— Bagian 16 · شيئًا إلا برئ. —
Bagian 16
شيئًا إلا برئ. ومسح ﷺ رأس مدلوك أبي سفيان, فكان ما مرت عليه يده أسود، وشاب ما سوى ذلك. رواه البخاري في تاريخه والبيهقي. وكذا وقع له ﵊ في رأس السائب
رواه البغوي والبيهقي وابن منده. وأخرج البيهقي وصحَّحه، والترمذي وحسَّنه، عن أبي زيد الأنصاري قال: مسح ﵊ بيده على رأسي ولحيتي ثم قال: "اللهم جمّله"، قال: فبلغ بضعًا ومائة سنة وما في لحيته بياض. لقد كان منبسط الوجه ولم ينقبض وجهه حتى مات. ومسح ﵊ رأس حنظلة بن حذيم بيده وقال له: "بورك فيك،
فكان يؤتى بالشاة الوارم ضرعها, والبعير والإنسان به الورم، فيتفل في يده ويمسح بصلعته ويقول: بسم الله, على أثر يد رسول الله -صلى عليه وسلم- فيمسحه, ثم يمسح موضع الورم, فيذهب الورم. رواه أحمد والبخاري في التاريخ, وأبو يعلى وغيرهم. وقد جاء في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة بياض إبطيه. فعن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى رأيت بياض إبطيه.
وقال الطبري: ومن خصائصه ﷺ أنَّ الإبط من جميع الناس متغيّر اللون غيره, إلا هو ﵊. ومثله للقرطبي وزاد: وإنه لا شعر عليه، لكن نازع فيه صاحب شرح تقريب الأسانيد، وقال: إنَّه لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، قال: والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر. قال عبد الله بن أقرم -وقد صلى معه ﷺ: كنت أنظر إلى عفرة إبطيه. حسَّنه الترمذي. والعفرة: بياض ليس بالناصع كما قاله الهروي وغيره، وسيأتي مزيد لذلك في الخصائص إن شاء الله تعالى. وعن رجل من بني حريش قال: ضمَّني رسول الله ﷺ, فسال عليَّ من عرق إبطيه مثل ريح المسك. رواه البزار.
ووصفه علي فقال: ذو مسربة، وفسِّر بخيط الشعر بين الصدر والسرة. وقال ابن أبي هالة: دقيق المسربة. وعند ابن سعد عن علي: طويل المسربة. وعند البيهقي: له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب, ليس على صدره ولا بطنه غيره. ووصفت بطنه أم هانئ فقالت: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثْنَى بعضها على بعض. رواه الطيالسي والطبراني. وقال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ أبيض كأنما صيغ من فضة،
: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثْنَى بعضها على بعض. رواه الطيالسي والطبراني. وقال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ أبيض كأنما صيغ من فضة،
رجل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين. وتقدَّم أن المشاش هي: رءوس العظام كالركبتين، ومفاض: أي: واسع البطن، وقيل: مستوي البطن مع الصدر. وخرَّج الإمام أحمد عن محرش الكعبي قال: اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة ليلًا، فنظرت إلى ظهره كأنَّه سبيكة فضة. وكان ﷺ بعيد ما بين المنكبين. رواه البخاري. أي: عريض الصدر، ووقع عند ابن سعد من حديث أبي هريرة: رحب الصدر. وأمَّا قلبه الشريف ﷺ،
فاعلم أنَّ القلب مضغة في الفؤاد معلَّقة بالنباط، فهو أخصّ من الفؤاد. قاله الواحدي، وسُمِّيَ به لتقلبه بالخواطر والعزوم، قال الشاعر: وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب وقال الزمخشري: مشتق من التقلُّب الذي هو المصدر لفرط تقلبه،
ألا ترى إلى ما روى أبو موسى عن النبي ﷺ: "ومثل هذا القلب كمثل ريشة معلقة بفلاة يقلبها الريح بطنًا لظهر". قال: والفرق بينه وبين الفؤاد، أنَّ الفؤاد وسط القلب، سُمِّيَ به لتفؤده، أي: توفده. وفسَّر الجوهري القلب بالفؤاد, ثم فسَّر الفؤاد بالقلب. قال الزركشي: والأحسن قول غيره: الفؤاد غشاء القلب، والقلب حبَّته وسويداؤه، ويؤيد الفرق قوله ﷺ: "ألين قلوبًا وأرقّ أفئدة"، وهو أَوْلَى من قول بعضهم: إنه كرّر لاختلاف اللفظ. وقال الراغب: يعبَّر بالقلب عن المعاني التي تختص به كالعلم والشجاعة. وقيل: حيثما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] ، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك, وإلى سائر القوى من الشهوة والغضب ونحوهما. انتهى.
قال بعض العلماء: ولقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعل له قلبًا يعقل عنه، وهو أصل وجوده، إذا صلح قلبه صلح سائره، وإذا فسد قلبه فسد سائره، وجعل سبحانه القلوب محل السر والإخلاص الذي هو سر الله يودعه قلب من شاء من عباده، فأوّل قلب أودعه إليه قلب محمد ﷺ؛ لأنه أوّل خلق, وصورته ﷺ آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، فهو أولهم وآخرهم. وقد جعل ﷾ أخلاق القلوب للنفوس أعلامًا على أسرار القلوب، فمن تحقَّق قلبه بسر الله اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله، ولذلك جعل الله تعالى لمحمد ﷺ جثمانية
. وقد جعل ﷾ أخلاق القلوب للنفوس أعلامًا على أسرار القلوب، فمن تحقَّق قلبه بسر الله اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله، ولذلك جعل الله تعالى لمحمد ﷺ جثمانية
اختص بها من بين سائر العالمين، فتكون علامات اختصاص جثمانيته آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة وعظيم خلقه، وتكون علامات عظيم أخلاقه آيات على سِرِّ قلبه المقدَّس. ولما كان قلبه ﷺ أوسع قلب اطَّلع الله عليه -كما ورد في الخبر, كان هو الأَوْلَى أن يكون هو قلب العبد الذي يقول فيه تعالى: "ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن". ولما كان كماله قبل الإسراء بمنزلة سائر النبيين كان صدره يضيق، فاتسع قلبه لما انشرح صدره ووضع عنه وزره.
ورفع له ذكره. وقد صحَّ أن جبريل ﵇ شقَّه واستخرج منه علقة, فقال له: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه فأعاده في مكانه. قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره. رواه مسلم. وإنما خلقت هذه العلقة في ذاته الكريمة ثم استخرجت منه؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقها تكملة للخلق الإنساني فلابُدَّ منها، ونزعها أمر رباني طرأ بعد ذلك، قاله السبكي.
وعند أحمد وصححه الحاكم: "ثم استخرجا قلبي فشقَّاه, فأخرجا منه علقتين سوداوين, فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء وثلج, فغسلا به جوفي, ثم قال: ائتني بماء برد, فغسلا قلبي, ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي, ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه فحاصه, وختم عليه بخاتم النبوة".
فغسلا به جوفي, ثم قال: ائتني بماء برد, فغسلا قلبي, ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي, ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه فحاصه, وختم عليه بخاتم النبوة".
