— Bagian 18 · وذكرت شرائطه، وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمي… —
Bagian 18
وذكرت شرائطه، وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمي معجزة إلّا ما كان للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فقط، ومن أثبت للأولياء خوارق عادات سماها: كرامات،
والسلف كانوا يسمون هذا وهذا معجزة؛ كالإمام أحمد وغيره، بخلاف ما كان آية وبرهانًا على نبوة النبي, فإن هذا يجب اختصاصه به. وقد يسمون الكرامات آيات لكونها تدل على نبوة من اتبعه ذلك الولي، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوته بدون ثبوت المدلول، فكذلك ما كان آية وبرهانًا، انتهى. وإذا علمت هذا، فاعلم أن دلائل نبوة نبينا ﷺ كثيرة، والأخبار بظهور معجزاته شهيرة.
فمن ذلك: ما وجد في التوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى المنزلة من ذكره ونعته، وخروجه بأرض العرب، وما خرج بين يدي أيام مولده ومبعثه من الأمور الغريبة العجيبة القادحة في سلطان الكفر، الموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب المنوهة بذكرهم، كقصة الفيل، وما أحلّ الله بأصحابه العقوبة والنكال، وخمود نار فارس, وسقوط شرفات إيوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساوه، ورؤيا المؤبذان،...........................
وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام المعبودة وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها، إلى سائر ما روي ونقل في الأخبار المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيام حضانته وبعدها إلى أن بعثه الله نبيًّا. ولم يكن له ﷺ ما يستميل به القلوب من مال فيطمع فيه، ولا قوة فيقهر بها الرجال، ولا أعوان على الرأي الذي أظهره، والدِّين الذي دعا إليه، وكانوا يجتمعون على عبادة الأصنام، وتعظيم الأزلام، مقيمين على عادة الجاهلية في العصبة والحمية، والتعادي والتباغي وسفك الدماء، وشنّ الغارات, ولا تجمعهم ألفة دين، ولا يمنعهم من سوء أفعالهم نظر في عاقبة، ولا خوف عقوبة ولا لائمة، فألَّف ﷺ بين قلوبهم, وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء وتناصرت القلوب، وترادفت الأيدي، فصاروا إلبًا واحدًا في نصرته، وعنقًا واحدًا إلى.................
فألَّف ﷺ بين قلوبهم, وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء وتناصرت القلوب، وترادفت الأيدي، فصاروا إلبًا واحدًا في نصرته، وعنقًا واحدًا إلى.................
طلعته، وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته، بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا غرض في العاجل أطمعهم في نيله يحوونه، أو ملك أو شرف في الدنيا يحوزونه، بل كان من شأنه ﷺ أن يجعل الغني فقيرًا، والشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور، أو يتفق مجموعها لأحد هذا سبيله، من قِبَل الاختيار العقلي والتدبير الفكري، لا والذي بعثه بالحق، وسخر له هذه الأمور، ما يرتاب عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر إلهي، وشيء غالب سماوي، ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
ومن دلائل نبوته ﵊ أنه كان أميًّا، لا يخط كتابًا بيده ولا يقرؤه، ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضيين، ولم يخرج في سفر ضاربًا إلى عالم فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهبت معالم تلك الكتب، ودرست وحُرّفت عن مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها إلّا القليل, ثم حاج كان فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد
له حذاق المتكلمين وجهابذة النقاد المتفننين لم يتهيأ له نقض ذلك. وهذا أدلّ شيء على أنه أمر جاءه من عند الله تعالى. ومن ذلك القرآن العظيم، فقد تحدَّى بها فيه من الإعجاز، ودعاهم إلى معارضته, والإتيان بسورة من مثله، فنكلوا عنه وعجزوا عن الإتيان بشيء منه. قال بعض العلماء: إن الذي أورده ﵊ على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص،............
لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورؤساء البيان والمتقدمين في اللسن بكلامٍ مفهوم المعنى عندهم، وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص, ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة،...................................
فدلَّ على أن العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته وصحة نبوته, وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح. وقال أبو سليمان الخطابي: وقد كان ﷺ من عقلاء الرجال عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق، وقد قطع القول فيما أخبر به عن ربه تعالى, بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علَّام الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يكون. انتهى. وهذا من أحسن ما يكون في هذا المجال وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة، وبالتقصير عن بلوغ الغرض في المناقضة،..........
صارخًا بهم على رءوس الأشهاد "فلم يستطع أحد منهم الإلمام به مع توفر الدواعي وتظاهر الاجتهاد، فقال -وكان بما ألقى عليهم خبيرًا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فرضيت هممهم السرية وأنفسهم الشريفة الأبية بسفك الدماء وهتك الحرم. وقد ورد من الأخبار في قراءة النبي ﷺ بعض ما نزل عليه على المشركين الذين
لإسراء: ٨٨] فرضيت هممهم السرية وأنفسهم الشريفة الأبية بسفك الدماء وهتك الحرم. وقد ورد من الأخبار في قراءة النبي ﷺ بعض ما نزل عليه على المشركين الذين
كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم بإعجازه جمل كثيرة: فمن ذلك ما ورد عن محمد بن كعب قال: حدّثت أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم -وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورًا لعله يقبل منا بعضها ويكفّ عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ, فذكر الحديث فيما قاله عتبة, وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك, فلما فرغ قال رسول الله ﷺ: "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم، قال: "فاسمع مني"، قال: فافعل،.................
فقال رسول الله ﷺ: "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١] ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ " فمضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجد فيها, ثم قال: "سمعت يا أبا الوليد؟ " قال: سمعت, قال: "فأنت وذاك" فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلمَّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله قد سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، وخَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ. قال: فأجابني بشيء, والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة: قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم....................
هو فيه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ. قال: فأجابني بشيء, والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة: قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم....................
﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فأمسكت فمه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب, فخفت أن ينزل بكم العذاب. رواه البيهقي وغيره. وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيسًا فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، وقد ناقض اثنى عشر شاعرًا في الجاهلية أنا أحدهم، وجاء إلى مكة, وجاء إليّ أبو ذر بخبر النبي ﷺ، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر، لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر........................
فلم يلتئم ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون. رواه مسلم والبيهقي. وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة، وكان زعيم قريش في الفصاحة: أنه قال للنبي ﷺ: اقرأ علي، فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] إلى آخر الآية. قال: أعد، فأعاد ﷺ، فقال: والله إن له لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإن أعلاه لمثمر, وإن أسفله لمغدق.....................
وما يقول هذا بشر، ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر أعلاه, مغدق أسفله, وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه. وفي خبره الآخر: حين جمع قريشًا عند حضور الموسم وقال: إن وفود العرب تردنا، فأجمعوا فيه رأيًا، لا يكذب بعضكم بعضًا،.......................................
فقالوا: نقول إنه كاهن، قال: والله ما هو بكاهن, ما هو بزمزمته ولا سجعه، قالوا: مجنون. قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله. رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول: قال: فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلّا وأنا أعرف أنه باطل،.............
رواه ابن إسحاق والبيهقي. وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق بن يسار قال: حدثني إسحاق بن يسار عن رجل من بني سلمة قال فتيان بني سلمة: قال عمرو بن الجموح لابنه: أخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل، فقرأ عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فقال: وما أحسن هذا وأجمله، أَوَكل كلامه مثل هذا؟ قال: يا أبت وأحسن من هذا. وقال بعضهم -بعض العلماء:.........................................................
ا أحسن هذا وأجمله، أَوَكل كلامه مثل هذا؟ قال: يا أبت وأحسن من هذا. وقال بعضهم -بعض العلماء:.........................................................
