— Bagian 17 · بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه… —
Bagian 17
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] الآية. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وُطِئَ ظهرك وأُدْمِيَ وجهك وكسرت رباعيتك, فأبيت أن تقول إلّا خيرًا فقلت: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وههنا دقيقة وهي أنه ﵊ لما شجَّ وجهه عفا وقال: اللهم اهد قومي، وحين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق قال: "اللهم املأ بطونهم نارًا"، فتَحَمَّل الشجَّة الحاصلة في وجهه الشريف، وما تحمَّل الشجة الحاصلة في وجه دينه، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجَّح حق خالقه على حقه. واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على
التألم بما يفعل بها، ولهذا شقَّ عليه ﷺ نسبته إلى الجور في القسمة، لكنه ﵊ حلم على القائل وصبر لِمَا علم من جزيل ثواب الصابر, وأن الله يأجره بغير حساب. وصبره ﵊ على الأذى إنما هو فيما كان في حق نفسه، وأما إذا كان لله فإنه يمتثل فيه أمر الله من الشدة, كما قال له تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] .....................................
وقد وقع له ﵊ أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر الله تعالى، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزجر، فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة ﷺ. وقد روى الطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي عن زيد بن سعنة -بالمهملة والنون المفتوحتين- كما قيده به عبد الغني وذكره الداقطني, وبالمثناة التحتية، ثبت في الشفاء وصحح عليه مؤلفه بخطه، وهو الذي ذكره ابن إسحاق، وهو كما قاله النووي: أجلّ أحبار اليهود الذين أسلموا -أنه قال: لم يبق من علامات النبوة شيء إلّا وقد عرفته........
ؤلفه بخطه، وهو الذي ذكره ابن إسحاق، وهو كما قاله النووي: أجلّ أحبار اليهود الذين أسلموا -أنه قال: لم يبق من علامات النبوة شيء إلّا وقد عرفته........
في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا. فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرًا إلى أجلٍ, فأعطيته الثمن، فلمَّا كان قبل مجيء الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته, فأخذت بمجامع قميصه وردائه على عنقه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي، فوالله إنكم يا بني عبد المطلب مطل، فقال عمر: أي عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع, فوالله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر
إلى عمر بسكون وتؤدة وتبسم ثم قال: "أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعًا مكان ما رعته"، ففعل، فقلت يا عمر: كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلّا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرتهما، فأشهد أني قد رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا. وعن أبي هريرة قال: حدثنا رسول الله ﷺ يومًا ثم قام، فقمنا حين قام, فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه فجذبه بردائه........................................................
فحمر رقبته، وكان رداء خشنًا، فالتفتّ إليه, فقال له الأعرابي: احملني على بعيري هذين، فإنك لا تحملني من مالك ولا مال أبيك، فقال له ﷺ: "لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك التي جبذتني"، كل ذلك يقول له الأعرابي: والله لا أقيدها، فذكر الحديث، قال: ثم دعا رجلًا فقال له: احمل له على بعيريه هذين, على بعير تمرًا وعلى الآخر شعيرًا. رواه أبو داود. ورواه البخاري من حديث أنس بلفظ: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد
لًا فقال له: احمل له على بعيريه هذين, على بعير تمرًا وعلى الآخر شعيرًا. رواه أبو داود. ورواه البخاري من حديث أنس بلفظ: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد
نجراني غليظ الحاشية, فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتقه وقد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد, مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء. وفي هذا بيان حلمه ﵊, وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام. وعن عائشة وقد سُئِلَت عن خلقه ﷺ: لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا..............................................................
ولا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. رواه الترمذي، أي: لم يكن الفحش له خلقًا ولا مكتسبًا. وفي البخاري من حديث ابن عمرو: لم يكن ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وفي رواية له من حديث أنس بن مالك قال: لم يكن النبي ﷺ سبَّابًا ولا فاحشًا ولا لعّانًا.
والفحش: كل ما خرج من مقداره حتى يستقبح، ويدخل في القول والفعل والصفة، لكن استعماله في القول أكثر. والمتفحّش -بالتشديد: الذي يتعمَّد ذلك ويكثر منه ويتكلفه. وعن عائشة ﵂ أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلمَّا جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلمَّا انطلق الرجل قالت له عائشة:
يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال ﷺ: "يا عائشة، متى عهدتيني فحاشًا، إن شرَّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره" رواه البخاري. قال ابن بطال: هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع. ..............
وكذا فسره به القاضي عياض والقرطبي والنووي. وأخرج عبد الغني من طريق أبي عامر الخزاعي، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبي ﷺ صوته قال: "بئس أخو العشيرة". الحديث. والمراد بالعشيرة: الجماعة أو القبيلة، وإنما تطلق ﷺ في وجهه تألفًا ليسلم قومه، لأنه كان رئيسهم.
وقد جمع هذا الحديث كما قاله الخطابي علمًا وأدبًا، وليس قوله ﵊ في أمته بالأمور التي يسمهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه ﷺ أن يبيِّن ذلك ويفصح به، وأن يعرِّف الناس أمرهم, فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة, ولكنَّه لما جبل عليه من الكرم, وأعطيه من حسن الخلق, أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه، لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله, وفي مدارته ليسلموا من شره وغائلته.
عليه من الكرم, وأعطيه من حسن الخلق, أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه، لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله, وفي مدارته ليسلموا من شره وغائلته.
وقال القرطبي: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك, مع جواز مداراتهم اتقاءً لشرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله. ثم قال تبعًا للقاضي حسين: والفرق بين المداراة والمداهنة، أنَّ المداراة بدل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا, وهي مباحة وربما استحسنت، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال ولله الحمد.
وقال القاضي عياض: لم يكن عيينة -والله أعلم- حينئذ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحًا، فأراد النبي ﷺ أن يبين ذلك لئلَّا يغترَّ به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبي ﷺ وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النبوة، وأما الأنة القول بعد أن دخل, فعلى سبيل الاستئلاف, وفي فتح الباري: إن عيينة ارتدَّ في زمن الصديق وحارب, ثم رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح في عهد عمر. انتهى.
وما انتقم ﷺ لنفسه. رواه البخاري. فإن قلت: قد صح أنه ﷺ أمر بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه ﷺ, وهذا ينافي قوله: وما انتقم لنفسه. فالجواب: إنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله. وقيل: أراد أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه. وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يخص بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه. وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن..................................
لداودي عدم الانتقام على ما يخص بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه. وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن..................................
الزهري مطولًا، وأوَّله: ما لعن رسول الله ﷺ مسلمًا بذكر -أي: بصريح اسمه- وما ضرب بيده شيئًا قط إلّا أن يضرب في سبيل الله، ولا سُئِلَ شيئًا قط فمنعه إلّا أن يسئل مأثمًا، ولا انتقم لنفسه من شيء إلا أن تُنْتَهَكَ حرمات الله فيكون لله ينتقم. الحديث. ومما روي من اتساع خلقه وحلمه ﷺ، اتساع خلقه للطائفة المنافقين الذين كانوا يؤذونه إذا غاب ويتملَّقون له إذا حضر، وذلك مما تنفر منه النفوس البشرية حتى تؤيدها العناية الربانية. وكان ﷺ كُلَّمَا أذن له في التشديد عليهم فتح لهم بابًا من الرحمة، فكان يستغفر لهم ويدعو لهم، حتى أنزل الله عليه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال ﵊: "خيَّرَنِي ربي فاخترت أن أستغفر لهم"،..............................