وفي رواية البيهقي: "إن ملكين جاءاني في صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد, فشرح أحدهما صدري، ومجّ الآخر بمنقاره فيه". وعن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، ما أوّل ما ابتدئت به من أمر النبوة؟ قال: "إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج, إذا أنا برجلين فوق رأسي, يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فألصقاني لحلاوة القفا, ثم شقَّا بطني، وكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب, والآخر يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدري -فيما أرى- مفلوقًا لا أجد له وجعًا، ثم قال: اشقق قلبه, فشقَّ قلبي، فقال: أخرج الغل والحسد، فأخرج شبه العلقة, فنبذ به, ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة قلبه، فأدخل شيئًا كهيئة الفضة، ثم أخرج
ذرورًا كان معه فذر عليه، ثم نقر إبهامي، ثم قال: اغد, فرجعت بما لم أغد به من رحمتي للصغير ورأفتي على الكبير". رواه عبد الله الإمام أحمد في زوائد المسند, وأبو نعيم وقال: تفرَّد به معاذ عن أبيه، وتفرَّد بذكر السن. وعند أبي نعيم في حديث يونس بن ميسرة: "فاستخرج حشوة جوفي فغسلها ثم ذرَّ عليه ذرورًا, ثم قال: قلب وكيع يعي ما وقع فيه، عينان تبصران, وأذنان تسمعان, وأنت محمد رسول الله المقفَّى الحاشر
قلبك سليم, ولسانك صادق, ونفسك مطمئنة, وخلقك قيم, وأنت قثم". وهذا الشق روي أنه وقع له ﵊ مرات في حال طفولته إرهاصًا. وتقديم المعجزة على زمان البعثة جائز للإرهاص، ومثل في حق الرسول ﵊ كثير, وبه يجاب عن استشكال وقوع ذلك في حال طفولته؛ لأنه من العجزات، ولا يجوز أن تتقدم على النبوة، قاله الرازي. والذي عليه أكثر أهل الأصول: اشتراط اقتران المعجزة بالدعوة, كما نبَّهت عليه في أوائل الكتاب، ويأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في المقصد الرابع. وهو المراد بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ، وقد قيل: المراد
بالشرح في الآية: ما يرجع إلى المعرفة والطاعة, ثم ذكروا في ذلك وجوهًا منها: أنه لما بعث الأحمر والأسود من جني وإنسي, أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، وانفتح صدره حتى اتسع لجميع المهمات، فلا يقلق ولا يضجر, بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر, مشتغل بإداء ما كُلِّف. فإن قلت: لم قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: قلبك. وأجيب: بأنّ محل الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح، لا جرم خصَّ ذلك الشرح بالصدر دون القلب. وقد قال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب, فإذا دخل مسلكًا أغار فيه, وأنزل جنده فيه, وبث فيه الهموم والغموم والحرص, فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة، وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن
وزال الضيق وانشرح الصدر وتيسَّر له القيام بأداء العبودية. وههنا دقيقة: قال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] وقال لنبينا محمد ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أعطي بلا سؤال، ثم إنه تعالى نعته ﵊ فقال: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ فانظر إلى التفاوت، فإن شرح الصدر هو أن يصير قابلًا للنور، والسراج المنير هو الذي يقتَبَس منه النور فالفرق بينهما واضح. قال الدقاق: كان موسى ﵇ مريدًا؛ إذ قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ونبينا ﷺ مراد؛ إذ قال الله له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ والله أعلم. وأما جماعه ﷺ, فقد كان يدور
على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار, وهن إحدى عشرة،
قال الراوي: قلت لأنس: أوَكَان يطيقه؟ قال: كنَّا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين. رواه البخاري. وعند الإسماعيلي عن معاذ: قوَّة أربعين, زاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة.
ن يطيقه؟ قال: كنَّا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين. رواه البخاري. وعند الإسماعيلي عن معاذ: قوَّة أربعين, زاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة.
وعن أنس مرفوعًا: "يعطي المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجماع"، قلت: يا رسول الله، أويطيق ذلك؟ قال: "يعطى قوَّة مائة". قال الترمذي: صحيح غريب, لا نعرفه من حديث قتادة إلّا من حديث عمران القطان. فإذا ضربنا أربعين في مائة بلغت أربعة آلاف، وبهذا يندفع ما استشكل من كونه ﷺ أوتي قوة أربعين فقط, وسليمان ﵇ قوة مائة رجل أو ألف على ما ورد. وذكر ابن العربي: إنه كان له ﷺ القوة الظاهرة على الخلق في الوطء، وكان له في الأكل القناعة، ليجمع الله له الفضيلتين في الأمور الاعتبارية, كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية،
حتى يكون حاله كاملًا في الدارين. انتهى. وطاف ﵊ على نسائه التسع ليلة. رواه ابن سعد. وروي أنه ﷺ قال: "أتاني جبريل بقدر فأكلت منها, فأعطيت قوة أربعين رجلًا في الجماع" رواه ابن سعد. حدثنا عبيد الله بن موسى عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم مرسلًا, وروي من حديث أبي هريرة: شكا رسول الله ﷺ إلى جبريل قلة الجماع فتبسَّم
جبريل حتى تلألأ مجلس رسول الله ﷺ من بريق ثنايا جبريل, فقال له: أين أنت من أكل الهريسة, فإن فيه قوة أربعين رجلًا. ومن حديث حذيفة بلفظ: "أطعمني جبريل الهريسة أَشُدُّ بها ظهري وأتقوَّى بها على الصلاة". رواه الدارقطني. وروي من حديث جابر بن سمرة وابن عباس وغيرهم. وكلها أحاديث واهية. بل صرَّح الحافظ بن ناصر الدين في جزء له سماه: رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة, بأنه موضوع. وروي أنه ﵊ أعطي قوة بضع وأربعين رجلًا من أهل الجنة،
واهية. بل صرَّح الحافظ بن ناصر الدين في جزء له سماه: رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة, بأنه موضوع. وروي أنه ﵊ أعطي قوة بضع وأربعين رجلًا من أهل الجنة،
رواه الحارث بن أبي أسامة. وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام, ذكر هنا للمناسبة من حيث أنَّ الجماع كما يكون يقظة يكون في النوم، فعن ابن عباس قال: ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام من الشيطان، رواه الطبراني. وأمَّا قدمه الشريف ﷺ, فقد وصفه غير واحد بأنَّه كان شثن القدمين، أي: غليظ أصابعهما. رواه الترمذي وغيره. وعن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول الله ﷺ, فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة على سائر أصابعه، رواه أحمد والطبراني. وعن جابر بن سمرة قال: كانت خنصر رسول الله ﷺ من رجله
متظاهرة، رواه البيهقي. وقد اشتُهِرَ على الألسنة أنَّ سبابة النبي ﷺ كانت أطول من الوسطى. قال الحافظ بن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه. انتهى. وقال شيخنا -في المقاصد الحسنة: وسلف جمهورهم الكمال الدميري. وهو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة. وعبارته: "كذا رواه ابن هارون عن عبد الله بن مقسم, عن سارة ابنة مقسم, أنها سمعت ميمونة ابنة كردم, تخبر أنها رأت أصابع رسول الله ﷺ كذلك" فضمَّ ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كَوْن الوسطى من كل أطول من
السبابة، وعين اليد منه ﷺ لذلك بناءً على أن القصد ذكر وصفٍ اختُصَّ به ﷺ عن غيره. ولكن الحديث في مسند الإمام أحمد من حديث يزيد بن هارون المذكور مقيّد بالرجل، ولفظه -كما قدمته: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه. وهو عند البيهقي أيضًا في الدلائل من طريق يزيد ولفظها: رأيت رسول الله ﷺ بمكَّة وهو على ناقته وأنا مع أبي، فدنا منه أبي, فأخذ بقدمه فأقَرَّ له رسول الله ﷺ, قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
وعن أبي هريرة أنَّه ﷺ كان إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص. رواه البيهقي. وعن أبي أمامة الباهلي قال: كان النبي ﷺ لا أخمص له, يطأ على قدمه كلها. رواه ابن عساكر. وقال ابن أبي هالة: خمصان الأخمصين، مسيح القدمين.
قال ابن الأثير: الأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء. والخمصان: البالغ منه، أي: إن ذلك الموضع من أسفل قدميه شديد التجافي عن الأرض. وسُئِلَ ابن الأعرابي عنه فقال: إذا كان خمص الأخمص بقدر لم يرتفع جدًّا، ولم يستو أسفل القدم جدًّا, فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى أو ارتفع جدًّا فهو ذم، فيكون المعنى: إن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأوّل. ووقع في حديث أبي هريرة: إذا وطئ بقدمه وطئ بكلِّها ليس له أخمص. وقوله: مسيح القدمين, أي: ملساوان لينتان ليس فيهما تكسُّر ولا شقاق،
فإذا أصابهما الماء نبا عنهما كما قاله ابن أبي هالة: ينبو عنهما الماء، وهو معنى حديث أبي هريرة. وعن عبد الله بن بريدة قال: كان ﷺ أحسن البشر قدمًا. رواه ابن سعد. وأما طوله ﷺ, فقال علي: كان ﷺ لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطول أقرب. رواه البيهقي. وعنه: كان رسول الله ﷺ ليس بالذاهب طولًا، وفوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم. رواه عبد الله بن الإمام أحمد. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ ربعة
قي. وعنه: كان رسول الله ﷺ ليس بالذاهب طولًا، وفوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم. رواه عبد الله بن الإمام أحمد. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ ربعة
وهو إلى الطول أقرب. رواه البزار. وقوله: ربعة, أي: مربوعًا، والتأنيث باعتبار النفس. وقد فسِّر في الحديث الآتي بأنه ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، والمراد بالطويل البائن: المفرط في الطويل مع اضطراب القامة. وقال ابن أبي هالة: أطول من المربوع وأقصر من المشذوب -وهو بمعجمتين مفتوحتين ثانيتهما مشددة- أي: البائن الطول في نحافة، وهو مثل قوله في الحديث الآخر:
لم يكن بالطويل الممغط -وهو بتشديد الميم الثانية- المتناهي في الطول. وأمغط النهار إذا امتدَّ، ومغطت الحبل إذا مددته، وأصله: منمغط, والنون للمطاوعة, فقلبت ميمًا وأدغمت في الميم، ويقال: بالعين المهملة بمعناه. وعن عائشة قالت: لم يكن رسول الله ﷺ بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلّا طاله ﷺ, ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسب
رسول الله ﷺ إلى الربعة، رواه ابن عساكر والبيهقي. وزاد ابن سبع في الخصائص: إنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين. ووصفه ابن أبي هالة بأنه بادن متماسك، أي: معتدل الخلق، كأن أعضاءه يمسك بعضها بعضًا.
