شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الزرقاني، محمد بن عبد الباقي (w. 1122 H).

Bagian 38 dari 43 5943 halaman

— Bagian 38 · خاري ومسلم. وله في رواية: حمار وحش، وفي أخرى: من… —

Bagian 38

خاري ومسلم. وله في رواية: حمار وحش، وفي أخرى: من لحم حمار وحش، وفي رواية: عجز حمار وحشي يقطر دما، وفي رواية: شق حمار وحش، وفي رواية: عضو من لحم صيد.

ورواه أبو داود وابن حبان من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله ﷺ ... فذكره. واتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه، إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية: أن الصعب أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وحش، وهو بالحجفة، فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقي: إن كان هذا محفوظا فلعله رد الحي وقبل اللحم. قال في فتح الباري: وفي هذا الجمع نظر، فإن كانت الطرق كلها محفوظة فلعله رد حيا لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة لذلك، وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصده لأجله. وقد قال الشافعي في "الأم": إن كان الصعب أهدى حمارا حيا

فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش، وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه. ونقل الترمذي عن الشافعي: أنه رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده: أنه جزم بوقوع ذلك في الجحفة، وهو في غيرها من الروايات: بالأبواء أو بودان. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحا لا حيا ثم قطع منه عضوا بحضرة النبي ﷺ فقدمه له، فمن قال: أهدى حمارا أراد بتمامه مذبوحا لا حيا، ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه للنبي ﷺ، قال: ويحتمل أن يكون من أراد حمارا، أطلق وأراد بعضه مجازا، قال: ويحتمل أنه أحفره له حيا فلما رده عليه ذكاه، وأتاه بعضو منه ظنا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل. قال: والجمع مهما

أنه أحفره له حيا فلما رده عليه ذكاه، وأتاه بعضو منه ظنا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل. قال: والجمع مهما

أمكن أولى من توهيم بعض الرواة. وقال النووي: قال الشافعي وآخرون: ويحرم تملك الصيد بالبيع والهبة ونحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد فإن صاده المحرم أو صيد له فهو حرام، سواء صيد له بأذنه أو بغير إذنه، وإن صاده حلال لنفسه ولم يقصد به المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم أو باعه لم يحرم عليه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه، وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلا، سواء صاده أو صاده غيره له، قصده أو لم يقصده، فيحرم مطلقا. حكاه القاضي عياض عن علي وابن عمر وابن عباس لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ، قالوا: والمراد بالصيد المصيد، ولظاهر حديث الصعب بن جثامة، فإنه ﷺ رده وعلل رده عليه بأنه محرم، ولم يقل: بأنك صدته لنا.

واحتج الشافعي وموافقوه: بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم، فإنه ﷺ قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة وهو حلال، قال للمحرمين: "هو حلال فكلوه". وفي الرواية الأخرى قال: "فهل معكم منه شيء"؟ قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول الله ﷺ فأكلها. ولما مر ﷺ بوادي عسفان قال: "يا أبا بكر، أي وادي هذا"؟ قال: وادي عسفان قال: "لقد مر به هود وصالح على بكرين أحمرين خطامهما الليف،

"وأزرهما العباء وأرديتهما النمار يلبون يحجون البيت العتيق". رواه أحمد. وفي رواية مسلم من حديث ابن عباس، لما مر بوادي الأزرق قال: "كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية واضعا أصبعيه في أذنيه مارا بهذا الوادي، وله جؤار إلى الله بالتلبية". ووادي الأزرق خلف أمج -بفتح الهمزة والميم والجيم- قرية ذات مزارع، بينه وبين مكة ميل واحد. ولم يعين في رواية البخاري الوادي، ولفظه: "أما موسى كأني انظر إليه إذ انحدر من الوادي يلبي".

قال المهلب: هذا وهم من بعض رواته؛ لأنه لم يأت في أثر ولا خبر أن موسى حي، وأنه سيحج، وإنما أتى ذلك عن عيسى فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: "ليهلن ابن مريم بفج الروحاء". انتهى. وهو تغليط للثقات بمجرد التوهم، وقد ذكر البخاري الحديث في اللباس من صحيحه بزيادة ذكر إبراهيم فيه أفيقال: إن الراوي الآخر قد غلط فزاده؟ وفي رواية مسلم المتقدمة ذكر يونس، أفيقال: إن الراوي الآخر قد غلط فزاد يونس؟ وتعقب أيضًا: بأن توهيم المهلب للراوي وهم منه وإلا فأي فرق بين موسى وعيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع إلى السماء نزل إلى الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل.

وأجيب: بأن المهلب أراد أن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: "كأني أنظر إليه" ولهذا استدل المهلب بحديث أبي هريرة الذي فيه: "ليهلن ابن مريم بالحج". وقد اختلف في معنى قوله: "كأني أنظر إليه". فقيل: إن ذلك رؤيا منام تقدمت له فأخبر عنها لما حج عندما تذكر ذلك، ورؤيا الأنبياء وحي. وقيل: هو على الحقيقة؛ لأن الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون. فلا مانع أن يحجوا في هذه الحالة، كما في صحيح مسلم عن أنس: أنه رأى موسى قائما في قبره يصلي. قال القرطبي: حببت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دوعي أنفسهم لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر. ويؤيده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء لقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] الآية.

ا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر. ويؤيده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء لقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] الآية.

لكن تمام هذا التوجيه أن يقول: المنظور إليه هي أرواحهم، فلعلها مثلت له في الدنيا كما مثلت له ليلة الإسراء، وأما أجسادهم فهي في القبور. قال ابن المنير وغيره: يجعل الله لروحه مثالا، ويرى في اليقظة كما يرى في النوم. وقيل: كأنه مثلت له أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا، كيف تعبدوا؟، وكيف حجوا؟، وكيف لبوا؟، ولهذا قال: "كأني".. وقيل: كأنه أخبر بالوحي عن ذلك، فلشدة قطعه به قال: "كأني أنظر إليه". انتهى. وقد ذكرت في مقصد الإسراء من ذلك ما يكفي والله الموفق. ولما نزل ﷺ بسرف خرج إلى أصحابه فقال: "من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا".

