— Bagian 33 · البيهقي: قد صح أن تعليم هذا الدعاء وقع لقنوت صلا… —
Bagian 33
البيهقي: قد صح أن تعليم هذا الدعاء وقع لقنوت صلاة الصبح لقنوت الوتر، انتهى. وقوله: "فإنك تقضي" بالفاء. والواو في قوله: "وإن لا يذل". "وربنا" قبل "وتعاليت" إلا أن الفاء لم تقع في رواية أبي داود. وزاد البيهقي بعد قوله: "إنه لا يذل من واليت". "ولا يعز من عاديت". وزاد ابن أبي عاصم في كتاب التوبة: "نستغفرك اللهم ونتوب إليك". ويسن الصلاة على رسول الله ﷺ بعد الفراغ، لأن النسائي قد رواه من حديث الحسن بسند صحيح أو حسن، كما قاله في شرح "المهذب" ولفظه -أي النسائي: وصلى الله على النبي. وجزم في "الأذكار" باستحباب الصلاة على الآل والسلام. وخالفه صاحب "الإقليد" فقال: أما ما وقع في كتب أصحابنا من زيادة "وسلم" وما يعتاده الأئمة الآن من ذكر الآل والأزواج والأصحاب فكل ذلك لا أصل له.
قلت: وعبارة النووي في "الأذكار": يستحب أن يقول عقب هذا الدعاء: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم. فقد جاء في رواية النسائي بإسناد حسن: "وصلى الله على النبي" انتهى. وتعقب: بأن لفظ الدعوى خلاف الدليل، وتزيد عليه ذكر الآل والتسليم. نعم وقعت الزيادة عند "الرافعي" و"الروياني" معزوة لحديث الحسن بن علي، عند النسائي لكنها ليست عنده في رواية أحد من الرواة عنه، على أن لفظ "وصلى الله على النبي" زائد على رواية الترمذي، وهي زيادة غريبة غير ثابتة لأجل عبد الله بن علي، أحد رواته، لأنه غير معروف، وعلى تقدير أن يكون هو عبد الله بن علي بن الحسن بن علي، فهو منقطع، لأنه لم يسمع من جده الحسن بن علي، فقد تبين أنه ليس من شرط "الحسن" لانقطاعه أو جهالة روايه، ولم تنجبر الزيادة بمجيئها من وجه آخر، وحينئذ فقد تبين شذوذها على ما لا يخفى، نعم: أصل الحديث إلى آخر "وتعاليت" حسن لاعتضاده برواية الترمذي
لة روايه، ولم تنجبر الزيادة بمجيئها من وجه آخر، وحينئذ فقد تبين شذوذها على ما لا يخفى، نعم: أصل الحديث إلى آخر "وتعاليت" حسن لاعتضاده برواية الترمذي
وغيره، بخلاف الزيادة، إذ لم تجئ في غيره، وحيث سننا الصلاة على الآل على ما جزم به النووي فينبغي عدها في القنوت بعضا. قال في "المجموع" عن البغوي: ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، وهو ظاهر على ما صححه فيه، وفي تحقيقه في باب "سجود السهو" من أن الاعتدال ركن طويل، أما على ما صححه فيهم في "صلاة الجماعة" من أنه ركن قصير، وهو ما في "المنهاج" و"الروضة" فقد يقال القياس البطلان، لأن تطويل الركن القصير عمدا مبطل. ويجاب: يحمل ذلك على غير محل القنوت، إذ البغوي نفسه القائل بكراهة الإطالة قائل بأن تطويل الركن القصير مبطل عمده. ويسن للمنفرد والإمام برضا المحصورين، الجمع في الوتر بين القنوت السابق وبين قنوت عمر، وهو: "اللهم إنا نستعينك" إلخ، والأولى تأخيره عن القنوت السابق.
ويسن رفع يديه، رواه البيهقي بإسناد جيد. قل في "المجموع": وفي سن مسح وجهه بهما وجهان: أشهرهما: نعم، وأصحهما: لا قال البيهقي: ولا أحفظ في مسحه هنا عن أحد من السلف شيئا. وإن روي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة. ومسح غير الصدر كالصدر مكروه. وقال النووي في "الأذكار": اختلف أصحابنا في رفع اليدين في القنوت، ومسح الوجه بهما على ثلاثة أوجه: أصحها: يستحب رفعهما ولا يمسح الوجه، والثاني: يمسح ويرفع، والثالث: لا يمسح ولا يرفع، واتفقوا على أنه لا يمسح غير الوجه من الصدر ونحوه، بل قالوا ذلك مكروه. انتهى. ويجهر الإمام دون المنفرد بالقنوت وإن كانت الصلاة سرية للاتباع. رواه البخاري.
وا على أنه لا يمسح غير الوجه من الصدر ونحوه، بل قالوا ذلك مكروه. انتهى. ويجهر الإمام دون المنفرد بالقنوت وإن كانت الصلاة سرية للاتباع. رواه البخاري.
قال الماوردي: وليكن جهره به دون جهره بالقراءة، فإن سمعه المأموم أمن كما كانت الصحابة يؤمنون خلفه ﷺ في ذلك. رواه أبو داود بإسناد حسن. ويوافقه في الثناء سرا أو يسكت، لأنه ثناء ذكر لا يليق به التأمين, والدعاء يشمل الصلاة على النبي ﷺ فيأمن فيها: صرح به الطبري. وإن لم يسمع قنوت الإمام قنت معه سرا كبقية الأذكار والدعوات، ولا قنوت لغير وتر وصبح، إلا لنازلة من خوف أو قحط أو وباء أو جراد أو نحوها، فيستحب أن يقنت في مكتوبة غير الصبح، لا منذورة، وصلاة جنازة ونافلة. وفي البخاري من حديث أبي هريرة أنه ﷺ جهر بالقنوت في النازلة. انتهى ملخصا من شرح البهجة لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري، مع زيادة من غيره، والله أعلم.