وأما شعره الشريف ﷺ، فعن قتادة قال: سألت أنسًا عن شعر رسول الله ﷺ, فقال: شعر بين شعرين، لا رَجِل ولا سبط ولا جعد قطط, كان بين أذنيه وعاتقه. وفي رواية للشيخين: كان رجلًا ليس بالسبط ولا الجعد.
بين أذنيه وعاتقه. وفي أخرى: إلى أنصاف أذنيه. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة. رواه الترمذي وأبو داود.
والوفرة: الشعر الواصل إلى شحمة الأذن. وقال ابن أبي هالة أيضًا: كان رجل الشعر -وهو بفتح الراء وكسر الجيم- أي: يتكسر قليلًا، بخلاف السبط والجعد- إن انفرقت عقيقته فرقها وإلّا فلا، يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره. والعقيقة -بالقاف: شعر رأسه الشريف،
الجيم- أي: يتكسر قليلًا، بخلاف السبط والجعد- إن انفرقت عقيقته فرقها وإلّا فلا، يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره. والعقيقة -بالقاف: شعر رأسه الشريف،
يعني: إن انفرقت بنفسها فرقها, وإلا فتركها معقوصة، ويروى: إن انفرقت عقيصته -بالصاد المهملة- وهي الشعر المعقوص. وعن ابن عباس, أن رسول الله ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء،
ثم فرق ﷺ رأسه. رواه الترمذي في الشمائل. وفي صحيح مسلم نحوه. وسدل الشعر إرساله، والمراد هنا: إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة. وأما الفرق: فهو فرق الشعر بعضه من بعض. قال العلماء: والفرق سنة؛ لأنه الذي رجع إليه ﷺ، والصحيح جواز الفرق والسدل، لكن الفرق أفضل.
وعن عائشة: كان له ﷺ شعر فوق الجمة ودون الوفرة. رواه الترمذي. وفي حديث أنس كان إلى أذنيه، وفي حديث البراء: يضرب منكبيه. وفي حديث أبي رمثة: يبلغ إلى كتفيه أو منكبيه. وفي رواية: ما رأيت من ذي لمة أحسن منه. والجمة: هي الشعر الذي نزل إلى المنكبين. والوفرة: ما نزل إلى شحمة الأذنين،
واللمة: التي لمت بين المنكبين. قال القاضي عياض: والجمع بين هذه الروايات: إن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. وقال: قيل: بل ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب, وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين، فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك. وعن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: قدم رسول الله ﷺ علينا مكة قدمة
وله أربع غدائر. رواه الترمذي في الشمائل, والغدائر -بالغين المعجمة والدال المهملة: هي الذوائب، واحدتها غديرة. وفي مسلم عن أنس، كان في لحيته ﵊ شعرات بيض. وفي رواية له عنده:
لم ير من الشيب إلّا قليلًا، وفي أخرى له أيضًا: لو شئت أن أعد شمطات كنّ في رأسه ولم يخضب. وعنده أيضًا: لم يخضب ﵊, إنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ -بضم النون وفتح الباء الموحدة وبفتح النون وإسكان الموحدة, أي: شعرات متفرقة. وفي رواية أخرى: ما شانه الله ببيضاء.
قال الشيخ عبد الجليل في شعب الإيمان، فيما حكاه عنه الفاكهاني: إنما كان كذلك لأنَّ النساء يكرهن الشيب غالبًا، ومن كره من النبي ﷺ شيئًا كفر. وقال في النهاية: قد تكرَّر في الحديث جعل الشيب ههنا عيبًا وليس بعيب، فإنه قد جاء في الحديث: إنه وقار وأنه نور،
والشيب ممدوح، وذلك عجيب منه, لا سيما في حق النبي ﷺ. ويمكن أن يجمع بينهما: ووجه الجمع أنه ﷺ لما رأى أبا قحافة ورأسه كالثغامة، أمرهم بتغييره وكرهه، ولذلك قال: "غيروا الشيب"، فلما علم أنس ذلك من عادته قال: ما شانه الله ببيضاء, بناءً على هذا القول, وحملًا له على هذا الرأي. ولم يسمع الحديث الآخر، ولعلَّ أحدهما ناسخ للآخر. انتهى. وفي رواية أبي جحيفة عنده، قال: رأيت رسول الله ﷺ وهذه منه بيضاء, ووضع الراوي بعض أصابعه على عنفقته.
مع الحديث الآخر، ولعلَّ أحدهما ناسخ للآخر. انتهى. وفي رواية أبي جحيفة عنده، قال: رأيت رسول الله ﷺ وهذه منه بيضاء, ووضع الراوي بعض أصابعه على عنفقته.
وفي حديث أنس عند البيهقي: ما شانه الله بالشيب، ما كان في رأسه ولحيته إلّا سبع عشرة أو ثمان عشرة شعرة بيضاء. وعن أبي جحيفة: كان أبيض قد شمط. رواه البخاري. وفي الصحيحين: عن ابن عمر, أنه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصفرة.
وعن ابن عمر: إنما كان شيبه ﷺ نحو من عشرين شعرة بيضاء، رواه الترمذي. وروى أيضًا عن ابن عباس, قال أبو بكر: يا رسول الله, قد شبت
قال: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، إذ الشمس كورت". وفي حديث جابر
عنده: لم يكن في رأسه ﷺ شيب إلّا شعرات في مفرق رأسه, إذا ادَّهن واراهنَّ الدهن. وفي رواية البيهقي: كان أسود اللحية حسن الشعر. واختلف العلماء: هل خضب ﵊ أم لا؟ قال القاضي عياض: منعه الأكثرون, وهو مذهب مالك.
وقال النووي: المختار أنَّه صبغ في وقت, وترك في معظم الأوقات، فأخبر كلٌّ بما رأى وهو صادق، قال: وهذا التأويل كالمتعين؛ لحديث ابن عمر في الصحيحين: ولا يمكن تركه ولا تأويل له. وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه, فالجمع بينهما أنه رأى شيبًا يسيرًا، فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير, ومن نفاه أراد أنه لم يكثر فيه، كما قال في الرواية الأخرى: لم ير الشيب إلّا قليلًا، انتهى. وعن جابر بن سمرة قال: كان ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته،
وكان إذا ادَّهن لم يتبيّن، فإذا شعث رأسه تبيِّن, وكان كثير شعر اللحية. رواه مسلم والنسائي. وعن أنس: كان ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته. رواه البغوي في شرح السنة.
قد وصفه ﵊ ابن أبي هالة بأنَّه كان موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط عاري الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر.
السنة.
قد وصفه ﵊ ابن أبي هالة بأنَّه كان موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط عاري الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر.
وعن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه, وأطاف به أصحابه, فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل. رواه مسلم. وستأتي إن شاء الله تعالى قصة حلق رأسه الشريف في حجة الوداع. ولم يروَ أنه ﵊ حلق رأسه الشريف في غير نسك حج أو عمرة فيما علمته، فتبقية الشعر في الرأس سنة, ومنكرها مع علمه يجب تأديبه، ومن لم يستطع التبقية يباح له إزالته. وقد رأيت بمكة المشرَّفة في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وثمانمائة شعرة عند الشيخ أبي حامد المرشدي، شاع وذاع أنها من شعره ﷺ، زرتها صحبة المقام المقري خليل العباسي, وإلى الله إحسانه عليه. وعن محمد بن سيرين
قال: قلت لعبيدة، عندنا من شعر النبي ﷺ، أصبناه من قِبَلِ أنس أو من قِبَلِ أهل أنس، فقال: لأن تكون عندي شعرة منه أحب إليّ من الدنيا وما فيها. رواه البخاري. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها
رواه الترمذي وقال: حديث غريب. وأخرج الترمذي عن ابن عباس وحسَّنه قال: كان النبي ﷺ يقصّ شاربه. وعنده من حديث زيد بن أرقم قال: قال النبي ﷺ: "من لم يأخذ من شاربه فليس منا". وفي الصحيحين: حديث: "خالفوا المشركين, وفِّروا
اللحى وأحفوا الشوارب". واختلف في قص الشارب وحلقه, أيهما أفضل, ففي الموطأ: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وعن ابن عبد الحكم عن مالك قال: ويحفى الشارب ويعفى اللحى، وليس إحفاء الشارب حلقه، وأرى تأديب من حلق شاربه. وعن أشهب أنَّ حلقه بدعة, قال: وأرى أن يوجع ضربًا من فعله. وقال النووي: المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفّه من أصله.
وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وكان المزني خال والربيع يحفيان شاربهما. وأمَّا أبو حنيفة وصاحباه: فمذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وأما أحمد: فقال الأثرم: رأيته يحفي شاربه شديدًا.
