شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الزرقاني، محمد بن عبد الباقي (w. 1122 H).

Bagian 6 dari 43 5943 halaman

— Bagian 6 · ير عصماء ": —

Bagian 6

ير عصماء ": ثم سرية عمير بن عدي الخطمي، وكانت لخمس ليال بقين من رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة، إلى عصماء بنت مروان -زوج يزيد بن زيد الخطمي-

وكانت تعيب الإسلام، وتؤذي رسول الله ﷺ فجاءها ليلا، وكان أعمى، فدخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه، فحبسها بيده، ونحى الصبي عنها، ووضع سيفه على صدرها، حتى أنقذه من ظهرها. وصلى الصبح معه ﷺ بالمدينة وأخبره بذلك، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان"، أي لا يعارض فيها معارض ولا يسأل عنها فإنها هدر.

قالوا: وهذا من الكلام المفرد الموجز البليغ، الذي لم يسبق إليه ﵊، وسيأتي لذلك نظائر إن شاء الله تعالى. وفي أول شوال صلى صلاة الفطر.

" غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر ": وفي أول شوال أيضا -وقيل بعد بدر بسبعة أيام،

وقيل في نصف المحرم سنة ثلاث -خرج ﵊ يريد بني سليم. فبلغ ماء يقال له الكدر، وتعرف بغزوة قرقرة، وهي أرض ملساء. والكدر: طير في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع. فأقام بها ﵊ ثلاثا، وقيل عشرا، فلم يلق أحدا

وكانت غيبته ﵇ خمس عشرة ليلة، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل ابن أم مكتوم. وحمل اللواء علي بن أبي طالب ﵁. وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق.

" قتل أبي عفك اليهودي ": ثم سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك اليهودي -وكان شيخا كبيرا، قد بلغ عشرين ومائة سنة-وكان يحرض على النبي ﷺ، ويقول فيه الشعر، فأقبل إليه سالم ووضع سيفه على كبده، ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش، فصاح عدو الله أبو عفك، فثار إليه أناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله فقتل.

وكانت هذه السرية في شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة.

غزوة بني قينقاع: ثم غزوة بني قينقاع -بتثليث النون، والضم أشهر- بطن من يهود المدينة، لهم شجاعة وصبر. وكانت يوم السبت نصف شوال، على رأس عشرين شهرا من الهجرة. وقد كانت الكفار بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم ﷺ على أن لا يحاربوه ولا يؤلبوا عليه عدوه وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وبنو قينقاع. وقسم حاربوه ونصبوا له العدواة كقريش.

وقسم تركوه، وانتظروا ما يؤول إليه أمره، كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة. وبالعكس كبني بكر. ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا، وهم المنافقون. وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم ﵊ في شوال بعد وقعة بدر. قال الواقدي بشهر. وأغرب الحاكم، فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني

قون. وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم ﵊ في شوال بعد وقعة بدر. قال الواقدي بشهر. وأغرب الحاكم، فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني

النضير كانا في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر، على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق. وكان من أمر بني قينقاع، أن امرأة من العرب جلست إلى صائغ يهودي، فراودها على كشف وجهها، فأبت فعمد إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، ووقع الشر بين المسلمين وبين بني قينقاع. فسار إليهم النبي ﷺ بعد أن استخلف أبا لبابة

ابن عبد المنذر. فحاصرهم أشد الحصار، خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وكان اللواء بيد حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ، على أن له أموالهم، وأن لهم النساء والذرية. فأمر ﵊ المنذر بن قدامة بتكتيفهم. وكلم عبد الله بن أبي سلول رسول الله ﷺ فيهم، وألح عليه من أجلهم.

فأمر ﵊ أن يحلوا من المدينة، وتركهم من القتل، وأمر أن يجلوا من المدينة، فلحقوا بأذرعات. فما كان أقل بقاءهم فيها. وأخذ من حصنهم سلاحا وآلة كثيرة. وكانت بنو قينقاع حلفاء لعبد الله بن أبي، وعبادة بن الصامت، فتبرأ عبادة من حلفهم، فقال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله أنزل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الَْالِبُون﴾ [المائدة: ٥٦] .