وحاضت عائشة بسرف فدخل عليها ﷺ وهي تبكي، فقال: "ما يبكيك يا هنتاه"؟ قالت: سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة، قال: "وما شأنك"؟ قالت: لا أصلي، قال: "فلا يضرك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجتك، فعسى الله أن يرزقكيها". رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. وفي رواية قالت عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما يبكيك"؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، فقال: "ما لك، لعلك

"نفست"؟ قلت: نعم، قال: "هذا شيء كتبه الله علي بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير أن تطوفي بالبيت حتى تطهري". الحديث. وقد اختلف فيما أحرمت به عائشة، أولا كما اختلف: هل كانت متمتعة أم مفردة؟ وإذا كانت متمتعة فقيل: إنها كانت أحرمت أولًا بالحج، وهو ظاهر هذا الحديث. وفي حجة الوداع من المغازي عند البخاري، من طريق هشام ابن عروة عن أبيه قالت: وكنت فيمن أهل بعمرة. وزاد أحمد من وجه آخر عن الزهري: ولم أسق هديا، وفي رواية الأسود عنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة.

قالت: وكنت فيمن أهل بعمرة. وزاد أحمد من وجه آخر عن الزهري: ولم أسق هديا، وفي رواية الأسود عنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة.

ويحتمل في الجمع أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفردة، كما صنع غيرها من الصحابة، ثم أمر النبي ﷺ أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتعة، ثم لما دخلت مكة وهي حائض ولم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج. وقال القاضي عياض: واختلف في الكلام على حديث عائشة، فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديما ولا حديثا. قال ابن عبد البر: يريد ليس العمل به في رفض العمرة وجعلها حجا، بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة. واختلف في جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك احتمال أن يكون معنى قوله: "ارفضي عمرتك" أي اتركي التحلل منها وأدخلي عليها بالحج، فتصير قارنة، ويؤيده قوله في رواية لمسلم: "وأمسكي عن العمرة" أي عن أعمالها.

وإنما قالت عائشة: "وأرجع بحج" لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. واستبعد هذا التأويل لقولها في رواية عطاء عنها: "وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة" أخرجه أحمد. وهذا يقوي قول الكوفيين: إن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، وتمسكوا في ذلك قوله لها: "دعي عمرتك"، وفي رواية: "اقضي عمرتك" ونحو ذلك. واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفردا كما صنعت عائشة. لكن في رواية عطاء عنها ضعف، والرافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة، حتى إذا كان بسرف حاضت فقال لها النبي ﷺ: "أهلي بالحج" حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت، فقال: "قد حللت من حجتك وعمرتك"، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: فأعمرها من التنعيم.

ولمسلم من طريق طاوس عنها: فقال لها النبي ﷺ: "طوفك يسعك لحجك وعمرتك" فهذا صريح في أنها كانت قارنة لقوله: "قد حللت من حجك وعمرتك"، وإنما أعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة، وقد وقع في رواية لمسلم: وكان ﷺ رجلا سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه. ثم قال ﷺ لأصحابه: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا". وإنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج، وفي منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بسرف، كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافه بالبيت كما جاء في

منهما جميعا". وإنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج، وفي منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بسرف، كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافه بالبيت كما جاء في

رواية جابر، ويحتمل تكرار الأمر بذلك في الموضعين. وإن العزيمة كانت آخرا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. وفي رواية قالت عائشة: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، حتى قدمنا مكة فقال ﷺ: "من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أحرم بحج فليتم حجه". وهذا الحديث ظاهر في الدلالة لأبي حنيفة وأحمد وموافقيهما، في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال، سواء أكان ساق هديا أم لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء، كما لو تحلل المحرم بالحج.

وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الرواية التي ذكرها مسلم عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا" فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة وتقديرها: ومن أحرم بعمرة فليهل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه، ولا بد من هذا التأويل؛ لأن القصة واحدة، والراوي واحد فتعين الجمع بين الروايتين بما ذكر. والله أعلم. ولما بلغ ﷺ ذا طوى -بضم الطاء وفتحها، وقيدها الأصيلي بالكسر- عند آبار الزاهر، بات بها بي الثنيتين، فلما أصبح صلى الغداة ثم اغتسل. رواه البخاري. وللنسائي كان ﷺ ينزل بذي طوى، يبيت به حتى يصلي صلاة الصبح

بالكسر- عند آبار الزاهر، بات بها بي الثنيتين، فلما أصبح صلى الغداة ثم اغتسل. رواه البخاري. وللنسائي كان ﷺ ينزل بذي طوى، يبيت به حتى يصلي صلاة الصبح

حين يقدم إلى مكة. ومصلى رسول الله ﷺ ذلك، على أكمة خشنة غليظة، ليس في المسجد الذي بنى ثم، ولكن من أسفل ذلك على أكمة خشنة غليظة. وفي الصحيحين: أنه ﷺ دخلها من أعلاها. وفي حديث ابن عمر في الصحيح: كان ﷺ يدخل مكة من الثنية العليا، يعني أعلى مكة من كداء -بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف- وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلاة -مقبرة أهل مكة- وهي التي يقال لها: الحجون -بفتح الحاء المهملة وضم الجيم ... ولم يقع أنه ﷺ دخل مكة ليلا إلا في عمرة الجعرانة، فإنه ﷺ أحرم من

الجعرانة، ودخل مكة ليلا، فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرش الكعبي. وعن عطاء قال: إن شئتم فادخلوا مكة ليلا، إنكم لستم كرسول الله ﷺ، إنه كان إماما، فأحب أن يدخلها نهارا ليراه الناس. رواه النسائي. ثم دخل ﷺ مكة لأربع خلون من ذي الحجة. ودخل المسجد الحرام ضحى من باب بني عبد مناف، وهو باب بني شيبة، والمعنى فيه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، وأيضا: فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع، كما قال ابن عبد السلام في "القواعد". وكان ﵊ إذا رأى البيت قال: "اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا". رواه الثوري عن أبي سعيد الشامي عن مكحول.