الفصل الرابع: في ذكر سجوده ﷺ للسهو في الصلاة اعلم أن السهو لغة هو الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب إلى غيره، قاله الأزهري. وفرق بعضهم -فيما حكاه القاضي عياض- بين السهو والنسيان من حيث المعنى، وزعم أن السهو جائز في الصلاة على الأنبياء ﵈، بخلاف النسيان، قال: لأن النسيان غفلة وآفة، والسهو إنما هو شغل، فكان النبي ﷺ يسهو في الصلاة ولا يغفل عنها، وكان شغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة شغلا بها لا غفلة عنها، انتهى. قال ابن كيكلدى: وهو ضعيف من جهة الحديث ومن حيث اللغة، أما من
جهة الحديث فلما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون" وأما من حيث اللغة فقول الأزهري الماضي، ونحوه قول الجوهري وغيره. وقال في النهاية: السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، وهو فرق حسن دقيق، وبه يظهر الفرق بين السهو الذي وقع من النبي ﷺ غير مرة، والسهو عن الصلاة الذي ذم الله فاعله. وقد كان سهوه ﷺ من إتمام نعم الله تعالى على أمته، وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما شرعه لهم عند السهو، وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في الموطأ -الآتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى- "إنما أَنسى أو أُنسى لأسن" فكان ينسى فيترتب على سهوه أحكام شرعية تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة.
واختلف في حكمه: فقال الشافعية والمالكية: مسنون كله، وعن المالكية قول آخر: السجود للنقص واجب دون الزيادة. وعن الحنابلة التفصيل بين الواجبات، فيجب السجود لتركها سهوا، وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطل عمده. وعند الحنفية: واجب كله، وحجتهم قوله ﵇ في حديث ابن مسعود عند البخاري "لسيجد سجدتين" والأمر للوجوب، وقد ثبت من فعله ﵇، وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب، ولا سيما مع قوله ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي". انتهى.
وقد ورد عنه ﷺ السجود على قسمين: الأول: السجود قبل التسليم: فعن الأعرج عن عبد الله بن مالك ابن بحينة أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم. رواه البخاري. وفي رواية له عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة أيضا أنه
صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم. رواه البخاري. وفي رواية له عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة أيضا أنه
قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر، لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم بعد ذلك. وفي روايته أيضا عن الأعرج عنه، أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. ورواه مسلم أيضا. وزاد الضحاك بن عثمان عن الأعرج -عند ابن خزيمة- بعد قوله: "ثم قام فلم يجلس" فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته. وفي روية الترمذي: قام في الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين، يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم.
وفي هذا: مشروعية سجود السهو، وأنه سجدتان، فلو اقتصر على سجدة واحدة ساهيا لم يلزمه شيء، أو عامدًا بطلت صلاته لأنه تعمد الإتيان بسجدة زائدة ليست مشروعة. وأنه يكبر لهما كما يكبر في غيرهما من السجود. واستدل به على أن سجود السهو قبل السلام، ولا حجة فيه، لكون جميعه كذلك، نعم يرد على من زعم أن جميعه بعد السلام كالحنفية. واستدل به أيضا على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يسلم المأموم. وأن سجود السهو لا تشهد بعده، وأن محله آخر الصلاة، فلو سجد للسهو
قبل أن يتشهد ساهيا أعاد عند من يوجب التشهد وهم الجمهور. وفيه أن من سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة، ثم ذكر لا يرجع، فقد سبحوا به ﷺ -كما في رواية بن خزيمة- فلم يرجع، فلو تعمد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي. القسم الثاني: السجود بعد التسليم عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر أو العصر، فسلم من ركعتين، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنقصت؟ فقال
جود بعد التسليم عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر أو العصر، فسلم من ركعتين، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنقصت؟ فقال
النبي ﷺ لأصحابه: "أحق ما يقول ذو اليدين" قالوا: نعم. فصلى ركعتين أخراوين ثم سجد سجدتين. قال سعد: ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين فسلم وتكلم ثم صلى ما بقي منها، وسجد سجدتين وقال: هكذا فعل النبي ﷺ رواه البخاري. وقوله: "صلى بنا رسول الله ﷺ" ظاهر في أن أبا هريرة حضر القصة. وحمله الطحاوي على المجاز، فقال إن المراد: صلى بالمسلمين, وسبب ذلك قول الزهري: إن صاحب القصة استشهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون القصة وقعت قبل بدر وقبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين.
لكن اتفق أئمة الحديث -كما نقله ابن عبد البر وغيره- على أن الزهري وهم في ذلك، وسببه أنه جعل القصة لذي الشمالين، وذو الشمالين، هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعي واسمه عمير، وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي ﷺ مدة لأنه حدث بهذا الحديث بعد النبي ﷺ كما أخرجه الطبراني وغيره، وهو سلمي، واسمه الخرباق، كما سيأتي، فلما وقع عند الزهري بلفظ "فقام ذو الشمالين" وهو يعرف أنه قتل ببدر، قال لأجل ذلك: إن القصة وقعت قبل بدر. وقد جوز بعض الأئمة أن تكون القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما، وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الأخرى وهي قصة ذي اليدين، وهذا محتمل في طريق الجمع.
وروى البخاري أيضا عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال محمد بن سيرين: وأكثر ظني العصر- ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال للنبي ﷺ أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس
ولم تقصر"، فقال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، ثم وضع رأسه فكبر وسجد، مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر. وعن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم من ثلاثة ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه وخرج غضبانا يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: "أصدق هذا"؟. قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم. رواه مسلم وهو من أفراده لم يروه البخاري. ورواه أحمد وأبو داود.