إن هذا القراءن لو وجد مكتوبًا في مصحف في فلاة من أرض, ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منَزَّل من عند الله، وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف مثل ذلك, فيكف إذا جاء على يد أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم, وقال: إنه كلام الله، وتحدَّى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فكيف يبقى مع هذا شك. انتهى. واعلم أن وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر, لكن قال بعضهم: إنه قد اختلف العلماء في إعجازه على ستة أوجه. أحدها: إن وجه إعجازه هو الإيجاز والبلاغة،...................................
مثل قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فجمع في كلمتين عدد حروفهما عشرة أحرف معاني كلام كثير. وحكى أبو عبيد: أن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام...............................................
وسمع آخر رجلًا يقرأ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام. وحكى الأصمعي: أنه رأى جارية خماسية أو سداسية وهي تقول: استغفر الله من ذنوبي كلها، فقلت لها: ممن تستغفرين ولم يجر عليك قلم؟ فقالت: استغفر الله لذنبي كله ... قتلت إنسانًا بغير حله مثل غزال ناعم في دله ... انتصف الليل ولم أصله فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك،................... ......................
فقالت: أَوَتَعُدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. وحكي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يومًا نائمًا في المسجد، فإذا برجل على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم،................
برين وبشارتين. وحكي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يومًا نائمًا في المسجد، فإذا برجل على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم،................
ممن يحسن كلام العرب وغيرها, وأنه سمع رجلًا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم, فتأملتها فإذا قد جمع الله فيها ما أنزل الله على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة, وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] الآية. وقد رام فوق من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفًا من البلاغة، وحظًّا من البيان، أن يضعوا شيئًا يلبسون به، فلمَّا وجده مكان النجم من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار، كسورة الكوثر والنصر وأشباههما لوقوع الشبهة على الجهال فيما قلَّ عدد....................
حروفه؛ لأن العجز إنما يقع في التأليف والاتصال. وممن رام ذلك من العرب بالتشبث بالسور القصار، مسيلمة الكذَّاب فقال: يا ضفدع نقي كم تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين. فلما سمع أبو بكر ﵁ هذا قال: إنه لكلام لم يخرج من إل. قال ابن الأثير: أي من ربوبية، و"الإل" بالكسر هو الله تعالى. وقيل: الإل هو الأصل الجيد، أي: لم يجئ من الأصل الذي جاء منه القرآن. ولما سمع مسيلمة الكذاب -لعنه الله- و"النازعات" قال: والزارعات زرعًا والحاصدات حصدًا والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والحافرات حفرًا، والثاردات ثردًا, واللاقمات لقمًا، لقد فضلتم على أهل الوبر, وما سبقكم أهل المدر. إلى غير ذلك من الهذيان، مما ذكرت في الوفود من المقصد الثاني بعضه والله أعلم.
وقال آخر: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى, أخرج من بطنها نسمة تسعى، من بين شراسيف وأحشى. وقال آخر: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل. ففي هذا الكلام مع قلة حروفه من السخافة ما لا خفاء فيه على من لا يعلم، فضلًا عمَّن يعلم. والثاني: إن إعجازه هو الوصف الذي صار به خارجًا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع،.....................................
فلا يدخل في شيء منها, ولا يختلط بها, مع كون ألفاظه وحروفه من جنس كلامهم، ومستعملة في نثرهم ونظمهم، ولذلك تحيَّرت عقولهم، وتدلهت أحلامهم, ولم يهتدوا إلى مثله في حسن كلامهم، فلا ريب أنه في فصاحته قد قرع القلوب..........................
ببديع نظمه, وفي بلاغته قد أصاب المعاني بصائب سهمه، فإنه حجة الله الواضحة، ومحجته اللائحة، ودليله القاهر، وبرهانه الباهر، ما رام معارضته شقي إلّا تهافت تهافت الفراش في الشهاب، ودلَّ ذل النقد حول الليوث الغضاب. وقد حكى عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك، كما حكي عن يحيى بن حكيم الغزل -بتخفيف الزاي وقد تشدد, وكان بليغ الأندلس في زمانه........
كى عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك، كما حكي عن يحيى بن حكيم الغزل -بتخفيف الزاي وقد تشدد, وكان بليغ الأندلس في زمانه........
أنه قد رام شيئًا من هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها، وينسج على منوالها، فاعترته خشية ورِقَّة، حملته على التوبة والإنابة. ويحكى أن ابن المقفع -وكان أفصح أهل وقته- طلب ذلك ورامه, ونظم كلامًا وجعله مفصلًا وسماه سورًا, فاجتاز يومًا بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ..........﴾ [هود: ٤٤] الآية فرجع ومحى ما عمله....................
وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدًا، وما هو من كلام البشر. ولله در العارف سيدي محمد وفا حيث قال، يعني النبي ﷺ والقرآن المعظم: له آية الفرقان في عين جمعه ... جوامع آيات بها اتضح الرشد حديث نزيه عن حدوث منزه ... قديم صفات الذات ليس له ضد بلاغ بليغ للبلاغة معجز ... له معجزات لا يعد لها عد
تحلت بروح الوحي حلة نسجه ... عقود اعتقاد لا يحل لها عقد وغاية أرباب البلاغة عجزهم ... لديه وإن كانوا هم الألسن اللد فأفاكهم بالإفك أعياه غيه ... تصدى وللأسماع عن غيه صد قلى الله أقوالًا بهاجر هجرها ... هوانًا بها الورهاء والبهم البلد تلاها قتل الفحش في القبح وجهها ... وعن ريبها الألباب نزهها الزهد لقد فرَّق الفرقان شمل فريقه ... بجمع رسول الله واستعلن الرشد أتى بالهدى صلى عليه إلهه ... ولم يله بالأهواء إذ جاءه الجد
والثالث: أن وجه إعجازه هو أن قارئه لا يمله, وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة، ولا يزال غضًّا طريًّا، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات،.....................
ويؤنس بوجد بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك، حتى أحدث وألف أصحابها لها لحونًا وطرقًا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها، ولهذا وصف ﷺ القرآن................................................
تى أحدث وألف أصحابها لها لحونًا وطرقًا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها، ولهذا وصف ﷺ القرآن................................................
بأنه: "لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل، لا تشبع منه العلماء ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا:......
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا, يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ " أشار إليه القاضي عياض. والرابع: إن وجه إعجازه هو ما فيه من الأخبار بما كان، مما علموه وما لم يعلموه، فإذا سألوه عنه فبينه لهم عرفوا صحته وتحققوا صدقه كالذي حكاه من قصة أهل الكهف وشأن موسى...............
والخضر ﵉، وحال ذي القرنين،.........................................
وقصص الأنبياء وأممهم، والقرون الماضية في دهرها. والخامس: إن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب، والإخبار بما يملكون، فيوجد على صدقه وصحته،..............................................
مثل قوله تعالى لليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤, ٩٥] فما تمناه أحد منهم. ومثل لقوله لقريش: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:
٢٣] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا. وتعقَّب بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرآن بعضها وقع في زمنه ﷺ، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وبعضها بعده كقوله: ﴿الم, غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١, ٢] فلو كما قالوا لنازعوا وقع المتوقع، وبأن الإخبار عن الغيب جاء في بعض سور القرآن, واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة، فلو كان كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها.
السادس: إن وجه إعجازه هو كونه جامعًا لعلوم كثيرة، لم تتعاط العرب الكلام فيها، ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد منهم، ولا يشتمل عليها كتاب، بَيِّنَ الله فيه خبر الأولين والآخرين وحكم المتخلفين وثواب المطيعين وعقاب العاصين. فهذه ستة أوجه يصح أن يكون كل واحد منها إعجازًا, فإذا جمعها القرآن فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزًا بأولى من غيره، فيكون الإعجاز بجميعها. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن.....
عَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن.....
في زمن رسول الله ﷺ, ولا بعده على نظمه وتأليفه وعذوبة منطقه وصحة معانيه، وما فيه من الأمثال والأشياء التي دلّت على البعث وآياته، والأنباء بما كان يكون, وما فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والامتناع من إراقة الدماء، وصلة الأرحام, إلى غير ذلك، فكيف يقدر على ذلك أحد وقد عجزت عنه العرب الفصحاء, والخطباء والبلغاء، والشعراء, والفهماء من قريش وغيرها، وهو ﷺ في مدة ما عرفوه قبل نبوته وأداء رسالته أربعين سنة ولا يحسن نظم كتاب، ولا عقد حساب،.......
ولا يتعلم سحرًا، ولا ينشد شعرًا، ولا يحفظ خبرًا، ولا يروي أثرًا، حتى أكرمه الله بالوحي المنزل، والكتاب المفصَّل، فدعاهم إليه وحاجَّهم به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] ، وشهد له في كتابه بذلك فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . وأمَّا ما عدا القرآن من معجزاته ﵇؛ كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام ببركته، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما وقع التحدي به، ومنه ما وقع دالًّا على صدقه من غير سبق تحدّ، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يديه ﷺ من خوارق العادات شيء كثير -..............
كما يقطع بوجود جود حاتم، شجاعة علي، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت موارد الآحاد، مع أن كثيرًا من المعجزات النبوية قد اشتهر, ورواه العدد الكثير، والجمّ الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه المرتبة لعدم عنايتهم بذلك.
لكثير، والجمّ الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه المرتبة لعدم عنايتهم بذلك.
فلو ادَّعى مدَّعٍ أن غالب هذه الوقائع مفيد للقطع النظري لما كان مستبعدًا، وذلك أنه لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار في الجملة، ولا يحفظ عن أحد من أصحابه مخالفة الراوي فيما حكاه من ذلك, ولا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق؛ لأن مجموعهم محفوظ عن الإغضاء عن الباطل، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم إنكار أو طعن على بعض من روى شيئًا من ذلك, فإنما هو من جهة توقف في صدق الراوي أو تهمته بكذب، أو توقف في ضبطه أو نسبته إلى سوء الحفظ، أو جواز الغلط، ولا يوجد أحد منهم طعن في المروي، كما وجد منهم في غير هذا الفن من الأحكام............................
وحروف القرآن ونحو ذلك والله أعلم. وأنت إذا تأمَّلت معجزاته وباهر آياته وكراماته ﵇, وجدتها شاملة للعلوي والسفلي، والصامت والناطق، والساكن والمتحرك، والمائع والجامد، والسابق واللاحق، والغائب والحاضر، والباطن والظاهر، والعاجل والآجل, إلى غير ذلك مما لو أعيد لطال، كالرمي بالشهب الثواقب، ومنع الشياطين من استراق السمع في الغياهب، وتسليم الحجر والشجر عليه، وشهادتها له بالرسالة بين يديه, ومخاطبتها له بالسيادة، وحنين الجذع، ونبع الماء من كفِّه في الميضأة والتور والمزادة, وانشقاق القمر، ورد العين من العور، ونطق البعير والذئب..........................................
والجمل، والنور المتوارث من آدم إلى جبهة أبيه عبد الله من الأزل، وما سوى ذلك من المعجزات التي تداولتها الحملة، ونقلتها عن ألسنة الأول النقلة، مما لو أعملنا أنفسنا في حصرها لفني المدى في ذكرها. ولو بالغ الأولون والآخرون في إحصاء مناقبه لعجزوا عن استقصاء ما حباه الكريم به من مواهبه، ولكن الملمَّ بساحل بحرها مقصرًا عن حصر بعض فخرها، ولقد صحَّ لمحبيه أن ينشدوا فيه: وعلى تفنن واصفيه لنعته ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف وإنه لخليق بمن ينشد فيه قول الخنساء التي شهد لها النابغة الذبياني بأنها أشعر الناس, وقد أسلمت وصحبت: فما بلغت كف امرئ متناولًا ... من المجد إلّا والذي نال أطول ولا بلغ المهدون في القول مدحه ... ولو حذقوا إلّا الذي فيه أفضل
ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفي, فلقد كفى وشفى بقوله: ما شئت قل فيه فأنت مصدق ... فالحب يقضي والمحاسن تشهد ولقد أبدع الإمام الأديب شرف الدين الأبوصيري حيث قال: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم يعني: إن المداح وإن انتهوا إلى أقصى الغايات والنهايات لا يصلون إلى شأوه،....... ......
شئت من عظم فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم يعني: إن المداح وإن انتهوا إلى أقصى الغايات والنهايات لا يصلون إلى شأوه،....... ......
إذ لا حدَّ له، ويحكى أنه رؤي الشيخ عمر بن الفارض السعدي في النوم فقيل له: لم لا مدحت النبي ﷺ, فقال: أرى كل مدح في النبي مقصرًا ... وإن بالغ المثني عليه وأكثروا إذ الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين كأبي تمام والبحتري وابن الرومي مدحه ﷺ، وكان مدحه عندهم من أصعب ما يحاولونه،...................
فإن المعاني دون مرتبته، والأوصاف دون وصفه، وكل غلوٍّ في حقه تقصير، فيضيق على البليغ مجال النظم، وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلوّ بالنسبة إلى من فرضت له وجدتها صادقة في حق النبي ﷺ، حتى كان الشعراء على صفاته يعتمدون, وإلى مدحه كانوا يقصدون، وقد أشار الأبوصيري بقوله: "دع ما ادعته النصاري في نبيهم" إلى ما أظرت النصارى به عيسى بن مريم من اتخاذه إليها. قال النيسابوري: إنهم صحَّفوا في الإنجيل "عيسى نبي وأنا ولدته" فحرفوا الأول بتقديم الباء وخففوا اللام في الثاني، فلعنة الله على الكافرين. فإن قلت: هل ادَّعى أحد في نبينا ﵇ ما ادعى في عيسى؟ أجيب بأنهم قد كادوا أن يفعلوا نحو ذلك حين قالوا له ﵇: أفلا
نسجد لك؟ فقال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" فنهاهم عمَّا عساه يبلغ بهم من العبادة. وقد جاء في صفته في حديث ابن أبي هالة: ولا يقبل الثناء إلّا من مكافيء، أي: مقارب في مدحه غير مفرِّط فيه، وقال ابن قتيبة: معناه: إلّا أن يكون ممن له عليه مِنَّة، فيكافئه الآخر، وغلَّطه ابن الأنباري، بأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله ﷺ؛ لأن الله بعثه رحمة للعالمين، فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتمّ الإسلام إلا به. قال: وإنما المعنى: لا يقبل الثناء إلّا من رجل عرف حقيقة إسلامه. ثم حاصل.............................
فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتمّ الإسلام إلا به. قال: وإنما المعنى: لا يقبل الثناء إلّا من رجل عرف حقيقة إسلامه. ثم حاصل.............................
معجزاته وباهر آياته وكراماته كما نَبَّه عليه القطب القسطلاني يرجع إلى ثلاثة أقسام: ماض: وجد قل كونه، فقضى بمجده. ومستقبل: وقع بعد مواراته في لحده. وكائن معه من حين حمله ووضعه إلى أن نقله الله إلى محل فضله وموطن جمعه. فأما القسم الماضي: وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا الوجود، فقد ذكرت منه جملة في المقصد الأول، كقصة الفيل وغير ذلك، مما هو تأسيس لنبوته وإرهاص لرسالته،.........
قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزة تأسيسًا وإرهاصًا، قال: ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، يعني في سفره قبل النبوة، خلافًا للمعتزلة القائلين بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال، انتهى. وقد تقدَّم أول هذا المقصد: إن الذي عليه جمهور أئمة الأصول وغيرهم أن هذا ونحوه مما هو متقدّم على الدعوى لا يسمَّى معجزة، بل تأسيسًا للرسالة وكرامة للرسول ﵇. وأما القسم الثاني: وهو ما وقع بعد وفاته ﷺ فكثير جدًّا؛ إذ في كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى, كالاستغاثة به, وغير ذلك مما يأتي في المقصد الأخير، في أثناء الكلام على زيارة قبره المنير.
وأما القسم الثالث: وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته, فكالنور الذي خرج معه حتى استضاء له قصور الشام وأسواقها، حتى ريئت له أعناق الإبل ببصرى, ومسح الطائر على فؤاد أمه حتى لم تجد ألمًا لولادته، والطواف به في الآفاق، إلى غير ذلك, وكانشقاق القمر عند اقتراحه عليه، وانضمام الشجرتين لما دعاهما إليه، وكإطعام الجيش الكثير من النزر اليسير، في عدة من المواضع واستيلاء الفجائع، غير ذلك مما أمدَّه الله به من المعجزات, وأكرمه به من خوراق العادات، تأييدًا..............
لإقامة حجته، وتمهيدًا لهداية محجته، وتأبيدًا لسيادته في كل أمة، وتسديدًا لمن ادَّكر بعد أمة، مما تتبعه يخرج عن مقصود الاختصار؛ إذ هو باب فسيح المجال منيع المنال، لكنِّي أنبِّه من ذلك على نبذة يسيرة، وأنوه في أثنائها بجملة خطيرة. فأقول وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. أمَّا معجزة انشقاق القمر، فقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] ................................................................
والمراد: وقوع انشقاقه بالفعل، ويؤيد قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: ﴿انْشَقَّ﴾ , وقوع انشقاقه؛ لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة, فإذا تبيِّن أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا تبين وقوع الانشقاق, وأنه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر، وسيأتي ذلك صريحًا في حديث ابن مسعود وغيره.
واعلم أن القمر لم ينشقّ لغير نبينا ﷺ, وهو من أمهات معجزاته ﵇, وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجله ﷺ، فإن كفَّار قريش لما كذبوه ولم يصدقوه, طلبوا منه أيةً تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله هذه الآية العظيمة، التي لا قدرة للبشر على إيجادها، دلالة على صدقه ﵇ في دعواه الوحدانية لله تعالى، وأنَّه منفرد بالربوبية، وأن هذه الآلهة التي يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضر، وأن العبادة إنما تكون لله وحده لا شريك له.
في دعواه الوحدانية لله تعالى، وأنَّه منفرد بالربوبية، وأن هذه الآلهة التي يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضر، وأن العبادة إنما تكون لله وحده لا شريك له.
قال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة، لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماوات خارجًا عن جملة طباع ما في هذا العالم المركّب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر. انتهى. وقال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث -يعني حديث انشقاق القمر- جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير إلى أن انتهى إلينا. وتأيد بالآية الكريمة. انتهى. وقال العلامة بن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب: والصحيح عندي أنَّ انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه في القرآن، مروي في الصحيحين وغيرهما من طرقٍ من حديث شعبة عن سليمان بن مهران...........................................
عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود، ثم قال: وله طرق أخرى شتَّى، بحيث لا يمترى في تواتره. انتهى. وقد جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة منهم: أنس، وابن مسعود، وابن عباس، وعلي، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وغيرهم. فأمَّا أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك؛ لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد، وأمَّا أنس فكان ابن أربع أو خمس سنين بالمدينة، وأمَّا غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك. ففي الصحيحين: من حديث أنس ﵁: إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية،.....................................................
فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما, وقوله: شقتين -بكسر الشين المعجمة, أي: نصفين. ومن حديث ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة فوقه الجبل، وفرقة دونه, فقال رسول الله ﷺ: "اشهدوا". وفي الترمذي من حديث ابن عمر، في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة فوقه الجبل، وفرقة دونه, فقال رسول الله ﷺ: "اشهدوا". وفي الترمذي من حديث ابن عمر، في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ، انشق فلقتين: فلقة دون الجبل، وفلقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ: "اشهدوا". وعند الإمام أحمد، من حديث جبير بن مطعم قال: انشقَّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس. وعن عبد الله بن مسعود قال: انشقَّ القمر على عهد رسول الله ﷺ، فقال كفار قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة،..............................................
قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فأخبروهم بذلك. رواه أبو داود الطيالسي. ورواه البيهقي بلفظ: انشقَّ القمر بمكة فقالوا: سحركم ابن أبي كبشة، فسلوا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق, فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلها, وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم فهو سحر، فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه. وعند أبي نعيم في الدلائل من وجه ضعيف عن ابن عباس قال: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ, منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل, والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث ونظراؤهم, فقالوا للنبي ﷺ: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق.
وعند البخاري مختصرًا من حديث ابن عباس بلفظ: إن القمر انشقَّ على عهد رسول الله ﷺ، وابن عباس, وإن كان لم يشاهد القصة كما قدمته، ففي بعض طرقه أنه حمل الحديث عن ابن مسعود. وعند مسلم من حديث سعيد عن قتادة بلفظ فأراهم انشقاق القمر مرتين. وكذا في مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ مرتين أيضًا. واتَّفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ: فرقتين، كما في حديث جبير عند أحمد.
وفي حديث ابن عمر فلقتين -باللام- كما قدمته، وفي لفظ في حديث جبير: فانشق باثنتين، وفي رواية عن ابن عباس عند أبي نعيم في الدلائل: فصار قمرين. ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: وانشقَّ القمر مرتين بالإجماع. قال الحافظ بن حجر: وأظن قوله: "بالإجماع" يتعلق بـ "انشقّ" لا بـ "مرتين"، فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ.
ولعل قائل "مرتين" أراد فرقتين, وهذا الذي لا يتجه غيره جمعًا بين الروايات. وقد وقع في رواية البخاري من حديث ابن مسعود: ونحن بمنَى، وهذا لا يعارض قول أنس: إن ذلك كان بمكة؛ لأنه لم يصرّح بأنه ﷺ كان ليلتئذ بمكة. فالمراد أن الانشقاق كان وهُمْ بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة. والله أعلم.
لا يعارض قول أنس: إن ذلك كان بمكة؛ لأنه لم يصرّح بأنه ﷺ كان ليلتئذ بمكة. فالمراد أن الانشقاق كان وهُمْ بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة. والله أعلم.
وقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة، كجمهور الفلاسفة، متمسكين بأن الأجرام العلوية لملاستها لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوه في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء إلى غير ذلك. وجواب هؤلاء إن كانوا كفارًا أن يناظروا أولًا على ثبوت دين الإسلام، فإذا تمت اشتركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض لزم التناقض، لا سبيل له إلى إنكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في يوم القيامة، وإذا ثبت هذا استلزم أيضًا وقوع ذلك معجزة لنبي الله ﷺ.