وروى الطبراني عن حذيفة بن أسيد قال: كان ﷺ إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تعظيما، وتشريفا وبرا ومهابة". ولم يركع ﵊ تحية المسجد، إنما بدأ بالطواف؛ لأنه تحية البيت كما صرح به كثير من أصحابنا، وليس بتحية المسجد. ثم استلم ﷺ الحجر الأسود، وفي رواية جابر عند البخاري: "استلم الركن"، والاستلام افتعال من السلام، أي التحية، قاله الأزهري، وقيل: من السلام

-بالكسر- أي الحجارة، والمعنى: أنه يومئ بعصاه إلى الركن حتى يصيبه، وكانت عصاه محنية الرأس، وهي المراد بقوله في الحديث بـ"المحجن". واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، وللثاني: الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منها، فلذلك يقبل الأول، ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان. وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله ﷺ الحجر، فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلا. وكان إذا استلم الركن قال: "بسم الله والله أكبر"، وكلما أتى الحجر قال: "الله أكبر" رواه الطبراني.

وهل كان ﵊ طائفا على بعيره أم على قدميه؟ ففي مسلم عن عائشة: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعيره. وفيه عن أبي الطفيل: رأيته ﷺ يطوف بالبيت على بعيره.

وقد اختلف في علة ذلك: فروى أبو داود من حديث ابن عباس: أنه ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، وفي حديث جابر عند مسلم: أنه ﷺ طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه. فيحتمل أنه فعل ذلك للأمرين. قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. وتعقب: بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته ﵇ كانت منوقة، أي مدربة معلمة، فيؤمن معها ما يحذر من التلويث.

الحاجة، بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته ﵇ كانت منوقة، أي مدربة معلمة، فيؤمن معها ما يحذر من التلويث.

قال بعضهم: وهذا كان -والله أعلم- في طواف الإفاضة، لا في طواف القدوم، فإن جابرا حكى عنه الرمل في الثلاثة الأول، وذلك لا يكون إلا مع المشي، ولم يقل أحد: رملت به راحلته، وإنما قالوا: رمل، أي بنفسه. وقال الشافعي: أما سعيه الذي طاف لقدومه فعلى قدميه. انتهى. ولما استلم ﷺ الحجر مضى على يمينه، فرمل ثلاثا ومشى أربعًا. وكان ابتداء الرمل في عمرة القضية، لما قدم ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا

ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس. ولما كان في حجة الوداع رمل ﷺ وأصحابه، فكان سنة مستقلة. قال الطبري: فقد ثبت أنه ﵇ رمل ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل، بل لهيئة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضا صوته لم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها، فلا عليه. انتهى. قلو ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع؛ لأن هيئتها السكينة فلا تغير، والله أعلم.

ولما فرغ ﷺ من طوافه أتى المقام، فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، فقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم رجع إلى الركن الذي فيه الحجر فاستلمه. ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ، أبدأ بما بدأ الله به"، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز

ى البيت واستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز

"وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده،" ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة. وفي حديث أبي الطفيل عند مسلم وأبي داود، قال: قلت لابن عباس، أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله ﷺ كثر

عليه الناس، يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشي السعي أفضل. هذا لفظ رواية. وفي أوله ذكر الرمل في طواف البيت. وعند أبي داود أن قريشا قالت زمن الحديبية: دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل، فيقيموا ثلاثة

أيام، فقدم ﷺ فقال لأصحابه: "أرملوا بالبيت"، وفيه: طاف ﷺ بين الصفا والمروة على بعير؛ لأن الناس كانوا لا يدفعون ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه، وتناله أيديهم الحديث. وكان ﷺ إذا وصل إلى المروة رقى عليها، واستقبل البيت وكبر الله ووحده، وفعل كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة"، فقالم سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله،

ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج هكذا" -مرتين، "لا بل لأبد أبد". وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة. قال النووي: وقد اختلف في هذا الفسخ، هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصا، بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بالحج، وليس معه هدي أن يقلب إحرامه ويتحلل بأعمالها.

وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج. ومما يستدل به الجماهير، حديث أبي ذر في مسلم: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة. يعني فسخ الحج إلى العمرة. وفي النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال رسول الله ﷺ: "بل لنا خاصة".

ة. وفي النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال رسول الله ﷺ: "بل لنا خاصة".

قال: وأما الذي في حديث سراقة: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: "لا، بل لأبد أبد" فمعناه: جواز الاعتمار في أشهر الحج، والقران كما سبق تفسيره. فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث: أن العمرة في أشهر الحج جائزة إلى يوم القيامة، وكذلك القران، وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة، والله أعلم. انتهى.

وفي رواية للنسائي أيضا: لا تصح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النسائي ومتعة الحج، يعني فسخ الحج إلى العمرة، ومتعة النساء: هي نكاح المرأة إلى أجل، كان ذلك مباحًا، ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم فتح مكة ثم نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى يوم القيامة. وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه. وكان ﷺ مدة مقامه بمنزله الذي نزل فيه المسلمين بظاهر مكة، يقصر الصلاة فيه، وكانت مدة إقامته بمكة قبل الخروج إلى منى أربعة أيام ملفقة؛ لأنه قدم في الرابع، وخرج في الثامن، فصلى بها إحدى وعشرين صلاة، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، ومن يوم دخوله ﷺ مكة وخروجه يوم النفر الثاني من منى إلى الأبطح عشرة أيام سواء.

وقدم علي من اليمن على رسول الله ﷺ فقال له: "بما أهللت"؟ فقال: بما أهل به رسول الله ﷺ، فقال: "لولا أن معي الهدي لأحللت". رواه الشيخان من حديث أنس. وفي حديث البراء عند الترمذي والنسائي: دخل علي على فاطمة ﵄ فوجدها قد نضحت البيت بنضوح فغضب. فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحلوا، قال: قلت لها: إني أهللت بإهلال رسول الله ﷺ قال: فأتيته فقال لي رسول الله ﷺ: "كيف صنعت"؟ وقال له: "انحر من البدن سبعا وستين، أو ستا وستين، وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين، وأمسك من كل بدنة منها بضعة". وفي رواية جابر عن مسلم: فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثوبا صبيغًا

أو ستا وستين، وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين، وأمسك من كل بدنة منها بضعة". وفي رواية جابر عن مسلم: فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثوبا صبيغًا

واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فقال: صدقت صدقت مرتين، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا تحل. قال جابر: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ مائة. فحل: الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي.

