— Bagian 19 · له ﷺ. —
Bagian 19
له ﷺ. فمنها: سجود الجمل وشكواه إليه ﷺ. عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره،..............
وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا"، فقاموا فدخل الحائط، والجمل في ناحية فمشى رسول الله ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب الكَلِب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال رسول الله ﷺ: "ليس علي منه بأس"، فلما نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتى خَرَّ ساجدًا بين يديه، فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذل ما كان قط،......................................
حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك, ونحن نعقل فنحن أحق بالسجود لك، فقال رسول الله ﷺ: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظيم حقه عليها"، رواه أحمد والنسائي بإسناد جيد. والحائط: هو البستان. وقوله: نسني -بالنون والسين المهملة- أي: نسقي عليه.
وفي حديث يعلي بن مرة الثقفي: بينما نحن نسير مع النبي ﷺ؛ إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلمَّا رآه البعير جرجر، فوضع جرانه، فوقف عليه النبي ﷺ فقال: أين صاحب هذا البعير، فجاءه، فقال: "بعنيه"، فقال: بل نهبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال: "أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شكا كثرة العمل، وقلة العلف، فأحسنوا إليه"، رواه البغوي في شرح السنة. والجران -بكسر الجيم، قال ابن فارس: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره. وروى الإمام أحمد قصة أخرى نحو ما تقدَّم من حديث جابر ضعيفة السند، والبيهقي بإسناد جيد.
وكذا روى الطبراني قصة أخرى عن عكرمة عن ابن عباس: لكن بإسناد ضعيف، والإمام أحمد أيضًا من حديث يعلى بن مرة.
وأخرج ابن شاهين في الدلائل عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه, فأسَرَّ إليَّ حديثًا لا أحدّث به أحدًا من الناس، قال: وكان أحب ما استتر به النبي ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل، فدخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل, فلمَّا رأى الجمل النبي ﷺ حنَّ فذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه، وفي رواية فسكن، ثم قال: "مَنْ رَبُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ " فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه"، قال في المصابيح: وهو حديث صحيح، قال: ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل......................
عن مهدي بن ميمون. والحائش -بالحاء المهملة والشين المعجمة ممدودًا: هو جماعة النخل، لا واحد له من لفظه. وقوله: ذفراه تأنيث ذفر، بكسر الذال المعجمة مقصور، وهو الموضع الذي يعرق من قفا البعير عند أذنه. ومنها: سجود الغنم له ﷺ، عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله ﷺ حائطًا لأنصاري ومعه أبو بكر وعمر ورجل من الأنصار، وفي الحائط غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن أحقّ بالسجود لك من الغنم، فقال رسول الله ﷺ لا ينبغي لأحد بأن يسجد لأحد. ...............................
نم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن أحقّ بالسجود لك من الغنم، فقال رسول الله ﷺ لا ينبغي لأحد بأن يسجد لأحد. ...............................
رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتاب دلائل النبوة له بإسناد ضعيف. وذكره القاضي عياض في الشفاء, وذكر أيضًا عن جابر بن عبد الله عن رجل أتى النبي ﷺ وآمن به وهو على بعض حصون خيبر، وكان في غنم يرعاها لهم، فقال: يا رسول الله، كيف لي بالغنم، قال: "احصب وجوهها, فإن الله سيؤدي عنك أمانتك, ويردها إلى أهلها"، ففعل فسارت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها.
كلام الذئب وشهادته له "ﷺ" بالرسالة: ومنها: قصة كلام الذئب وشهادته له ﷺ بالرسالة. اعلم أنه قد جاء حديث قصة كلام الذئب في عدة طرق من حديث أبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي سعيد الخدري. فأما حديث أبي سعيد، فرواه الإمام أحمد بإسناد جيد, ولفظه قال: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه, فأقعى الذئب على ذنب وقال: ألا تتقي الله؟ تنزع مني رزقًا ساقه الله إلي، فقال الراعي: يا عجبًا، ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك: محمد.......................................
بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ, فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج فقال للأعرابي: "أخبرهم" فأخبرهم.
وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو سعد الماليني والبيهقي, وأما حديث أنس فأخرجه أبو نعيم في الدلائل، وأما حديث أبي هريرة فرواه سعيد بن منصور في سننه قال: جاء الذئب فأقعى بين يدي النبي ﷺ, وجعل يبصبص بذنبه، فقال ﷺ: "هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئًا" , قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرًا ورماه به، فأدبر الذئب وله عواء، فقال ﷺ: "الذئب وما الذئب".
جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئًا" , قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرًا ورماه به، فأدبر الذئب وله عواء، فقال ﷺ: "الذئب وما الذئب".
وروى البغوي في شرح السنَّة وأحمد وأبو نعيم بسند صحيح عن أبي هريرة أيضًا قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منه شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تلٍّ واستثفر, وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته انتزعته مني, فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم، فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، ولا تتبعونه، قال: وكان الرجل يهوديًّا، فجاء إلى النبي ﷺ, فأخبره وأسلم, فصدَّقه النبي ثم قال ﷺ: "إنها أمارات بيني يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعد". قال القاضي عياض في الشفاء وفي بعض الطرق عن أبي هريرة: قال الذئب: أنت أعجب مني ,واقفًا على غنمك وتركت نبيًّا................................................
لم يبعث الله قط أعظم منه عنده قدرًا، وقد فتحت له أبواب الجنة وأشرف على أصحابه ينظرون قتالهم, وما بينك وبينه إلّا هذا الشِّعْب، فتصير في جنود الله. قال الراعي: من لي بغنمي؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى، فذكر قصته وإسلامه ووجوده النبي ﷺ يقاتل، فقال له النبي ﷺ: "عد إلى غنمك تجدها بوفرها، فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها". واستنفر -بالسين والمثناة ثم المثلثة فاء وآخره راء- كاستفعل، أي: جعل ذنبه بين رجليه كما يفعل الكلب. وقد روى ابن وهب مثل.......................................................
هذا أنه جرى لأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبيًا، فدخل الظبي الحرم, فانصرف الذئب عنه, فعجبا من ذلك, فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: واللات والعزّى، لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنّها خلوفًا - بضم الخاء المعجمة, أي: فاسدة متغيّرة، يعني: يقع الفساد والتغيّر في أهلها.
حديث الحمار: ومن ذلك حديث الحمار: أخرج ابن عساكر عن أبي منظور، قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر, أصاب حمارًا أسود، فكلّم رسول الله ﷺ الحمار، فكلمه الحمار، فقال له رسول الله ﷺ: "ما اسمك؟ " قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارًا كلهم لا يركبه إلّا نبي، وقد كنت أتوقعك أن تركبني، لم يبق من نسل جدي غيري, ولا من الأنبياء غيرك, وقد كنت قبلك لرجل يهودي, وكنت أتعثّر به عمدًا، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، فقال له النبي ﷺ: "فأنت يعفور،..............................................
فكان ﷺ يبعثه إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه, فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله، فلمَّا قُبِضَ رسول الله ﷺ, جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان فتردَّى فيها جزعًا على رسول الله ﷺ. ورواه أبو نعيم بنحوه من حديث معاذ بن جبل، لكن الحديث مطعون فيه، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وفي معجزاته ﵊ ما هو أعظم من كلام الحمار وغيره.
لله ﷺ. ورواه أبو نعيم بنحوه من حديث معاذ بن جبل، لكن الحديث مطعون فيه، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وفي معجزاته ﵊ ما هو أعظم من كلام الحمار وغيره.