وقد أجاب عن ذلك القدماء من العلماء، فقال الزجاج في "معاني القرآن": أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر مخلوق, لله أن يفعل فيه ما يشاء، كما يكوره يوم القيامة ويفنيه. انتهى. وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا النقل متواترًا واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص بها أهل مكة؛ لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعي متوفرة على رواية كل غريب، ونقل ما لم يعهد، ولو كان لذلك أصل لخلّد في كتاب التسيير والتنجيم؛ إذ يجوز إطباقهم على تركه وإغفاله, مع جلالة شأنه ووضوح أمره. فأجاب عنه الخطاب وغيره: بأنَّ هذه القصة خرجت عن الأمور التي ذكروها؛ لأنه شيء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلًا؛ لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فيه نيامًا ومستكنين في الأبنية،................................................
قع ليلًا؛ لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فيه نيامًا ومستكنين في الأبنية،................................................
والبارز منهم بالصحراء إذا كان يقظانًا يحتمل أن يتفق أنه كان مشغولًا في ذلك الوقت بما يلهيه من سمر وغيره. ومن المستبعد ان يقصدوا إلى مراكز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما تصدَّى لرؤيته من اقترح وقوعه، ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر، وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي تظهر لبعض الآفاق دون بعض، كما يكون ظاهر القوم غائبًا عن قوم، وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد أخرى. وقد أبدى الخطابي حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ منها شيء مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه كالقرءان بما حاصله: إن معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامَّة أعقبت هلاك من كذَّب به من....
قومه، والنبي ﷺ بعث رحمة للعاملين، فكانت معجزته التي تحدى بها عقلية، فاختص بها القوم الذي بعث منهم، لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الإفهام، ولو كان إدراكها عامًّا لعوجل من كذب به كما عوجل من قبلهم. انتهى. وكذا أجاب ابن عبد البر بنحوه.
تنبيه: ما يذكره بعض القصاص: أن القمر دخل في جيب النبي ﷺ, وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن كثير.
ردّ الشمس له "ﷺ ": وأما رد الشمس له ﷺ, فروي عن أسماء بنت عميس أن النبي ﷺ كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي ﵁،.......................
فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله ﷺ: أصليت يا علي؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس"، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت, ووقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر، رواه الطحاوي في مشكل الحديث، كما حكاه القاضي عياض في.........
الشفاء وقال: قال الطحاوي: إن أحمد بن صالح المصري كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوة. انتهى. قال بعضهم: هذا الحديث ليس بصحيح، وإن أوهم تخريج القاضي عياض له في الشفاء عن الطحاوي من طريقين, فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال: إنه موضوع بلا شك, وفي سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذّاب، كما قاله الدارقطني. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث. قال ابن الجوزي: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين, فذكره ثم قال: وهذا حديث باطل،............
قال: ومن تغفَّل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة، ولم يلمح عدم الفائدة فيها، وإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء، ورجوع الشمس لا يعيدها أداء. انتهى. وقد أفرد ابن تيمية تصنيفًا مفردًا في الرد على الروافض, ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع، والعجب من القاضي عياض مع جلاله قدره وعلوّ خطره...................
في علوم الحديث كيف سكت عنه موهمًا صحته، وناقلًا ثبوته، موثقًا رجاله. انتهى. وقال شيخنا: قال الإمام أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات. ولكن قد صحَّحه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وابن....................................................
ات. ولكن قد صحَّحه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وابن....................................................
مردويه من حديث أبي هريرة. انتهى. ورواه الطبراني في معجمه الكبير بإسناد حسن, كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب عن أسماء بنت عميس ولفظه: إن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل عليًّا في حاجة, فرجع وقد صلَّى النبي ﷺ العصر، فوضع ﷺ رأسه في حجر علي فنام، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال ﵊: "اللهم إن عبدك عليًّا احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه الشمس"، قالت أسماء: فطلعت عليه الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، وقام علي فتوضأ وصلَّى العصر ثم غابت, وذلك بالصهباء. وفي لفظ آخر: كان ﵊ إذا نزل عليه الوحي يغشى عليه، فأنزل عليه يومًا وهو في حجر علي،
فقال له النبي ﷺ: "صليت العصر؟ " قال: لا، يا رسول الله, فدعا الله فرد عليه الشمس حتَّى صلى العصر، قالت أسماء: فرأيت الشمس طلعت بعد ما غابت حين ردت حتى صلى العصر علي. قال: وروى الطبراني أيضًا في معجمه الأوسط بإسناد حسن عن جابر، أن رسول الله ﷺ أمر الشمس فتأخَّرت ساعة من نهار. وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن ابن إسحاق، مما ذكره القاضي عياض: لما أسري بالنبي ﷺ, وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير، قالوا: متى تجيء؟ قال: "يوم الأربعاء"................................................
فلمَّا كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون، وقد ولَّى النهار ولم تجئ، فدعا رسول الله ﷺ, فزيد له في النهار ساعة, وحبست عليه الشمس. وهذا يعارضه ما في الحديث الصحيح: لم تحبس الشمس على أحد إلّا ليوشع بن نون،.......
لم تجئ، فدعا رسول الله ﷺ, فزيد له في النهار ساعة, وحبست عليه الشمس. وهذا يعارضه ما في الحديث الصحيح: لم تحبس الشمس على أحد إلّا ليوشع بن نون،.......
يعني: حين قاتل الجبارين يوم الجمعة, فلمَّا أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم, ويدخل السبت فلا يحلّ لهم قتالهم فيه، فدعا فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم. قال الحافظ بن كثير فيه: إن هذا كان من خصائص يوشع، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلَّى علي بن أبي طالب العصر، وقد صحَّحه أحمد بن صالح المصري، ولكنه منكر، ليس في شيء من الصحاح والحسان، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله، وتفرَّدت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها. انتهى.
ويحتمل الجمع بأن المعنى: لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلّا ليوشع بن نون. وكذا روى حبس الشمس لنبينا محمد ﷺ أيضًا يوم الخندق، حين شغل عن صلاة العصر، فيكون حبس الشمس مخصوصًا بنبينا وبيوشع، كما ذكره القاضي عياض في الإكمال، وعزاه لمشكل الآثار، ونقله النووي في شرح مسلم في باب حلّ الغنائم عن عياض، وكذا نقله الحافظ بن حجر في باب الأذان من تخريج أحاديث الرافعي, ومغلطاي في الزهر الباسم، وأقروه. وتعقب: بأن الثابت في الصحيح وغيره: أنه ﷺ صلى العصر في وقعة الخندق بعد ما غربت الشمس. كما سبق في غزوتها. وذكر البغوي في تفسيره:.................................................
إنها حبست لسليمان ﵇؛ لقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] . ونوزع فيه بعدم ذكر الشمس في الآية، فالمراد: الصافنات الجياد والله أعلم. قال القاضي عياض: واختلف في حبس الشمس المذكور هنا، فقيل: ردت على أدراجها, وقيل: وقفت ولم ترد، وقيل: بطء حركتها. قال: وكل ذلك من معجزات النبوة. انتهى.
تسبيح الطعام والحصى في كفِّه الشريف "ﷺ ": وأمَّا ما روي من طاعات الجمادات وتكليمها له بالتسبيح والسلام ونحو ذلك مما وردت به الأخبار، فمنها تسبيح الطعام والحصا في كفة الشريف ﷺ. فخرج محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات قال: أخبرنا أبو اليمان قال: أنبأنا شعيب عن الزهري قال: ذكر الوليد بن سويد أن رجلًا من بني سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة: عن أبي ذر قال: هجرت.............................................