فلما كان يوم التروية، وكان يوم الخميس ضحى، ركب ﷺ وتوجه بالمسلمين إلى منى، وقد أحرم بالحج من كان أحل منهم، وصلى ﷺ بمنى: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار على طريق ضب، ولا يشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، وكانت "الحمس" وهم قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن قطين الله، أي

جيران بيته فلا نخرج من حرمه، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] .

وعن جبير بن مطعم قال: أضللت حمارا لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت عرفت أن الله وفقه لذلك. وفي رواية: كان رسول الله ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا.

ولما بلغ ﷺ وجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بـ"القصواء" فرحلت له، فركب فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء

الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا،

ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة من الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن

فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده إن اعتصمتم

به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون"؟. قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس ويقول: "اللهم

"اشهد"، ثلاث مرات. ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. وهذا الجمع المذكور يختص بالمسافرين عند الجمهور، وعند مالك والأوزاعي، وهو وجه عند الشافعية: أن الجمع بعرفة وجمع للنسك، فيجوز لكل أحد. قال الأسنوي: فلا يجوز إلا للمسافر بلا خلاف.

وقال الشافعي والأصحاب: إذا خرج الحاج يوم التروية، ونووا الذهاب، إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم كان لهم القصر من حين خروجهم. ولما فرغ من صلاته ﷺ ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، وكان أكثر

القصر من حين خروجهم. ولما فرغ من صلاته ﷺ ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، وكان أكثر

دعائه ﷺ يوم عرفة في الموقف: "اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إني أسألك من خير ما تجيء به الرياح وأعوذ بك من شر ما تجيء به الريح" رواه الترمذي من حديث علي. وفي رواية ذكرها رزين: كان أكثر دعائه ﵊ يوم عرفة بعد قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له: اللهم لك الحمد كالذي نقول، اللهم لك

"صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، وعليك يا رب ثوابي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن وسوسة الصدر، ومن شتات الأمر، ومن شر كل ذي شر". وفي الترمذي: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وكان من دعائه في عرفة أيضا -كما في الطبراني الصغير- من حديث ابن عباس: "اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى

عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته وذل

جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين". وأتاه ﷺ ناس من أهل نجد -وهو بعرفة- فسألوه كيف الحج؟ فأمر مناديا ينادي: "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيام

منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه"، رواه الترمذي. وفي رواية جابر عند أبي داود قال ﷺ بعرفة: "وقفت ههنا وعرفة كلها موقف وههنا أنزل علي ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ " [المائدة: ٣] الآية كما

وفي رواية جابر عند أبي داود قال ﷺ بعرفة: "وقفت ههنا وعرفة كلها موقف وههنا أنزل علي ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ " [المائدة: ٣] الآية كما

في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته -وهو محرم- فمات، فأمر رسول الله -صلى الله وعليه وسلم- أن يكفن في ثوبيه ولا ميس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله يبعثه يوم القيامة يلبي. رواه البخاري ومسلم. أي يبعث على هيئته التي مات عليها. واستدل بذلك على بقاء إحرامه، خلافًا للمالكية والحنفية، قال النووي:

يتأول هذا الحديث على أن النهي عن تعطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز له تغطية وجهه، بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وكان وقوع المحرم المذكور عند الصخرات من عرفة. ولما غربت الشمس بحيث ذهبت الصفرة قليلا، حين غاب القرص، أفاض ﷺ من عرفة وأردف أسامة خلفه، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة"، وكلما أتى حبلا

من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد. وأفاض من طريق المأزمين. وفي رواية ابن عباس أنه ﵊ سمع وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل فأشار بسوطه وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع"، يعني بالإسراع. وفي رواية أبي داود: أفاض من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه أسامة، فقال:

"أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل"، فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا. وفي رواية أسامة بن زيد عند الشيخين: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: والنص فوق العنق.

وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول: "إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالف دين النصاري دينها" قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله. والقلق: الانزعاج. والوضين: بالضاد المعجمة، حزام الرحل. ولما كان ﷺ في أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءا خفيفا، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله؟ قال: "الصلاة أمامك".

فركب حتى أتى مزدلفة، وهي المسماة بـ"جمع" بفتح الجيم وسكون الميم، وسميت جمعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي دنى منها، وعن قتادة: إنما سميت جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتين، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقربون إليه بالوقوف بها. فصلى رسول الله ﷺ بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا صلى أثر كل واحدة منهما. وفي رواية: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام

ل الله ﷺ بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا صلى أثر كل واحدة منهما. وفي رواية: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام

العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا. وترك ﵇ قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح، لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب، واجتهاده ﵇ في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرا، ورقد بقية ليلته مع كونه ﵇ كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر بيده الشريف المبارك ثلاثا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. كما نبه عليه في شرح تقريب الأسانيد. وعن عباس بن مرداس أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: "إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه"، قال: "أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم"، فلم يجب عشيته، فلما

أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك ﷺ، أو قال: تبسم، فقال أبو بكر وعمر ﵄: بأبي أنت وأمي، إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك؟، قال: "إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه". رواه ابن ماجه.

ورواه أبو داود من الوجه الذي رواه به ابن ماجه ولم يضعفه. وقد جاء في بعض الروايات عن غير العباس بن مرداس: ما يبين أن المراد من "الأمة" من وقف بعرفة.

وقال الطبري: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها. وقد رواه البيهقي بنحو رواية ابن ماجه ثم قال: وله شواهد كثيرة، فإن صح بشواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وظلم بعضهم بعضا دون الشرك. انتهى. وقال الترمذي في الحديث الصحيح: "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج

يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وظلم بعضهم بعضا دون الشرك. انتهى. وقال الترمذي في الحديث الصحيح: "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج

من ذنوبه كيوم ولدته أمه". وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون العباد، ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخره بعده تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق.

وقال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق كالصلاة يستتاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعًا. والله أعلم. واستأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة جمع، وكانت ثقيلة ثبطة فأذن لها، فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة. وفي رواية: فاستأذنته سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها أن تدفع قبل حطمة الناس، قالت عائشة: فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به. رواه البخاري.

وفي رواية أبي داود والنسائي: أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. فكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ، تعني عندها. وعند مسلم: بعث أم حبيبة من جمع بليل. وفي رواية البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال: أرسلني رسول الله ﷺ مع ضعفة أهله فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة.