ومن ذلك: من حديث الضب، وهو مشهور على الألسنة، ورواه البيهقي في أحاديث كثيرة، لكنه حديث غريب ضعيف. قال المزي: لا يصح إسنادًا ولا متنًا، وذكره القاضي عياض في الشفاء، وقد روي من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان في محفل من أصحابه؛ إذ جاءه أعرابي من بني سليم قد صاد ضبًّا جعله في كمّه؛ ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله، فلمَّا رأى الجماعة قال: من هذا؟ قالوا: نبي الله،
فأخرج الضب من كمه وقال: واللات والعزى لا آمن بك أو يؤمن هذا الضب. وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: "يا ضب"، فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعًا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: "من تعبد؟ " قال: الذي في السماء عرشه, وفي الأرض سلطانه, وفي البحر سبيله, وفي الجنة رحمته, وفي النار عقابه. قال: "فمن أنا؟ قال: رسول رب العالمين وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدَّقك وخاب من كذَّبك,
فأسلم الأعربي. الحديث بطوله, وهو مطعون فيه, وقيل: إنه موضوع. لكن معجزاته -عليه
الصلاة والسلام- فيها ما هو أبلغ من هذا, وليس فيه ما ينكر شرعًا, خصوصًا وقد رواه الأئمة, فنهايته الضعف لا الوضع، والله أعلم.
حديث الغزالة: ومن ذلك: حديث الغزالة: روى حديثها البيهقي من طرق، وضعَّفه جماعة من الأئمة، لكن له طرق يقوي بعضها بعضًا، وذكره القاضي عياض في الشفاء، ورواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد فيه مجاهيل، عن حبيب بن محصن عن أم سلمة ﵂ قالت: بينما رسول الله ﷺ في صحراء من الأرض إذا هاتف يهتف:
يا رسول الله, ثلاث مرات, فالتفت فإذا ظبية مشدودة في وثاق، وأعرابي منجدل في شملة نائم في الشمس، فقال: "ما حاجتك؟ " قالت: صادني هذا الأعرابي، ولي خشفان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، قال: "وتفعلين؟ " قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أعد, فأطلقها فذهبت ورجعت, فأوثقها النبي ﷺ, فانتبه الأعرابي وقال: يا رسول الله, ألك حاجة؟ قال: "تطلق هذه الظبية،
" قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أعد, فأطلقها فذهبت ورجعت, فأوثقها النبي ﷺ, فانتبه الأعرابي وقال: يا رسول الله, ألك حاجة؟ قال: "تطلق هذه الظبية،
فأطلقها, فخرجت تعدو في الصحراء فرحًا وهي تضرب برجليها الأرض وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وكذا رواه الطبراني بنحوه، وساق الحافظ المنذري حديثه في الترغيب والترهيب من باب الزكاة. ونقل شيخنا الحافظ أبو الخير السخاوي عن ابن كثير: أنه لا أصل له، وأن من نسبه إلى النبي ﷺ فقد كذب، ثم قال شيخنا: لكنه في الجملة وارد في عدة أحاديث يتقوى بعضها ببعض, أوردها شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر الحافظ في المجلس الحادي والستين من تخريج أحاديث المختصر, والله أعلم. انتهى.
وفي شرح مختصر ابن الحاجب للعلامة ابن السبكي، وتسبيح الحصى، رواه الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي ذر، وتسليم الغزالة رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني والبيهقي، في دلائل النبوة، ونحن نقول فيهما: إنهما لم يكونا متواترين, فلعلهما استغنا بنقل غيرهما، أو لعلهما تواترا إذ ذاك، انتهى.
طاعة داجن البيوت له "ﷺ ": من ذلك، داجن البيوت، وهو ما ألفها من الحيوان، كالطير والشاة وغيرهما، روى قاسم بن ثابت عن عائشة ﵂ قالت: كان عندنا داجن, فإذا كان عندنا رسول الله ﷺ قَرَّ وثبت مكانه، فلم يجئ ولم يذهب, وإذا خرج
رسول الله ﷺ جاء وذهب. وذكره القاضي عياض بسنده.
الفهرس: الصفحة الموضوع ٣ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وشرَّفه به من الأوصاف المرضية ١٢٩ الفصل الثالث: فيما تدعو ضرورته إليه من غذائه وملبسه ومنكحه, وما يحلق بذلك ٢٥٤ النوع الثاني: في لباسه وفراشه ٣٠١ صفة إزاره ﷺ ٣٠٥ لطيفة ٣١٢ فص خاتمه ﷺ ٣٣٠ نقش خاتمه ﵊ ٣٤٠ السراويل ٣٤٦ الخف ٣٤٦ نعله ﷺ ٣٥٩ فراشه ٣٦٦ النوع الثالث: في سيرته ﷺ في نكاحه ٣٩٠ النوع الرابع: في نومه ﵊ ٤٠٥ المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته ٤٨٤ رد الشمس له ﷺ ٤٩٥ تسبيح الطعام والحصى في كفه الشريف ﷺ ٥١٣ كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له, وشهادتها له بالرسالة ﷺ ٥٢٢ حنين الجذع شوقًا إليه ﷺ ٥٣٨ سجود الجمل وشكواه إليه -صلى الله عليه وسلم
الصفحة الموضوع ٥٤٥ كلام الذئب وشهادته له ﷺ بالرسالة ٥٥١ حديث الحمار ٥٥٧ حديث الغزالة ٥٦٠ طاعة داجن البيوت له -صلى الله عليه وسلم
المجلد السابع تابع المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ ... تابع المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته ﷽ "معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ": وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ، وهو أشرف المياه، فقال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه ﷺ في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي
ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا ﷺ، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى.
وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة، منهم: أنس وجابر وابن مسعود. فأما حديث أنس ففي الصحيحين قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء.
فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضئوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، وفي لفظ البخاري: كانوا ثمانين رجلا، وفي لفظ له: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلنا لأنس كم كنتم قال: كنا ثلاثمائة. قوله: "حتى توضئوا من عند آخرهم" قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان، أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، و"عند" بمعنى "في" لأن "عند" وإن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم. وقال التيمي: المعنى.
هم، و"عند" بمعنى "في" لأن "عند" وإن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم. وقال التيمي: المعنى.
توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، وقال النووي: "من" هنا بمعنى "إلى" وهي لغة، وتعقبه الكرماني بأنها شاذة، قال: ثم إن "إلى" لا يجوز أن تدخل على "عند" ويلزم عليه وعلى ما قاله التيمي أن لا يدخل الأخير، لكن ما قاله الكرماني من أن "إلى" لا تدخل على عند لا يلزم مثله في "من" إذا وقعت بمعنى "إلى" وعلى توجيه النووي يمكن أن يقال عند زائدة. قاله في فتح الباري. وروى هذا الحديث أيضًا عن أنس بن شاهين، ولفظه: قال أنس كنت مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول الله، عطشت دوابنا وإبلنا،
فقال: "هل من فضلة ماء". فجاء رجل في شن بشيء، فقال: "هاتوا صحفة". فصب الماء ثم وضع راحته في الماء، قال: فرأيتها تخلل عيونًا بين أصابعه، قال: فسقينا إبلنا ودوابنا وتزودنا، فقال: "أكفيتم"؟. قلنا: نعم يا رسول الله، فرفع يده فارتفع الماء. وأخرج البيهقي عن أنس أيضًا، قال: خرج النبي ﷺ إلى قباء فأتى من بعض بيوتهم بقدح صغير، فأدخل يده فلم يسعه القدح، فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم: "هلموا إلى الشراب". قال أنس: بصر عيني ينبع الماء من بين أصابعه فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا منه جميعًا. وأما حديث جابر: ففي الصحيحين، قال: عطش الناس يوم الحديبية، وكان رسول الله ﷺ بين
يديه ركوة يتوضأ منها، وجهش الناس نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا ماء نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور من بين أصابعه، كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. وقوله: "يثور"
أي يغلي ويظهر متدفقًا. وفي رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه في حديث مسلم الطويل في ذكره غزوة بواط، قال لي رسول الله ﷺ: "ناد: الوضوء". وذكر الحديث بطوله، أنه لم يجد إلا قطرة في عزلاء شجب
بن عبادة بن الصامت عنه في حديث مسلم الطويل في ذكره غزوة بواط، قال لي رسول الله ﷺ: "ناد: الوضوء". وذكر الحديث بطوله، أنه لم يجد إلا قطرة في عزلاء شجب
فأتى به النبي ﷺ فغمزه وتكلم بشيء لا أدري ما هو، وقال: "ناد بجفنة الركب". فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبي ﷺ بسط يده في الجفنة وفرق أصابعه وصب عليه جابر، وقال: بسم الله، قال فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل
بقي من أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى. وروى حديث جابر أيضًا الإمام أحمد في مسنده بلفظ: اشتكى أصحاب رسول الله ﷺ العطش، فدعا بعس فصب فيه شيئًا من الماء، ووضع رسول الله ﷺ فيه يده، وقال: "استقوا". فاستقى الناس، فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابعه ﷺ. وفي لفظ من حديثه له أيضًا: قال فوضع رسول الله ﷺ كفه في الإناء ثم قال: "بسم الله". ثم قال: "أسبغوا الوضوء". قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري، لقد رأيت العيون، عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابعه ﷺ فما رفعها حتى توضئوا أجمعون. ورواه أيضًا عنه البيهقي في الدلائل قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله ﷺ قال: فوضع يده في تور
من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه العيون قال: خذوا بسم الله، فشربنا، فوسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا، قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: ألفًا وخمسمائة. وأخرجه ابن شاهين من حديث جابر أيضًا، وقال: أصابنا عطش بالحديبية فجهشنا إلى رسول الله ﷺ، الحديث. وأخرجه أيضًا -عن جابر- أحمد من طريق نبيح العنزي عنه، وفيه: فجاء رجل بإداوة فيها شيء من الماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم.
انصرف وترك القدح، قال: فتزاحم الناس على القدح فقال: على رسلكم، فوضع كفه في القدح ثم قال: أسبغوا الوضوء قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه ﷺ. وأما حديث ابن مسعود، ففي الصحيح من رواية علقمة: بينما نحن مع رسول الله ﷺ وليس معنا ماء، فقال لنا: "اطلبوا من معه فضل ماء". فأتي بماء فصبه في إناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ.
وظاهر هذا أن الماء كان ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر -للبركة الحاصلة فيه- يفور ويكثر، وكفه ﷺ في الإناء، فيراه الرائي نابعًا من بين أصابعه. وظاهر كلام القرطبي: أنه نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، وبه صرح النووي في شرح مسلم، ويؤيده قول جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وفي رواية: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، وهذا هو الصحيح، وكلاهما معجزة له ﷺ.
وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملابسة ماء ولا وضع إناء تأدبًا مع الله تعالى، إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات وإيجادها من غير أصل. وروى ابن عباس قال: دعا النبي ﷺ بلالا فطلب الماء، فقال: لا والله ما وجدت الماء، قال: "فهل من شن"؟. فأتي بشن فبسط كفه فيه فانبعثت تحت يده عين، فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ، رواه الدارمي وأبو نعيم، وكذا رواه الطبراني وأبو نعيم من حديث أبي ليلى الأنصاري وأبو نعيم من طريق القاسم بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده.
وضأ، رواه الدارمي وأبو نعيم، وكذا رواه الطبراني وأبو نعيم من حديث أبي ليلى الأنصاري وأبو نعيم من طريق القاسم بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده.
" تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته ﷺ ": ومن ذلك تفجر الماء ببركته، وابتعاثه بمسه ودعوته. روى مسلم في صحيحه عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي". قال: فجئناها، وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض
بشيء من ماء، فسألهما رسول الله ﷺ: "هل مسستما من مائها شيئًا"؟. قالا: نعم، فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول: ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل ﵇ وجهه ويديه به ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال ﵊: "يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا"، أي بساتين وعمرانًا، وهذا أيضًا من معجزاته ﵊. ورواه القاضي عياض في الشفاء بنحوه من طريق مالك في.
الموطأ، وزاد فقال: قال في حديث ابن إسحاق: فانخرق من الماء ماء له حس كحس الصواعق. وفي البخاري، في غزوة الحديبية، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا.
فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. والثمد -بالمثلثة والتحريك- الماء القليل.
ول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. والثمد -بالمثلثة والتحريك- الماء القليل.
وقوله: "يتبرضه الناس تبرضًا" -بالضاد المعجمة- أي يأخذونه قليلا قليلا، والبرض: الشيء القليل. وقوله: "ما زال يجيش" -بفتح المثناة التحتية، وبالجيم، آخره شين معجمة- أي: يفور ماؤه ويرتفع. وفي رواية: أنه ﷺ توضأ فتمضمض ودعا ومج في بئر الحديبية منه، فجاشت بالماء كذلك. وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: أنه توضأ في الدلو، ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهمًا من كنانته وألقاه في البئر ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفيرها، فجمع بين الأمرين. وكذا رواه الواقدي من طريق أوس بن خولى.
وهذه القصة غير القصة السابقة في ذكر نبع الماء من بين أصابعه ﷺ مما رواه البخاري في المغازي من حديث جابر: عطش الناس بالحديبية وبين يدي رسول الله ﷺ ركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه. الحديث. فبين القصتين مغايرة، وجمع ابن حبان بينهما: بأن ذلك وقع في وقتين، انتهى. فحديث جابر في نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك. ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من بين أصابعه ويده في الركوة، وتوضئوا كلهم وشربوا أمر حينئذ بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها. انتهى. وفي حديث البراء وسلمة بن الأكوع مما رواه البخاري في قصة الحديبية وهم أربع عشرة مائة، وبئرها لا تروي خمسين شاة، فنزحناها.
فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله ﷺ على جباها، قال البراء: وأتي بدلو منها فبصق فدعا، وقال سلمة: فإما دعا وإما بصق فيها، فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم، وقال في رواية البراء: ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها ثم قال: "دعوها ساعة". قوله: "على جباها" -بفتح الجيم والموحدة والقصر- ما حول البئر، وبالكسر: ما جمعت فيه من الماء. وقوله:
"وركابهم" أي الإبل التي يسار عليها. وفي الصحيحين عن عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانا -كان يسميه أبو رجاء.
ونسيه عوف -ودعا عليا، وقال: "اذهبا فابتغيا الماء". فانطلقنا فتلقينا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء، فجاءوا بها إلى النبي ﷺ، فاستنزلوها عن بعيرها
ودعا النبي ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، وأوكأ أفواهمما، وأطلق العزالى، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من سقى، واستقى من شاء، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وأيم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملئة.
منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي ﷺ: "اجمعوا لها". فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا.
ولكن الله هو الذي أسقانا، فأتت أهلها فقالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له الصابئ ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس كلهم أو إنه لرسول الله حقًا، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء يدعونكم عمدًا فهل لكم في الإسلام. الحديث. وعن أبي قتادة.
يقال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء غدًا إن شاء الله". فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، فبينا رسول الله ﷺ يسير حتى ابهارّ الليل -أي ابيض- فمال عن الطريق فوضع رأسه ثم قال: "احفظوا علينا صلاتنا".
فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره، ثم قال: "اركبوا". فركبنا فسرنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء فتوضأ منها وضوءًا
ستيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره، ثم قال: "اركبوا". فركبنا فسرنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء فتوضأ منها وضوءًا
قال: وبقي شيء من ماء، ثم قال: "احفظ علينا ميضأتك"، فسيكون لها نبأ، ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة، وركب وركبنا معه، فانتهينا إلى الناس حين اشتد النهار وحمي كل شيء، وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا عطشنا، فقال: "لا هلك عليكم"
ودعا بالميضأة فجعل يصب وأبو قتادة يسقيهم فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة فتكابوا عليها، فقال رسول الله صلى الله ﷺ: "أحسنوا الملء كلكم سيروى"، قال: ففعلوا، فجعل رسول الله ﷺ يصب وأسقيهم، حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ، ثم صب فقال لي: "اشرب"، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، فقال: "إن ساقي القوم آخرهم"، قال: فشربت وشرب، الحديث رواه مسلم.
وعن أنس قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ، فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد، حتى الجمعة الأخرى
وقام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا فرفع يديه فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"
فما يشير ئإلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرًا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود. وفي رواية قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الإكام والظراب وبطون الأودية,
لجوبة، وسال الوادي قناة شهرًا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود. وفي رواية قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الإكام والظراب وبطون الأودية,
ومنابت الشجر". فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس. رواه البخاري ومسلم. و"الجوبة" -بفتح الجيم والموحدة بينهما واو ساكنة- الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة، أي حتى صار الغيم والسحاب محيطًا بآفاق المدينة. و"الجود" -بفتح الجيم وإسكان الواو -المطر الواسع الغزير. وعن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁ حدثنا عن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا.
أصابنا عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع الله لنا، قال: "أتحبون ذلك"؟. قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت، فملئوا ما معهم من آنية، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها تجاوز العسكر، قال الحافظ المنذري: أخرجه البيهقي في الدلائل، وشيخه ابن بشران ثقة، ودعلج ثقة
وابن خزيمة أحد الأئمة، ويونس احتج به مسلم في صحيحه وابن وهب وعمرو بن الحارث ونافع بن جبير احتج بهم البخاري ومسلم، وعتبة فيه مقال، انتهى. وقد رواه القاضي عياض في الشفاء مختصرًا وروى ابن إسحاق في مغازيه نحوه. وروى صاحب كتاب "مصباح الظلام" عن عمرو بن شعيب: أن أبا طالب قال: كنت مع ابن أخي -يعني النبي ﷺ بذي المجاز، فأدركني العطش، فشكوت إليه فقلت: يابن أخي عطشت، وما قلت له ذلك وأنا لا أرى عنده شيئًا إلا الجزع، فثنى وركه ثم نزل
وقال: "يا عم، أعطشت"؟. فقلت: نعم، فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال: "اشرب يا عم فشربت". وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر.
" تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه ﷺ ": ومن ذلك: تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه. عن جابر، في غزوة الخندق، قال: فانكفيت إلى امرأتي، فقلت هل عندك شيء، فإني رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا، فأخرجت جرابًا
فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ثم جئت النبي ﷺ فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعًا من شعير. فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي ﷺ: "يا أهل الخندق، إن جابرًا صنع سؤرًا، فحي هلا بكم".
فقال النبي ﷺ: "لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء". ثم قال فأخرجت له عجينًا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال: "ادع خابزة فلتخبز معك
واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". وهم ألف. فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو، رواه البخاري ومسلم. وقوله: "فانكفأت" أي: انقلبت.
وقوله: "داجن" يعني سمينة. وقوله: "فذبحتها" بسكون الحاء، و"طحنت" بسكون التاء، يعني إن الذي ذبح هو جابر، والتي طحنت هي امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية. وقوله: "سورا" بضم المهملة وسكون الواو بغير همز: قال ابن الأثير: أي طعامًا يدعو الناس إليه. قال: واللفظة فارسية. وقوله: "فحي هلا بكم" كلمة استدعاء فيه حث، أي هلموا مسرعين. وقوله: "واقدحي" أي: اغرفي. وقوله: "إن برمتنا لتغط" بالغين المعجمة والطاء
واللفظة فارسية. وقوله: "فحي هلا بكم" كلمة استدعاء فيه حث، أي هلموا مسرعين. وقوله: "واقدحي" أي: اغرفي. وقوله: "إن برمتنا لتغط" بالغين المعجمة والطاء
المهملة، أي: تغلي ويسمع غطيطها. وعن أنس قال: قال أبو طلحة لأم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء، فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا، فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه -أي أدارت بعض الخمار على رأسي مرتين كالعمائم- ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ، فذهبت به فوجدت
رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فسلمت عليه، فقال لي رسول الله ﷺ: "آرسلك أبو طلحة"؟ قلت: نعم، قال: "لطعام"؟ قلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا"، فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ: "هلمي يا أم سليم ما عندك"، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت أم سليم عكة
فأدمته، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة، ثم لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا. رواه البخاري ومسلم. والمراد بالمسجد -هنا- الموضع الذي أعده النبي ﷺ للصلاة فيه حين حاصره الأحزاب بالمدينة في غزوة الخندق. وفي رواية: لمسلم أنه قال: ائذن لعشرة، بالدخول فدخلوا فقال: كلوا وسموا الله، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبي ﷺ وأهل البيت وتركوا سؤرًا. أي بقية وهي بالهمزة. وفي رواية للبخاري:
لدخول فدخلوا فقال: كلوا وسموا الله، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبي ﷺ وأهل البيت وتركوا سؤرًا. أي بقية وهي بالهمزة. وفي رواية للبخاري:
وقال: "أدخل عليّ عشرة"، حتى عد أربعين، ثم أكل النبي ﷺ ثم قام، فجعلت أنظر هل نقص منها شيء. وفي رواية يعقوب: "أدخل عليّ ثمانية ثمانية"، فما زال حتى دخل عليه ثمانون، ثم دعاني ودعا أمي وأبا طلحة فأكلنا حتى شبعنا. انتهى. وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذه، قال الحافظ ابن حجر، قال: وظاهره أنه ﵊ دخل لمنزل أبي طلحة وحده، وصرح بذلك في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ولفظه: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الباب قال لهم: "اقعدوا" , ودخل. وفي رواية يعقوب عن أنس:
فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسًا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، وفي رواية عمرو بن عبد الله عن أنس، فقال أبو طلحة: إنما هو قرص، فقال: "إن الله سيبارك فيه". قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة -والله أعلم- لأنها كانت قصعة واحدة، لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام، فجعلوا عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا، وأما قوله ﵊: "أرسلك أبو طلحة"؟ قلت: نعم، قال: "لطعام"؟ قلت: نعم، فقال لمن معه: قوموا: فظاهره: أن النبي ﷺ فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده قوموا، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس؟! فيجمع: بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس لأن يأخذه النبي ﷺ فيأكله، فلما وصل به أنس
ورأى كثرة الناس حول النبي ﷺ استحيى، وظهر له أن يدعو النبي ﷺ ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من طعامه. ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من أرسله، عهد إليه أنه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي ﷺ وحده، خشية أن ذلك لا يكفي النبي ﷺ هو ومن معه، وقد عرفوا إيثاره ﵊، وأنه لا يأكل وحده. ووقع في رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس -عند أبي نعيم وأصله عند مسلم- قال لي أبو طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبًا من رسول الله ﷺ، فإذا قام فدعه حتى تتفرق عنه أصحابه، ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له: إن أبي يدعوك، وفيه: فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسًا
يدعوك وحدك، ولم يكن عندي ما يشبع من أرى، فقال: "أدخل, فإن الله يبارك فيما عندك". وإليك النظر، فقال: "هل من سمن"؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج.