يومًا من الأيام, فإذا النبي ﷺ قد خرج من بيته, فسألته عنه الخادم, فأخبرني أنه ببيت عائشة، فأتيته وهو جالس ليس عنده أحد من الناس، وكأنِّي حينئذ أرى أنه في وحي، فسلمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: "ما جاء بك" , قلت: جاءني الله ورسوله، فأمرني أن أجلس, فجلست إلى جنبه، لا أسأله عن شيء ولا يذكره لي، فمكثت غير كثير، فجاء أبو بكر يمشي مسرعًا فسلّم عليه، فردَّ ﵇، ثم قال: "ما جاء بك؟ " قال: قلت: جاء بي الله ورسوله، فأشار بيده أن أجلس، فجلس إلى ربوة مقابل النبي ﷺ, ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك، وقال له رسول الله ﷺ مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبي بكر, ثم جاء عثمان كذلك, وجلس إلى جنب عمر، ثم قبض رسول الله ﷺ على حصيات سبع أو تسع أو ما قرب من ذلك، فسبحن في يده، حتى سمع لهنّ حنين كحنين النحل....................................
ى جنب عمر، ثم قبض رسول الله ﷺ على حصيات سبع أو تسع أو ما قرب من ذلك، فسبحن في يده، حتى سمع لهنّ حنين كحنين النحل....................................
في كف رسول الله ﷺ, ثم وضعهنَّ وناولهنَّ أبا بكر، وجاوزني، فسبَّحن في كف أبي بكر، ثم أخذهن منه فوضعهن في الأرض, فخرسن وصرن حصى، ثم ناولهنَّ عمر، فسبحن في كفه، كما سبَّحن في كف أبي بكر", وناولهن عثمان فسبحن في كفه، كنحو ما سبَّحن في كف أبي بكر وعمر، ثم أخذهنَّ فوضعهن في الأرض فخرسن. وقال الحافظ بن حجر: قد اشتهر على الألسنة تسبيح الحصى. ففي حديث أبي ذر: تناول النبي ﷺ سبع حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينًا، ثم وضعهن في يد أبي بكر فسبحن، ثم وضعهن في يد عمر فسبحن، ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن. أخرجه البزار، والطبراني في الأوسط.
وفي رواية الطبراني: فسمع تسبيحهنَّ من في الحلقة، ثم دفعهنَّ إلينا فلم يسبحن مع أحد منَّا، قال البيهقي في "الدلائل": كذا رواه صالح بن أبي الأخضر, ولم يكن بالحافظ, عن الزهري عن سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذر. والمحفوظ ما رواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: ذكر الوليد بن سويد أن رجلًا من بني سليم كان كبير السن. انتهى.
وليس لحديث تسبح الحصى إلّا هذه الطريق مع ضعفها، لكنه مشهور عند الناس. وما أحسن قول سيدي محمد وفي: لسبحة ذاك الوجه قد سبح الحصا ... ومن سخ سحب الكف قد سبح الرعد وقول الآخر: يا حبدا لو لثمت كفًّا ... قد سبحت وسطها الحصاء وقد أخرج البخاري من حديث ابن مسعود:....................
كنَّا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: مرض النبي ﷺ, فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب فأكل منه النبي ﷺ فسبح. رواه القاضي عياض في "الشفاء"............
يح الطعام. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: مرض النبي ﷺ, فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب فأكل منه النبي ﷺ فسبح. رواه القاضي عياض في "الشفاء"............
ونقله عنه الحافظ أبو الفضل في فتح الباري. واعلم أن التسبيح من قبيل الألفاظ الدالة على معنى التنزيه, واللفظ يوجد حقيقة ممن قام به اللفظ، فيكون في غير من قام به مجازًا، فالطعام والحصا والشجر ونحو ذلك، كلّ منهما متكلم باعتبار خلق الكلام فيها حقيقة، وهذا من قبيل خرق العادة. وفي قوله: "ونحن نسمع تسبيحة" تصريح بكرامة الصحابة بسماع هذا التسبيح وفهمه, وذلك ببركته ﷺ. ومن ذلك تسليم الحجر عليه ﷺ:.....................................
خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن". وقد اختلف في هذا الحجر، فقيل: هو في الحجر الأسود، وقيل: هو حجر غيره بزقاق يعرف به بمكة، والناس يتبركون بلمسه، ويقولون: إنه هو الذي كان يسلّم على النبي ﷺ متى اجتاز به. وقد ذكر الإمام أبو عبد الله، محمد بن رشيد -بضم الراء- في رحلته..................
مما ذكره في "شفاء الغرام" عن علم الدين أحمد بن أبي بكر بن خليل قال: أخبرني عمّي سليمان قال: أخبرني محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف، قال: أخبرني أبو حفص الميانشي قال: أخبرني كلّ من لقيته بمكة أن هذا الحجر -يعني المذكور- هو الذي كلّم النبي ﷺ. وروى الترمذي والدارمي والحاكم وصحّحه، عن علي بن أبي طالب قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بمكة, فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا حجر إلّا قال: السلام عليك يا رسول الله.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "لما استقبلني جبريل بالرسالة جعلت لا أمرُّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله ". رواه البزار وأبو نعيم. وعن جابر بن عبد الله قال: لم يكن النبي ﷺ يمر بحجر ولا شجر إلّا سجد له. رواه. ومن ذلك: تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه ﵊، عن أبي أسيد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب: "يا أبا الفضل،......
لا ترم منزلك أنت وبنوك غدًا حتى آتيكم، فإن لي فيكم حاجة" , فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال: "السلام عليكم"، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: "كيف أصبحتم؟ " قالوا: أصبحنا بخير بحمد الله تعالى، فقال لهم: "تقاربوا"، فتقاربوا يزحف بعضهم إلى بعض حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته, فقال: "يارب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه"، قال: فأمَّنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين. رواه البيهقي في الدلائل وابن ماجه مختصرًا. ومن ذلك كلامه....................................................................
للجبل وكلام الجبل له ﷺ، عن أنس قال: صعد النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان أحدًا، فرجف بهم، فضربه النبي ﷺ برجله وقال: "اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان". رواه أحمد والبخاري والترمذي وأبو حاتم. قال ابن المنير: قيل: الحكمة في ذلك أنه لما رجف أراد الرسول ﷺ أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى..........................
لما حرَّفوا الكلم، وإن تلك رجفة الغضب، وهذه هزة الطرب، ولهذا نص على مقام النبوة والصديقية والشهادة التي توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانه، فأقرَّ الجبل بذلك فاستقرَّ، انتهى. وأحد: جبل بالمدينة، وهو الذي قال فيه: "أحد جبل يحبنا ونحبه"، رواه البخاري ومسلم. واختلف في المراد بذلك، فقيل: أراد به أهل المدينة..............................
المدينة، وهو الذي قال فيه: "أحد جبل يحبنا ونحبه"، رواه البخاري ومسلم. واختلف في المراد بذلك، فقيل: أراد به أهل المدينة..............................
كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها، قاله الخطابي، وقال البغوي فيما حكاه الحافظ المنذري: الأولى إجراؤه على ظاهره، ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء، وأهل الطاعة، كما حنت الأسطوانة على مفارقته ﷺ حتى سمع الناس حنينها إلى أن سكنها، وكما أخبر أن حجرًا كان يسلم عليه قبل الوحي، فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبه وتحن إلى لقائه حال مفارقته أيها. انتهى. وقال الحافظ المنذري: هذا الذي قاله البغوي جيد. وعن ثمامة....................................
عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة، ومعه أبو بكر وعمر وأنا, فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، فركضه برجله وقال: "اسكن ثبير, فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" خرَّجه النسائي والترمذي والدارقطني. والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل. وركضه برجله: أي: ضربه بها. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال ﷺ: "اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد".