وفي الموطأ والصحيحين والنسائي عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، ثم صلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ فقلت: نعم، قالت: فارتحلوا، إن رسول الله ﷺ قد أذن للظعن والظعن -بالضم: النساء في الهوادج. وقد اختلف السلف في ترك المبيت بالمزدلفة؛ فقال علقمة والنخعي والشعبي: من تركه فاته الحج، وقال عطاء والزهري وقتادة والشافعي والكوفيون

وإسحاق: عليه دم، ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل النصف. وقال مالك: إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع. انتهى. ولما طلع الفجر صلى النبي ﷺ الفجر حين تبين الصبح بأذان وإقامة. وفي سنن البيهقي والنسائي صحيح على شرط مسلم أنه ﷺ قال للفضل بن العباس غداة يوم النحر: التقط لي حصى، فالتقط له حصيات مثل

حصى الخذف. -وهو بالمعجمتين- ولم يكسرها كما يفعل من لا علم عنده. وفي رواية للنسائي قال ﷺ لابن عباس، غداة النحر وهو ﵇ على راحلته: "هات إلقط لي"، فلقط حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين". قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار، وهو رأي البغوي؛ قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح، ونص عليه الشافعي في

لغلو في الدين". قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار، وهو رأي البغوي؛ قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح، ونص عليه الشافعي في

"الأم" و"الإملاء" لكن الجمهور كما قال الرافعي: على استحباب الأخذ بالليل لفراغهم فيه، وهل يستحب أن يلتقط جميع ما يرمي به في الحج، وبه جزم في "التنبيه" وأقره عليه النووي في تصحيحه. لكن الأكثرون كما قال الرافعي، على استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونص عليه الشافعي أيضا، قال في شرح "المهذب". والاحتياط أن يزيد فربما سقط منه شيء. انتهى. ثم ركب النبي ﷺ القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فرقى عليه فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس.

وفي رواية غير جابر: وكان المشركون لا ينفرون حتى يطلع الشمس، وإن رسول الله ﷺ كره ذلك، فنفر قبل طلوع الشمس. وفي حديث علي عند الطبري: لما أصبح ﷺ بالمزدلفة غدا فوقف على قزح وأردف الفضل ثم قال: "هذا الموقف وكل المزدلفة موقف"، حتى إذا أسفر دفع. وفي رواية جابر: وأردف ﷺ الفضل بن العباس، قال: وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع ﷺ مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن،

فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر. وفي رواية: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع، رواه الشيخان وغيرهما.

ن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع، رواه الشيخان وغيرهما.

وقد روي أيضا من حديث عبد الله بن عباس، لكن رجح البخاري رواية الفضل؛ لأنه كان رديف النبي ﷺ حينئذ، وكان عبد الله بن عباس تقدم إلى منى مع الضعفة، فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهد في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره عبد الله بن عباس، فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة، وتارة عما شاهده، ويؤيده ما في الترمذي: أن السؤال المذكور وقع عند المنحر، بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان شاهدا. وفيه: أنه ﵇ لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله، لويت عنق ابن عمك، قال: "رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما من الشيطان".

وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضا كان معه. وفي هذا الحديث دلالة على جواز النيابة في الحج عمن لا يستطيع من الأحياء، خلافا مالك في ذلك، ولمن قال: لا يحج عن أحد مطلقا كابن عمر، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي. وعن أحمد روايتان. انتهى. وفي رواية ابن عباس: أن أسامة قال: كنت ردف النبي ﷺ من عرفة إلى

المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. رواه الشيخان وغيرهما. وفي رواية جابر: فلما أتى ﷺ بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير قليلا. قال الأسنوي: سببه أن النصارى كانت تقف فيه، كما قاله الرافعي، أو العرب، كما قاله في الوسيط، فأمرنا بمخالفتهم. قال: وظهر لي فيه معنى آخر، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه

الإسراع لما ثبت في الصحيح أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك. وقال غيره: وهذه كانت عادته ﷺ في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، وسمي وادي محسر؛ لأن الفيل حسر فيه، أي أعيى وانقطع عن الذهاب. انتهى. ثم سلك ﷺ الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. رمى من بطن الوادي، وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وكان رميه ﷺ يوم النحر ضحى، كما قاله جابر في رواية مسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي.

وفي رواية أم الحصين، عند أبي داود: رأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وفي رواية النسائي: ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه، وذكر قولا كثيرا. وعن أم جندب: رأيته ﵊ يرمي الجمرة من بطن الوادي، وهو راكب، يكبر مع كل حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن العباس. وازدحم الناس فقال النبي ﷺ: "يا أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف".

وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحل ونحوه، وقد مر أنه ﷺ ضربت له قبة من شعر بنمرة. وفي رواية جابر عند مسلم وأبي داود قال: رأيته ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، وهو يقول: "خذوا عني مناسككم لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". وفي رواية قدامة عند الترمذي رأيته يرمي الجمار على ناقة له صهباء، ليس

ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. ثم انصرف ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر

امة عند الترمذي رأيته يرمي الجمار على ناقة له صهباء، ليس

ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. ثم انصرف ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر

ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها. وفي رواية جابر عند مسلم: نحر ﵇ عن نسائه بقرة. وقالت عائشة: نحر ﷺ عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة. رواه أبو داود.