ثم مسح رسول الله ﷺ القرص فانتفخ، وقال: "بسم الله" , فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع. وفي رواية النضر بن أنس: فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: "بسم الله، اللهم أعظم فيها البركة"، وعرف بهذا المراد بقوله في رواية الصحيحين: "قال ما شاء الله أن يقول". وفي رواية عن أنس عند أحمد: أن أبا طلحة رأى رسول الله ﷺ طاويًا. وعند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس: أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله ﷺ طعام فآجر نفسه بصاع من شعير فعمل بقية يومه ذلك ثم جاء به ... الحديث.
وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم وأبي يعلى قال: رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ يتقلب ظهر البطن. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم أيضًا عن أنس قال: جئت رسول الله ﷺ فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقال من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته، فدخل على أم سليم فقال: هل من شيء ... الحديث. وفي رواية محمد بن كعب عن أنس عند أبي نعيم قال: جاء أبو طلحة إلى أم سليم فقال: أعندك شيء؟ فإني مررت على النبي ﷺ وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرًا.
عب عن أنس عند أبي نعيم قال: جاء أبو طلحة إلى أم سليم فقال: أعندك شيء؟ فإني مررت على النبي ﷺ وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرًا.
وعن أبي هريرة أنه قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال عمر: يا رسول الله ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، فقال: نعم، فدعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة ثم قال: "خذوا في أوعيتكم"، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله
لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجز عن الجنة". رواه مسلم. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ عروسًا بزينب، فعمدت أمي أم سليم إلى تمر وسمن وأقط فصنعت حيسًا، فجعلته في تور، فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام، فقال رسول الله ﷺ: "ضعه"، ثم قال: "اذهب فادع لي -فلانًا وفلانًا، رجالا سماهم- وادع لي من لقيت"، فدعوت من سمى ومن لقيت، فرجعت فإذا البيت غاص
بأهله، قيل لأنس: عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، فرأيت النبي ﷺ وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم: "اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه"، قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة حتى أكلوا كلهم، قال لي: "يا أنس ارفع" فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. رواه البخاري ومسلم.
وعن جابر قال: إن أم مالك كانت تهدي إلى النبي ﷺ في عكة لها سمنًا، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي ﷺ فقال: "أعصرتيها"؟ قالت: نعم، قال: "لو تركتيها ما زل قائمًا". رواه مسلم.
ه للنبي ﷺ فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي ﷺ فقال: "أعصرتيها"؟ قالت: نعم، قال: "لو تركتيها ما زل قائمًا". رواه مسلم.
وعنه أن رجلا أتى النبي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق من شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم"، رواه مسلم أيضًا. والحكمة في ذهاب بركة السمن حين عصرت العكة، وإعدام الشعير حين كاله، أن عصرها وكيله مضاد للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى، ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة، وتكلف الإحاطة بأسرار حكم الله وفضله، فعوقب فاعله بزواله، قاله النووي.
وعن أبي العلاء سمرة بن جندب قال: كنا مع النبي ﷺ نتداول من قصعة من غدوة حتى الليل، يقوم عشرة ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تمد؟ قال: من أي شيء تعجب ما كانت تمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء، رواه الترمذي والدارمي. وعنه: أتي النبي ﷺ بقصعة فيها لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل، يقوم قوم ويقعد آخرون، فقال رجل لسمرة: هل كانت تمد؟ قال: ما كانت تمد إلا هاهنا، وأشار بيده إلى السماء، رواه الدارمي وابن أبي شيبة والترمذي والحاكم والبيهقي وصححوه، وأبو نعيم.
وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، وذكر الحديث أنه عجن صاع، وصنعت شاة فشوي سواد بطنها، قال: وايم الله، ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له حزة من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا
أجمعون وفضل في القصعتين فحملته على بعير. رواه البخاري. وعن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أدعو أهل الصفة، فتتبعتهم حتى جمعتهم، فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع. رواه ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم. وعن علي بن أبي طالب: قال جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق، فصنع لهم مدًا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، وبقي كما هو، ثم دعا بعس. فشربوا حتى رووا، وبقي كأنه لم يشرب منه، رواه في الشفاء.
" إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى وكلام الصبيان وشهادتهم له بالنبوة ": ومن ذلك: إبراء ذوي العاهات، وإحياء الموتى، وكلامهم له، وكلام الصبيان وشهادتهم له بالنبوة. روى البيهقي في الدلائل: أنه ﷺ دعا رجلا إلى الإسلام، فقال: لا أومن بك حتى يحيي لي ابنتي، فقال ﷺ: "أرني قبرها"، فأراه إياها، فقال ﷺ: "يا فلانة"،
نبوة. روى البيهقي في الدلائل: أنه ﷺ دعا رجلا إلى الإسلام، فقال: لا أومن بك حتى يحيي لي ابنتي، فقال ﷺ: "أرني قبرها"، فأراه إياها، فقال ﷺ: "يا فلانة"،
فقالت: لبيك وسعديك. فقال ﷺ: أتحبين أن ترجعي؟ فقالت: لا والله يا رسول الله، إني وجدت الله خيرًا لي من أبوي، ووجدت الآخرة خيرًا لي من الدنيا. وروى الطبري عن عائشة أن النبي ﷺ نزل الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله ثم رجع مسرورًا قال: "سألت ربي ﷿ فأحيا لي أمي فآمنت بي ثم ردها". وكذا روي من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه ﷺ حتى آمنا به، أورده السهيلي في الروض، وكذا الخطيب في السابق واللاحق
قال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل، وقال ابن كثير: إنه منكر جدًا، وتقدم البحث في ذلك في أوائل المقصد الأول. وعن أنس أن شابًا من الأنصار توفي وله أم عجوز عمياء، فسجيناه وعزيناها، فقالت: مات ابني؟ قلنا: نعم، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملن علي هذه المصيبة، فما برحنا....
أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا. رواه ابن عدي وابن أبي الدنيا والبيهقي وأبو نعيم. وعن النعمان بن بشير قال: كان زيد بن خارجة من سراة الأنصار، فبينما هو يمشي في طريق من طرق المدينة بين الظهر والعصر إذ خر فتوفي، فأعلمت به الأنصار، فأتوه فاحتملوه إلى بيته، وسجوه كساء وبردين، وفي البيت نساء من نساء الأنصار يبكين عليه، ورجال من رجالهم، فمكث على حاله
حتى إذا كان بين المغرب والعشاء إذ سمعوا صوت قائل يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظروا فإذا الصوت من تحت الثياب، فحسروا عن وجهه وصدره، فإذا القائل يقول على لسانه: محمد رسول الله النبي الأمي خاتم النبيين، لا نبي بعده، كان ذلك في الكتاب الأول، ثم قال: صدق صدق، ثم قال: هذا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته. رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت. وعن سعيد بن المسيب أن رجلا من الأنصار توفي، فلما كفن أتاه القوم يحملونه
ول الله ورحمته وبركاته. رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت. وعن سعيد بن المسيب أن رجلا من الأنصار توفي، فلما كفن أتاه القوم يحملونه
تكلم فقال: محمد رسول الله، أخرجه أبو بكر بن الضحاك. وأخرج أبو نعيم: أن جابرًا ذبح شاة وطبخها، وثرد في جفنة، وأتى به رسول الله ﷺ فأكل القوم، وكان ﷺ يقول لهم: "كلوا ولا تكسروا عظمًا"، ثم إنه ﵊ جمع العظام ووضع يده عليها ثم تكلم بكلام فإذا بالشاة قد قامت تنفض أذنيها، كذا رواه والله أعلم؟! وعن معرض بن معيقيب اليماني قال: حججت حجة الوداع، فدخلت دارًا بمكة، فرأيت فيها رسول الله ﷺ، ورأيت منه عجبًا، جاءه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، فقال له.