وفي رواية: وسعد بن أبي وقاص، ولم يذكر عليًّا. خرجهما مسلم وانفرد بذلك. وخرّجه الترمذي في مناقب عثمان، ولم يذكر "سعدًا", وقال: "اهدأ" مكان "اسكن" وقال: حديث صحيح. وخرجه الترمذي أيضًا عن سعيد بن زيد, وذكر أنه كان عليه العشرة إلّا أبا عبيدة، وقال: اثبت حراء. وكذا رواه الخلعي عنه بنحوه، ولم يذكر أبا عبيدة بن الجراح. ورواه أيضًا إسحاق البغدادي في ما رواه الكبار عن الصغار، والآباء عن الأبناء، ولله در..........................
ه بنحوه، ولم يذكر أبا عبيدة بن الجراح. ورواه أيضًا إسحاق البغدادي في ما رواه الكبار عن الصغار، والآباء عن الأبناء، ولله در..........................
القائل: ومال حراء تحته فرحًا به ... فلولا مقال "اسكن" تضعضع وانقضى وحراء وثبير: جبلان متقابلان معروفان بمكة. واختلاف الروايات يحمل على أنها قضايا تكررت. قاله الطبري وغيره. لكن صحح الحافظ ابن حجر: أنه "أحد" قال: ولولا اتحاد المخرج لجوزت تعدد القصة، ثم ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيد، فإني وجدته في مسند الحارث بن أبي أسامة عن روح بن عبادة فقال فيه: "أحد" بالشك. وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة بلفظ: حراء, وإسناده صحيح. وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ "أحد", وإسناده صحيح, فقوي احتمال تعدد القصة.
وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ما يؤيد تعدد القصة، فذكر أنه كان على حراء, ومعه الجماعة المذكورون هنا, وزاد معهم غيرهم. ولما طلبته ﵊ قريش, قال له ثيبر: اهبط يا رسول الله إني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله تعالى، فقال له حراء: إليَّ يا رسول الله. رواه في "الشفاء" وهو حديث مروي في الهجرة من السير. وحراء مقابل لثبير، والوادي بينهما، وهو على يسار السالك إلى مني، وحراء قبلي قبير مما يلي شمال الشمس. وهذه الواقعة غير واقعة ثور في خبر الهجرة. هذا هو الظاهر والله أعلم.
قال السهيلي في حديث الهجرة: وأحسب في الحديث أن ثورًا ناداه أيضًا: إليَّ يا رسول الله، لما قال له ثبير: اهبط عني.
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له, وشهادتها له بالرسالة "ﷺ ": ومن ذلك كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له، وشهادتها له بالرسالة ﷺ. أخرج البزار وأبو نعيم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "لما أوحى إلي جعلت لا أمرّ بحجر ولا شجر إلّا قال: السلام عليك يا رسول الله".
وخرَّج الإمام أحمد عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر، قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ ذات يوم وهو جالس حزين، قد خضّب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، فقال له: ما لك؟ فقال رسول الله ﷺ: "فعل بي هؤلاء وفعلوا"، فقال له جبريل: اتحب أن أريك آية، فقال: "نعم". فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع تلك الشجرة فدعاها، قال: فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، فقال: مرها..................
فلترجع إلى مكانها, فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال ﷺ: "حسبي حسبي"، ورواه الدارمي من حديث أنس. وعن عليّ قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها, فما استقبله جبل ولا شجر إلّا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وخرج الحاكم في مستدركه بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأقبل أعرابي، فلمَّا دنا منه, قال له رسول الله ﷺ: "أين تريد؟ " قال: إلى أهلي،...................................................................
قال: "هل لك إلى خير"، قال: وما هو؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله"، قال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ قال رسول الله ﷺ: "هذه الشجرة" , فدعاها رسول الله ﷺ, وهي على شاطيء الوادي, فأقبلت تخدّ الأرض خدًّا، فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت، ثم رجعت إلى منبتها. الحديث رواه الدارمي........
ا رسول الله ﷺ, وهي على شاطيء الوادي, فأقبلت تخدّ الأرض خدًّا، فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت، ثم رجعت إلى منبتها. الحديث رواه الدارمي........
أيضا بنحوه. وقوله: تخد الأرض -بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة- أي: تشق الأرض. وعن بريدة: سأل أعرابي النبي ﷺ آية، فقال له: "قل لتلك الشجرة رسول الله ﷺ يدعوك"، قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها، وبين يديها وخلفها، فتقطعت عروقها.........................................................
ثم جاءت تخد الأرض, تجر عروقها مغيرة حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال الأعرابي: مرها فلترجع إلى منبتها، فرجعت, فدلت عرقوها في ذلك الموضع فاستقرّت, فقال الأعرابي: ائذن لي أن أسجد لك، قال: "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". رواه البزار في الشفاء. وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: بم أعرف
أنك رسول الله؟ قال: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة، أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ، ثم قال: ارجع فعاد، فأسلم الأعرابي، رواه الترمذي وصحَّحه. وفي حديث يعلى ابن مره الثقفي: ثم سرنا نزلنا منزلنا، فنام النبي ﷺ فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته. ..........................................
ثم رجعت إلى مكانها، فلمَّا استيقظ رسول الله ﷺ, ذكرت له، فقال: "شجرة استأذنت ربها في أن تسلم علي فأذن لها". الحديث رواه البغوي في شرح السنة. وفي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديًا أفيح، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله ﷺ, فلم ير شيئًا يستتر به، فإذا شجرتان في شاطيء الوادي, فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما, فأخذ بغصنٍ من أغصانها فقال: "انقادي عليّ بإذن الله تعالى" فانقادت معه كالعبير المخشوش...........................
دي, فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما, فأخذ بغصنٍ من أغصانها فقال: "انقادي عليّ بإذن الله تعالى" فانقادت معه كالعبير المخشوش...........................
الذي يصانع قائدة، ثم فعل بالأخرى كذلك، حتى إذا كان بالمصنف بينهما قال: "التئما علي بإذن الله" فالتأمتا. الحديث رواه مسلم. والمنصف -بفتح الميم: الموضع الوسط بين الموضعين. والتلاؤم: الاجتماع. ولله در الأبو صيري حيث قال: جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشي إليه على ساق بلا قدم كأنما سطرًا لما كتبت ... فروعها من بديع الخط في اللقم
فشبَّه آثار مشي الشجرة لما جاءت إليه ﷺ بكتابة كاتب أوقعها على نسبة معلومة في أسطر منظومة. وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره ﷺ حتى تخر ساجدة بين يديه، فنحن أَوْلَى بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه, زاده الله شرفًا وكرمًا لديه. وتأمَّل قول الأعرابي: "ائذن لي أن أسجد لك" لما رأى من سجود الشجرة، فرأى أنه أحرى بذلك، حتى أعلمه ﵊ أن ذلك لا يكون إلّا لله، فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود المعبود، ويقوم على ساق العبودية، وإن لم يكن له قدم كما قامت شجرة.
حنين الجذع شوقًا إليه "ﷺ ": ومن ذلك: حنين الجذع شوقًا إليه ﷺ: اعلم أن "الحنين" مصدر مضاف إلى الفاعل، والمراد: شوقه وانعطافه إلى النبي ﷺ، والذي في الأحاديث المسوقة هنا أنه صوت، ولعلّ المراد منه الدلالة على الشوق، أي: الصوت الدال على شوقه إلى رسول الله ﷺ. والجذع: واحد جذوع النخل، وهو بالذال المعجمة. وقد روي حديث حنين الجذع عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة تفيد القطع بوقوع ذلك.