ثم أتى رسول الله ﷺ منزله بمنى، ثم قال للحلاق: "خذ"، وأشار بيده إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس. وفي رواية: أنه قال لحلاق: "ها"، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه وأعطاه أم سليم. وفي أخرى: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه

الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك، م قال: "ها هنا أبو طلحة"؟ فدفعه إليه. وفي أخرى: رمى جمرة العقبة ثم انصرف إلى البدن فنحرها والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق الشق الأيمن فقسمه بين من يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر "، فقال: "أين أبو طلحة"؟ فأعطاه إياه. رواه الشيخان. وعند الإمام أحمد: أنه استدعى الحلاق فقال له وهو قائم على رأسه

بالموسى، ونظر في وجهه، وقال: "يا معمر، أمكنك رسول الله ﷺ من شحمة أذنه وفي يدك الموسى"، قال: فقلت له: أما والله يا رسول الله، إن ذلك لمن نعم الله علي ومنه؟، قال: "أجل". وقال البخاري: وزعموا أن الذي حلق للنبي ﷺ معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف. انتهى. وهو عند ابن خزيمة في صحيحه. وعند الإمام أحمد: وقلم ﷺ أظفاره وقسمها بين الناس. وعنده أيضا: من حديث محمد بن زد، أن أباه حدثه، أنه شهد النبي ﷺ عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي، فلم يصبه شيء ولا صاحبه،

فاره وقسمها بين الناس. وعنده أيضا: من حديث محمد بن زد، أن أباه حدثه، أنه شهد النبي ﷺ عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي، فلم يصبه شيء ولا صاحبه،

فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه فأعطاه شعره، فقسم منه على رجال وقلم أظفاره وأعطاه صاحبه، وكان يخضب بالحناء والكتم. وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين"، رواه الشيخان. وليس فيه تعيين: هل قاله ﷺ في الحديبية أو في حجة الوداع؟ قالوا: ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبي ﷺ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية.

وقد وقع تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبي قرة في "السنن" ومن طريقه الطبراني في الأوسط، ومن حديث المسور بن مخرمة عند ابن إسحاق في المغازي. وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم، ومن حديث قارب بن الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عمارة عند الحارث. فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددا، وأصح إسنادا، ولهذ قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم الحصين: هذه أحاديث تدل

على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع: قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كانت في الحديبية، وجزم إمام الحرمين في النهاية أن ذلك كان في الحديبية، ثم قال النووي: ولا يبعد أن يكون ذلك وقع في الموضعين. انتهى. وكذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب. قال في فتح الباري: بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال، لما دخل عليهم من الحزن، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبي ﷺ وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو ﷺ قبلهم ففعل، فتبعوه فحلق بعض وقصر بعض،

فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر، ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: "لأنهم لم يشكوا". وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال ابن الأثير في "النهاية": كان أكثر من حج معه ﷺ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها، ويحلقوا رؤوسهم، شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجع ﷺ فعل من لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابي

غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابي

وغيره: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعور والتزين بها، وكان الحلق فيهم قليلا، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. انتهى. وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاصي: وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: "اذبح ولا حرج"، ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم اشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارم ولا حرج". قال: فما سئل عن شيء قدم أو أخر

إلا قال: "فعل ولا حرج". رواه مسلم. وفي رواية: حلقت قبل أن أرمي، وفي رواية: وقف ﷺ على راحلته فطفق ناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل الرمي فقال ﷺ: "فارم ولا حرج"، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها

إلا قال ﷺ: "افعلوا ذلك ولا حرج". وفي رواية: أن النبي ﷺ بينا هو قائم يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: ما كنت أحسب أن كذا وكذا، قبل كذا وكذا، وفي رواية: حلقت قبل أنحر، نحرت قبل أن أرمي وأشباه ذلك. وفي رواية: حلقت قبل أن أذبح، ذبحت قبل أن أرمي. ومن المعروف أن الترتيب أولى، وذلك أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة

نحر، نحرت قبل أن أرمي وأشباه ذلك. وفي رواية: حلقت قبل أن أذبح، ذبحت قبل أن أرمي. ومن المعروف أن الترتيب أولى، وذلك أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة

أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعي بعده. وقد تقدم أنه ﷺ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق. وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، وأجمعوا أيضا على جواز تقديم بعضها على بعض، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع. ومذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث: الجواز وعدم جوب الدم لقوله ﵊ للسائل: "لا حرج"، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معا؛ لأن اسم الضيق يشملهما. وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: "لا حرج" أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيا أو جاهلا، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه

الفدية. وتعقب: بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبا لبينه ﷺ حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة فلا يحوز تأخير عنه. وتمسك الإمام أحمد بقوله في الحديث: "لم أشعر" وبما في رواية يونس عند مسلم، وصالح عند أحمد: "فما سمعته يومئذ يساله عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقدم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال: "افعل ولا حرج" بأنه إن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه وإن كان عالمًا فلا. قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب ابتاع الرسول في الحج لقوله: "خذوا عني مناسككم" وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: "لم أشعر" فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. انتهى.

وعن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم،

ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". وقال: "أي شهر هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس ذا الحجة"؟ قلنا:

بلى، قال: "أي بلد هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس البلد الحرام"؟ قلنا: بلى، قال: "فأي يوم هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر"؟ قلنا: بلى، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم

"هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت"؟ قالوا:

نعم، قال: "اللهم اشهد" فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع". رواه الشيخان. وفي رواية للبخاري: "فودع الناس". ووقع في طريق ضعيفة عند البيهقي من حديث ابن عمر سبب ذلك، ولفظه: أنزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب ووقف بالعقبة

أنزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب ووقف بالعقبة

واجتمع إليه الناس فقال: يا أيها الناس فذكر الحديث. وفيه دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر بمنى، وبه قال الشافعي ومن تبعه. وخالف ذلك المالكية والحنفية، فقالوا: خطب الحج ثلاثة: سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر بمنى. ووافقهم الشافعي إلا أنه قال: بدل ثاني النحر ثالثه؛ لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر، قال: وبالناس حاجة إليها ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف. وتعقبه الطحاوي: بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج؛ لأنه لم يذكر فيها شيئا من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة، ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئا من الذي يتعلق بيوم النحر، فعلمنا أنها لم تقصد لأجل الحج. وقال ابن بطال: إنما فعل ﷺ ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه يخطب. قال: وأما ما ذكره الشافعي: أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين؛ لأن

الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة: انتهى. وأجيب: بأنه ﷺ نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم ذي الحجة، وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة، فلا يلتفت لتأويل غيرهم، وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكره يوم عرفة، يعكر عليه في كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة، بل يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يؤتى به من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب. وأما قول الطحاوي: "إنه لم ينقل أنه علمهم شيئا من

تى به من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب. وأما قول الطحاوي: "إنه لم ينقل أنه علمهم شيئا من

أسباب التحلل" فلا ينفي وقوع ذلك أو شيء منه في نفس الأمر، بل قد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عمن يقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق. انتهى. وقد روى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بنمعاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين ثم قال

بحصى الخذف، ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد، قال: ثم نزل الناس بعد ذلك. وفي رواية عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: خطب النبي ﷺ الناس بمنى ونزلهم منازلهم فقال: "لينزل المهاجرون ههنا"، وأشار إلى ميمنة القبلة، "والأنصار ههنا" وأشار إلى ميسرة القبلة، ثم قال: "لينزل الناس حولهم". وعن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة

رسول الله ﷺ التي خطب بمنى. رواه أبو داود. وعن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى، حين ارتفع الضحاء على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد. رواه أبو داود أيضا.

