكر، لكن أهل اليمن يبدلون لام التعريف ميما، وهي ساكنة فأدغمت النون فيها، والمراد بالبكر الجنس،
وقال ابن الأثير: أي: من بكر ومن ثيب، فقلبت النون الساكنة ميمًا، أمَّا مع بكر فلأنَّ النون إذا سكنت قبل الباء فإنها تقلب ميمًا في النطق، نحو: عنبر وشنباء، وأمَّا مع غير الباء فإنها لغة يمانية، كما يبدلون الميم من لام التعريف. انتهى. و"فاصقعوه" بهمزة وصل وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف وضم العين المهملة- أي: اضربوه. "واستوفضوه" بهمزة وصل وكسر
يبدلون الميم من لام التعريف. انتهى. و"فاصقعوه" بهمزة وصل وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف وضم العين المهملة- أي: اضربوه. "واستوفضوه" بهمزة وصل وكسر
الفاء وضمَّ الضاد المعجمة، أي: غربوه وانفوه. و"فضرجوه" بالضاد المعجمة وتشديد الراء وبالجيم. و"بالأضاميم" بفتح الهمزة والضاد المعجمة- أي: أدموه بالضرب بجماهير الحجارة. و"لا توصيم" بصاد مهملة مكسورة- أي: لا كسل عن إقامة الحدود. "ولا غمة" بضم الغين المعجمة وتشديد الميم- أي: لا تستر ولا تُخْفَى. "ويترفّل" بتشديد الفاء المفتوحة- يتسوّد ويترأس، استعارة من ترفيل الثوب, وهو إسباغه وإسباله.
وقريب من هذا، كتابه ﷺ لأكيدر وأهل دومة الجندل، كما قدمته في مكاتبته ﵊. وقال ﵊ في حديث عطية السعدي: "فإن اليد العليا هي المنطية والسفلى هي المنطاة" قال: فكلمنا رسول الله ﷺ بلغتنا.
وقد كان هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه, أن يكلِّم كل ذي لغة بليغة بلغته, على اختلاف لغة العرب وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها، كان أحدهم لا يتجاوّز لغته، وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذلك منه ﷺ إلّا بقوة إلهية وموهبة ربانية؛ لأنه بُعِثَ إلى الكافَّة طرًا، وإلى الناس سودًا وحمرًا، والكلام باللسان يقع في غاية البيان، ولا يوجد غالبًا متكلم بغير لغته إلا قاصرًا في الترجمة نازلًا عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلّا نبينا وسيدنا محمدًا ﷺ كما تقدَّم، فإنه زاده الله تكريمًا وشرفًا, تكلم في كل لغة من لغة العرب أفصح وأنصع بلغاتها منها بلغة نفسها،
وجدير به ذلك، فقد أوتي في سائر القوى البشرية المحمودية زيادة ومزية على الناس، مع اختلاف الأصناف والأجناس ما لا يضبطه قياس, ولا يدخل في تحقيقه إلباس. وأما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث الله نبيًّا قط إلّا بعثه حسن الوجه حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكم, فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، رواه ابن عساكر. وروي نحوه عن حديث علي بن أبي طالب ﵁.
وروي أنه كان إذا تكلَّم ريء كالنور يخرج من ثناياه. وقد كان صوته ﵊ يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق في خدورهنّ. رواه البيهقي. وقالت عائشة ﵂: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر فقال للناس: اجلسوا، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم, فجلس في مكانه، رواه أبو نعيم. وقال عبد الرحمن بن معاذ
التيمي: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، ففتحت أسماعنا -وفي لفظ: ففتح الله أسماعنا- حتى إن كنَّا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا. رواه ابن سعد. وعن أم هانيء قالت: كنَّا نسمع قراءة النبي ﷺ في جوف الليل عند الكعبة، وأنا على عريشي، رواه ابن ماجه. وأما ضحكه ﵊، ففي البخاري عن عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم،
أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك؛ بحيث يضحك ضحكًا تامًّا مقبلًا بكليته على الضحك. واللهوات -بفتح اللام- جمع لهاة، وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم. وهذا لا ينافي ما في حديث أبي هريرة في قصة المواقِعِ أهلَه في رمضان، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. رواه البخاري
وهو بالجيم والذال المعجمة- أي: أضراسه, ولا تكاد تظهر إلّا عند المبالغة في الضحك، ولا منافاة لأنَّ عائشة إنما نفت رؤيتها، وأبو هريرة أخبر عمَّا شاهد، والمثبت مقدَّم على النافي. وقد قال أهل اللغة: التبسُّم مبادي الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة، وإلّا فالضحك. وقال ابن أبي هالة: جلّ ضحكه التبسم، ويفتر
ك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة، وإلّا فالضحك. وقال ابن أبي هالة: جلّ ضحكه التبسم، ويفتر
عن مثل حب الغمام، أي: يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب الغمام: البرد. وقال الحافظ بن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث: أنه ﷺ كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسّم، وربما زاد على ذلك فضحك. قال: والمكروه من ذلك إنما هو إكثار منه, أو الإفراط فيه؛ لأنه يذهب الوقار. وقال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك. وقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: "لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب".
وقال أبو هريرة: وإذا ضحك ﷺ يتلألأ في الجدر. رواه البزار والبيهقي، أي: يضيء في الجدر -بضم الجيم والدال- جمع جدار وهو الحائط, أي: يشرق نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس عليها. وكان ﷺ إذا كان حديث عهد بجبريل لم يبتسم ضاحكًا حتى يرتفع عنه، بل كان إذا خطب أو ذكر الساعة اشتدَّ غضبه, وعلا صوته, كأنَّه منذر جيش, يقول: "صبحكم ومساكم" رواه مسلم. وكان بكاؤه ﵊ من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة, ولكن تدمع عيناه حتى ...