"والخرباق" بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة، وآخره قاف، هو اسم ذي اليدين، كما ذهب إليه الأكثر، وطول يديه يمكن أن يحمل على الحقيقة، أو على أنه كناية عن طولهما بالعمل أو بالبذل. قال الحافظ: ابن حجر: الظاهر في نظري توحد حديث أبي هريرة، وإن كان قد جنح ابن خزيمة ومن تبعه إلى تعدد هذه القصة، والحمل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من ثنتين،
وأنه ﷺ قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران هذا: أنه سلم من ثلاث، وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة، فأما الأول فقد حكى بن كليكلدي العلائي أن بعض شيوخه حمله على المراد به أنه سلم في ابتداء الثالثة، واستبعده، ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي ﷺ عن ذلك، واستفهم النبي ﷺ الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني: فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزلة، لكون الخشبة كانت في جهة منزله،
واستفهم النبي ﷺ الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني: فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزلة، لكون الخشبة كانت في جهة منزله،
فإن كان كذلك وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له في سياقه، كما أخرجه الشافعي وأبو داود وابن خزيمة. انتهى. وعن معاوية بن حديج -بضم الحاء المهملة آخره جيم- أن رسول الله ﷺ صلى يوما فانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة؟ فرجع فدخل المسجد. فأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بالناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: أو تعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمر بي
فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله. رواه أبو داود والبيهقي في سننهما، وابن خزيمة في صحيحه، وعين الصلاة المغرب. وقال ابن خزيمة: وهذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي ﷺ في هذه القصة طلحة بن عبيد الله، ومخبره في تلك القصة ذو اليدين، والسهو منه ﵊ في قصة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر، وفي هذه القصة إنما كان السهو في المغرب لا في الظهر ولا في العصر. وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "أصدق ذو اليدين"؟ فقال الناس: نعم، فقام ﷺ فصلى ركعتين أخريين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ثم كبر فسجد مثل سجوده للصلاة
أو أطول، ثم رفع. وفي رواية سلمة بن علقمة، قلت لمحمد -يعني ابن سيرين- في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي. قال الحافظ ابن حجر: لم يقع في غير هذه الرواية لفظ "القيام" وقد استشكل بأنه ﷺ كان قائما. وأجيب: بأن المراد بقوله: "فقام" أي اعتدل، لأنه كان مستندا إلى الخشبة كما مر. وقد يفهم من قول محمد بن سيرين عن التشهد: "ليس في حديث أبي
ﷺ كان قائما. وأجيب: بأن المراد بقوله: "فقام" أي اعتدل، لأنه كان مستندا إلى الخشبة كما مر. وقد يفهم من قول محمد بن سيرين عن التشهد: "ليس في حديث أبي
هريرة" أنه ورد في حديث غيره. وهو كذلك: فقد رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم صحيح على شرطهما. وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما. ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فزيادة أشعث شاذة.
لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف. فقد يقال: إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله: أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى ملخصا من فتح الباري. وفي رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت، فقال رسول الله ﷺ: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن
سيرين عن أبي هريرة في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو. وهذا يؤيد من قال لا بد من تكبيرة الإحرام في سجود السهو بعد السلام، والجمهور على الاكتفاء بتكبيرة السجود، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وقال أبو داود: لم يقل أحد: "كبر ثم كبر" إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الرواية. ويحتمل أن تكون الخشبة المذكورة في هذا الحديث الجذع الذي كان ﵇ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر. وإنما وقع الاستفهام "هل قصرت الصلاة؟ " لأن الزمان كان زمان النسخ. وقوله: "فقال": "لم أنس ولم تقصر". صريح في نفي النسيان ونفي القصر. وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان المتقدمة "كل ذلك لم يكن" وتأييد لما قاله أصحاب المعاني أن لفظ "كل" إذا تقدمت وعقبها النفي كان نفيا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كل ذلك، ولهذا
أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: قد كان بعض ذلك، وأجابه في هذه الرواية بقوله: "بلى قد نسيت" لأنه لما نفى الأمرين وكان مقررا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا القصر. وهو حجة لمن قال إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع. قال ابن دقيق العيد: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي ﷺ السهو، وهذا الحديث يرد عليهم -يعني حديث ابن مسعود- فإن فيه: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون". وإن كان القاضي عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال. لكنهم تعقبوه. نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلا بالفعل أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: "لم أنس ولم تقصر"
كنهم تعقبوه. نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلا بالفعل أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: "لم أنس ولم تقصر"
ثم تبين أنه نسي. ومعنى قوله: "لم أنس" أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر، ويستفاد منه: أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين، وفائدة السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره. وأما من منع السهو مطلقا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة: فقيل: قوله "لم أنس" نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وقد تقدم تضعيفه، ويكفي فيه قوله في هذه الرواية: "بلى قد نسيت" وأقره على ذلك. وقيل: قوله: "لم أنس" على ظاهره وحقيقته، وكان يتعمد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول. وتعقب: بحديث ابن مسعود عند البخاري ومسلم بلفظ "صلى
رسول الله ﷺ فزاد أو نقص، شك بعض الرواة، والصحيح أنه زاد، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك"؟ قالا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون, فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر
الصواب، فيتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين". ففيه: إثبات العلة قبل الحكم، بقوله: "إنما أنا بشر مثلكم" ولم يكتف بإثبات وصف النسيان له, حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا فقال: "كما تنسون". وبهذا الحديث يرد أيضا قول من قال: معنى قوله "لم أنس". إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه حيث قال: "إني لا أَنسى ولكن أُنسى لأسن". وإنكار للفظ الذي أنكره على غيره حيث قال: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا".
وقد تعقبوا هذا أيضا بأن حديث إني "لا أنسى" لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وهي أربعة، قاله ابن عبد البر. وأما الآخر فلا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء، فإن
اغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وهي أربعة، قاله ابن عبد البر. وأما الآخر فلا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء، فإن
الفرق بينهما واضح جدا. وقيل: إن قوله: "لم أنس" راجع إلى السلام، أي سلمت قصدا بانيا على ما في اعتقادي أنني صليت أربعا، وهذا جيد، وكان ذا اليدين فهم العموم فقال: "بلى قد نسيت" وكأن هذا القول أوقع شكا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين. وهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلا ولم يقبل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسئول مغاير لما في اعتقاده. وبهذا يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسي بحضرة جمع لا يخفى عليهم ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حامل لهم على السكوت، ثم لم يكذبوه أنه لا يقطع بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارض باعتقاد المسئول
خلاف ما أخبر به. وفيه: أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر وكان المجلس متحدا، وامتنع في العادة غفلتهم عن ذلك أنه لا يقبل خبره. وفيه: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوا. وقال سحنون: إنما يبني من سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر فيه على مورد النص. وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشي، فيمنعه مثلا في الصبح، والذين قالوا بجواز البناء مطلقا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل. وفيه: أن الكلام سهوا لا يقطع الصلاة، خلافا للحنفية، واستدل به على أن
تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها. وتعقب: بأنه ﷺ لم يتكلم إلا ناسيا، وأما قول ذي اليدين له: "بلى قد نسيت" وقول الصحابة له: "صدق ذو اليدين" فإنهم تكلموا معتقدين للنسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، فتكلموا ظنا أنهم ليسوا في صلاة. كذا قيل، وهو فاسد، لأنهم تكلموا بعد قوله ﵊: "لم تقصر". وأجيب: بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومئوا، كما عند أبي داود في رواية ساق مسلم إسنادها، وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حمل القول على الإشارة مجاز شائع، بخلاف عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه الرواية، وهذا قوي، أقوى من قول غيره: يحمل على أن بعضهم قال بالنطق