ولما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال ﷺ: "لأزيدنَّ على السبعين". وأمر ولد الذي تولى كبر النفاق والأذى منهم ببر أبيه، ولما مات كفَّنه في ثوب خلعه عن بدنه وصلّى عليه،..........
هذا وعمر بن الخطاب -رضي الله تعالى- عنه يجذبه بثوبه ويقول: يا رسول الله, أتصلي على رأس المنافقين؟ فنتر ثوبه من عمر وقال: "إليك عنِّي يا عمر". فخالف مؤمنًا وليًّا في حق منافق عدو، وكل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحراني. وقال النووي: قيل: إنما أعطاه قميصه وكفَّنه فيه تطييبًا لقلب ابنه، فإنه كان صحابيًّا صالحًا. وقد سأل ذلك فأجابه إليه، وقيل: مكافأة لعبد الله المنافق الميت؛ لأنه كان ألبس العباس حين أُسِرَ يوم بدر قميصًا. وفي ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاقه ﷺ، فقد علم ما كان......
من هذا المنافق من الإيذاء له، وقابله بالحسنى, فألبسه قميصه كفنًا, وصلَّى عليه واستغفر له. من ذلك أنه ﵊ لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره. وعفا عن اليهودية التي سمَّته في الشاة على الصحيح من الرواية. والله يرحم القائل: وما الفضل إلا خاتم..............
................... أنت فصه وعفوك نقش الفص فاختم به عذري ومن ذلك إشفاقه ﷺ على أهل الكبائر من أمته، وأمره إياهم بالستر، فقال: "من بلي بهذه القاذورات -يعني المحرمات- فليستتر". وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود ويترحَّموا عليه لما حنقوا عليه فسبوه ولعنوه، فقال: "قولوا: اللهم اغفر له، اللهمَّ ارحمه".
وقال لهم في رجل كان كثيرًا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر، فلعنوه مرة فقال: "لا تلعنوه فإنه يحب الله رسوله". فأظهر لهم مكتوم قلبه لما رفضوه بظاهر فعله، وإنما ينظر الله إلى القلوب -طهَّر الله قلوبنا وغفر عظيم ذنوبنا. ومن ذلك ما رواه الدارقطني من حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها. ومن ذلك اتساع خلقه..................................................
ن حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها. ومن ذلك اتساع خلقه..................................................
في شريف تواضعه وآدابه وحسن عشرته مع أهله وخدمه وأصحابه. قال بعضهم: اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلّا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه، فعند ذلك تذوب النفس، وفي ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب، فتَلِينُ وتنطبع للحق والخلق بِمَحْوِ آثارها وسكون وهَجِهَا وغُبَارِها. وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبينا ﷺ في أوطان القرب، وحسبك من تواضعه ﵊ أن خَيَّره ربه بين أن يكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا،.......................................
فأعطاه الله بتواضعه أن جعله أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع، وأول مشفَّع، فلم يأكل متكئًا بعد ذلك حتى فارق الدنيا, وقد قال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" رواه الترمذي. ومن تواضعه ﵊ أنَّه كان لا ينهر خادمًا، روينا في كتاب الترمذي عن أنس قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين،..............
فما قال لي أفٍّ قط, ولا قال لشيء صنعته: لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وكذلك كان النبي ﷺ مع عبيده وإمائه، ما ضرب منهم أحد قط، وهذا أمر لا تتسع له الطباع البشرية لولا التأييدات الربَّانية. وفي رواية مسلم: ما رأيت أحد أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ. وقالت عائشة: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط، ولا ضرب امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله،.............................
وما نيل منه شيء فينتقم من صاحبه إلّا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. رواه مسلم. وسئلت عائشة: كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا في بيته؟ قالت: كان ألين الناس، بسَّامًا ضحَّاكًا، لم ير قط مادًّا رجليه بين أصحابه. وعنها: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ, ما دعاه أحد من أصحابه إلّا قال: لبيك. رواه. وعند أحمد وابن سعد وصحَّحَه ابن حبان عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يخيط ثوبه ويخصف -بكسر- نعله، وفي رواية لأحمد: ويرفع دلوه، وعنده أيضا: يغلي
يك. رواه. وعند أحمد وابن سعد وصحَّحَه ابن حبان عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يخيط ثوبه ويخصف -بكسر- نعله، وفي رواية لأحمد: ويرفع دلوه، وعنده أيضا: يغلي
ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه. وهذا يتعيِّن حمله على أوقات, فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة. وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، وركب يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف. رواه الترمذي. وعن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله ﷺ, فلما أراد الانصراف قرَّب له سعد حمارًا وطأ عليه بقطيفة، وركب رسول الله ﷺ, ثم قال سعد: يا قيس، اصحب رسول الله ﷺ،.......................................
قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ: "اركب"، فأبيت، فقال: "إما أن تركب وإما أن تنصرف". وفي رواية أخرى: "اركب أمامي فصاحب الدابَّة أَوْلَى بمقدمها"، رواه أبو داود وغيره. وفي البخاري من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من خيبر، وإني لرديف أبي طلحة وهو يسير، وبعض نساء رسول الله ﷺ رديف رسول الله ﷺ؛ إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة، فقال ﷺ: "إنها أمكم"، فشددت الرحل، وركب رسول الله ﷺ. الحديث. والمرأة: صفية، والردف والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه. وقال معاذ بن جبل: بينا أنا رديف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا آخرة
الرحل. وقد ركب ﷺ على حمار على إكاف, عليه قطيفة فذكيه, أردف أسامة وراءه. ولما قدم ﵊ مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب، فحمل واحدًا بين يديه، وآخر خلفه. وقال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ مكة وقد حمل قثم بين يديه والفضل خلفه، أو قثم والفضل خلفه، أو قثم خلفه والفضل بين يديه. رواه البخاري. وذكر المحب الطبريّ في مختصر السيرة النبوية له، أنه ﷺ ركب حمارًا عريًا إلى قبا وأبو هريرة معه, قال: "يا أبا هريرة أأحملك؟ " قال: ما شئت يا رسول الله, فقال: "اركب" , فلم يقدر, فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر, فاستمسك برسول الله ﷺ, فوقعا جميعًا. ثم ركب ﷺ, ثم قال: "يا أبا هريرة, أأحملك؟ " قال: ما
شئت يا................................................................................................................................... رسول الله، فقال: "اركب"، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلَّق برسول الله ﷺ فوقعا جميعًا، فقال: "يا أبا هريرة أأحملك؟ " فقال: لا والذي بعثك بالحق لأرميتك ثالثًا. وذكر المحب الطبري أيضًا: أنه ﵊ كان في سفر، وأمر أصحابه بإصلاح شاة, فقال رجل: يا رسول الله عليّ ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله، عليَّ سلخها، وقال آخر: يا رسول الله، علي طبخها، فقال رسول الله ﷺ: "علي جمع الحطب"، فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال: "فقد علمت أنكم تكفوني ولكن أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى. ولم أر هذا لغير الطبري بعد التتبُّع، نعم رأيت في جزء تمثال النعل الشريف
ره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى. ولم أر هذا لغير الطبري بعد التتبُّع، نعم رأيت في جزء تمثال النعل الشريف
لأبي اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه....... قال: كنت مع النبي ﷺ في الطواف, فانقطعت شسعه, فقلت: يا رسول الله, ناولني أصلحه، فقال: "هذه أثرة ولا أحب الأثرة". والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى، والأثرة: والاستئثار وهو الانفراد بالشيء. قال: وكأنه كره ﷺ أن ينفرد أحد عنه بإصلاح نعله، فيحوز فضيلة الخدم, فيكون له بمثابة الخادم, ويكون له ﷺ ترفع المخدوم على خادمه، كره ذلك ﷺ لتواضعه وعدم ترفعه على من يصحبه. ويؤيده ما روي أنه ﷺ أراد أن يمتهن نفسه في شيء, فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: "قد علمت أنكم تكفوني, ولكن أكره أن أتميز عليكم, فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى. ثم رأيت شيخنا في الأحاديث المشهورة حكى ذلك.