وعن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن قال: حدثتني جدتي سراء بنت نبهان، وكانت ربة بيت في الجاهلية، قالت: خطبنا النبي ﷺ يوم الرءوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "أليس أوسط أيام التشريق"؟ وفي رواية: خطب أوسط أيام التشريق. رواه أبو داود أيضا.

ثم ركب ﷺ قبل الظهر فأفاض إلى البيت فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة والركن والصدر. وفي البخاري: ويذكر عن أبي حسان عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يزور البيت أيام منى. وصله الطبراني من طريق قتادة عن أبي حسان. وقال ابن المديني في "العلل": روى قتادة حديثا غريبا لا نحفظه عن أحمد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام. فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام، ولم أسمعه منه، عن أبيه عن قتادة حدثني أبو حسان عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى الحديث.

وأتى ﷺ زمزم، وبنو عبد المطلب يسقون عليها، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم"، فناولوه دلوا منها فشرب منه. وفي رواية ابن عباس: فشرب وهو قائم، وفي رواية: فحلف عكرمة: ما كان يومئذ إلا على بعير، لكن لم يعين فيها حجة الوداع ولا غيرها، إنما التعيين في

رواية جابر عند مسلم. واختلف أين صلى ﷺ الظهر يومئذ؟، ففي رواية جابر عند مسلم: أنه ﵇ صلى بمكة، وكذا قالت عائشة. وفي حديث ابن عمر -في الصحيحين- أنه ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر، وتبعه على ذلك جماعة؛ لأنهما اثنان، وهما أولى من الواحد؛ ولأن عائشة أخص الناس به، ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها؛ ولأن سياق الناس به، ولها من القرب والاختصاص ما ليست لغيره؛ ولأن سياق جابر لحجته ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق، وأحفظ للقصة وضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أقر منها ما لا يتعلق

من القرب والاختصاص ما ليست لغيره؛ ولأن سياق جابر لحجته ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق، وأحفظ للقصة وضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أقر منها ما لا يتعلق

بالمناسك، وهو نزوله في الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوءا خفيفا، فمن ضبط هذا القدر فهو لضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى، وأيضا: فإن حجة الوداع كانت في "آذار" وهو تساوي الليل والنهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطب بها الناس، ونحر بها بدنة وقسمها، وطبخ له من لحمها وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض، وطاف وشرب من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر ممنها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك الظهر في فصل آذار. ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر: بأنه لا يحفظ عنه في حجته ﷺ أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلي بمنزله بالمسلمين مدة مقامه بمكة، وبأن حديث ابن عمر متفق عليه، وحديث جابر من إفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، فإن رواته أحفظ وأشهر، وبأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها أنه طاف نهارا، وفي رواية عنها: أن أخر الطواف إلى الليل، وفي رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة، ولا مكان الصلاة.

وأيضا: فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع؛ لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع، بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر. انتهى. ثم رجع ﷺ إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى

والثانية، فيطيل القيام فيهما ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقف عندها. رواه أبو داود من حديث عائشة. وعن ابن عمر -عند الترمذي: كان ﷺ إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا. وفي رواية أبي داود: وكان يستقبل القبلة في الجمرتين الدنيا والوسطى، ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي الحديث. واستأذنه ﷺ العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل

كان يستقبل القبلة في الجمرتين الدنيا والوسطى، ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي الحديث. واستأذنه ﷺ العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل

السقاية فأذن له، رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر، وفي رواية الإسماعيلي: رخص رسول الله ﷺ للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته. وفيه دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بـ"الرخصة" يقتضي أن يقابلها: العزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن وبالوجوب قال الجمهور: وفي قول للشافعي، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية: أنه سنة. ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف. ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وهل يختص الإذن بالسقاية، وبالعباس؟ الصحيح العموم، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين.

وجزم الشافعي، بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف فوته، أو مريض يتعهده، بأهل السقاية، كما جزم الجمهور: بإلحاق الرعاء خاصة، وهو قول أحمد. قالوا: ومن ترك المبيت لغير عذر وجب عليه دم عن كل ليلة. ثم أفاض ﷺ بعد ظهر يوم الثلاثاء -بعد أن أكمل رمي أيام التشريق، ولم يتعجل في يومين- إلى المحصب، وهو الأبطح، وحده: ما بين الجبلين إلى

المقبرة، وهو خيف بني كنانة، فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هناك، وكان على ثقله، قال أبو رافع: لم يأمرني ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكني جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل: رواه مسلم. وفيه وفي البخاري، عن أنس أنه ﵇ صلى الظهر والعصر يوم النفر بالأبطح. وفيهما من حديث أبي هريرة: أنه ﷺ قال: "من الغد يوم النحر"، وهو بمنى: "نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة"، حيث تقاسموا على الكفر، يعني بذلك

المحصب. وذلك أن قريشا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ. وعن ابن عباس قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ، أي: ليس التحصيب من أمر المناسك الذي يلزم فعله، لكن لما نزل به ﷺ كان

النزول به مستحبا اتباعا له، لتقريره على ذلك. وقد فعله الخلفاء بعده، كما في مسلم. وعن أنس أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به، رواه البخاري. وهذا هو طواف الوداع، ومذهب الشافعي أنه واجب يلزم بتركه دم على الصحيح: وهو قول أكثر العلماء. وقال مالك وداود: هو سنة لا شيء بتركه. واختلف في المرأة إذا حاضت بعدما طافت طواف الإفاضة، هل عليها طواف الوداع أم لا؟ وكان ابن عباس يرخص لها أن تنفر إذا أفاضت وكان ابن