غزوة السويق: ثم غزوة السويق في ذي الحجة، يوم الأحد لخمس خلون منها، على رأس اثنين وعشرين شهرا، من الهجرة، وقال ابن إسحاق في صفر. وسميت: غزوة السويق؛ لأنه كان أكثر زاد المشركين، وغنمه المسلمون. واستخلف أبا لبابة على المدينة. وكان سبب هذه الغزوة أن أبا سفيان حين رجع بالعير من بدر إلى مكة نذر

لسويق؛ لأنه كان أكثر زاد المشركين، وغنمه المسلمون. واستخلف أبا لبابة على المدينة. وكان سبب هذه الغزوة أن أبا سفيان حين رجع بالعير من بدر إلى مكة نذر

أن لا يمس النساء والدهن حتى يغزو محمدا ﵊ فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه، حتى أتوا العريض -ناحية من المدينة على ثلاثة أميال-

فحرقوا نخلا وقتلوا رجلا من الأنصار. فرأى أبو سفيان أن قد انحلت يمينه، فانصرف بقومه راجعين. وخرج ﵊ في طلبهم، في مائتين من المهاجرين والأنصار، وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب السويق -وهي عامة أزوادهم- يتخففون للهرب، فأخذا المسلمون، ولم يلحقهم ﵊، فرجع إلى المدينة. وكانت غيبته خمسة أيام.

" ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة ": وفي ذي الحجة ﷺ العيد وأمر بالأضحية. وفيه مات عثمان بن مظعون. وفي أول شوال ولد عبد الله بن الزبير. تم بعون الله الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أوله ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله تعالى عنهما.

" ذكر تزويج علي بفاطمة ﵄ ": وفي هذه السنة تزوج علي ﵁، بفاطمة ﵂ كما قاله الحافظ مغلطاي وغيره. وقال الطبري في كتابه "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى": تزوجها في صفر في السنة الثانية، وبنى بها في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من التاريخ. وقال أبو عمر بعد وقعة أحد، وقال غيره: بعد بنائه ﷺ بعائشة

بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف. وتزوجها وهي ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر -أو ستة أشهر ونصف- وسنة يومئذ إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر. ولم يتزوج عليها حتى ماتت. وعن أنس قال: جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة إلى النبي ﷺ فسكت ولم يرجع إليهما شيئا

فانطلقا إلى علي ﵁ يأمرانه بطلب ذلك. قال علي: فنبهاني لأمر، فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي ﷺ فقلت: تزوجني فاطمة؟ قال: "وعندك شيء"؟ فقلت: فرسي وبدني، قال: "أما فرسك فلا بد لك منها وأما بدنك فبعها"، فبعتها بأربعمائة وثمانين، فجئته بها، فوضعتها في حجره، فقبض منها قبضة فقال: "أي بلال: ابتع بها لنا طيبا"

وأمرهم أن يجهزوها، فجعل لها سرير مشروط، ووسادة من أدم حشوها ليف. وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك. فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله ﷺ فقال: "أههنا أخي"، قالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك؟ قال: "نعم". ودخل ﷺ فقال لفاطمة: "ائتني بماء"، فقامت إلى قعب في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه ثم

قال لها: "تقدمي"، فتقدمت: فنضح بين ثديها وعلى رأسها وقال: " اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم". ثم قال: "أدبري" فأدبرت فصب بين كتفيها. ثم فعل مثل ذلك بعلي ﵁. ثم قال له: "ادخل بأهلك بسم الله والبركة". خرجه أبو حاتم، وأحمد في المناقب بنحوه. وفي حديث أنس عند أبي الخير القزويني الحاكمي: خطبها علي بعد أن خطبها أبو بكر ثم عمر................................

أبو حاتم، وأحمد في المناقب بنحوه. وفي حديث أنس عند أبي الخير القزويني الحاكمي: خطبها علي بعد أن خطبها أبو بكر ثم عمر................................

فقال له ﵊: "قد أمرني ربي بذلك". قال أنس: ثم دعاني ﵊ بعد أيام فقال: "ادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وعدة من الأنصار"، فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم وكان علي غائبا فقال ﷺ: "الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد ﷺ

إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا، أمرا مفترضا، أوشج به الأرحام، وألزم به الأنام"، فقال عز من قائل: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت

وعنده أم الكتاب. ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي". ثم دعا ﷺ بطبق من بسر ثم قال: "انتهبوا"، فانتهبنا. ودخل علي فتبسم النبي ﷺ في وجهه ثم قال: "إن الله ﷿ أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت بذلك"؟ فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال: ﵊

"جمع الله شملكما وأعز جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا". قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب. والعقد لعلي وهو غائب محمول على أنه كان له وكيل حاضر، أو على أنه لم يرد به العقد، بل إظهار ذلك، ثم عقد معه لما حضر،

أو على تخصيصه بذلك، جمعا بينه وبين ما ورد، مما يدل على شرط القبول على الفور. وأخرج الدولابي، عن أسماء قالت: لقد أولم علي على فاطمة، فما كان وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن ردعه عند يهودي بشطر من شعير، وكانت وليمته آصعا، من شعير وتمر وحيس. والحيس: التمر والأقط.