واختلف في كيفية قَصّ الشارب، هل يقص طرفاه أيضًا، وهما المسميان بالسبالين, أم يترك السبالان كما يفعله كثير من الناس؟ قال الغزالي في الإحياء: لا بأس بترك سباليه, وهما طرفا الشارب. فعل ذلك عمر ﵁ وغيره؛ لأن ذلك لا يستر الفم, ولا تبقى فيه غمرة الطعام؛ إذ لا يصل إليه. انتهى. وروى أبو داود عن جابر: كنا نحفي السبال إلّا في حجّة أو عمرة. وكره بعضهم إبقاءهه لما فيه من الشبه بالأعاجم بل بالمجوس وأهل الكتاب، وهو أَوْلَى بالصواب لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر قال: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس فقال: "إنهم يوفِّرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم"، فكان يجز سباله كما تجز الشاة أو البعير.
ن في صحيحه من حديث ابن عمر قال: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس فقال: "إنهم يوفِّرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم"، فكان يجز سباله كما تجز الشاة أو البعير.
وروى أحمد في مسنده في أثناء حديثٍ لأبي أمامة: فقلنا يا رسول الله، فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفِّرون سبالهم, فقال: "قصوا سبالكم ووفَِّروا عثانينكم وخالفوهم أهل الكتاب"، والعثانين -بالعين المهملة والثاء المثلثة وتكرار النون- جمع عثنون, وهو اللحية, قاله في شرح تقريب الأسانيد. وأما العانة: ففي حديث أنس, أن النبي ﷺ كان لا يتنوّر، ولكن سنده ضعيف. وروى ابن ماجه والبيهقي، ورجاله ثقات، ولكن أعلّ بالإرسال, وأنكر أحمد صحته من حديث أم سلمة أنَّ النبي ﷺ كان إذا طلى بدأ بعانته فطلاها بالنورة وسائر جسده
أهله. وأما الحديث الذي يروى أنَّ النبي ﷺ دخل حمام الجحفة، فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث, كما قاله الحافظ ابن كثير، بل لم يتعرّف العرب الحمام ببلادهم إلّا بعد موته ﵊. وأخرج البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة.
وله شاهد موصول من حديث أبي هريرة, لكنَّ سنده ضعيف, أخرجه البيهقي أيضًا في الشعب. وسُئِلَ عنه أحمد فقال: يسن يوم الجمعة قبل الزوال, وعنه: يوم الخميس، وعنه: يتخير. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: هذا هو المعتمد، أنه يستحب كيفما احتاج إليه، قال: ولم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وكذا لم يثبت في كيفيته شيء، ولا في تعيين يوم له عن النبي ﷺ.
وما يعزى من النظم في ذلك لعلي ﵁, ثم لشيخ الإسلام ابن حجر, قال شيخنا: إنه باطل. والمراد: إزالة ما يزيد على ما يلابس الأصبع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول
لإسلام ابن حجر, قال شيخنا: إنه باطل. والمراد: إزالة ما يزيد على ما يلابس الأصبع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول
الماء فيما يجب غسله في الطهارة. وقد حكى أصحاب الشافعي فيه وجهين: فقطع المتولي بأن الوضوء حينئذ لا يصحّ، وقطع الغزالي في الإحياء بأنه يعفى عن مثل ذلك. وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة: كان ﷺ لا يفارق سواكه ولا مشطه, وكان ينظر في المرآة إذا سرَّح لحيته. وعن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة, ثلاثة في هذه, وثلاثة في هذه. رواه ابن ماجه والترمذي وأحمد ولفظه: كان يكتحل بالإثمد
كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال. وروى النسائي والبخاري في تاريخه, عن محمد بن علي قال: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يتطيّب؟ قالت: نعم، بذكارة الطيب، المسك والعنبر. وأما مشيه ﵊, فعن علي قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفَّا تكفيًا،
كأنما ينحطّ من صبب. رواه الترمذي وصحَّحه البيهقي. والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي. وعند البزار من حديث أبي هريرة: إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها. وعند الترمذي في الشمائل من حديثه: وما رأيت أحدًا أسرع في مشيه من رسول الله ﷺ, كأنَّما الأرض تطوى له،
إنا لنجهد أنفسنا وأنه لغير مكترث. وعند يزيد بن مرثد قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى أسرع حتى يهرول الرجل وراءه فلا يدركه: رواه ابن سعد. وروي أنه كان إذا مشى مشى مجتمعًا, أي: قوي الأعضاء غير مسترخٍ في المشي. وقال علي: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تقلع.
وقال ابن أبي هالة: إذا زال زال تقلعًا، يخطو تكفيًا، ويمشي هونًا، ذريع المشية إذا مشى, كأنما ينحط من صبب، وفي رواية: إذا زال زال قلعًا -بالفتح والضم، ثم الفتح- هو مصدر بمعنى الفاعل, أي: لا يزول قالعًا لرجله من الأرض، وهو بالضم, إمَّا مصدر أو اسم, وهو بمعنى الفتح.
وقال الهروي: قرأت هذا الحرف في كتاب غريب الحديث لابن الأنباري: قلعًا -بفتح القاف وكسر اللام، وكذلك قرأته بخط الأزهري، وهو كما جاء في حديث آخر: كأنما ينحط من صبب، والانحدار من الصبب والتقلع من الأرض قريب بعضه من بعض. أراد: إنه كان يستعمل التثبت ولا يتبين منه استعجال ومبادرة شديدة. وذريع المشية: أي: واسع الخطوة, قاله ابن الأثير. وقال ابن القيم: التقلُّع الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحَطّ في الصبب، وهي مشية أولي العزم والهمّة والشجاعة، وهي أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، فكثير
من الناس يمشي قطعة واحدة كأنَّه خشبة محمولة، فهي مشية مذمومة، وإمَّا أن يمشي بانزعاج مشي الجمل الأهوج وهي مشية مذمومة، وهي علامة خِفّة عقل صاحبها, ولا سيما إن أكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا. وفي بعض المسانيد: إن المشاة شكوا إلى رسول الله ﷺ من المشي في حجة الوداع فقال: استعينوا بالنسلان, وهو العدو الخفيف الذي لا يزعج الماشي. وأما مشيه ﵊ مع أصحابه، فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: "خلوا ظهري للملائكة" أمامه, وتركوا ظهره للملائكة، وهو معنى قول القائل: وكان يسوق أصحابه
ويماشيهم فرادى وجماعة. ومشى ﵊ في بعض غزواته مرة, فانجرحت أصبعه وسال منها الدم, فقال: "هل أنت إلّا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت". رواه أبو داود. ولم يكن له ﷺ ظل في شمس ولا قمر. رواه الترمذي الحكيم عن ذكوا
صبعه وسال منها الدم, فقال: "هل أنت إلّا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت". رواه أبو داود. ولم يكن له ﷺ ظل في شمس ولا قمر. رواه الترمذي الحكيم عن ذكوا
وقال ابن سبع: كان ﷺ نورًا، فكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا يظهر له ظل. قال غيره: ويشهد له قوله ﷺ في دعائه: "واجعلني نورًا". وأما لونه الشريف الأزهر ﷺ, فقد وصفه جمهور أصحابه بالبياض، منهم: أبو بكر وعمر وعلي وأبو جحيفة وابن عمر وابن عباس وابن أبي هالة والحسن بن علي وأبو الطفيل ومحرش الكعبي وابن مسعود والبراء بن عازب، وعائشة، وأنس في إحدى الروايتين عنه. فأما أبو جحيفة فقال: كان أبيض. رواه البخاري. وأمَّا أبو الطفيل فقال: كان أبيض مليحًا. رواه الترمذي في الشمائل، وفي رواية مسلم:
كان أبيض مليح الوجه. وفي رواية عنه للطبراني: ما أنسى شدة بياض وجهه مع شدة سواد شعره. وفي شعر أبي طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقال علي: أبيض مشرب. والمشرب: هو الذي في بياضه حمرة، كما قال في الرواية الأخرى: أبيض مشرب بحمرة، وبه فسّر قول أنس في صحيح مسلم: أزهر اللون. وفي النسائي من حديث أبي هريرة: بينا النبي ﷺ جالس بين أصحابه جاء
رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذا الأمغر المرتفق. والأمغر: المشرب بحمرة, والمرتفق: المتكئ على مرفقه. وفي البخاري من حديث أنس: ليس بأبيض أمهق. قال الحافظ بن حجر: ووقع عند الداودي تبعًا لرواية المروزي: أمهق ليس بأبيض. وفي رواية عند ابن أبي حاتم وغيره: أسمر. واستشكله بعضهم وقال: إن غالب هذه الروايات متدافع، وبعضها ممكن الجمع؛ كالأبيض مع رواية المشرب بالحمرة والأزهر، وبعضها غير ممكن الجمع؛ كالأبيض الشديد الوضح مع الأسمر. واعترض الداودي رواية: أمهق ليس بأبيض, وهي التي وقعت عنده تبعًا لرواية المروزي.