وعن أبي قتادة: وَفَدَ وَفْدُ النجاشي، فقام النبي ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نحن نكفيك، قال: "إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم"، ذكره في الشفاء. وفي البخاري عن أنس: كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه، وكان قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول: كلّا والذي لا إله غيره لا نعطيكم وقد أعطانيها -أو كما قال, والنبي ﷺ يقول: "لك كذا"، وتقول كلا................
والله، حتى أعطاها -حسبت أنه قال- عشر أمثاله. أو كما قال. وإنما فعلت هذا أم أيمن لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤيدة وتمليكًا لأصل الرقبة، وأراد ﷺ استطابة قلبها في استرداد ذلك, فلاطفها, وما زال يزيدها في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه ﷺ وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ولا يخفى ما في هذا من فرط جوده وكثرة حلمه وبره ﷺ. وجاءته ﷺ امرأة في عقلها شيء، فقالت: إن لي إليك حاجة، فقال: "اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك" , وفي رواية سلم: "حتى أقضي حاجتك،.............
ﷺ. وجاءته ﷺ امرأة في عقلها شيء، فقالت: إن لي إليك حاجة، فقال: "اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك" , وفي رواية سلم: "حتى أقضي حاجتك،.............
فخلا معها في بعض الطريق حتى فرغت من حاجتها. ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه ﷺ. وقال عبد الله بن أبي الحمساء -بالحاء المهملة المفتوحة والميم الساكنة وبالسين المهملة في آخره وهمزة ممدودة: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت, فذكرته بعد ثلاث, فإذا هو في مكانه, فقال: "لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك" رواه أبو داود. وقال عبد الله بن أبي أوفى: كان ﵊ لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة. رواه النسائي.
وفي رواية البخاري: إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، وفي رواية أحمد: فتنطلق به في حاجتها، وعند أيضا: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت. والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الانقياد. وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة؛ وحيث عمَّم بلفظ الإماء، أي: أي أمة كانت، أي: كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي: من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرُّف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست مساعدتها في تلك الحالة لساعدها على ذلك، وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ. ودخل الحسن وهو يصلي قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ في...............................................
سجوده حتى نزل الحسن، فلمَّا فرغ, قال له بعض أصحابه: يا رسول الله, قد أطلت سجودك. قال: "إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله". أيّ جعلني كالراحلة فركب على ظهري. وكان ﵊ يعود المرضى، ويشهد الجنازة. أخرجه الترمذي في الشمائل. وحجَّ ﵊ على رحل رثٍّ وعليه قطيفة لا يساوي أربعة دراهم.........
فقال: "اللهم اجعله حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة". وكان إذا صلَّى الغداة جاءه خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلَّا غمس يده فيه، فربما جاءه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها. رواه مسلم والترمذي. وكان ﵊ حسن العشرة مع أزواجه، وكان ﵊ ينام مع أزواجه.
قال النووي: وهو ظاهر فعله الذي واظب عليه مع مواظبته ﷺ على قيام الليل، فينام مع إحداهن، فإذا أراد القيام لوظيفته قام فتركها، فيجمع بين وظيفته وأداء حقها المندوب وعشرتها بالمعروف. وقد علم من هذا أن اجتماع الزوج مع زوجته في فراش واحد أفضل، لا سيما إن عرف من حالها حرصها على هذا، ولا يلزم من نومه معها الجماع والله أعلم. وقد كان ﵊ يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها. رواه الشيخان. وإذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها وشرب. رواه مسلم. وإذا تعرقت عرقًا -وهو العظم الذي عليه اللحم- أخذه فوضع فمه على موضع فمها.................
رواه مسلم أيضًا. وكان يتكئ في حجرها، ويقبّلها وهو صائم. رواه الشيخان. وكان يريها الحبشة وهم يلعبون في المسجد وهي متكئة على منكبة, رواه البخاري. ورواه الترمذي، بلفظ: قام ﷺ, فإذا حبشة تزفن والصبين حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ, فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت, فجعلت أقول: لا، لا. وقال: حسن صحيح غريب. وروي أنه ﷺ سابقها فسبقته، ثم سابقها فسبقها, فقال: "هذه بتلك".........
ن المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت, فجعلت أقول: لا، لا. وقال: حسن صحيح غريب. وروي أنه ﷺ سابقها فسبقته، ثم سابقها فسبقها, فقال: "هذه بتلك".........
رواه أبو داود بلفظ: سبقتها في سفر فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني قال: "هذه بتلك السبقة". وعن أنس بن مالك: أنهم كانوا يومًا عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂، ثم أتي بصحفة من بيت أم سلمة، فوضعت بين يدي النبي ﷺ فقال: ضعوا أيديكم، فوضع نبي الله ﷺ يده ووضعنا أيدينا فأكلنا، وعائشة تصنع طعامًا عجَّلته قد رأت الصحفة التي أتي بها، فلما فرغت من طعامها جاءت به فوضعته ورفعت صفحة أم سلمة فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ: "كلوا بسم الله، غارت أمكم"، ثم أعطى صحفتها أم سلمة, فقال: "طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء". رواه الطبراني في الصغير.
وهو عند البخاري بلفظ: كان ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة, ويقول: "غارت أمكم" , ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت. وعند أحمد وأبو داود والنسائي، قالت عائشة: ما رأيت صانعة طعامًا مثل
صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناء من طعام, فما ملكت نفسي أن كسرته، فقلت: يا رسول الله ما كفارته؟ قال: "إناء كإناء وطعام كطعام". وعند غيرهم: فأخذت القصعة من بين يديه فضربت بها وكسرتها، فقام النبي ﷺ يلتقط اللحم والطعام وهو يقول: "غارت أمكم"، فلم يثرب عليها. فوسع خلقه الشريف آثار طفحات آثار غيرتها، ولم يتأثر، وقضى عليها بحكم الله في التقاصّ. وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه، لا يأخذ عليهن ويعذرهن، وإن أقام عليهن قسطاس العدل إقامة من غير قلق ولا غضب، بل رءوف رحيم، حريص عليهن وعلى غيرهن، عزيز عليه ما يعنتهم. قيل: وفي هذا الحديث إشارة إلى عدم مؤاخذة.....
عليهن قسطاس العدل إقامة من غير قلق ولا غضب، بل رءوف رحيم، حريص عليهن وعلى غيرهن، عزيز عليه ما يعنتهم. قيل: وفي هذا الحديث إشارة إلى عدم مؤاخذة.....
الغَيْرَى فيما يصدر منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة. وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعًا: إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. انتهى. وعن عائشة ﵂: أتيت النبي ﷺ بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة -والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي، فأبت، فقلت لها؛ كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين أو لألطِّخن بها وجهك، فأبت فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها, فضحك رسول الله ﷺ, فوضع فخذه لها وقال لسودة: لطِّخي وجهها، فلطَّخت بها وجهي, فضحك ﷺ. الحديث رواه ابن غيرن من حديث الهاشمي, وأخرجه الملاء في سيرته.