وبعضهم بالإشارة. لكن يبقى قول ذي اليدين: "بلى قد نسيت". ويجاب عنه وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا: بأن كلامهم كان جوابا للنبي ﷺ وجوابه لا يقطع الصلاة. وتعقب: بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة. وأجيب: بأنه ثبتت مخاطبته في التشهد، وهو حي، بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ولم تفسد الصلاة، والظاهر: أن ذلك من خصائصه. وعن عبد الله أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسا، فقيل له: أزيد في
الصلاة؟ قال: "وما ذاك"؟. قالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعدما سلم. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بهذا اللفظ، إلا أن مسلما لم يقل فيه: "بعدما سلم" وعبد الله هذا هو ابن مسعود. ففي هذه الأحاديث السجود بعد السلام. وقد اختلف في ذلك: فقال مالك والمزني، وأبو ثور من الشافعية بالتفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو بالزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الزيادة يسجد بعده. وزعم ابن عبد البر أنه أولى من قول غيره، للجمع بين الخبرين، قال: وهو موافق للنظر، لأنه في النقص جبر، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها. وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ،
النقص جبر، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها. وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ،
ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرة وكان الحكم على وفقها كان علة فيعم الحكم جميعا محالها فلا يتخصص إلا بنص. وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيما للشيطان فقط ممنوع، بل هو جبر أيضا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادة فهو نقص في المعنى. وقال الخطابي: لم يرجع من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح. وأيضا فقصة ذي اليدين وقع فيها السجود بعد السلام وهي عن نقصان. وأما قول النووي: أقوى المذاهب قول مالك ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريقة أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل حديث فيما يرد فيه، وما لم يرد فيه
شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما روي عن النبي ﷺ في ذلك لرأيت كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة فيفعل قبل التسليم. وعند إمامنا الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام. وعند الحنفية: كله بعد السلام، واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود هذا. وتعقب: بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه: هل زيد في الصلاة، وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله، لعدم علمه بالسهو. وأجاب بعضهم: بما وقع في حديث ابن مسعود من الزيادة. وهي: "إذا شك
أحدكم فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين". وأجيب: بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم، ولفظه: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم". وبه تمسك الشافعية. وجمع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونقل الماوردي الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النووي. وتعقب: بأن إمام الحرمين نقل في "النهاية" الخلاف في الإجزاء عن المذهب, واستبعد القول بالجواز.
ع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النووي. وتعقب: بأن إمام الحرمين نقل في "النهاية" الخلاف في الإجزاء عن المذهب, واستبعد القول بالجواز.
ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماوردي والنووي قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر ﵀. ولو سها سهوين فأكثر، كفاه عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور سجدتان للجميع. والجمهور: أنه يسجد للسهو في التطوع كالفرض.
الفصل الخامس: فيما كان ﷺ يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها عن ثوبان: كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم. ولم يمكث مستقبل القبلة إلا بمقدار ما يقول ذلك. وقد ثبت أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه.
فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على أصحابه بوجهه الشريف، فقد كان ﵇ يسرع الانفتال إلى المأمومين، وكان ينفتل عن يمينه وعن شماله. وقال ابن مسعود: رأيته ﷺ كثيرا ينصرف عن يساره، رواه الشيخان. وقال أنس أكثر ما رأيته ﷺ ينصرف عن يمينه رواه مسلم.
وقالت أم سلمة: كان ﷺ إذا سلم مكث في مكانه يسيرا، قال الزهري: فنرى -والله أعلم- لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال رواه البخاري.
وقالت عائشة: كان إذا أسلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم. وهذا الحديث يتمسك به من قال إن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع. والجواب: أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره ﵇ جالسا على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر.
وكان يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا
الجد منك الجد". رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة. وكان يقول بأعلى صوته: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". رواه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير. وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ
بك من البخل، أو أعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر". رواه البخاري. وعن زيد بن أرقم كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل
و أعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر". رواه البخاري. وعن زيد بن أرقم كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل
شيء، أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء، اجعلني مخلصا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب، الله أكبر الله أكبر، الله نور السموات والأرض، الله أكبر حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الله أكبر". رواه
أبو داود وأحمد. ورأيت في كتاب "الهدي" لابن القيم: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء للمنفرد والإمام والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي ﷺ أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا عن السنة بعدهما. قال: وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو الأليق، بحال المصطفى، فإنه مقبل على ربه مناجيه، فإذا سلم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب
منه وهو مقبل عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه. ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي ﷺ بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر الوارد بعد المكتوبة، لا لكونه دبر المكتوبة، انتهى. وقد كان في خاطري من دعواه "النفي مطلقا" شيء لما يأتي، ثم رأيت شيخ مشايخنا إمام الحفاظ أبا الفضل بن حجر تعقبه فقال: وما ادعاه من النفي مطلقا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ والله إني لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني
به فقال: وما ادعاه من النفي مطلقا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ والله إني لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني
على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود والنسائي. وحديث زيد بن أرقم: سمعته ﷺ يدعو في دبر الصلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء". أخرجه أبو داود والنسائي. وحديث صهيب رفعه: كان ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللهم أصلح لي ديني". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان. وغير ذلك. فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلت: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد السلام إجماعا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات، وقال: حسن، وأخرج
الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة. قال: وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده عقب السلام، وأما إذا انفتل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى. وكان ﵇ حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلا جلس، وإذا
رآهم جماعة صلى. رواه أبو داود. وقال أبو مسعود البدري: كان ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم". رواه مسلم. وقال ابن عباس: قام رسول الله ﷺ يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. رواه البخاري
ومسلم. وقال أنس: سقط النبي ﷺ عن فرس، فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا، فصلينا وراءه قعودا، فلما قضى الصلاة
قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا". حتى قال: "وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون". زاد بعض الرواة: "وإذا صلى قائما فصلوا قياما". رواه البخاري ومسلم. قال الحميدي: ومعاني سائر الروايات متقاربة وزاد البخاري قوله: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" هو في مرضه القديم. وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره ﷺ. انتهى.
قال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائما، واحتجوا بأنه ﷺ صلى في مرض موته بعد هذا قاعدا، وأبو بكر والناس خلفه قياما, وإن كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر ﵁ كان هو الإمام، والنبي ﷺ مقتد به، لكن الصواب أن ﷺ كان هو الإمام.