تهملان، ويسمع لصدره أزيز، يبكي رحمة لميّت, وخوفًا على أمته وشفقة، ومن خشية الله، وعند سماع القرآن، وأحيانًا في صلاة الليل. قاله في الهدي النبوي. وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب، ففي تاريخ البخاري ومصنَّف ابن أبي شيبة, عن يزيد بن الأصم: ما تثاءب النبي قط. لكن في رواية عند ابن أبي شيبة: ما تثاءب نبي قط. وأمَّا يده الشريفة ﷺ فقد وصفه غير واحد بأنَّه كان شثن الكفين كما سيأتي، أي غليظ أصابعهما،
وبأنه عَبْل الذراعين رحب الكفَّين. وقد مسح ﷺ خد جابر بن سمرة قال: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار، رواه مسلم. وفي حديث وائل بن حجر عند الطبراني والبيهقي: لقد
كفَّين. وقد مسح ﷺ خد جابر بن سمرة قال: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار، رواه مسلم. وفي حديث وائل بن حجر عند الطبراني والبيهقي: لقد
كنت أصافح رسول الله ﷺ, أو يمسّ جلدي جلده، فأتعرَّفه بعد في يدي، وإنه لأطيب رائحة من المسك. وقال يزيد بن الأسود: ناولني رسول الله عليه وسلم- يده, فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحًا من المسك. رواه البيهقي. وعن المستورد بن شداد عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ فأخذت بيده, فإذا هي ألين من الحرير وأبرد من الثلج. رواه الطبراني. ودخل ﷺ على سعد بن أبي وقاص يعوده بمكة وقد اشتكى، قال: فوضع يده على جبهتي فسمح وجهي وصدري وبطني، فما زلت يخيل إلي
أني أجد برد يده على كبدي حتى الساعة، رواه. في البخاري من حديث أنس قال: ما مَسَسْتُ حريرًا ولا ديباجًا ألين من كَفِّ رسول الله ﷺ. وهو من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الديباج نوع من الحرير. قيل: وهذا الوصف في هذا الحديث يخالف ما وقع في حديث هند بن أبي هالة عند الترمذي في صفته ﷺ، فإنَّ فيه -كما تقدَّم: كان شثن الكفين والقدمين، أي: غليظهما في خشونة، وهكذا وصفه عليُّ من عدة طرق عند الترمذي
والحاكم وغيرهما، وكذا وصف عائشة له عند ابن أبي خيثمة. والجمع بينهما: إن المراد اللّين في الجلد, والغلظ في العظام، فتجتمع له نعومة البدن وقوته. وقال ابن بطال: كانت كفّه ﷺ ممتلئة لحمًا، غير أنها مع ضخامتها كانت لينة، كما في حديث أنس، قال وأمَّا قول الأصمعي: الشثن: غلظ الكف في خشونة، فلم يوافق على تفسيره بالخشونة، والذي فسَّره به الخليل أَوْلَى، قال: وعلى تسليم ما فسَّر به الأصمعي الشثن, يحتمل أن يكون أنس وصف حالتي كف النبي ﷺ, فكان إذا عمل بكفه في الجهاد أو في مهنة أهله، صار كفّه خشنًا للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجع كفه إلى أصل جبلته من النعومة.
وقال القاضي عياض: فسَّر أبو عبيدة الشثن بالغلظ مع القصر, وتعقّب بأنه ثبت في صفته ﵊ أنه كان سائل الأطراف. انتهى. ويؤيد كونها كانت لينةً قوله في رواية النعمان: كان سبط الكفين -بتقديم المهملة على الموحدة، فإنه موافق لوصفها باللين. والتحقيق في الشثن أنه الغلظ من غير قصر ولا خشونة. وقد نقل ابن خالويه: إن الأصمعي لما فسر الشثن بما مضى قيل له: إنه ورد في صفة النبي ﷺ أنه لَيِّن الكفَّين، فآلى
على نفسه أن لا يفسِّر شيئًا في الحديث. انتهى. وفي حديث معاذ عند الطبراني والبزار: أردفني رسول الله ﷺ خلفه في سفر، فما مسَسَت شيئًَا قط ألين من جلده ﷺ. وأصيب عائذ بن عمرو في وجهه يوم حنين، فسال الدم على وجهه وصدره، فسلت النبي ﷺ الدم بيده عن وجهه وصدره، ثم دعا له، فكان أثر يده ﵊ إلى منتهى ما مسح من صدره غُرَّة سائلة كغرة الفرس. رواه الحاكم وأبو نعيم وابن عساكر. وأخرج البخاري في تاريخه والبغويّ وابن منده في الصحابة من طريق صاعد بن العلاء بن بشر عن أبيه عن جدّه بشر بن معاوية: أنه قدم مع أبيه معاوية بن ثور على رسول الله ﷺ, فمسح رأسه ودعا له بالبركة
فكانت في وجهه مسحة النبي ﷺ كالغرَّة, وكان لا يمسح شيئًا إلا برئ. ومسح ﷺ رأس مدلوك أبي سفيان, فكان ما مرت عليه يده أسود، وشاب ما سوى ذلك. رواه البخاري في تاريخه والبيهقي. وكذا وقع له ﵊ في رأس السائب