عمر يقول في أول أمره: إنها لا تنفر، ثم قال في آخر أمره: إن رسول الله ﷺ رخص لهن. رواه الشيخان. وعن عائشة: أن صفية بنت حيي حاضت بعد أن أفاضت، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ

ول أمره: إنها لا تنفر، ثم قال في آخر أمره: إن رسول الله ﷺ رخص لهن. رواه الشيخان. وعن عائشة: أن صفية بنت حيي حاضت بعد أن أفاضت، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ

فقال: "أحابستنا هي"؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذا". ومعنى: "أحابستنا هي"؟ أي أمانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه؟ ظنا منه ﷺ أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان لا يتركها ويتوجه ولا يأمرها بالتوجه معه وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحل الثاني. وفي رواية: فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنها حائض. فقال: "أحابستنا هي"؟ الحديث. وهذا مشكل؛ لأنه ﷺ إن كان علم أنها طافت طواف الإفاضة فكيف يقول: "أحابستنا هي"؟ ٠ وإن كان ما علم، فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟

ويجاب عنه: بأنه ﷺ ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة فأذن لهن، فكان بانيا على أنها قد حلت، فلما قيل له: إنها حائض جوز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك. انتهى. وقالت عائشة: يا رسول الله، أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. رواه الشيخان. وفي رواية لمسلم أنها وقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال لها -يعني رسول الله ﷺ: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا"، فقالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت

هرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال لها -يعني رسول الله ﷺ: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا"، فقالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت

حتى حججت، قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم"، وذلك ليلة الحصبة. زاد في رواية: وكان ﷺ رجلا سهلا، إذا خويت شيئا تابعها عليه. وقد كانت عائشة قارنة؛ لأنها كانت قد أهلت بالعمرة، فحاضت فأمرها فأدخلت عليها الحج، وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلتين، فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرن، وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها. ثم ارتحل ﷺ راجعا إلى المدينة، فخرج من كدى -بضم الكاف مقصورا- وهي عند باب شبيكة، بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان.

واختلف في المعنى الذي لأجله خالف ﷺ بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من في طريقته، وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها. وقيل غير ذلك. وفي صحيح مسلم وغيره، من حديث ابن عباس: أنه ﷺ لقي ركبا

بالروحاء، فقال: من القوم؟ فقالوا: المسلمون فقالوا: من أنت قال: "رسول الله"، فرفعت امراة صبيا لها من محفة فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر". ولما وصل ﷺ لذي الحليفة بات بها. قال بعضهم: إن نزوله لم يكن قصدا، وإنما كان اتفاقيا، حكاه القاضي إسماعيل في أحكامه عن محمد بن الحسن وتعقبه. والصحيح أنه كان قصدا لئلا يدخل المدينة ليلا. فلما رأى المدينة كبر ثلاثا وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا

"حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دخل المدينة نهارًا من طريق المعرس -بفتح الراء المشددة وبالمهملتين- وهو مكان معروف، وكل من المعرس والشجرة التي بات بها ﷺ في ذهابه إلى مكة على ستة أميال من المدينة. انتهى ملخصا من فتح الباري وغيره، والله أعلم. وأما عمره ﷺ والعمرة في اللغة: الزيارة. ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنها واجبة كالحج، والمشهور عن

المالكية أنها تطوع وهو قول الحنفية. وقد اعتمر ﷺ أربع عمر، ففي الصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود عن قتادة قال: سألت أنسا: كم حج رسول الله ﷺ؟ قال: حج حجة واحدة، واعتمر أربع عمر، عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة

الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين، هذا لفظ رواية الترمذي وقال: حسن صحيح. وفي رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة الحديبية -أو زمن الحديبية- في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. وعن محرش الكعبي: أنه ﷺ خرج من الجعرانة ليلا معتمرا، فدخل مكة ليلا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس

من الغد، خرج في بطن سرف، حتى جاء مع الطريق، طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس، رواه الترمذي وقال: حديث غريب. وعن ابن عمر قال: اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج، رواه أبو داود. وعن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة، وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن، قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن، اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ قال: نعم، فقلت لعائشة: أي أمتاه، ألا تسمعين ما يقول أبو

عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي ﷺ في رجب، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب، وما اعتمر من عمرة إلا وأنا معه. قال عروة: وابن عمر يسمع، فما قال: لا ولا نعم، سكت. وفي رواية أبي داود عن عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال. وفي رواية له عن مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبي ﷺ قال:

ي داود عن عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال. وفي رواية له عن مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبي ﷺ قال:

عمرتين، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: لقد علم أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع. وقد ذكرت الاختلاف فيما كان ﵇ محرما به في حجة الوداع. والجمع بين ما اختلف فيه من ذلك. والمشهور عن عائشة أنه ﵇ كان منفردا، وحديثها هذا قد يشعر بأنه كان قارنا، وكذا ابن عمر قد أنكر على أنس لكونه قال: إنه ﵇ كان قارنا مع أن حديثه هذا المتقدم يدل على أنه كان قارنا؛ لأنه لم ينقل أنه ﷺ اعتمر مع حجته، ولم يكن متمتعا؛ لأنه ﷺ اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدي. واحتاج بعضهم إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا فقال: إنما يجوز نسبة العمرة الرابعة إليه ﷺ باعتبار أنه أمر الناس بها وعملت بحضرته، لا أنه ﷺ اعتمرها بنفسه.

وأنت إذا تأملت ما تقدم من أقوال الأئمة في حجته ﷺ من الجمع استغنيت عن هذا التأويل المتعسف. قال بعض العلماء المحققين: وفي عدهم عمرة الحديبية التي صد عنها ﷺ ما يدل على أنها عمرة تامة. وفيه إشارة إلى حجة قول الجمهور: أنه لا يجب القضاء على من صد عن البيت خلافا للحنفية، ولو كانت عمرة القضية بدلا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، وإنما سميت عمرة القضية والقضاء؛ لأن النبي ﷺ قاضى قرشيا فيها، لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صد عنها، إذ لو كان كذلك لكانتا عمرة واحدة. وأما حديث أبي داود عن عائشة: أنه اعتمر في شوال، فإن كان محفوظا فلعله يريد عمرة الجعرانة حين خرج في شوال، ولكن إنما أحرم في ذي القعدة.

Bagian 38 dari 43