الباب الثاني: في ذكر صلاته ﷺ الجمعة عن أنس بن مالك قال: أتى جبريل النبي ﷺ بمرآة بيضاء فيها نكتة سوداء.
فقال النبي ﷺ: "ما هذه"؟. فقال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، والناس لكم فيها تبع -اليهود والنصارى- ولكم فيها خير، فيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا أستجيب له، وهو عندنا يوم المزيد، فقال النبي ﷺ: "يا جبريل! وما يوم المزيد"؟. فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثيب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور
بريل! وما يوم المزيد"؟. فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثيب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور
عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزمرذ عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله: أنا ربكم، قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم ربهم فيه من الخير، وفيه استوى ربك على العرش". رواه الشافعي في مسنده. وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة". فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج
منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة". وروى البيهقي في الدعوات من حديث أنس: كان ﷺ إذا دخل رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان". وكان يقول ليلة الجمعة: "ليل أغر ويوم الجمعة يوم أزهر".
وليوم الجمعة من الخواص ما يبلغ العشرين، ذكرها ابن القيم في "الهدي النبوي" لا أطيل بذكرها سيما وليست من غرضي. وهو أفضل أيام الأسبوع، كما أن يوم عرفة أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام. وقال أبو أمامة بن النقاش: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، قال: وغير هذا لا يسلم قائله من اعتراض يعجز عن دفعه. انتهى. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة،
بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد". رواه البخاري. وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند مسلم: "نحن الآخرون ونحن
ختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد". رواه البخاري. وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند مسلم: "نحن الآخرون ونحن
السابقون". أي الآخرون زمانا، والأولون منزلة. والمراد باليوم: يوم الجمعة. وقوله: "بيد" -بفتح الموحدة وإسكان المثناة من تحت وفتح الدال المهملة- أي: غير. وإذا عرف هذا، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت،
فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم لأجله. فإن قيل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من السبت والأحد، وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم يوم الجمعة، فكان الفراغ في يوم السبت، فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فعينوا السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد، فنجعل هذا عيدا لنا، فهذان اليومان معقولان، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيدا. فالجواب: إن يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام، وحصول الكمال والتمام يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم، فجعل يوم الجمعة يوم أولى من هذا الوجه والله أعلم. قال ابن بطال: وليس المراد في الحديث أنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه
فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله تعالى عليه وهو مؤمن، وإنما يدل -والله أعلم- أنه فرض عليهم يوم من الجمعة، ووكل إلى اختيارهم ليقوموا فيه لشريعتهم فاختلفوا فيه ولم يهتدوا ليوم الجمعة. كذا قال، ولكن قد روى ابن أبي حاتم عن إسماعيل السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فأبوا، ولفظه: "إن الله فرض على اليهود يوم الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى اجعل لنا يوم السبت فجعل عليهم". وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣] .
ويحتمل قوله "فهدانا الله له" بأن نص لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه نذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة. واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن خزيمة من حديث
كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة أسعد بن زرارة. فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثم، ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدنية. انتهى. وقال ابن إسحاق: لما قدم الصلاة والسلام المدينة أقام بقباء، في بني عمرو بن عوف، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة وذلك قبل تأسس مسجده.
، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة وذلك قبل تأسس مسجده.
وكان ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري من حديث أنس، وفي رواية: إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة -يعني الجمعة- وفي رواية سهل بن سعد عند البخاري ومسلم: كنا نصلي معه ﷺ الجمعة ونقيل بعد الجمعة.
ثم اعلم أن الخطبة شرط في انعقاد الجمعة، لا تصح إلا بها، وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك ركعتين من صلاة الظهر. ولم يكن يؤذن في زمانه ﷺ على المنار، وبين يديه، وإنما كان يؤذن بلال وحده بين يديه ﷺ إذا جلس على المنبر، كما صرح به أئمة الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم. وعبارة البرهان المرغيناني من الحنفية في هدايته: وإذا صعد الإمام على المنبر جلس، وأذن المؤذن بين يدي المنبر، جرى التوارث، ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ إلا هذا الأذان. وعبارة ابن الحاجب من المالكية: ويحرم السعي عند أذان جلوس الخطبة،
وهو المعهود، فلما كان عثمان وكثروا أمر بالأذان قبله على الزوراء، ثم نقله هشام إلى المسجد، وجعل الآخر بين يديه. انتهى. ونحوه قال عبد الحق في "تهذيب الطالب". وأما قول ابن أبي زيد في رسالته: وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية. فقال شارحوه -الفاكهاني وغيره: يعني الثاني في الأحداث وهو الأول في الفعل، قال: وكان بعض شيوخنا يقول: الأول هو الثاني، والثاني هو الأول ومنشؤه ما تقدم.
انتهى. وعبارة الزركشي -كغيره من الشافعية: ويجلس الإمام على المستراح ليستريح من تعب الصعود، ثم يؤذن المؤذن بعد جلوسه، فإن التأذين كان حين يجلس رسول الله ﷺ ولم يكن قبله أذان، فلما كان زمن عثمان وكثر الناس، أمرهم بالتأذين ثانيا، ثم يديم الجلوس إلى فراغ المؤذن، انتهى. وعن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء، رواه البخاري وقال: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة.
على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء، رواه البخاري وقال: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة.
وفي رواية له أيضا: أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد، وهو يفسر بما فسر به قول ابن أبي زيد السابق. وعند ابن خزيمة: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة. قال ابن خزيمة: قوله "أذانين" يريد: الأذان والإقامة تغليبا أو لاشتراكهما في الإعلام. وللنسائي: كان بلال يؤذن إذا جلس النبي ﷺ على المنبر، فإذا نزل أقام. وفي رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه.