رسول الله ﷺ: "يا غلام، من أنا"؟ قال: أنت رسول الله، قال: "صدقت بارك الله فيك"، ثم إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب، فكنا نسميه مبارك اليمامة. رواه البيهقي.
وعن فهد بن عطية، أن النبي ﷺ أتى بصبي قد شب لم يتكلم قط فقال له: "من أنا"؟ قال: أنت رسول الله، رواه البيهقي. وعن ابن عباس قال: إن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابني به جنون، وإنه ليأخذ عند غدائنا وعشائنا، فمسح رسول الله ﷺ صدره فثع ثعة وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى. رواه الدارمي. وقوله: "ثع" يعني قاء.
وأصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي امرأة أحبها وأخشى إن رأتني تقذرني فأخذها رسول الله ﷺ بيده وردها إلى موضعها، وقال: "اللهم اكسه جمالا"، فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرًا، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى. وقد وفد على عمر بن عبد العزيز رجل من ذريته فسأل عمر: من أنت؟ فقال: أبونا الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أيما رد
فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد فوصله عمر وأحسن جائزته. قال السهيلي: ورواه محمد بن أبي عثمان الأموي عن عمار بن نصر عن مالك بن أنس عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن أخيه قتادة بن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي ﷺ فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان، قال الدارقطني: هذا حديث عن مالك تفرد به عمار بن نصر عن مالك وهو ثقة
رواه الدارقطني عن إبراهيم الحربي عن عمار بن نصر. وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة قال: كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه رسول الله ﷺ، فكان أخرها سهمًا نذرت منه حدقتي فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول الله ﷺ، فلما رآها في كفي دمعت عيناه فقال: "اللهم قِ قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا". وفي البخاري في غزوة خيبر أنه ﷺ قال: أين علي بن أبي طالب فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال:
فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع. وعند الطبراني من حديث علي قال: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلى رسول الله ﷺ الراية يوم خيبر. وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: فأرسلني النبي ﷺ إلى علي فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ. وعند الحاكم من حديث علي قال: فوضع ﷺ رأسي في حجره ثم بصق في راحته فدلك بها عيني. وعند الطبراني: فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي ﷺ فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والقر
علي قال: فوضع ﷺ رأسي في حجره ثم بصق في راحته فدلك بها عيني. وعند الطبراني: فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي ﷺ فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والقر
قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا. وأصيب سلمة يوم خيبر أيضًا بضربة في ساقه، فنفث فيها ﷺ ثلاث نفثات فما اشتكاها قط. رواه البخاري. ونفث في عيني فديك وكانتا مبيضتين لا يبصر بهما شيئًا، وكان وقع على بيض حية، فكان يدخل الخيط في الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عينيه لمبيضتان، رواه بن أبي شيبة والبغوي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم.
الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات اعلم, نور الله قلبي وقلبك، وقدس سري وسرك، أن الله قد خص نبينا ﷺ بأشياء لم يعطها لنبي قبله، وما خص نبي بشيء إلا وقد كان لسيدنا محمد ﷺ مثله، فإنه أوتي جوامع الكلم، وكان نبيًا ودام بين الروح والجسد، وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا إلا في حال نبوته وزمان رسالته. ولما أعطي هذه المنزلة علمنا أنه ﷺ الممد
لكل إنسان كامل مبعوث ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري فلقد أحسن حيث قال: وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظلم قال العلامة ابن مرزوق: يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد ﷺ وما أحسن قوله: "فإنما اتصلت من نوره بهم" فإنه يعطي أن نوره ﷺ لم يزل قائمًا به ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم وقد لا يبقى له منه شيء, وإنما كانت آيات كل واحد من نوره ﷺ لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن -أي تلك الكواكب- أنوار تلك الشمس للناس في الظلم. فالكواكب ليست مضيئة بالذات وإنما هي مستمدة من الشمس فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس، فكذلك الأنبياء قبل وجوده ﵊ كانوا يظهرون فضله.
للناس في الظلم. فالكواكب ليست مضيئة بالذات وإنما هي مستمدة من الشمس فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس، فكذلك الأنبياء قبل وجوده ﵊ كانوا يظهرون فضله.
فجميع ما ظهر على الرسل عليهم الصلاة والسلام سواه من الأنوار فإنما هو من نوره الفائض ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شيء. وأول ما ظهر ذلك في آدم ﵇، حيث جعله الله تعالى خليفة وأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التي لمحمد ﷺ فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ، ثم توالت الخلائف في الأرض
إلى أن وصل إلى زمان وجود صورة جسم نبينا ﷺ الشريف لأظهار حكم منزلته، فلما برز كان اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها في صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي ﷺ مثلها. فآدم ﵊ أعطي أن الله خلقه بيده، فأعطي سيدنا محمد ﷺ شرح صدره، تولى الله شرح صدره بنفسه، وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوي، فتولى من آدم الخلق الوجودي ومن سيدنا محمد ﷺ الخلق النبوي، مع أن المقصود -كما مر- من خلق آدم خلق نبينا في صلبه، فسيدنا محمد ﷺ المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة.
وأما سجود الملائكة لآدم، فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل نور نبينا محمد ﷺ كان في جبهته، ولله در القائل: تجليت جل الله في وجه آدم ... فصلى له الأملاك حين توسل وعن أبي عثمان الواعظ، فيما حكاه الفاكهاني قال: سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذي شرف الله به محمدًا ﷺ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، أجمع من تشريف آدم ﵊ بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ من تشريف تختص به الملائكة، انتهى. قال بعضهم: وأما تعليم آدم أسماء كل شيء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع
قال: قال رسول الله ﷺ: "مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها" فكما أن آدم ﵊ علم أسماء العلوم كلها كذلك نبينا ﷺ، وزاد عليه -واصل الله صلاته وسلامه عليه- بعلم ذواتها. ولله در الأبوصيري حيث قال: لك ذات العلوم من عالم الغيـ ... ـب ومنها لآدم الأسماء ولا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهي المقصودة بالذات وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم، والأسماء مقصودة لغيرها فهي دونها، ففضل العلم بحسب فضل معلومه. وأما إدريس ﵊.
فرفعه الله مكانًا عليًا، فأعطي سيدنا محمد ﷺ المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره. وأما نوح ﵊ فنجاه الله تعالى ومن آمن معه من الغرق ونجاه من الخسف، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه لم تهلك أمته بعذاب من السماء. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . وأما قول الفخر الرازي في تفسيره: "أكرم الله تعالى نوحًا بأن أمسك سفينته على الماء وفضل محمد ﷺ أعظم منه. روي أنه ﷺ كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبي
. وأما قول الفخر الرازي في تفسيره: "أكرم الله تعالى نوحًا بأن أمسك سفينته على الماء وفضل محمد ﷺ أعظم منه. روي أنه ﷺ كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبي
جهل فقال: إن كنت صادقًا فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه ﷺ فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول ﷺ وشهد له بالرسالة، فقال النبي ﷺ: "يكفيك هذا"؟ , فقال: حتى يرجع إلى مكانه. فلم أره لغيره والله أعلم بحاله. وأما إبراهيم الخليل ﵊ فكانت عليه نار نمرود بردًا وسلامًا، فأعطي سيدنا محمد ﷺ نظير ذلك، إطفاء نار الحرب عنه ﵊ وناهيك بنار حطبها السيوف ووهجها الحتوف وموقدها الجسد ومطلبها الروح والجسد.
قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] فكم أرادوا أن يطفئوا النور بالنار، وأبى الجبار إلا أن يتم نوره وأن يخمد شرورهم ويحمد لمحمد ﷺ سروره وظهوره. ويذكر أنه ﵊ ليلة المعراج مر على بحر النار الذي دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روي مما رأيته في بعض الكتب. وروى النسائي أن محمد بن حاطب
قال: كنت طفلا فانصب القدر علي واحترق جلدي كله، فحملني أبي إلى رسول الله ﷺ فتفل ﵊ في جلدي ومسح بيده على المحترق وقال: "أذهب البأس رب الناس"، فصرت صحيحًا لا بأس بي.
وأما ما أعطيه إبراهيم ﵊ من مقام الخلة فقد أعطيه نبينا ﷺ، وزاد بمقام المحبة، وقد روي في حديث الشفاعة أن الخليل إبراهيم ﵊ إذ قيل له: اتخذك الله خليلا فاشفع لنا
قال: "إنما كنت خليلا من وراء وراء" اذهبوا إلى غيري إلى أن تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فيقول: "أنا لها، أنا لها"، وهذا يدل على أن نبينا ﵊ كان خليلا مع رفع الحجاب وكشف الغطاء ولو كان خليلا من وراء لاعتذر كما اعتذر إبراهيم ﵊, وفيه تنبيه ظاهر على أنه ﵊ فاز برؤية الحق ﷾ وكشف له الغطاء حتى رأى الحق بعيني رأسه، كما سيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الخامس. والملخص من هذا: أن النبي ﷺ نال درجة الخلة التي اشتهرت لإبراهيم ﵊ على وجه نطق إبراهيم بأن نصيب سيدنا محمد عليه الصلاة
اء الله تعالى في المقصد الخامس. والملخص من هذا: أن النبي ﷺ نال درجة الخلة التي اشتهرت لإبراهيم ﵊ على وجه نطق إبراهيم بأن نصيب سيدنا محمد عليه الصلاة
والسلام منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: "إنما كنت خليلا من وراء وراء، فلم يشفع وفيه دليل على أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء، بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس، لا المكان، وذلك مقام محمد ﷺ بالدليل والبرهان. ومما أعطيه إبراهيم ﵊، وانفراده في الأرض بعبادة الله وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر، أعطي سيدنا محمد ﷺ كسرها بمحضر من أولي نصرها بقضيب ليس مما يكسر إلا بقوة ربانية ومادة إلهية، اجتراء فيها بالأنفاس من الفاس، وما عول على المعول، لا عرض في القول ولا تمرض من الصول بل قال جهرًا بغير سر: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] . ومما أعطيه الخليل ﵊ بناء البيت الحرام، ولا خفاء أن البيت
جسد وروحه الحجر الأسود بل هو سويداء القلب، بل جاء "أنه يمين الرب" كناية عن استلامه كما تستلم الأيمان عند عقد العهود والأيمان، وقد أعطي سيدنا محمد ﷺ أن قريشًا لما بنت البيت بعد تهدمه ولم يبق إلا وضع الحجر تنافسوا على الفخر الفخم والمجد الضخم، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل، فاتفق دخول سيدنا محمد ﵊ فقالوا: هذا الأمين، فحكموه في ذلك فأمر ببسط ثوب ووضع الحجر فيه ثم قال: يرفع كل بطن بطرف، فرفعوه جميعًا، ثم أخذه سيدنا محمد ﷺ فوضعه في موضعه، فادخر الله له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيام. وأما ما أعطيه موسى ﵊ من قلب العصا حية غير ناطقة، فأعطي سيدنا محمد ﷺ حنين الجذع، وقد.
مرت قصته. وحكى الإمام الرازي -في تفسيره- وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه ﵊ بالحجر رأى على كتفيه ثعابين فانصرف مرعوبًا. وأما ما أعطيه موسى ﵊ أيضًا من اليد البيضاء، وكان بياضها يغشى البصر، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء وبطون الأمهات من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه. وأعطى ﷺ قتادة بن النعمان وقد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة عرجونًا وقال: "انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا، ومن خلفك عشرًا
فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا فاضربه عشرًا، حتى يخرج فإنه الشيطان"، فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج. رواه أبو نعيم. وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس: كان عباد بن بشر وأسيد بن حضير عند رسول الله ﷺ في حاجة: حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا, فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها
حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشي كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه، ورواه البخاري بنحوه في الصحيح. وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة الأسلمي قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير.
بيهقي وأبو نعيم عن حمزة الأسلمي قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير.
ومما أعطيه موسى ﵇ أيضًا انفراق البحر له، أعطي نبينا محمد ﷺ انشقاق القمر -كما مر- فموسى تصرف في عالم الأرض وسيدنا محمد ﷺ تصرف في عالم السماء، والفرق بينهما واضح، وقال ابن المنير: وذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط، قال: فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا ﷺ حتى جاوزه -يعني ليلة الإسراء- قال وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى ﵊. ومما أعطيه موسى ﵊ إجابة دعائه، أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يحصى.
ومما أعطيه موسى ﵊ تفجير الماء له من الحجارة، أعطي سيدنا محمد ﷺ أن الماء تفجر من بين أصابعه، وهذا أبلغ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع الماء منها، ولم تجر العادة بنبع الماء من اللحم، ويرحم الله القائل: وكل معجزة للرسل قد سلفت ... وافى بأعجب منها عند إظهار فما العصا حية تسعى بأعجب من ... شكوى البعير ولا من مشي أشجار ولا انفجار معين الماء من حجر ... أشد من سلسل من كفه جار ومما أعطيه موسى ﵊ الكلام، أعطي سيدنا محمد ﷺ مثله ليلة الإسراء وزيادة الدنو والتدلي، وأيضًا كان مقام المناجاة في حق نبينا ﷺ فوق السماوات العلى وفوق سدرة المنتهى، والمستوى، وحجب النور والرفوف، ومقام
المناجاة لموسى ﵊ بطور سيناء. وأما ما أعطيه هارون ﵊ من فصاحة اللسان، فقد كان نبينا ﷺ من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل. ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك فقال: "وما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين". وقد كانت فصاحه هارون غايتها في العبرانية، والعربية أفصح منها. وهل كانت فصاحة هارون معجزة أم لا؟ قال ابن المنير: الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة
وقد كانت فصاحه هارون غايتها في العبرانية، والعربية أفصح منها. وهل كانت فصاحة هارون معجزة أم لا؟ قال ابن المنير: الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة
ولم يتحد نبي من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا ﷺ، لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز، وهل فصاحته ﷺ في جوامع الكلم التي ليست من التلاوة ولكنها معدودة من السنة، هل تحدى بها أم لا؟ وظاهر قوله ﵊: "أوتيت جوامع الكلم" أنه من التحدث بنعمة الله تعالى عليه وخصائصه، ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الإخبار بالمغيبات ونحوها معجزة. وأما ما أعطيه يوسف ﵊ من شطر الحسن، فأعطي نبينا ﷺ الحسن كله، وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله
في مقصد الإسراء، ومن تأمل ما نقلته من صفته ﵊ تبين له من ذلك التفضيل لنبينا على كل مشهور بالحسن في كل جيل. وأما ما أعطيه يوسف ﵊ أيضًا من تعبيره الرؤيا، فالذي نقل عنه من ذلك ثلاثة منامات، إحداها: حين رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر، والثاني: منام صاحبي السجن، والثالث: منام الملك، وقد أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يدخله الحصر، ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار وجد من ذلك العجب العجاب، وستأتي
نبذة من ذلك إن شاء الله تعالى. وأما ما أعطيه داود ﵊ من تليين الحديد له، فكان إذا مسح الحديد لان، فأعطي نبينا ﷺ أن العود اليابس أخضر في يده وأورق، ومسح ﷺ شاة أم معبدة الجرباء، فدرت. وأما ما أعطيه سليمان ﵊ من كلام الطير وتسخير الشياطين والريح، والملك الذي لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطي
سيدنا محمد ﷺ مثل ذلك وزيادة. أما كلام الطير والوحش فنبينا ﷺ كلمه الحجر، وسبح في كفه الحصى، وهو جماد، وكلمه ذراع الشاة المسمومة -كما تقدم في غزوة خيبر- وكذلك كلمه الظبي وشكا إليه البعير -كما مر- وروي أن طيرًا أفجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فيقول: "أيكم فجع هذا بولده"، فقال رجل أنا, فقال: "اردد ولده". ذكره الرازي ورواه أبو داود بلفظ: كنا مع النبي ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش -أي تدنو- من الأرض، فجاء النبي ﷺ فقال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"، الحديث
وقصة كلام الذئب مشهورة. وأما الريح التي كانت غدوها شهر ورواحها شهر، تحمله أين أراد من أقطار الأرض، فد أعطي سيدنا محمد ﷺ البراق الذي هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية، وأقل مسافة في ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السماوات، وأما إلى المستوى وإلى الرفرف فذلك ما لا يعلمه إلا الله.