لحمرة والأزهر، وبعضها غير ممكن الجمع؛ كالأبيض الشديد الوضح مع الأسمر. واعترض الداودي رواية: أمهق ليس بأبيض, وهي التي وقعت عنده تبعًا لرواية المروزي.
وقال القاضي عياض: إنها وهم. قال: وكذلك رواية من روى أنه ليس بالأبيض ولا الآدم، ليس بصواب. قال الحافظ بن حجر: هذا ليس بجيد؛ لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض, ولا بالآدم الشديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تطلق على كل من كان كذلك أسمر، ولهذا جاء في حديث أنس عند أحمد والبزار وابن منده بإسناد صحيح, أن النبي ﷺ كان أسمر اللون، وأخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أنس، فذكر الصفة النبوية فقال: كان النبي ﷺ أبيض بياضه إلى السمرة. وفي حديث ابن عباس في صفته ﷺ: رجل بين رجلين, جسمه ولحمه، أحمر إلى البياض. أخرجه أحمد. وقد تبيّن من مجموع الروايات أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط
البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما تخالطه الحمرة، والمنفي ما لا تخالطه، وهو الذي تكره العرب لونه وتسميه أمهق، وبهذا تبيّن أن رواية المروزي: بأمهق, ليس بأبيض, مقلوبة, على أنه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق: الأخضر اللون الذي ليس بياضه في الغاية، ولا سمرته ولا حمرته، فقد نقل عن رؤبة: إن المهق خضرة الماء، فهذا التوجيه يتمّ على تقدير ثبوت الرواية، وقد تقدَّم في حديث أبي جحيفة إطلاق كونه كان أبيض، وكذا في حديث أبي الطفيل عند مسلم والترمذي. وفي حديث سراقة, عند ابن إسحاق: فجعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة. ولأحمد من حديث محرش الكعبي في عمرة الجعرانة قال: فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة. وعن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف النبي ﷺ فقال: كان شديد البياض. أخرجه
يعقوب بن سفيان والبزار بإسناد قوي. ويجمع بينهما بما تقدّم. وقال البيهقي: يقال: إن المشرب منه بحمرة وإلى السمرة منه ما ضحا للشمس والريح كالوجه والعنق, وأمَّا ما تحت الثياب فهو الأزهر الأبيض. انتهى. وهذا ذكره ابن أبي خيثمة عقب حديث عائشة في صفته ﷺ بأبسط من هذا, وزاد: ولونه الذي لا شك فيه الأبيض الأزهر. انتهى. وتعقّب بعضهم قول من قال: إنما وصف بالسمرة ما كانت الشمس تصيب منه، بأن أنسًا لا يخفى عليه أمره حتى يصفه بغير صفته اللازمة له لقربه منه، ولم يكن ﵊ ملازمًا للشمس، نعم لو وصفه بذلك بعض القادمين ممن صادفه في وقت غيِّرته الشمس لأمكن، فالأَوْلَى حمل السمرة في رواية أنس على الحمرة التي تخالط البياض كما قدمته. تنبيه: في الشفاء حكاية أحمد بن أبي سليمان صاحب عن سحنون: من قال أن النبي ﷺ كان أسود يقتل. انتهى.
وهذا يقتضي أن مجرد الكذب عليه في صفة من صفاته كفر يوجب القتل. وليس كذلك، بل لا بد من ضميمة ما يشعر بنقص في ذلك. كما في مسألتنا هذه, فإن الأسود لون مفضول. وأما طيب ريحه وعرقه وفضلاته ﵊, فقد كانت الرائحة الطيبة صفته ﷺ وإن لم يمس طيبًا. وروينا عن أنس: ما شممت ريحًا قط
ي مسألتنا هذه, فإن الأسود لون مفضول. وأما طيب ريحه وعرقه وفضلاته ﵊, فقد كانت الرائحة الطيبة صفته ﷺ وإن لم يمس طيبًا. وروينا عن أنس: ما شممت ريحًا قط
ولا مسكًا ولا عنبرًا أطيب من ريح رسول الله ﷺ. الحديث رواه الإمام أحمد. وفي رواية البخاري: ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي ﷺ. وفي رواية الترمذي: ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ.
وقوله: شممت -بكسر الميم الأولى وسكون الثانية. وعن أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد السلمي قالت: كنَّا عند عتبة أربع نسوة، فما منَّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطيب لتكون أطيب من صاحبتها، وما يمسّ عتبة الطيب إلّا أن يمس دهنًا يمسح له لحيته, ولهو أطيب ريحًا منه، وكان إذا خرج إلى الناس قالوا: ما شممنا ريحًا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يومًا: إنا لنجتهد في الطيب، ولأنت أطيب ريحًا منَّا, فممَّ ذلك؟ قال: أخذني الشرى على عهد رسول الله ﷺ فأتيته, فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرَّد، فتجردت عن ثوبي وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث في يده ثم مسح ظهري وبطني بيده، فعبق بي هذا الطيب من يومئذ
رواه الطبراني في معجمه الصغير. وروى أبو يعلى والطبراني قصة الذي استعان بالنبي ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة, فسلت له فيها من عرقه، وقال: "مرها فلتطيب به"، فكانت إذا تطيبت به شمّ أهل المدينة ذلك الطيب فسمّوا: بيت المطيبين. وقال جابر بن عبد الله: كان في رسول الله ﷺ خصال: لم يكن في طريق فيتبعه أحد إلّا عرف أنه سلكه من طيب عرقه وعرفه، ولم يكن يمر بحجر إلّا سجد له. رواه الدرامي والبيهقي وأبو نعيم. ولله در من قال:
ولو أن ركبًا يمموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل به الركب وعن أنس قال: كان رسول ﷺ إذا مَرَّ في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب وقالوا: مَرَّ رسول الله ﷺ من هذا الطريق. رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح. وما أحسن قول من قال: يروح على غير الطريق التي غدا ... عليها فلا ينهى علاه نهاته تنفسه في الوقت أنفاس عطره ... فمن طيبه طالبت له طرقاته تروح له الأرواح حيث تنسمت ... لها سحرًا من حبه نسماته
التي غدا ... عليها فلا ينهى علاه نهاته تنفسه في الوقت أنفاس عطره ... فمن طيبه طالبت له طرقاته تروح له الأرواح حيث تنسمت ... لها سحرًا من حبه نسماته
وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا وأنورهم لونًا، لم يصفه واصف قط إلا شبَّه وجهه بالقمر ليلة البدر, وكان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ، وأطيب من المسك الأذفر. رواه أبو نعيم. وعن أنس قال: دخل علينا رسول الله ﷺ فقَالَ عندنا، فعرق, وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ ﷺ فقال: "يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين"؟ قالت: هذا عرقك نجعله لطيبنا، وهو أطيب الطيب. رواه مسلم. وفي رواية كان ﷺ
يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه. قال فجاء ذات يوم فنام, فأتيت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نائم في بيتك على فراشك, قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها فجعلت تنسف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع ﷺ فقال: "ما تصنعين يا أم سليم"؟ قالت: يا رسول الله, نرجو بركة لصبيانننا، قال: "أصبت". والعتيدة: كالصندوق الصغير الذي تترك فيه المرأة ما يعز عليها من متاعها. وأما ما روي أن الورد خلق من عرقه ﷺ ومن عرق البراق, فقال شيخنا في الأحاديث المشتهرة: قال النووي: لا يصح. وقال شيخ الإسلام ابن حجر: إنه موضوع
وسبقه لذلك ابن عساكر، وهو في مسند الفردوس لفظ: الورد الأبيض خلق من عرقي ليلة المعراج، والورد الأحمر خلق من عرق جبريل، والورد الأصفر خلق من عرق البراق. رواه من طريق مكي بن بندار الزنجاني. قال: حدثنا الحسين بن علي بن عبد الواحد القرشي، حدثنا هشام بن عمار عن الزهري عن أنس به مرفوعًا, ثم قال: قال أبو مسعود: حدَّث به أبو عبد الله الحاكم عن رجل عن مكي. ومكي تفرَّد به انتهى. ورواه أبو الحسين بن فارس اللغوي في كتاب "الريحان والراح" له, عن مكي به. ومكي ممن اتهمه الدارقطني بالوضع، وله طريق أخرى, رواه أبو الفرج النهرواني في الخامس والتسعين من "الجليس الصالح" له, من طريق محمد بن عنبسة بن حمّاد قال: حدثني أبي, عن جعفر بن سليمان, عن مالك بن دينار
عن أنس رفعه: لما عُرِجَ بي إلى السماء بكت الأرض من بعدي, فنبت اللصف من نباتها، فلمّا أن رجعت قطر من عرقي على الأرض فنبت ورد أحمر، ألا من أراد أن يشمّ رائحتي فليشمّ الورد الأحمر. ثم قال أبو الفرج: اللصف: الكبر، قال: وما أتى به هذا الخبر فهو اليسير من كثير مما أكرم الله به نبيه ودل على فضله ورفيع منزلته. قال: وقد روينا معناه من طرق, لكن اختصرنا منها هذا فذكرناه, وإنما ذكرته ليعلم. وعن جابر بن سمرة أنه ﷺ مسح خده، قال جابر: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار. قال غيره: مسَّها بطيب أو لم يمسها يصافح.