قال في فتح الباري: ولا منافاة بينهما، لأنه باعتبار كونه مزيدا يسمى ثالثا، وباعتبار كونه مقدما على الأذان والإقامة يسمى أولا. وأما قوله في رواية البخاري: "إن التأذين الثاني"، فمتوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة. وقال الشيخ خليل في "التوضيح" واختلف النقل: هل كان يؤذن بين يديه ﵊، أم على المنار؟ الذي نقله أصحابنا أنه كان على المنار، نقله ابن القاسم عن مالك في "المجموعة". ونقل ابن عبد البر في كافية عن مالك أن الأذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم. وقال غيره: هو أصل الأذان في الجمعة، وكذا نقل صاحب "تهذيب الطالب" والمازري. وفي "الاستذكار": إن هذا اشتبه على بعض أصحابنا، فأنكر أن يكون الأذان
يوم الجمعة بين يدي الإمام كان في زمنه ﵊ وأبي بكر وعمر، وأن ذلك حدث في زمن هشام. قال: وهذا قول من قل علمه، ثم استشهد بحديث السائب بن يزيد المروي في البخاري السابق، ثم قال: وقد رفع الإشكال فيه ابن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان يؤذن بين يدي النبي ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة وأبي بكر وعمر. انتهى. والحكمة في جعل الأذان في هذا المحل ليعرف الناس بجلوس الإمام على المنبر فينصتون له إذا خطب. قاله المهلب. قال في فتح الباري: وفيه نظر، فإن في سياق محمد بن إسحاق عند
الطبراني وغيره في هذا الحديث: أن بلالا كان يؤذن على باب المسجد، فالظاهر أنه كان لمطلق الإعلام لا لخصوص الإنصات. والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جمع البلاد إذ ذاك، لكونه كان حينئذ خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهي أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد. وفي تفسير جويبر عن الضحاك عن معاذ: أن عمر أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس الجمعة خارجا عن المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين. وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت، وقد تواردت الأخبار أن عثمان
بين يديه كما كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين. وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت، وقد تواردت الأخبار أن عثمان
هو الذي زاده فهو المعتمد. وقد روى عبد الرزاق ما يقوي هذا الأثر عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعو الناس ولا يؤذن غير أذان واحد. انتهى. لكن عطاء لم يدرك عثمان بن عفان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره. ويمكن الجمع بأن الذي كان في زمن عمر بن الخطاب استمر على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله أذانا وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان يفعله عمر لكونه مجرد إعلام. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة. فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، وأن يكون أراد به: إنه لم يكن في زمنه ﵊، لأن كل ما لم يكن في زمنه ﵊ يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنا، ومنها ما يكون غير ذلك. ثم إن
فعل عثمان ﵁ كان إجماعا سكوتيا لأنهم لم ينكروه عليه. انتهى. وأول جمعة جمعها النبي ﷺ بأصحابه -كما قدمناه في حديث الهجرة- في بني سالم بن عوف، في بطن واد لهم، فخطبهم وهي أول خطبة خطبها بالمدينة وقال فيها. "الحمد لله أحمده، وأستعينه وأستغفره، وأستهديه وأومن به ولا أكفره،
وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة والحكمة، على فترة في الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل, من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله بنفسه، فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون وصدق على ما يبتغون من الآخرة، ومن يصل الذي بينه وبين الله من أمره في السر
وا ما حذركم الله بنفسه، فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون وصدق على ما يبتغون من الآخرة، ومن يصل الذي بينه وبين الله من أمره في السر
والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد، هو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] . فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاه ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وسخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه وترضي الرب، وترفع الدرجة، فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم بكتابه ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من
حيي عن بينة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". ذكر هذه الخطبة القرطبي في تفسيره، وغيره. وقد كان ﷺ يخطب متوكئا على قوس أو عصا, وفي سنن ابن ماجه: أنه ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة
خطب على عصا، وعند أبي داود بإسناد حسن: أنه ﷺ قام متوكئا على قوس أو عصا. قالوا: والحكمة في التوكؤ على نحو السيف، الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح، ولهذا قبضه باليسرى كعادة من يريد الجهاد به. ونازع فيه العلامة ابن القيم في "الهدي النبوي" إذ قال: إن الدين لم يقم إلا بالقرآن والوحي. كذا قال فالله أعلم. وكان ﷺ إذا صعد المنبر سلم. رواه ابن ماجه. وكان ﷺ يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، رواه مسلم من
رواية جابر بن سمرة. وفي رواة له: كانت له ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس. وفي حديث ابن عمر عند أبي داود: كان ﵊ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب.
قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم من علماء الأمصار: الخطبة قائما. ونقل غيره عن أبي حنيفة: أن القيام في الخطبة سنة وليس بواجب. وعن مالك رواية أنه واجب فإن تركه أساء وصحت الخطبة. وعند الباقين: أن القيام شرط، يشترط للقادر كالصلاة، واستدلوا بحديث جابر بن سمرة، وبمواظبته ﷺ على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعا في الخطبتين، ما احتيج إلى الفصل بالجلوس، ولأن الذي نقل عنه الجلوس، وهو معاوية، كان معذورا، فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي: أن معاوية إنما خطب قاعدا لما كثر شحم بطنه.
واستدل الشافعي لوجوب الجلوس بين الخطبتين بما تقدم، وبمواظبة النبي ﷺ على ذلك، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وكان ﷺ يقول بعد الثناء: "أما بعد" كما قال البخاري.
لوجوب الجلوس بين الخطبتين بما تقدم، وبمواظبة النبي ﷺ على ذلك، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وكان ﷺ يقول بعد الثناء: "أما بعد" كما قال البخاري.
وكان ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم مساكم". ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن
بين أصبعيه السبابة، والوسطى، ويقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في
النار"، ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ". رواه مسلم والنسائي من حديث جابر. وفي رواية لمسلم: كانت خطبته ﷺ يوم الجمعة: "نحمد الله ونثني عليه"، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، وذكر نحوه.