وأيضًا: فالريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا ﷺ زويت له الأرض -أي جمعت- حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض, وبين من تسعى له الأرض. وأما ما أعطيه من تسخير الشياطين فقد روي أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيدنا محمد ﷺ وهو في الصلاة، فأمكنه الله منه وربطه بسارية من سواري المسجد. وخير مما أوتيه سليمان من ذلك إيمان الجن بمحمد ﷺ، فسليمان استخدمهم ومحمد استسلمهم.
حمد ﷺ وهو في الصلاة، فأمكنه الله منه وربطه بسارية من سواري المسجد. وخير مما أوتيه سليمان من ذلك إيمان الجن بمحمد ﷺ، فسليمان استخدمهم ومحمد استسلمهم.
وأما عد الجن من جنود سليمان في قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل: ١٧] ، فخير منه عد الملائكة، جبريل ومن معه من جملة أجناده ﵊ باعتبار الجهاد وباعتبار تكثير السواد على طريقة الأجناد. وأما عد الطير من جملة أجناده، فأعجب منه حمامة الغار وتوكيرها في الساعة الواحدة، وحمايتها له من عدوه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية، وقد حصلت من أعظم شيء بأيسر شيء. وأما ما أعطيه من الملك، فنبينا ﷺ خير بين أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًا عبدًا، فاختار ﷺ أن يكون نبيًا عبدًا، ولله در القائل: يا خير عبد على كل الملوك ولي وأما ما أعطيه عيسى ﵊ من إبراء الأكمة والأبرص وإحياء
الموتى، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه رد العين إلى مكانها بعدما سقطت فعادت أحسن ما كانت، وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي وفيه أنه ﷺ أتى قبرها فقال: "يا فلانة"، فقالت: لبيك وسعديك يا رسول الله، الحديث، وقد مر. وروي أن امرأة معاذ بن عفراء -كانت برصاء- فشكت إلى رسول الله ﷺ فمسح عليها بعصا فأذهب الله البرص منها، ذكره الرازي، وأيضًا قد سبح الحصى في كفه، وسلم عليه الحجر، وحن لفراقه الجذع، وذلك أبلغ من تكليم الموتى لأن هذا من جنس ما لا يتكلم.
وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ: لا أومن بك حتى تحيي لي ابنتي، وفيه: أنه ﷺ قال: "أرني قبرها" وأتى قبرها فقال: "يا فلانة" فقالت: لبيك وسعديك ... الحديث، وقد مر. وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس في بيوتهم،
: "أرني قبرها" وأتى قبرها فقال: "يا فلانة" فقالت: لبيك وسعديك ... الحديث، وقد مر. وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس في بيوتهم،
فقد أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يحصى، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يكفي ويشفي. وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من رفعه إلى السماء، فقد أعطي نبينا ﷺ ذلك ليلة المعراج، وزاد في الترقي لمزيد الدرجات وسماع المناجاة والحظوة في الحضرة المقدسة بالمشاهدات. وبالجملة: فقد خص الله تعالى سيدنا محمد ﷺ من خصائص التكريم بما لم يعطه أحدًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والتسليم. وقد روى جابر عنه ﷺ أنه قال:
"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا
فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان ونصرت بالرعب مسيرة شهر
وأعطيت الشفاعة"، رواه البخاري. وفي رواية: "وبعثت إلى الناس كافة". وزاد البخاري في روايته -في الصلاة- عن محمد بن سنان: من الأنبياء. وعند الإمام أحمد: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقوله فخرًا".
وفيه: "وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا". وإسناده كما قال ابن كثير جيد. وليس المراد حصر خصائصه ﵊ في هذه الخمس المذكورة. فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "فضلت على الأنبياء بست، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة
وختم بي النبيون" فذكر الخمسة المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: وأعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون، فتحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال. ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة مرفوعًا: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" وذكر خصلة الأرض كما تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى. وهذه الخصلة المبهمة قد بينها ابن خزيمة والنسائي، وهي: "وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش"، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإصر.
وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعًا. ولأحمد من حديث عليّ: "أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلي أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم"، وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة. وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "فضلت على الأنبياء، غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه".
وذكر ثنتين مما تقدم. وله من حديث ابن عباس رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم". قال: ونسيت الأخرى. فينتظم بها سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى" أن عدد الذي خص به ﷺ ستون خصلة. وطريق الجمع أن يقال: لعله ﷺ اطلع أولا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله
خص به ﷺ ستون خصلة. وطريق الجمع أن يقال: لعله ﷺ اطلع أولا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله
وقد ذكر بعض العلماء أنه ﷺ أوتي ثلاثة آلاف معجزة وخصيصية. وقد اختلف في العلم بخصائصه ﵇، فقال الصيمري من الشافعية: منع أبو علي بن خيران الكلام فيها، لأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيه. وقال إمام الحرمين: قال المحققون ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه الحاجة، وإنما يجري الخلاف فيما لا يوجد بد من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه فالخلاف فيه هجوم على الغيب من غير فائدة. وقال النووي في الروضة والتهذيب بعد نقله هذين الكلامين: وقال
سائر الأصحاب لا بأس به، وهو الصحيح، لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك، بل استحبابه، ولو قيل: وجوبه لم يكن بعيدًا، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتًا في الحديث الصحيح فعمل به أخذًا بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف، فلا يعمل بها، فأي فائدة أهم من هذه الفائدة، وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدريب ومعرفة الأدلة، وتحقيق الشيء على ما هو عليه. انتهى كلام النووي وقد تتبعت ما شرف الله به نبينا ﷺ من الخصائص والآيات، وأكرمه به من
الفضائل والكرامات من كتب العلماء، كالخصائص لابن سبع، وخصائص الروضة للنووي، ومختصرها للحجازي، وشرح الحاوي لابن الملقن، وشرح البهجة لشيخ الإسلام زكريا بن أحمد الأنصاري، واللفظ المكرم في خصائص النبي ﷺ للشيخ قطب الدين الخيضري، واستفدت منه كثيرًا في فصل المعجزات، مع ما رأيته أثناء مطالعتي لفتح الباري، وشرح مسلم للنووي، وشرح تقريب الأسانيد للعراقي وغير ذلك مما يطول ذكره، فتحصل لي من ذلك جملة. وقد قسمها غير واحد من الأئمة أربعة أقسام: الأول: ما اختص به ﷺ من الواجبات، والحكمة في ذلك.