والخزيرة: اللحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق. وبالجملة؛ فمن تأمَّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه وغيرهم من الفقراء والأيتام والأرامل والأضياف والمساكين، علم أنه قد بلغ من رقة القلب ولينه الغاية التي لا مرمى وراءها لمخلوق. وإن كان يشتد في حدود الله وحقوقه ودينه، حتى قطع يد السارق، إلى غير ذلك. وقد كان ﷺ يباسط أصحابه بما يولج حبه في القلوب، كان له رجل من البادية يسمى زهيرًا، وكان يهادي النبي ﷺ بموجود البادية، بما يستطرف منها، وكان ﷺ يهاديه ويكافئه بموجود الحاضرة وبما يستطرف منها،..................................
وكان ﷺ يقول: "زهير باديتنا، ونحن حاضرته"، وكان ﷺ يحبه، فمشى ﷺ يومًا إلى السوق فوجده قائمًا، فجاء من قبل ظهره وضمَّه بيده إلى صدره, فأحس زهير بأنه رسول الله ﷺ، قال: فجعلت أمسح ظهري في صدره رجاء بركته. وفي رواية الترمذي في الشمائل: فاحتضنه من خلفه ولا يبصره، فقال أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ, فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "من يشتري..............
العبد"، فقال له زهير: يا رسول الله، إذن تجدني كاسدًا، فقال له ﷺ: "أنت عند الله غالٍ"، وفي رواية الترمذي أيضًا: "لكن عند الله لست بكاسد، أو قال: أنت عند الله غال". وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلًا كان يهدي للنبي ﷺ العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي ﷺ, فقال: أعط هذا متاعه، فما يزيد النبي ﷺ على أن يتبسم، ويأمر به فيعطى. ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا...........
اشترى منها، ثم جاء فقال: يا رسول الله، هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول: "ألم تهده لي" , فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه. وكان ﷺ يمزح..........
ولا يقول إلا حقًّا. كما روى أبو هريرة، وقد قال له رجل كان فيه بله: يا رسول الله احملني، فباسطه ﵊ من القول بما عساه أن يكون شفاءً لبلهه بعد ذلك، فقال: "أحملك على ابن الناقة". فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه البنوة, فقال: يا رسول الله، ما عسى أن يغني عني ابن الناقة، فقال ﷺ: "ويحك, وهل يلد الجمل إلا الناقة"، روى الحديث الترمذي وأبو داود. وباسط عمته صفية..........
فقال: يا رسول الله، ما عسى أن يغني عني ابن الناقة، فقال ﷺ: "ويحك, وهل يلد الجمل إلا الناقة"، روى الحديث الترمذي وأبو داود. وباسط عمته صفية..........
وهي عجوز فقال لها: "إن الجنة لا يدخلها عجوز"، فلما جزعت فقال لها: "إنك تعودين إلى صورة الشباب في الجنة"، وفي رواية الترمذي عن الحسن. أتته ﷺ عجوز فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال: "يا أم فلان, إن الجنة لا يدخلها عجوز"، قال: فولت تبكي فقال: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥، ٣٦] " وذكره رزين.
وكان ﵊ يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويؤنسهم. ويأخذ معهم في تدبير أمورهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره، وهو مع ذلك سره في الملكوت يجول حيث أراد الله به. والدعابة -بضم الدال وتخفيف العين المهملتين وبعد الألف موحدة: هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره. وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة؛ قالوا: إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلَّا حقًّا.
وما ورد عنه ﵊ في النهي عن المداعبة محمول على الإفراط، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين وغير ذلك. والذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب -كما كان هو فعله ﵊ فهو مستحب. وقال أنس: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل على النبي ﷺ ذات يوم حزينًا فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نغره، فقال......................................................
له: "يا أبا عمير ما فعل النغير"، رواه البخاري ومسلم. وفي رواية الترمذي قال أنس: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي: "يا أبا عمير ما فعل النغير". قال الجوهري: النغير: تصغير نغر، والنغر جمع النغرة وهو طائر صغير كالعصفور، والجمع نغران مثل صرد وصردان. وقد كان ألقى عليه مع الدعابة والمهابة،........
ال الجوهري: النغير: تصغير نغر، والنغر جمع النغرة وهو طائر صغير كالعصفور، والجمع نغران مثل صرد وصردان. وقد كان ألقى عليه مع الدعابة والمهابة،........
ولقد جاء إليه ﷺ رجل فقام بين يديه, فأخذته رعدة شديدة ومهابة، فقال له: "هوّن عليك، فإني لست بملك ولا جبار, إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة"، فنطق الرجل بحاجته، فقام ﷺ فقال: "يا أيها الناس, إني أوحي إلى أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد, ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد الله إخوانًا".
فسكَّن ﵊ روعه شفقة، لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، وسلب عنه وصف الملوكية بقوله: "فإني لست بملك"، لما يلزمها من الجبروتية، وقال: "أنا ابن امرأة تأكل القديد"، تواضعًا، لأن القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة. ولما رأته ﵊ قبلة بنت مخرمة في المسجد، وهو قاعد القرفصي, أرعدت من الفرق. رواه أبو داود.
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: صحبت رسول الله ﷺ، ما ملأت عيني منه قط حياء منه وتعظيمًا له، ولو قيل لي صفة لما قدرت، أو كما قال. وإذا كان هذا قوله وهو من جملة أصحابه، ولولا أنه ﵊ كان يباسطهم ويتواضع لهم ويؤنسهم, لما قدر أحد منهم أن يقعد معه, ولا أن يسمع كلامه, لما رزقه الله تعالى من المهابة والجلالة. يبين ذلك ويوضحه ما روي أنه ﵊ كان إذا فرغ من ركوع الفجر حدث عائشة إن كانت مستيقظة، وإلّا اضطجع بالأرض ثم خرج بعد ذلك للصلاة، وما ذاك إلّا أنه ﵊ لو خرج على تلك الحالة التي كان عليها، وما حصل له من القرب والتداني.............................................
في مناجاته وسماع كلام ربه وغير ذلك من الأحوال التي يكل اللسان عن وصف بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه ولا يباشره، فكان ﵊ يتحدث مع عائشة أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم، وهو التأنيس مع عائشة أو من جنس أصل الخلقة التي هي الأرض. ثم يخرج إليهم، وما كان إلا رفقًا بهم، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ . قال ابن الحاج في المدخل. وقد جاء في الحديث أنه لما خُيِّرَ بين أن يكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا, فنظر ﵊ إلى جبريل كالمستشير له، فنظر جبريل إلى الأرض يشير إلى التواضع، فاختار ﵊ العبودية، فلما كان تواضعه إلى الأرض؛ حيث أشار جبريل أورثه الله تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفيق الأعلى، إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى،........................................
وقف بين يديه محمود بن الربيع، وهو صغير ابن خمس سنين، فمج ﵊ في وجهه مجَّة من ماء من دلو يمازحه بها، فكان في ذلك من البركة أنه لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية النبي ﷺ إلا تلك المجة، فعد بها من الصحابة, وحديثه مذكور في البخاري من طريق الزهري عنه. ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة وهو في مغتسله، فنضح الماء في وجهها، فكان في ذلك من البركة في وجهها أنه لم يتغير، فكان ماء الشباب ثابتًا في وجهها ظاهرًا في رونقها وهي..............
عجوز كبيرة. وحديثها مذكور في البخاري. فقد علمت أنه ﵊ كان مع أصحابه وأهله، ومع القريب والغريب من سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه, والمزح مع الصغير والكبير أحيانًا، وإجابة الداعي, ولين الجانب, حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه. وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا أو مستحبًّا أو مباحًا، فكان يباسط الخلق ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته من ظلمات دياجي الجهل، ويقتدوا بهديه ﷺ.