وفي أخرى: كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله"، ثم ذكر نحو ما تقدم. وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: ما أخذت: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه مسلم. وعن الحكم بن حزن الكلفي قال: قدمت إلى النبي ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فلبثنا عنده أياما، شهدنا فيها الجمعة، فقام ﷺ متوكئا على قوس، أو قال على عصا، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم
قال: "يا أيها الناس، إنكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا". رواه أحمد وأبو داود. وعن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا﴾ [الزخرف: ٧٧] . رواه البخاري ومسلم. وعن أبي الدرداء: قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: "توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم
م. وعن أبي الدرداء: قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: "توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم
وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، يا أيها الناس إن أكيسكم أكثركم ذكرا للموت، وأكرمكم أحسنكم استعدادا له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور". رواه ... ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله مختصرا بنحوه. وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي ﷺ: "الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله
فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه". وعنده أيضا عنه قال: بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا خطب: "كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، يريد الله أمرا، ويريد الناس أمرا، ما شاء الله كان ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما أبعد الله، لا يكون شيء إلا بإذن الله ﷿". وقال جابر بن عبد الله: كان ﷺ إذا خطب الجمعة يقول بعد أن يحمد الله ويصلي على أنبيائه: "أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم
نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن العبد المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، والذي نفسي بيده، ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم". وعن عمرو أن النبي ﷺ خطب يوما فقال: "ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، ألا فاعملوا
وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". رواه الشافعي، وعند أبي نعيم في الحلية نحوه. واختلف: هل يجب الإنصات، ويمنع من جميع أنواع الكلام حال الخطبة، أو لا؟ وعن الشافعي: في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول يحرم، لا على
ل الخطبة، أو لا؟ وعن الشافعي: في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول يحرم، لا على
الثاني، والثاني هو الأرجح عندهم، فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام، حتى شنع من شنع عليهم من المخالفين. وعن أحمد أيضا روايتان. وعنهما أيضا: التفرقة بين من يسمع الخطبة وبين من لا يسمعها. وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها إلا عن قليل من التابعين. ودخل سليك الغطفاني، وهو ﷺ يخطب، فقال ﷺ: "صليت"؟ قال:
لا، قال: "قم فاركع ركعتين، وأسرع فيهما لتسمع الخطبة". رواه البخاري ومسلم وأبو داود. واستدل به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد. وتعقب: بأنها واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد -عند أصحاب السنن: جاء رجل -والنبي ﷺ يخطب- في هيئة بذة، فقال له: "أصليت"؟ قال: لا، قال: "قم فصل ركعتين" وحض الناس على الصدقة عليه ... الحديث. فأمره بأن يصلي ركعتين كي يراه بعض الناس وهو
قائم فيتصدق عليه. وورد أيضا ما يؤيد الخصوصية، وهو ما أخرجه ابن حبان وهو قوله ﷺ لسليك في آخر الحديث: "لا تعودن لمثلها"، وما يضعف الاستدلال به على جواز التحية في تلك الحالة أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس. فهذا ما عتل به من طعن في الاستدلال بهذه القصة على جواز التحية، وكله مردود، لأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه ﵊ قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يجوزون التطوع لعلة التصدق. قال ابن المنير: لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوع عند طلوع الشمس وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به.
، فإن المانعين منها لا يجوزون التطوع لعلة التصدق. قال ابن المنير: لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوع عند طلوع الشمس وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به.
ومما يدل على أن أمره الصلاة لم ينحصر في قصد التصدق، معاودته ﵊ بأمره بالصلاة في الجمعة الثانية بعد أن حصل له في الجمعة الأولى ثوبان تصدق بهما عليه، فدخل بهما في الثانية فتصدق بأحدهما فنهاه ﷺ عن ذلك. أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضا. ولأحمد وابن حبان: أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جمع، فدل على أن قصد التصدق عليه جزء علة، لا علة كاملة. وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح مسلم عن المحققين: أن ذلك في حق العالم العامد، أم الجاهل والناسي فلا، وحال هذا الداخل محمولة في المرة الأولى على أحدهما، وفي المرتين الأخيريتن على النسيان. والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر
بالإنصات والاستماع للخطبة. وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك وعن غيره من أدلة المانعين بما يطول ذكره، ثم قال: وهذه الأجوبة التي قدمناها تندفع من أصلها بعموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين". متفق عليه. قال: وورد أخص منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: "إذا أتى أحدكم والإمام يخطب، أو قد خرج فليصل ركعتين" متفق عليه.
ولمسلم من طريق أبي سفيان عن جابر أنه قال ذلك في قصة سليك ولفظه بعد قوله: "فاركعهما وتجوز فيهما". ثم قال: "إذا أتى أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما". قال النووي: هذا النص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالما يبلغه هذا الحديث ويعتقده صحيحا فيخالفه. وقال العارف بالله أبو محمد بن أبي حمزة: هذا الذي أخرجه مسلم نص في الباب لا يحتمل التأويل. انتهى. وقد قال قوم: إنما أمره ﷺ بسنة الجمعة التي قبلها ومستندهم قوله ﵊ في قصة سليك -عند ابن ماجه: "أصليت ركعتين قبل أن تجيء"؟ لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعي: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء فلا يصلي إذا دخل المسجد. وتعقب بأن المانع من صلاة التحية لا يجيز التنفل حال الخطبة مطلقا،
ويحتمل أن يكون معنى قوله: "قبل أن تجيء" أي إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام، احتمال أن يكون صلاهما في مؤخر المسجد ثم تقدم لقرب من سماع الخطبة، ويؤيده: أن في رواية مسلم "أصليت الركعتين"؟ بالألف واللام، وهي للعهد، ولا عهد هناك أقرب من تحية المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها فيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. وكانت صلاته ﷺ الجمعة قصدا، بين الطول والتخفيف، وخطبته قصدا. رواه مسلم والترمذي من رواية جابر بن سمرة. زاد في رواية أبي داود، يقرأ بآيات
من القرآن ويذكر الناس. وله في رواية أخرى: كان لا يطيل الموعظة بها يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات. وعن عمرو ابن حريث أنه ﷺ خطب وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه. رواه مسلم. قال ابن القيم في الهدي: وكان ﵊ إذا اجتمع الناس خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه، ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواد، فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ثم يجلس، ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام ﷺ فخطب من
لا طرحة ولا سواد، فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ثم يجلس، ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام ﷺ فخطب من
غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبر ولا غيره، ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان يأمر الناس بالدنو منه، ويأمرهم بالإنصات. انتهى. وينظر في قوله: ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر. وكان ﷺ يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، "و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] في الثانية. رواه مسلم والترمذي وأبو داود. والحكمة في قراءته ﷺ بسورة الجمعة، اشتمالها على وجوب الجمعة
وغير ذلك، مما فيها من القواعد، والحث على التوكل والذكر وغير ذلك. وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها. وفي حديث النعمان بن بشير عند مسلم: وكان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] .