ا ذكرته ليعلم. وعن جابر بن سمرة أنه ﷺ مسح خده، قال جابر: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار. قال غيره: مسَّها بطيب أو لم يمسها يصافح.
المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان ريحها. وجؤنة العطار -بضم الجيم وهمزة بعدها، ويجوز تخفيفها واوًا: سليلة مستديرة مغشاة أدمًا. وقد ورد مما عزاه القاضي عياض للإخباريين, ومن ألف في الشمائل الكريمة, أنه ﷺ كان إذا أراد أن يتغوَّط
انشقَّت الأرض وابتلعت بوله وغائطه, وفاحت لذلك رائحة طيبة. قال غيره: ولم يطَّلع على ما يخرج منه بشر قط. وأسند محمد بن سعد كاتب الواقدي -كما هو في بعض نسخ الشفاء: وقالوا: إنه ليس من الرواية, ولا من حواشي أصل ابن جبير, بل من حواشي غيره- عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ: إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئًا من الأذى, فقال: "يا
عائشة, وما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شيء". انتهى. وفي الشفاء لابن سبع عن بعض الصحابة قال: صحبته ﷺ في سفر, فلمَّا أراد قضاء الحاجة تأمَّلته وقد دخل مكانًا فقضى حاجته، فدخلت الموضع الذي خرج منه فلم أر له أثر غائط ولا بول، ورأيت في ذلك الموضع ثلاثة أحجار فأخذتهنَّ, فوجدت لهنَّ رائحة طيبة وعطرًا. قلت: وقد سُئِلَ الحافظ عبد الغني المقدسي: هل روي أنه ﷺ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ فقال: قد روي ذلك من وجه غريب،
ّ, فوجدت لهنَّ رائحة طيبة وعطرًا. قلت: وقد سُئِلَ الحافظ عبد الغني المقدسي: هل روي أنه ﷺ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ فقال: قد روي ذلك من وجه غريب،
والظاهر المنقول يؤيده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنه رآه ولا ذكره، وأمَّا البول فقد شاهده غير واحد, وشربته أم أيمن. انتهى. لكن قال البيهقي: وأمَّا الحديث الذي أخبرنا به أبو الحسين بن بشران, أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا حسين بن علوان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل الغائط دخلت في أثره فلا أرى شيئًا إلّا أني كنت أشمَّ رائحة الطيب، فذكرت ذلك له فقال: "يا عائشة, أما علمت أن أجسادنا تنبت على أرواح أهل الجنة وما خرج منها ابتلعته الأرض". فهذا من موضوعات الحسين بن علوان، لا ينبغي ذكره إلّا لبيان أنه موضوع, ففي الأحاديث الصحيحة والمشهورة في معجزاته كفاية عن كذب ابن علوان. انتهى. لكن للحديث طرق غير طريق ابن علوان:
فعند الدارقطني في الأفراد: حدثنا محمد بن سليمان الباهلي, أنبأنا محمد بن حسَّان الأموي، أنبأنا عبدة بن سلميان, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: يا رسول الله، إني أراك تدخل الخلاء ثم يأتي الذي بعدك فلا يرى لما يخرج منك أثرًا، فقال: "يا عائشة, أما علمت أنَّ الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء"، ومحمد بن حسان بغدادي ثقة، وعبدة من رجال الصحيح, وله طريق أخرى عند ابن سعد، وأخرى عند الحاكم في مستدركه. وروي أنَّه كان يتبرك ببوله ودمه ﷺ.
فروى ابن حبان في "الضعفاء" عن ابن عباس قال: حجم النبي ﷺ غلام لبعض قريش، فلمَّا فرغ من حجامته أخذ الدم فذهب به من وراء الحائط، فنظر يمينًا وشمالًا فلم ير أحدًا، فحسا دمه حتى فرغ, ثم أقبل فنظر في وجهه فقال: "ويحك ما صنعت"؟ فقلت: غيبته من وراء الحائط، قال ابن عيينة: قلت: يا رسول الله, نفست على دمك أن أهريقه في الأرض, فهو في بطني, فقال: "اذهب فقد أحرزت نفسك من النار". وفي سنن أبي سعيد بن منصور من طريق عمرو بن السائب
أنه بلغه أن مالكًا والد أبي سعيد الخدري لما جُرِحَ النبي ﷺ مَصَّ جرحه حتى أنقاه ولاح أبيض فقال: "مجه"، فقال: والله لا أمجه أبدًا، ثم ازدرده فقال النبي ﷺ: "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" فاستشهد. وأخرج البزار والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الحلية، من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: احتجم رسول الله ﷺ, فأعطاني الدم بعد فراغه من الحجامة، وقال: "اذهب يا عبد الله فغيبه" , وفي رواية: "اذهب بهذا الدم فواره حيث لا يراه أحد" فذهبت فشربته, ثم أتيته ﷺ, فقال: "ما صنعت"؟ قلت: غيبته، قال: "لعلك شربته" قلت: شربته، وفي رواية قلت: جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خافٍ عن الناس، قال: "لعلك شربته"؟ قلت: شربته، فقال: "ويل لك من الناس وويل للناس منك"
وفي رواية: فقال له رسول الله ﷺ: "فما حملك على ذلك" قال: علمت أن دمك لا تصيبه نار جهنم فشربته لذلك، فقال: "ويل لك من الناس، وويل للناس منك". وعند الدارقطني من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه، وفيه: $"ولا تمسك النار".......................
وفي كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون: إنه لما شرب دمه ﷺ تضوّع فمه مسكًا، وبقيت رائحته موجودة في فمه إلى أن صُلِبَ ﵁. وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده, والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي, عن الأسود بن قيس, عن نبيح العنزي, عن أم أيمن قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلمَّا أصبح النبي ﷺ قال: "يا أم أيمن, قومي
الله ﷺ من الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلمَّا أصبح النبي ﷺ قال: "يا أم أيمن, قومي
"فأهريقي ما في تلك الفخارة"، فقلت: قد والله شربت ما فيها, قالت: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "أما والله لا يبجعن بطنك أبدًا". وعن ابن جريج قال: أخبرت أنَّ النبي ﷺ كان يبول في قدحٍ من عيدان, ثم يوضع تحت سريره, فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء, فقال لامرأة يقال لها بركة, كانت تخدم أم حبيبة, جاءت معها من أرض الحبشة: "أين البول الذي كان في القدح"؟ قالت: شربته. قال: "صحة
يا أم يوسف" فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه. رواه أبو داود عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة. وصحَّح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لامرأتين, وقد وضح أن بركة أمّ يوسف غير بركة أم أيمن،
وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقيني. وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه ﷺ. قال النووي في شرح المهذّب: واستدلَّ من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين: أنَّ أبا طيبة الحجام حجمه ﷺ وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأنَّ امرأة شربت بوله ﷺ فلم ينكر عليها. وحديث أبي طيبة ضعيف، وحديث شرب المرأة البول صحيح رواه الدارقطني, قال: وهو حديث حسن صحيح،
كافٍ في الاحتجاج لكلّ الفضلات قياسًا، ثم قال: إن القاضي حسينًا قال بطهارة الجميع. انتهى. وبهذا قال أبو حنيفة، كما قاله العيني. وأبو طيبة -بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وباء موحدة- نافع الحجام, مولى محيصة -بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المثناة تحت وكسرها- هو ابن مسعود الأنصاري. وقال شيخ الإسلام ابن حجر: قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته ﷺ, وعدَّ الأئمة ذلك من خصوصياته. انتهى.