قال العلامة التاج بن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب: والصحيح عندي أن حنين الجذع متواتر: رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر. ورواه أحمد من رواية أبي جناب عن أبيه عن ابن عمر. ورواه ابن ماجه وأبو يعلى الموصلي وغيرهما من رواية حمَّاد بن سلمة، عن ثابت عن أنس، وإسناده على شرط مسلم. ورواه الترمذي وصحَّحه أبو يعلى وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصحَّحه وقال: على شرط مسلم، يلزمه إخراجه من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة
عن أنس. ورواه الطبراني من رواية الحسن عن أنس. ورواه أحمد بن منيع والطبراني وغيرهما، من رواية حمَّاد بن سلمة عن عمَّار بن أبي عامر عن ابن عباس. ورواه أحمد والدارمي وأبو يعلى وابن ماجه وغيرهم من رواية الطفيل بن أبي كعب عن أبيه. ورواه الدارمي من رواية أبي حازم عن سهل بن سعد. ورواه أبو محمد الجوهري من رواية عبد العزيز أبي رواد عن نافع تميم الدارمي. ثم قال: ولست أدعى أن التواتر حاصل بما عددت من الطرق، بل من طرق أخرى كثيرة يجدها المحدث.......................................................
دارمي. ثم قال: ولست أدعى أن التواتر حاصل بما عددت من الطرق، بل من طرق أخرى كثيرة يجدها المحدث.......................................................
ضمن المسانيد والأجزاء وغيرهما، وإنما ذكرت في المشاهد منها أو في بعضها، وربَّ متواتر عن قوم غير عند آخرين. انتهى. وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري: حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كلّ منهما نقلًا مستفيضًا يفيد القطع عند من يطّلع على طرق الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك، والله أعلم، انتهى. وقال البيهقي: قصه حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، انتهى. وهذه الآية من أكبر الآيات والمعجزات الدالة على نبوة نبينا ﷺ. قال الشافعي -فيما نقله ابن أبي حاتم عنه، في مناقبه: ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى نبينا محمدًا، فقيل له: أعطى عيسى إحياء الموتي، قال: أعطى محمدًا حنين الجذع حتى سمع صوته، فهو أكبر من ذلك.
وقال القاضي عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم: أُبَيّ بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري, وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة, انتهى. فأمَّا حديث أُبَيّ بن كعب فرواه الشافعي، في مسنده وابن ماجه والدارمي وأحمد وأبو يعلى كما سبق قريبًا، والبيهقي كلهم من حديث الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ مستندًا إلى جذع إذ كان المسجد عريشًا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه:.......................
هل لك أن نجعل لك منبرًا تقوم عليه يوم الجمعة، ويسمع الناس خطبتك؟ قال: "نعم"، فصنع له ثلاث درجات، هي التي على المنبر،.........................................
نجعل لك منبرًا تقوم عليه يوم الجمعة، ويسمع الناس خطبتك؟ قال: "نعم"، فصنع له ثلاث درجات، هي التي على المنبر،.........................................
فلمَّا صنع وضعه رسول الله ﷺ موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدا لرسول الله ﷺ أن يخطب عليه، تجاوز الجذع الذي كان يخطب عليه خار حتى تصدّع وانشقّ، فنزل رسول الله ﷺ لما سمع صوت الجذع, فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، الحديث. وأما حديث جابر فرواه البخاري من طرق، وفي لفظ له: إن رسول الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل من الأنصار: ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: "إن شئتم" , فجعلوا له منبرًا, كان يوم الجمعة
رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة, فنزل رسول الله ﷺ, فضمَّها إليه, فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها". وفي لفظ: قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفًا على جذوع نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلمَّا صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار - وهو بكسر العين المهملة: النوق الحوامل. وفي حديث أبي الزبير....................................
عن جابر -عند النسائي في الكبرى: اضَّطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج. انتهى. والخلوج -بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام الخفيفة وآخره جيم: الناقة التي انتزع منها ولدها. والحنين: هو صوت المتألم المشتاق عند الفراق. وإنما يشتاق إلى بركة رسول الله, ويأسف على مفارقته أعقل العقلاء. والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعي الحياة، وهذا يدل على أن الله ﷿ خلق فيه الحياة والعقل والشوق, ولهذا حنَّ وأنَّ. فإن قلت: مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري:...................................
إن الأصوات لا يستلزم خلقها في المحل خلق الحياة ولا العقل. أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة، إلّا أنَّ الشوق إلى الحق شوقًا معنويًّا عقليًّا لا طبيعيًّا بهيميًّا. ومذهب الشيخ أبي الحسن أن الذكر المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام العلم لها. وقد بينَّا أن هذه المعاني وجدت في الجذع، وأطلق الحاضرون على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر وإلى مقام الحبيب عنده، وقد عامله النبي ﷺ هذه المعاملة، فالتزمه كما يلتزم الغائب أهله وأعزته يبرد غليل شوقهم إليه وأسفهم عليه، ولله در القائل: وحنَّ إليه الجذع شوقًا ورِقَّةً ... ورجع صوتًا كالعشار مرددا فبادره ضمًّا فقَرَّ لوقته ... لكل امرئ من دهره ما تعوّدا
وأما حديث أنس، فرواه أبو يعلى الموصلي بلفظ: إن رسول الله ﷺ كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئًا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع منبرًا له درجتان, ويقعد على الثالثة، فلمَّا قعد رسول الله ﷺ على المنبر جأر الجذع كجؤار الثور، وارتجَّ المسجد لجؤاره حزنًا على رسول الله ﷺ, فنزل إليه رسول الله ﷺ على المنبر فالتزمه وهو يخور، فلمَّا التزمه.....
سكت, ثم قال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزنًا على رسول الله ﷺ "، فأمر به ﷺ فدفن. ورواه الترمذي وقال: صحيح غريب. وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن عن أنس ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلمَّا كثر الناس قال: "ابنوا لي منبرًا"، أراد أن يسمعهم،......................................................
فبنوا له عتبتين، فتحوّل من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحنّ كحنين الواله، قال: فما زالت تحنّ حتى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر فمشي إليها, فاحتضنها فسكتت. ورواه أبو القاسم البغوي وزاد فيه: فكان الحسن إذا حدَّث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله, الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.
ه: فكان الحسن إذا حدَّث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله, الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.
ولله در القائل: وألقى حتى في الجمادات حبه ... فكانت لإهداء السلام له تهدى وفارق جذعا كان يخطب عنده ... فأن أنين الأم إذا تجد الفقدا يحن إليه الجذع يا قوم هكذا ... أما نحن أولى أن نحن له وجدا إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة ... فليس وفاء أن نطيق له بعدا وأما حديث سهل بن سعد، ففي الصحيحين من طرق. وأما حديث ابن عباس فعند الإمام أحمد بإسناد على شرط مسلم، ورواه ابن ماجه. وأما حديث ابن عمر، ففي البخاري. وأما حديث أبي سعيد الخدري، فعند عبد بن حميد.
وأمَّا حديث عائشة، فعند البيهقي وفي آخره: أنه ﷺ خَيّرَ الجذع بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة. وأما حديث بريدة، فعند الدارمي وفيه: أن النبي ﷺ قال له حين حَنَّ: "إن شئت أن أردَّك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك؟ " ثم أصغى له النبي ﷺ يستمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله, وأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي ﷺ: "قد فعلت"، ثم قال: اختار دار البقاء على دار الفناء.
وأما حديث أم سلمة، فعند أبي نعيم في الدلائل. والقصة واحدة، وما في ألفاظها مما ظاهره التغاير هو من الرواة. وعند التحقيق يرجع إلى معنى واحد، فلا نطيل بذكر ذلك, والله أعلم.
سجود الجمل وشكواه إليه "ﷺ ": وأما كلام الحيوانات وطاعتها له ﷺ. فمنها: سجود الجمل وشكواه إليه ﷺ. عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره،..............