وقد اختلف في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وللعلماء فيه خمسة عشر قولا. أحدها: تصح من الواحد، نقله ابن حزم. الثاني: اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر. الثالث: اثنان مع الإمام، عند أبي يوسف ومحمد والليث. الرابع: ثلاثة معه، عند أبي حنيفة وسفيان الثوري. الخامس: سبعة، عند عكرمة. السادس: تسعة، عند ربيعة. السابع: اثنا عشر، عند ربيعة أيضا في رواية. الثامن: مثله غير الإمام، عند إسحاق. التاسع: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك. العاشر: ثلاثون، كذلك، الحادي عشر: أربعون بالإمام عند إمامنا الشافعي، واشترط كونهم أحرارا، بالغين عقلاء، مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفا إلا لحاجة، وأن يكونوا حاضرين
كذلك، الحادي عشر: أربعون بالإمام عند إمامنا الشافعي، واشترط كونهم أحرارا، بالغين عقلاء، مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفا إلا لحاجة، وأن يكونوا حاضرين
من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة. وحجة الإمام الشافعي: ما رواه الدارقطني وابن ماجه والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان صلى على أبي أمامة واستغفر له، قال فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان في الجمعة إلا فعل ذلك، فقلت: يا أبت، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو؟ قال: يا بني، هو أول من جمع بالمدينة؟ قال: قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا. وقال جابر بن عبد الله: مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة. خرجه الدارقطني. وروى البيهقي عن ابن مسعود: أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الخزرجي: قال في "المجموع": قال أصحابنا: وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد، والأصل الظهر، ولا تتم الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم يثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه. قال: وأما خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا، فليس فيه أن ابتداءها كان باثني عشر، بل يحتمل عودهم، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة. وفي مسلم: "انفضوا في الخطبة" وفي رواية البخاري "انفضوا في الصلاة" وهي محمولة على الخطبة جمعا بين الأخبار. انتهى.
الثاني عشر: أربعون غير الإمام عند إمامنا الشافعي أيضا، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة. الثالث عشر: خمسون، عند أحمد في رواية، وحكيت عن عمر ابن عبد العزيز. الرابع عشر: ثمانون، حكاه المازري. الخامس عشر: جمع كثير بغير حصر. ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. قاله في فتح الباري، والله أعلم.
الباب الثالث: في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه قال الله تعالى له ﵊: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] أي بالقرآن، والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن. والهجود في اللغة: النوم، وعن أبي عبيدة: الهاجد: النائم، والهاجد: المصلي بالليل، وعن الأزهري: الهاجد: النائم، وقال المازني: التهجد: الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، قال: وهكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ.
وقوله: ﴿نَافِلَةً لَك﴾ أي عبادة زائدة في فرائضك، ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ أمر، وصيغة الأمر للوجوب، فوجب كون هذا التهجد واجبا، وروى الطبري عن ابن عباس أن النافلة أي الزيادة للنبي ﷺ خاصة، لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته، وإسناده ضعيف. وقيل معناه: زيادة لك خالصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، وتطوعه هو ﷺ يقع خالصا له لكونه لا ذنب عليه، فكل طاعة يأتي بها ﵊ سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات، وكثرة الحسنات، فلهذا سمي نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوب محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات.
كون لزيادة الدرجات، وكثرة الحسنات، فلهذا سمي نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوب محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات.
وروى مسلم من طريق سعد بن هشام عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة تعني: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [ألمزمل: ١] فقام النبي ﷺ هو وأصحابه حولا، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فرضه. وروى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق سماك عن ابن عباس شاهدا لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة.
وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. وروى محمد بن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة في جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة، لكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا. وهل نسخ في حقه ﷺ؟ أم لا؟ أكثر الأصحاب: لا، والصحيح: نعم، ونقله الشيخ أبو حامد عن النص.
وقالت عائشة: قام ﷺ حتى تورمت قدماه، وفي رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا". قالت: فلما بدن وكثر لحمه صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع. رواه البخاري ومسلم.
والفاء في قوله: "أفلا أكون" للسببية، وهي عن محذوف تقديره: أأترك تهجدي؟ فلا أكون عبدا شكورا، والمعنى: إن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا، فكيف أتركه؟ قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه ﷺ إذا فعل مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار. انتهى. ومحل ذلك -كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري- ما لم يفض ذلك إلى الملال، لأن حال النبي ﷺ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه ﵊ قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". كما أخرجه النسائي من حديث أنس، فأما غيره ﷺ فإذا
ل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه ﵊ قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". كما أخرجه النسائي من حديث أنس، فأما غيره ﷺ فإذا
خشي الملل ينبغي له أن لا يكد نفسه، وعليه يحمل قوله ﷺ: "خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". انتهى. لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر، خصوصا إذا كبر، فتقول له: قد ضعفت وكبرت فأبق على نفسك لئلا ينقطع عملك بالكلية، وهذا وإن كان ظاهره جميلا لكن فيه دسائس، فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجا يئول به إلى ترك العمل شيئا فشيئا، إلى أن ينقطع العمل بالكلية، وما ترك سيد المرسلين، المغفور له، شيئا من عمله بعد كبره. نعم كان يصلي بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت قدماه،
فكيف بمن أثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن من عذاب النار، أن يغفل حال شبيبته، ويتوانى عند ظهور شيبته، فينبغي للإنسان أن يستعد قبل حلول شيبه. "اغتنم خمسا قبل خمس ... وشبابك قبل هرمك". فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره، وقد قال الله تعالى منذرا لمن يدخل في الصباح: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] فكيف بقرب من دخل في الصباح، وظهر كوكب نهاره في أفق رأسه ولاح؟! قال القرطبي: ظن من سأله ﷺ عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفا من الذنوب، وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا
يحتاج إلى ذلك، فأفادهم النبي ﷺ أن هناك طريقا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، واتصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكورا، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] . وفيه: ما كان النبي ﷺ عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم. ذكر سياق صلاته ﷺ بالليل: عن شريح بن هانئ قالت عائشة ﵂: ما صلى رسول الله ﷺ
العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات. رواه أبو داود. وكان ﷺ يقوم إذا سمع الصارخ رواه البخاري ومسلم عن عائشة. وهو يصرخ في النصف الثاني. وقالت عائشة: كان ﵊ ينام أول الليل ويقوم آخره، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ
ثم خرج. رواه الشيخان. وقالت أيضا: كان ﵊ ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره، وربما أوتر في الليل، وربما أوتر في آخره، وربما جهر بالقراءة، وربما خفت. وقالت أم سلمة كان يصلي بنا ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح. رواه أبو داود والنسائي، والترمذي.