قال بعضهم: وكان السر في ذلك ما روي من صنيع الملكين حين غسلا جوفه, والله أعلم. وأمَّا سيرته ﷺ في البراز، ففي حديث عائشة عند أبي عوانة في صحيحه والحاكم: ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أنزل عليه القرآن. وفي حديث عبد الرحمن بن حسنة
وأمَّا سيرته ﷺ في البراز، ففي حديث عائشة عند أبي عوانة في صحيحه والحاكم: ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أنزل عليه القرآن. وفي حديث عبد الرحمن بن حسنة
عند النسائي وابن ماجه: أنه ﷺ بال جالسًا، فقالوا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة. وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائمًا، ويؤيده ما في حديث عبد الرحمن هذا, وفيه دلالة على أنه كان يخالفهم في ذلك, فيقعد لكونه أستر وأبعد من مماسّة البول. وقال حذيفة: أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم فبال قائمًا ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ
رواه البخاري. وفي رواية غيره: بال قائمًا ففحج رجليه، أي: فرقهما وباعد ما بينهما. والسباطة -المهملة وبعدها موحدة- هي المزبلة والكناسة, تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتدّ منها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة. وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح في رواية أبي عوانة في صحيحه
وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره, أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرّف في مال أمته دون غيره؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى, لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﷺ. قال الحافظ ابن حجر: وأما مخالفته ﷺ لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظار، فقد قيل فيه: إنه ﷺ كان مشغولًا بمصالح المسلمين، ولعلّه طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول, فلو أبعد لتضرَّر، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يراه، أو لعله فعله
لبيان الجواز, ثم هو في البول, وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشّف، والغرض من الإبعاد التستر, وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر. وروى الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة, فانتهى إلى سباطة قوم فقال: "يا حذيفة, استرني" فذكر الحديث. وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة. وقيل: إنما بال قائمًا لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر ﵁ قال: البول قائمًا أحصن للدبر. وقيل: السبب في ذلك ما روي عن الشافعي وأحمد: إن العرب
عل ذلك لكونه قريبًا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر ﵁ قال: البول قائمًا أحصن للدبر. وقيل: السبب في ذلك ما روي عن الشافعي وأحمد: إن العرب
كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك, فلعله كان به. وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: إنما بال ﷺ قائمًا لجرح كان بمأبضه. والمأبض -بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة- باطن الركبة. فكأنه لم يتمكّن لأجله من القعود، ولو صحَّ هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدّم, لكن ضعَّفه الدارقطني والبيهقي. والأظهر: إنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكأنَّ أكثر أحواله البول عن قعود. وقيل: إن البول عن قيام منسوخ, واستدل عليه بحديث عائشة المتقدّم. والصواب: إنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند على علمها, فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما غير البيوت فلم تطَّلع هي عليه،
وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وهو جائز من غير كراهة إذا أمن الرشاش. وكان ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". رواه البخاري من حديث أنس. والخبث -بضم المعجمة والموحدة- ومراده: ذكران الشياطين وإناثهم.
وقد كان ﵊ يستعيذ إظهارًا للعبودية، ويجهر بذلك للتعليم، وهل يختص هذا الذكر بالأبنية المعدَّة لذلك؛ لكونها حضرة الشياطين، أو يعم؟ الأصح الثاني. ويقول ذلك قبيل الدخول في الأمكنة، وأمَّا في غيرها فيقوله في أوّل الشروع؛ كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، فلو نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه.
وعن أنس: كان ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنوا من الأرض. رواه الترمذي وأبو داود والدارمي. وعن عائشة قالت: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك"، رواه الترمذي وابن ماجه. وعن أنس: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى
وعافاني". رواه ابن ماجه. وقال ﷺ: "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا"،
رواه البخاري من حديث أبي أيوب الأنصاري. وهذا في الصحراء، أما في البنيان فلا، لما روي عن ابن عمر: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام. رواه الشيخان.
حراء، أما في البنيان فلا، لما روي عن ابن عمر: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام. رواه الشيخان.
وأما حديث جابر عند أحمد وأبي داود وابن خزيمة، ولفظه عند أحمد: كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء. قال جابر: ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة، فقال في فتح الباري: الحقّ أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافًا لمن زعمه، بل هو محمول على أنه رآه في بناءٍ أو نحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر. ودعوى خصوصية ذلك بالنبي ﷺ لا دليل عليها؛ إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال. ومذهب الجمهور وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق: التفريق بين البنيان والصحراء، وهذا أعدل الأقوال؛ لإعمال جميع الأدلة. وقال قوم بالتحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد،
ورجَّحه من المالكية ابن العربي, وحجتهم أن النهي مقدَّم على الإباحة، ولم يصححوا حديث جابر المتقدّم. وقال قوم بالجواز مطلقًا، وهو قول عائشة وعروة بن الزبير وربيعة، محتجين بأن الأحاديث تعارضت, فلنرجع إلى أصل الإباحة. وفي البخاري عن أنس, كان ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام،
ومعنا إداوة من ماء -يعني: يستنجي به. وفي رواية مسلم عنه: فخرج علينا وقد استنجى بالماء. وعن أبي هريرة قال: اتبعت النبي ﷺ, وخرج لحاجته, فقال: "ابغني أحجارًا أستنفض بها
ولا تأتني بعظم ولا روث"، فأتيته بأحجار بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه, فلما قضى حاجته أتبعه بهنَّ.
وعن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده, فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "هذا ركس". رواه البخاري. وفي حديث سلمان عند مسلم مرفوعًا: "لا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة
أحجار. وقد أخذ الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث بهذا، فاشترطوا أن لا ينقص عن الثلاثة, مع مراعاة الإنقاء, وإذا لم يحصل بها فتزاد حتى تنقى. ويستحبّ حينئذ الإيتار؛ لقوله -عليه والصلاة والسلام: "من استجمر فليوتر". وليس بواجب لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد، قال: "ومن لا فلا حرج"، قال الخطابي: لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلمَّا اشترط العدد لفظًا وعلم الإنقاء فيه معنًى, دلَّ على إيجاب الأمرين. ونظيره: العدة بالأقراء، فإن العدد مشترط ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد. وقال الطحاوي: لو كان العدد مشترطًا لطلب ﵊ حجرًا ثالثًا. وغفل ﵀ عمَّا أخرجه في مسنده من طريق معمر
عن ابن مسعود في هذا الحديث، فإن فيه: فألقى الروثة وقال: "إنها ركس ائتني بحجر"، ورجاله ثقات أثبات. واستدلال الطحاوي فيه نظر؛ لاحتمال أن يكون اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصود بالثلاثة: أن يمسح بها ثلاثة مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد. انتهى ملخصًا من فتح الباري.
يه نظر؛ لاحتمال أن يكون اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصود بالثلاثة: أن يمسح بها ثلاثة مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد. انتهى ملخصًا من فتح الباري.
الفهرس: ٣ مكاتبة ﵊ إلى الملوك وغيرهم ٦٢ رسله ﷺ ٧٠ الفصل السابع: في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه ٨٥ الفصل الثامن: في الآت حروبه ﵊؛ كدروعه وأقواسه ومنطقته وأتراسه ٩٣ تكميل ٩٧ الفصل التاسع: في ذكر خيله ولقاحه ودوابه ١١٣ الفصل العاشر: في ذكر من وفد عليه ﷺ وزاده فضلًا وشرفًا لديه ١١٤ الوفد الأول: وفد هوازن ١٢٠ الوفد الثاني: وفد ثقيف ١٢٩ الوفد الثالث: وفد بني عامر ١٣٣ الوفد الرابع: وفد عبد القيس ١٤٦ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة ١٥٧ الوفد السادس: وفد طيء ١٦٠ الوفد السابع: وفد كنده ١٦٣ الوفد الثامن: وفد الأشعريين ١٦٩ الوفد التاسع: قدوم صرد بن عبد الله الأزدي ١٧١ الوفد العاشر: بني الحارث بن كعب ١٧٣ الوفد الحادي عشر: وفد همدان ١٧٨ الوفد الثاني عشر: وفد مزينة ١٧٩ الوفد الثالث عشر: وفد دوس ١٨٦ الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران ١٩١ الوفد الخامس عشر: فروة بن عمرو الجذامي ١٩٢ الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة ١٩٩ الوفد السابع عشر: وفد طارق بن عبد الله وقومه ٢٠٢ الوفد الثامن عشر: وفد تجيب ٢٠٤ الوفد التاسع عشر: وفد بني سعد هذيم
٢٠٦ الوفد العشرون: وفد بني فزارة ٢١١ الوفد الحادي والعشرون: وفد بني أسد ٢١٣ الوفد الثاني والعشرون: وفد بهراء ٢١٥ الوفد الثالث والعشرون: وفد عذرة ٢١٦ الوفد الرابع والعشرون: وفد بلي ٢١٧ الوفد الخامس والعشرون: وفد بني مرة ٢١٨ الوفد السادس والعشرون: وفد خولان ٢١٩ الوفد السابع والعشرون: وفد محارب ٢٢٠ الوفد الثامن والعشرون: وفد صداء ٢٢٣ الوفد التاسع والعشرون: وفد عسان ٢٢٣ الوفد الثلاثون: وفد سليمان ٢٢٤ الوفد الحادي والثلاثون: وفد بني عبس ٢٢٥ الوفد الثاني والثلاثون: وفد غامد ٢٢٦ الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد ٢٣٠ الوفع الرابع والثلاثون: وفد بني المنتفق ٢٣٣ الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع ٢٣٨ المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به ٢٣٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته -صلى الله عليه وسلم
المجلد السادس تابع المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكيِّة وشرَّفه به من الأوصاف المرضية ... ﷽ تابع المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكيِّة وشرَّفه به من الأوصاف المرضية اعلم أن الأخلاق جمع خلق -بضم الخاء واللام ويجوز إسكانها. قال الراغب: الخلق والخُلق -بالفتح وبالضم- في الأصل بمعنى واحد، كالشَرب والشُرب, لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخُصَّ الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. انتهى. وقد اختلف: هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث....