يه. وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا أو مستحبًّا أو مباحًا، فكان يباسط الخلق ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته من ظلمات دياجي الجهل، ويقتدوا بهديه ﷺ.
وكانت مجالسته ﷺ مع أصحابه ﵃ عامَّتها مجالس تذكير بالله، وترغيب وترهيب، إما بتلاوة القرآن، أو بما آتاه الله من الحكمة والمواعظ الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدِّين، كما أمره الله تعالى أن يذكِّر ويعظ ويقص، وأن يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشِّر وينذر، فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقَّة القلوب، والزهد في الدنيا, والرغبة في الآخرة، كما ذكره أبو هريرة مما رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه قال: قلنا يا رسول الله: ما لنا إذا كنَّا عندك رقَّت قلوبنا وزهدنا في الدنيا, وكنا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك عافسنا أهلنا وشممنا أولادنا وأنكرنا أنفسنا. فقال ﷺ: "لو أنكم إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة في........................................................
بيوتكم. الحديث. وقوله: عافسنا: بالعين المهملة وبعد الألف فاء فسين مهملة ساكنة -أي: عالجنا أهلنا ولاعبناهم. ومن تواضعه ﷺ أنه ما عاب ذواقًا قط، ولا عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه رواه الشيخان.
وهذا إذا كان الطعام مباحًا، أمَّا الحرام فكان يعيبه ويذمّه وينهي عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إذا كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره، قال: لأنَّ صنعة الله تعالى لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب. قال في فتح الباري: والذي يظهر: التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع. قال النووي: ومن آداب الطعام المتأكد أن لا يعاب، كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج ونحو ذلك. ومن تواضعه: إن هذه الدنيا شاع سبها في العالمين، فقال ﷺ: "لا تسبوا الدنيا"، ثم مدحها فقال: "نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر"............
وقال: "لا تسبوا الدهر" رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: "ولا تقولوا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر" , وفي لفظ له: "يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر,...................
دهر" رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: "ولا تقولوا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر" , وفي لفظ له: "يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر,...................
بيدي الليل والنهار". وعند مسلم في حديث: "لا يسب أحدكم الدهر".
ومحصل ما قيل في تأويله، ثلاثة أوجه: أحدها: إن المراد بقوله: "إن الله هو الدهر"، أي: المدبر للأمور. ثانيها: إنه على حذف مضاف. أي: صاحب الدهر. ثالثها: التقدير: مقلب الدهر. ولذلك عقَّب في رواية البخاري: "بيدي الليل والنهار". وقال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكن يكره له ذلك لتشبهه بأهل الكفر في الإطلاق.
وما خيِّر ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه. رواه البخاري. أي بين أمرين من أمور الدنيا لا إثم فيهما، وأبهم "فاعل" خُيِّرَ ليكون أعمّ, من قِبَلِ الله أو من قِبَلِ المخلوقين. وقوله: إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما: أي ما لم يكن الأسهل مقتضيًا للإثم, فإنه حينئذ يختار.............
الأشد. وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط. ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قِبَلِ المخلوقين واضح. ومن تواضعه ﵊ أنه لم يكن له بوّاب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة وهي تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله واصبري"، فقالت: إليك عني فإنك خلو من مصيبتي، قال فجاوزها ومضى. فمر بها رجل فقال لها: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله ﷺ.
قال: فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا. الحديث رواه البخاري. لكن في حديث أبي موسى الأشعري: أنه كان بوابًا للنبي ﷺ لما جلس على القف. وجمع بينهما: بأنه كان ﵊ إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه.
وفي حديث عمر ﵁ حين استأذن له الأسود في قصة حلفه ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا، ففيه: أنه كان في وقت خلوته يتَّخذ البواب، ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه ولم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي. ولكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذائه عليه، فلما أذن له اطمأن. وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحاكم. فقال الشافعي وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبًا. وذهب آخرون إلى جوازه. وحمل الأوّل على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحبّ ذلك ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل، ويدفع الشرير، والله تعالى أعلم.
وأمَّا ما روي من حيائه ﷺ، فحسبك ما في البخاري من حديث سعيد: كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها. والعذراء هي البكر. والخدر: بكسر الخاء المعجمة -أي في سترها. وهو من باب التتميم، لأنَّ العذراء في الخدر يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجها، لكون الخلوة مظنَّة وقوع الفعل بها. فالظاهر: أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها.................
ّ العذراء في الخدر يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجها، لكون الخلوة مظنَّة وقوع الفعل بها. فالظاهر: أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها.................
في خدرها لا حيث تكون منفردة فيه. والحياء -بالمد- وهو من الحياة، ومنه: الحيا للمطر، لكن هو مقصور، وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتم. وهو في اللغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرَّد ترك الشيء بسبب. والترك إنما هو من لوازمه. وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير من حق ذي الحق.
وقال ذو النون: الحياء وجود الهيبة في الخلق، مع وحشة ما يسبق منك إلى ربك، والحب ينطق والحياء............
يسكت، والخوف يقلق. وقال يحيى بن معاذ: من استحى من الله مطيعًا استحى الله منه وهو مذنب، وهذا الكلام يحتاج إلى شرح, ومعناه: إن من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستحي خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحى الله من نظره إليه في تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحي أن يرى من وليه لما يشينه عنده. وفي الشاهد شاهد لذلك، فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه، من صاحب أو ولد أو من يحبه، وهو يخونه، فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياءً عجيب حتى كأنه هو الجاني, وهذا غاية الكرم. وللحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها. منها: حياء الكرم، كحيائه ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطولوا عنده المقام، واستحيا أن..................
للحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها. منها: حياء الكرم، كحيائه ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطولوا عنده المقام، واستحيا أن..................
يقول لهم انصرفوا. ومنها: حياء العبودية، وهو حياء يمتزج بين محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاحية عبوديته لمعبوده، وأن قدره أعلى وأجلّ منها، فعبوديته له توجب استحياء منه لا محالة. ومنها: حياء المرء من نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقنعها بالدون، فيجد نفسه مستحييًا من نفسه، حتى كأنَّ له نفسين، يستحي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدر. والحياء -كما قال ﵊ لا يأتي إلا بخير، وهو من الإيمان.
كما رواهما البخاري. قال القاضي عياض وغيره: وإنما جعل الحياء من الإيمان -وإن كان غريزة؛ لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم. وقال القرطبي: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلَّف به دون الغريزي، غير أنَّ من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب، حتى يكاد يكون غريزة، قال: وكان ﷺ قد جمع له النوعان، فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها. وقال القاضي عياض: وروي عنه ﷺ: أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد. وأما خوفه ﷺ ربه جلَّ وعلا،............
فاعلم أن الخوف والوجل والهيبة والرهبة ألفاظ متقاربة غير مرادفة. قال الجنيد: الخوف توقّع العقوبة على مجاري الأنفاس. وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف. وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام، وهذا سبب الخوف، لا أنه نفسه. وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٣٨] فهو خوف مقرون بمعرفة. وقال ﷺ: "أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية"،........
فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحوهما له حالتان: إحداهما حركته للهرب منه وهي حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه وهي الخشية. وأما الرهبة: فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه.
وأما الوجل: فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته. وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المعرفة والمحبة. والإجلال: تعظيم مقرون بالحب. فالخوف لعامَّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال ﷺ: "إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية"، رواه البخاري، وقال ﵊: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا،..............
رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وفيه دلالة على اختصاصه ﷺ بمعارف بصرية وقلبية، وقد يطلع الله عليها غيره من المخلصين من أمته, لكن بطريق الإجمال، وأما تفاصيلها فاختص بها ﷺ. وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه ﵊ قال: "والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار". فقد جمع الله له بين علم اليقين.................
و رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار". فقد جمع الله له بين علم اليقين.................
وعين اليقين مع الخشية القلبية، واستحضار العظمة الإلهية على وجه لم يجتمع لغيره، ولذا قال: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا"، وهو في الصحيح من حديث عائشة. وكان ﷺ يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحة بلفظ: كأنين الرحى، أي: خنين من الخوف -بالخاء المعجمة- وهو صوت البكاء. وقيل: هو أن يجيش جوف ويغلي بالبكاء. وأمَّا ما روي من شجاعته.....................
-﵊, وقوته في الله وشدته، فعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، لقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قِبَلَ الصوت فتلقَّاهم رسول الله ﷺ راجعًا قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر...............
على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول: لن تراعوا. وفي رواية: كان فزع بالمدينة فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة يقال له المندوب، فركبه ﵊, فلما رجع قال: "ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرًا، أو إنه لبحر". قال: وكان فرسًا يبطؤ. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. وللبخاري: إن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب ﷺ فرسًا لأبي طلحة كان يقطف،..................
أو فيه قطافًا، فلما رجع قال: "وجدنا فرسكم هذا بحرًا"، فكان بعد لا يجاري. وفي أخرى له: ثم خرج يركض الفرس وحده فركب الناس يركضون خلفه فقال: "لن تراعوا، إنه لبحر"، فما سبق بعد ذلك اليوم. وقوله: لن تراعوا: أي روعًا مستقرًا، أو روعًا يضركم. وفي هذا الحديث بيان شجاعته ﷺ من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم، بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس. وفيه: بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان بطيئا وهو معنى قوله عليه..............
لناس كلهم، بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس. وفيه: بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان بطيئا وهو معنى قوله عليه..............
الصلاة والسلام: "وجدناه بحرًا"، أي واسع الجري. وفيه قطاف: يقال: قطف الفرس في مشية إذا تضايق خطوه وأسرع مشيه. قال القاضي عياض: وقد كان في أفراسه ﷺ فرس مندوب، فلعله صار إليه بعد أبي طلحة. وقال النووي: يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد من رسول الله ﷺ. وذكر ابن إسحاق في كتابه وغيره: أنه كان بمكة رجل شديد القوة يحسن الصراع, وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم. فبينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكة؛ إذ لقيه رسول الله ﷺ فقال له: "يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما
أدعوك إليه" -أو كما قال له رسول الله ﷺ فقال له ركانة: يا محمد، هل لك من شاهد يدل على صدقك؟ فقال: "أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم يا محمد، فقال له: "تهيأ للمصارعة"، قال: تهيأت، فدنا منه رسول الله ﷺ فأخذه ثم صرعه، قال: فتعجب من ذلك ركانة، ثم سأله الإقالة والعودة، ففعل به ذلك ثانيًا وثالثًا. فوقف ركانة متعجبًا وقال: إن شأنك لعجيب. رواه الحاكم في مستدركه عن أبي جعفر محمد بن ركانة المصارع،............
ورواه أبو داود والترمذي, وكذا البيهقي من رواية سعيد بن جبير. وقد صارع ﵊ جماعة غير ركانة، منهم أبو الأسود الجمحي، كما قاله السهيلي. ورواه البيهقي، وكان شديدًا بلغ من...............
شدته أنه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرى الجلد ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول الله ﷺ إلى المصارعة, وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول الله ﷺ فلم يؤمن. وفي قصته طول. وفي البخاري من حديث البراء، وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر. كانت هوازن رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا, فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام...................................
ولقد رأيت النبي ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، لأنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة ليست بسريعة الجري، ولا تصلح لكرٍّ ولا فر ولا هرب, وهو مع ذلك يركضها إلى وجوههم، وينوه........................
باسمه ليعرفه من ليس يعرفه -صلوات الله وسلامه عليه. وفي حديث البراء: كنا إذا احمرَّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ, أي: جعلناه قدامنا واستقبلنا العدو به، وقمنا خلفه. وأمَّا ما ذكر من سخائه وجوده وكرمه، فاعلم أن السخاء صفة غريزية، وفي مقابلته الشح، والشح من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ........................
ما ذكر من سخائه وجوده وكرمه، فاعلم أن السخاء صفة غريزية، وفي مقابلته الشح، والشح من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ........................
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، فحكم بالفلاح لمن وقي الشح، وحكم بالفلاح أيضا لمن أنفق وبذل فقال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ، ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٣، ٥] والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين. وليس الشح من الآدمي بعجيب؛ لأنه جبلي فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة. والسخاء أتمَّ وأكمل من الجود، وفي مقابلته البخل, وفي مقابلة السخاء الشح، والجود والبخل يتطرق إليهما الاكتساب بطريق العادة، بخلاف الشح والسخاء؛ إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة، فكل سخي جواد................
وليس كل جواد سخيًّا، والجود يتطرَّق إليه الرياء، ويأتي به الإنسان متطلعا إلى غرض من الخلق أو الحق بمقابلة من الثناء أو غيره من الخلق والثواب من الله تعالى، ولا يتطرق الرياء إلى السخاء؛ لأنه ينبع من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض. أشار إليه في عوارف المعارف. وقد كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس، رواه البخاري ومسلم من حديث أنس. وأجود: أفعل تفضيل، من الجود وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، ومعناه: هو أسخى الناس، ولما كانت نفسه أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة, لا بُدَّ أن يكون فعله أحسن الأفعال،.................
وشكله أملح الأشكال، وخلقه أحسن الأخلاق، فلا شكَّ يكون أجود الناس، وكيف لا وهو مستغنٍ عن الفانيات بالباقيات الصالحات. واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم، فإنها أمهات الأخلاق، فإن في كل إنسان ثلاث قوى: أحدها الغضبية، وكمالها الشجاعة، ثانيها: الشهوانية وكمالها الجود، وثالثها: العقلية وكمالها النطق بالحكمة. وفي رواية لمسلم عنه: ما سُئِلَ رسول الله ﷺ شيئًا إلّا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا, فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر. وعنده أيضًا عن صفوان بن أمية....................
ل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا, فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر. وعنده أيضًا عن صفوان بن أمية....................
قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. وفي مغازي الواقدي: إن النبي ﷺ أعطى صفوان يومئذ واديًا مملوءًا إبلًا ونعمًا، قال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي. ويرحم الله جابر حيث قال: هذا الذي لا يتقي فقرًا إذا ... أعطى ولو كثر الأنام وداموا وادٍ من الأنعام أعطى آملًا ... فتحيِّرت لعطائه الأوهام وإنما................................
أعطاه ذلك لأنه ﵊ علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء وهو الإحسان, فعالجه به حتى برئ من داء الكفر وأسلم، وهذا من كمال شفقته ورحمته ورأفته ﵊؛ إذ عامله بكمال الإحسان، وأنقذه من حَرِّ النيران إلى برد لطف الجنان. وكان علي إذا وصفه ﷺ قال: كان أجود الناس كفًّا، وأصدق الناس لهجة. وخرج ابن عدي -بإسناد فيه ضعف- من حديث أنس مرفوعًا: أنا أجود بني آدم. فهو ﷺ بلا ريب أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم
وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله في إظهار دينه وهدايته عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم, ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، ولقد أحسن ابن جابر حيث قال: يروى حديث الندى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهل ومنسجم من وجه أحمد لي بدر ومن يده ... بحر ومن فمه در لمنتظم يمم نبيًّا يباري الريح أنمله ... والمزن في كل هامي الودق مرتكم لو عامت الفلك فيما فاض من يده ... لم تلق أعظم بحر منه إن تعم
يحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ ... به ودع كل طامي الموج ملتطم لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت ... كل الأنام وروت قلب كل ظمي فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحائب من غمائم يمينه. وروى البخاري من حديث جابر: ما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قط فقال: لا، وكذا عند مسلم، أي: ما طلب منه شيء من أمر الدنيا فمنعه. قال الفرزدق: ما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم
لكن قال شيخ مشايخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر: ليس المراد أنه يعطي ما يطلب منه جزمًا، بل المراد: إنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده شيء أعطاه إن كان الإعطاء سائغًا وإلّا سكت. قال: وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: كان إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم،
ده شيء أعطاه إن كان الإعطاء سائغًا وإلّا سكت. قال: وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: كان إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم،
وإن لم يرد أن يفعل سكت. وهو قريب من حديث أبي هريرة: ما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلّا تركه. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه: لم يقع, لا منعًا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارًا كما في قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] ، ولا يخفى الفرق بين قوله: لا أجد ما أحملكم, وبين: لا أحملكم. انتهى. وهو نظير ما في حديث أبي موسى الأشعري: لما سأله الأشعريون الحملان فقال ﷺ: "ما عندي ما أحملكم عليه". لكن يشكل عليه أنه ﷺ حلف لا يحملهم فقال: "والله لا أحملكم على شيء" فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر ما إذا سئل ما ليس عنده, والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك، أو حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كأن لم يكن يعرف العادة، فلو
اقتصر في جوابه على السكون مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلًا، ويكون القسم على ذلك تأكيدًا لقطع طمع السائل، والسر في الجمع بين قوله: "لا أجد ما أحملكم" وقوله: "والله لا أحملكم" إن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجودًا عنده، والثاني أنه لا يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالفرض مثلًا أو بالاستيهاب؛ إذ لا اضطرار حينئذ. وروى الترمذي أنه حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما ردَّ سائلًا حتى فرغ منها. قال: وجاءه رجل.....................
فقال: "ما عندي شيء ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه"، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر، فكره النبي ﷺ، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالًا،..................
قضيناه"، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر، فكره النبي ﷺ، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالًا،..................
فتبسم ﷺ وعرف البشر في وجهه. وقال: "بهذا أمرت". وإنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك كالاستيلاف ونحوه. وذكر ابن فارس في كتابه "أسماء النبي ﷺ" أنه في يوم حنين جاءت امرأة فأنشدت شعرًا تذكره أيام رضاعته في هوازن, فردَّ عليهم ما أخذه, وأعطاهم عطاءً كثيرًا, حتى قوِّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف.......................................
ألف. قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الوجود. وفي البخاري من حديث أنس: إنه ﷺ أتي بمال البحرين فقال: "انثروه" -يعني صبوه- في المسجد، وكان أكثر مال أتي به ﷺ، فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلمَّا قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه؛ إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا،..................
فقال له: "خذ"، فحثى في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا"، قال: فأرفعه أنت عليّ، فقال: "لا"، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع, فقال: يا رسول الله, مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا"، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: "لا"، فنثر منه ثم احتمله, فألقاه على كاهله فانطلق، فما زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبًا من حرصه، فما قام ﵊ وثَمَّ منها درهم. وفي رواية ابن أبي شيبة...................
من طريق حميد بن هلال مرسلًا: كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل إليه ﷺ. وسايره جابر على حمل له، فقال ﵊: "بعني جملك"، فقال: هو لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فقال: "بل بعنيه"، فباعه إياه وأمر بلالًا أن ينقده ثمنه فنقده، ثم قال له ﷺ: "اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما" مكافأة لقوله: هو لك، فأعطاه الثمن...........
ورَدَّ عليه الجمل وزاده الدعاء بالبركة فيهما. وحديثه في البخاري ومسلم. وقد كان جوده ﵊ كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج, وتارة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه. وكان يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عند الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط الحجر على بطنه الشريفة من الجوع. وكان ﷺ قد أتاه سبي، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت, وطلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد،.....................
وقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع". وأتته امرأة ببردة.........................
فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليه فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله, ما أحسن هذه فاكسنيها, فقال ﷺ: "نعم"، فلما قدم ﷺ لامه............
أصحابه، وقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه. رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. وفي رواية ابن ماجه والطبراني قال: "نعم" , فلما دخل طواها وأرسل بها إليه. وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح أنه ﷺ أمر أن يصنع له غيرها, فمات قبل أن يفرغ منها. وفي هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه ﷺ وسعة جوده. واستنبط منه السادة الصوفية: جواز استدعاء المريد خرقة التصوّف من
نع له غيرها, فمات قبل أن يفرغ منها. وفي هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه ﷺ وسعة جوده. واستنبط منه السادة الصوفية: جواز استدعاء المريد خرقة التصوّف من
المشايخ تبركًا بهم وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنه ﷺ ألبس أم خالد خميصة سوداء ذات علم. رواه البخاري. لكن قال شيخنا: ما يذكرونه من أن الحسن البصري لبسها من علي بن أبي طالب، فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنه باطل، وقال شيخ الإسلام الحافظ بن حجر: ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف أنه ﷺ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدًا من أصحابه بفعلها، وكل ما يروى صريحًا في ذلك فباطل, قال: ثم إنَّ من الكذب................
المفترى قول من قال: إن عليًّا ألبس الخرقة الحسن البصري، فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعًا فضلًا عن أن يلبسه الخرقة. وكذا قال الدمياطي والذهبي والعلائي ومغلطاي والعراقي والأبناسي والحلبي وغيرهم, من كون جماعة منهم لبسوها وألبسوها تشبها بالقوم،..................
نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة المتصلة إلى كهيل بن زياد، وهو صحب علي بن أبي طالب من غير خلف في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل. وفي بعض الطرق اتصالها بأويس القرني، وهو اجتمع بعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب, وهذه صحبة لا مطعن فيها، وكثير من السادة يكتفي بمجرد الصحبة................
كالشاذلي وشيخنا أبي إسحاق المتبولي. وكان يوسف العجمي يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهود واللبس وله في ذلك رسالته ريحان القلوب، قرأتها على ولد ولده العارف بالله تعالى المسلك سيدي علي، مع إلباسه لي الخرقة والتلقين والعهد. وللشيخ قطب الدين القسطلاني "ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة" والله تعالى يهدينا إلى سواء السبيل.
الفصل الثالث: فيما تدعو ضرورته إليه من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك وفيه أربع أنواع:
بة في اللباس والصحبة" والله تعالى يهدينا إلى سواء السبيل.
الفصل الثالث: فيما تدعو ضرورته إليه من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك وفيه أربع أنواع:
المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته مدخل ... المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته كتاب في المعجزات والخصائص: وصدق رسالته, وما خص به من خصائص آياته, وبدائع كراماته, وفيه فصلان: الأول: في معجزاته. اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم، والرسول العظيم -سلك الله بي وبك
مناهج سنته، وأماتنا على محبته بمنه ورحمته- أنَّ المعجزة هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي الدال على صدق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام. وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها، فعلم أن لها شروطًا. أحدها: أن تكون خارقة للعادة، كانشقاق القمر، وانفجار الماء من بين أصابعه، وقلب العصا حية،....