ابن مسعود: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم. الحديث رواه البخاري. وقال القرطبي: الخلق جبلة في نوع الإنسان, وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها كان محمودًا, وإلّا فهو المأموم بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودًا، وكذلك إن كان ضعيفًا فيرتاض صاحبه حتى يقوى. وقد وقع في حديث الأشجّ..................
أنه ﷺ قال له: إن فيك لخصلتين يحبهما الله: "الحلم والأناة"، قال: يا رسول الله قديمًا كان فيَّ أو حديثًا؟ قال: "قديمًا"، قال: الحمد لله الذي جبلني على خِلَّتين يحبهما الله. رواه أحمد والنسائي وصحَّحَه ابن حبان. فترديد السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي وما هو مكتسب, وقد كان ﷺ يقول: "اللهم كما حسَّنت خَلْقِي فحَسِّن خُلُقِي".......
أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، وعند مسلم في حديث دعاه الافتتاح: واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. ولما اجتمع فيه ﷺ من صفات الكمال ما لا يحيط به جدولًا يحصره عد، أثنى الله تعالى عليه في كتابه الكريم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وكلمة "على" للاستعلاء, فدلَّ اللفظ على أنه مستعلٍ على هذه الأخلاق ومستولٍ عليها. والخلق: ملكة نفسانية يسهل على المتَّصِف بها الإتيان بالأفعال الجميلة
كلمة "على" للاستعلاء, فدلَّ اللفظ على أنه مستعلٍ على هذه الأخلاق ومستولٍ عليها. والخلق: ملكة نفسانية يسهل على المتَّصِف بها الإتيان بالأفعال الجميلة
وقد وصف الله تعالى نبيه بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم, فقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ووصفه بما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها وشدةكمالها من جنس أرواح الملائكة. قال الحليمي: وإنما وصف خلقه بالعِظَم، مع أنَّ الغالب وصف الخلق بالكرم؛ لأن كرم الخلق يراد به السماحة والدماثة، ولم يكن خلقه ﷺ مقصورًا على ذلك، بل كان رحيمًا بالمؤمنين، رفيقًا بهم، شديدًا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبًا.........................
في صدور الأعداء، منصورًا بالرعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصفه بالعِظَم أولى ليشمل الإنعام والانتقام. وقال الجنيد: وإنما كان خلقه ﷺ عظيمًا؛ لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى. وقيل: لأنه ﵊ عاشر الخلق بخلقه، وباينهم بقلبه. وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قال ﵊ فيما رواه الطبراني في الأوسط بسند فيه عمر بن إبراهيم المقدسي -وهو ضعيف- عن جابر بن عبد الله: إن.......
الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال. وفي رواية مالك في الموطأ بلاغًا: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه ﷺ، فإنه أُدِّب بالقرآن، كما قالت عائشة ﵂: كان خلقه القرآن. قال بعض العارفين: وقد علم أن القرآن فيه المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله, والراسخون في العلم يقولون آمنا به، أي: أقررناه في نصابه,..............................................
آن فيه المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله, والراسخون في العلم يقولون آمنا به، أي: أقررناه في نصابه,..............................................
وأقررنا به من خلف حجابه، وتقلدنا سيف الحجة به ولكن في قرابه: وما كونه مما تحصل مقلة ... ولا حده مما تحس الأنامل وقال صاحب عوارف المعارف: ولا يبعد أن قول عائشة ﵂: كان خلقه القرآن. فيه رمز غامض، وإيماء إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلقًا بأخلاق الله تعالى, فعبَّرت عن المعنى بقولها: كان خلقه القرآن استحياءً من سبحات الجلال وسترًا للحال بلطيف المقال، وهذا من وفور عقلها وكمال أدبها، انتهى.
فكما أن معاني القرآن لا تتناهى, فكذلك أوصافه الجميلة الدالة على خلقه العظيم لا تتناهى؛ إذ في كل حالة من أحواله يتجدَّد له من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم, وما يفيضه الله تعالى عليه من معارفه وعلومه ما لا يعلمه إلا الله تعالى. فإذًا التعرُّض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرّض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عاداته. قال الحرالي -وهو كما في القاموس -بتشديد اللام، نسبة إلى قبيلة بالبربر، واسمه: علي بن أحمد بن الحسين، ذو التصانيف المشهورة: ولما كان عرفان قلبه ﵊ بربه ﷿-كما قال: بربي عرفت كل شيء، كانت أخلاقه أعظم خلق، فكذلك بعثه الله إلى الناس كلهم، ولم يقصر رسالته على الإنس حتى عمَّت الجن، ولم يقصرها على الثقلين حتى عمَّت جميع العالمين. فكل من كان الله ربه فمحمد رسوله، فكما أنَّ الربوبية نعم العالمين, فالخلق المحمدي يشمل جميع العالمين. انتهى.
وهذا مصير منه إلى أنه ﷺ قد أرسل إلى الملائكة أيضًا، وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى -إن شاء الله تعالى وهو المستعان. وكان ﷺ مجبولًا على الأخلاق الكريمة في أصل خلقته الزكية النقية، لم يحصل له ذلك برياضة نفس، بل بجود إلهي، ولهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية القصوى والمقام الأسنى. وأصل هذه الخصال الحميدة والمواهب المجيدة كمالُ العقل؛ لأن به تقتبس الفضائل وتجتنب الرذائل،.............................................
فالعقل لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان. قال بعضهم: لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر. وأما ما روي: إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي. قال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع باتفاق. انتهى. وفي زوائد عبد الله بن الإمام أحمد على..........................................
"الزهد" لأبيه, عن علي بن مسلم, عن سيار بن حاتم -وهو ممن ضعَّفه غير واحد, وكان جمَّاعًا للرقائق، وقال القواريري: إنه لم يكن له عقل. قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال: حدثنا مالك بن دينار عن الحسن البصري، مرسلًا: لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر, فقال: ما خلقت خلقًا أحب إليّ منك، بل آخذ وبك أعطي. وأخرجه داود بن......................................................
المحبر في كتاب العقل له، وابن المحبر كذاب. فإن الحافظ أبو الفضل بن حجر: والوارد في أول ما خلق الله، حديث أول ما خلق الله القلم، وهو أثبت من حديث العقل. ولأبي الشيخ عن قرة بن إياس المزني رفعه: الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم. وقد اختلف في ماهية العقل......................................................
اس المزني رفعه: الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم. وقد اختلف في ماهية العقل......................................................
اختلافًا طويلًا يطول استقصاؤه. وفي القاموس ومن خط مؤلفه نقلت: العقل العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وبشرِّ الشرين، أو يطلق لأمور لقوّة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعانٍ مجتمعة في الذهن تكون بمقدِّمات تثبت بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته, والحق أنه روحاني به تدرك النفوس العلومَ الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. انتهى. وقد كان ﷺ من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا............................................................
كانت معارفة عظيمة, وخصائصه جسيمة، حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبة لديه، وكلَّت الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرم ما وهبه من أسرار إلهيته ومعرفة ربوبيته وتحقق عبوديته. قال وهب بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابًا، فوجدت في جميعها أنَّ الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلا كحبَّة رمل بين رمل من جميع رمال الدنيا، وأن محمد ﷺ أرجح الناس عقلًا وأفضلهم رأيًا. رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر. وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف: اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون في النبي ﷺ, وجزء في سائر المؤمنين، ومن تأمَّل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشارد،....................................................
عة وتسعون في النبي ﷺ, وجزء في سائر المؤمنين، ومن تأمَّل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشارد،....................................................
والطبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحباءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين، ولما كان عقله ﵊ أوسع العقول, لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعًا لا يضيق على شيء. فمن ذلك: اتساع خلقه العظيم في الحلم والعفو مع القدرة, وصبره ﵊ على ما يكره، وحسبك صبره وعفوه على الكافرين المقاتلين المحاربين له في أشد ما نالوه به من الجراح والجهد بحيث كُسِرت رباعيته، وشُجَّ وجهه يوم أحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شَقَّ ذلك على أصحابه شديدًا،.........................................................
وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: "إني لم أبعث لعانًا، ولكني بعثت داعيًا ورحمة، فقال: اللهم اغفر لقومي، أو اهد قومي فإنهم لا يعلمون". قال ابن حبان: أي: اللهم اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي, لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقًا؛ إذ لو كان كذلك لأجيب، ولو أجيب لأسلموا كلهم. كذا قال ﵀. وقد روي عن عمر أنه قال في بعض كلامه:........................