وإخراج ناقة من صخرة،.......................................
وإعدام جبل. فخرج غير الخارق للعادة كطلوع الشمس كل يوم. الثاني: أن تكون مقرونة بالتحدي، وهو طلب المعارضة والمقابلة. قال الجوهري: يقال: تحديت فلانًا، إذا باريته في فعل ونازعته......... ..........
للغلبة. وفي القاموس: نحوه. وفي الأساس: حد يحدو، وهو حادي الإبل، واحتدى حداء إذا غنَّى، ومن المجاز: تحدَّى أقرانه إذا باراهم ونازعهم للغلبة. وأصله: الحداء، يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدَّى كل واحد منهما صاحبه، أي: يطلب حداءه. كما يقال: توفَّاه بمعنى استوفاه، وفي بعض الحواشي الموثوق بها، كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين القطار وحاد عن يساره، يتحدَّى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه، أي يطلب منه حداءه، ثم اتسع فيه استعمل في كل مباراة. انتهى من حاشية الطيبي على الكشاف.
وقال المحققون: التحدي، الدعوى للرسالة. والشرط الثالث من شروط المعجزة: أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة. وعبَّر عنه بعضهم بقوله: دعوى الرسالة مع أمن المعارضة. وهو أحسن من التعبير: بعدم المعارضة؛ لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها, والشرط إنما هو عدم إمكانها. وقد خرج بقيد "التحدي" الخارق من غير تحد، وهوالكرامة للولي. وبـ "المقارنة" الخارق المتقدم على التحدي، كإظلال الغمام، وشق الصدر، الواقعين لنبينا ﷺ قبل دعوى الرسالة, فإنها ليست معجزات، إنما هي كرامات لظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء،
ر، الواقعين لنبينا ﷺ قبل دعوى الرسالة, فإنها ليست معجزات، إنما هي كرامات لظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء،
فيجوز ظهورها, وكلام عيسى في المهد، وما شابه ذلك مما وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة عليهم أيضًا، وحينئذ تسمَّى "إرهاصا" أي: تأسيًا للنبوة كما صرَّح به العلامة السيد الجرجاني في شرح المواقف وغيره، وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم. وخرج أيضًا بقيد "المقارنة" المتأخِّر عن التحدي، بما يخرجه عن المقارنة العرفية، نحو ما روي بعد وفاته ﷺ من نطق الموتى بالشهادتين وشبهه، مما تواترت به الأخبار. وخرج أيضًا بـ "أمن المعارضة" السحر المقرون بالتحدي، فإنه يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم. واختلف: هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع أم لا؟ فقال بالأول قائلون، حتَّى جوَّزوا للساحر أن يقلب الإنسان حمارًا. وذهب آخرون: إلى أن أحدًا لا يقدر على قلب عين ولا إحالة طبيعة إلا الله
تعالى لأنبيائه، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عينًا. قالوا: ولو جوَّزنا للساحر ما جاز للنبي, فأي فرق عندكم بينهما؟ فإن لجأتم إلى ما ذكره القاضي العلامة أبو بكر الباقلاني من الفرق بالتحدي فقط, قيل لكم: هذا باطل من وجوه: أحدها: إن اشتراط التحدي قول لا دليل عليه، لا من كتاب ولا من سنة، ولا من قول صاحب ولا إجماع, وما تعرَّى من البرهان فهو باطل. الثاني: إن أكثر آياته ﷺ وأعمها وأبلغها كانت بلا تحدٍّ، كنطق الحصى، ونبع الماء، ونطق الجذع، وإطعامه المئين من صاع، وتفله في العين، وتكليم الذراع، وشكوى البعير، وكذا سائر معجزاته العظام، ولعله لم يتحد بغير القرآن، وتمني الموت.
قالوا: فأف لقول لا يبقي من الآيات ما يسمى معجزة إلا هذين الشيئين، ويلقي معجزات كالبحر المتقاذف بالأموج، ومن قال: إن هذه ليست معجزات ولا آيات فهو إلى الكفر أقرب منه إلى البدعة. قالوا: وقد كان ﵊ يقول عند ورود آية من هذه الآيات: "أشهد أني رسول الله"، كما قال ذلك عند تحققهم مصداق قوله في الإخبار عن الذي أنكأ في المشركين قتلًا في المعركة: إنه من أهل النار،.................................................
ل ذلك عند تحققهم مصداق قوله في الإخبار عن الذي أنكأ في المشركين قتلًا في المعركة: إنه من أهل النار،.................................................
فقتل نفسه بمحضر ذلك الذي اتبعه من المسلمين, قالوا: والوجه الثالث: وهو الدامغ لهذا القول، قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] فسمَّى الله تعالى تلك المعجزات المطلوبة من الأنبياء آيات، ولم يشترط تحديًا من غيره. فصحَّ أن اشتراط التحدي باطل محض. انتهى ملخصًا من تفسير الشيخ أبي
أمامة بن النقاش. وأجيب: بأنه ليس الشرط الاقتران بالتحدي بمعنى طلب الإتيان بالمثل الذي هو المعنى الحقيقي للتحدي، بل يكفي للتحدي دعوى الرسالة, والله أعلم. الرابع من شروط المعجزة: أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها، فلو قال مدعي الرسالة: آية نبوتي أن تنطق يدي، أو هذه الدابة، فنطقت يده أو الدابة بكذبه فقالت: كذب وليس هو بنبي، فإن الكلام الذي خلقه الله تعالى دال على كذب ذلك المدعي؛ لأن ما فعله الله تعالى لم يقع على وفق دعواه. كما يروى أن مسيلمة الكذاب -لعنه الله تعالى - تَفَل في بئر ليكثر ماؤها فغارت وذهب ما..................
فيها من الماء. فمتى اختلَّ شرط من هذه لم تكن معجزة. ولا يقال: قضية ما قلتم: أن ما توفرت فيه الشروط الأربعة من المعجزات لا يظهر إلّا على أيدي الصادقين، وليس كذلك، لأنَّ المسيح الدجال يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو مشهور، كما وردت به الأخبار الصحَّاح،..........................
لأن ما ذكر فيمن يدعي الرسالة, وهذا يدعي الربوبية. وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق غير مستحيلة، فلم يبعد أن يقيم الله الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة، ودلت القواطع على كذب المسيح الدجال فيما يدَّعيه للتغير من حال إلى حال، وغير ذلك من الأوصاف التي تليق بالمحدثات ويتعالى عنها رب البريات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . فإن قلت: أي الاسمين أحق وأولى بما أتت به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام، هل لفظ "المعجزة" أو لفظ "الآية" أو "الدليل"؟ فالجواب: إن كبار الأئمة يسمون معجزات الأنبياء: دلائل النبوة، وآيات النبوة، ولم يرد أيضًا في القرآن لفظ "المعجزة", بل ولا في السنة أيضًا، وإنما فيهما لفظ
"الآية" والبينة و"البرهان" كما في قصة موسى ﵇: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢] أي: العصا واليد، وفي حق نبينا ﵊ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] . وأما لفظ الآيات فكثير, بل هو أكثر من أن نسرده هنا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٢٤] و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ [الرعد: ٣] . وأمَّا لفظة المعجزة إذا أطلق فإنه لا يدل على كون ذلك آية إلّا إذا فسر المراد به، وذكرت شرائطه، وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمي معجزة إلّا ما كان للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فقط، ومن أثبت للأولياء خوارق عادات سماها: كرامات،