وأخرج أحمد في المناقب عن علي: كان جهاز فاطمة ﵂ خميله وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف.

ير، وكانت وليمته آصعا، من شعير وتمر وحيس. والحيس: التمر والأقط.

وأخرج أحمد في المناقب عن علي: كان جهاز فاطمة ﵂ خميله وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف.

" قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة ": ثم سرية محمد بن مسلمة وأربعة معه إلى كعب بن الأشرف اليهودي، لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة. روى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن

كعب بن مالك عن أبيه: أن كعب بن الأشرف كان شاعرا، وكان يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه كفار قريش. وكان النبي ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط، فأراد استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر رسول الله ﷺ بالصبر. فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذاه

أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه. وفي رواية قال ﷺ: "من يتكفل لنا بابن الأشرف"؟ وفي أخرى: "من لكعب بن الأشرف" أي من ينتدب لقتله، "فقد استعلن بعداوتنا وهجانا، وقد خرج إلى قريش فجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك". ثم قرأ على المسلمين ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ

وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١، ٥٢] . وفي الإكليل: "فقد آذانا بشعره، وقوى المشركين".

وفي رواية ابن إسحاق: فقال محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: "فافعل إن قدرت على ذلك". قال: يا رسول الله إنه لابد لنا أن نقول، قال: "قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك".

فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وأبو نائلة -بنون وبعد الألف تحتية-

سلكان بن سلامة -وكان أخا كعب من الرضاعة- وعباد بن بشر، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر. وهؤلاء الخمسة من الأوس.

....................................

وفي رواية ابن سعد: فلما قتلوه وبلغوا بقيع الغرقد

كبروا، وقد قام ﵊ تلك الليلة يصلي، فلما سمعوا تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال: "أفلحت الوجوه". قالوا وجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله تعالى على قتله. وفي كتاب "شرف المصطفى" أن الذين قتلوا كعبا حملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة، فقيل إنه أول رأس حمل في الإسلام. وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس بن معاذ فجرح ونزف الدم فتفل عليه

الصلاة والسلام على جرحه فلم يؤذه بعد.

غزوة غطفان: غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر -بفتح الهمزة والميم-

الحارث بن أوس بن معاذ فجرح ونزف الدم فتفل عليه

الصلاة والسلام على جرحه فلم يؤذه بعد.

غزوة غطفان: غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر -بفتح الهمزة والميم-

وسماها الحاكم غزوة أنمار. وهي بناحية نجد. كان لثنتي عشرة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة. وسببها: أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة، جمعهم دعثور. ابن الحارث المحاربي، وسماه الخطيب: غورث،....................................

وغيره: عورك -وكان شجاعا. فندب رسول الله ﷺ المسلمين وخرج في أربعمائة وخمسين فارسا، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁. فلما سمعوا بمهبطه ﷺ هربوا في رءوس الجبال، فأصابوا رجلا منهم من بني ثعلبه يقال له: حبان، فأدخل

على رسول الله ﷺ فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وضمه إلى بلال. وأصاب النبي ﷺ مطر فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا، واضطجع تحتهما، وهم ينظرون، فقالوا لدعثور: قد انفرد محمد فعليك به، فأقبل ومعه سيف حتى قام على رأسه ﵊ فقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال له النبي: "الله". فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ فقال: "من يمنعك مني"؟ قال: لا أحد يمنعني منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام وأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. [المائدة: ١] .

ويقال كان ذلك في ذات الرقاع. ثم رجع رسول الله ﷺ ولم يلق كيدا، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.

" غزوة بحران ": وتسمى غزوة بني سليم، من ناحية الفرع -بفتح الفاء والراء- كما قيده السهيلي،

وقال في القاموس: وبحران موضع بناحية الفرع، كذا رأيته بخطه بضم الفاء لا غير. وسببها: أنه بغله ﵊ أنه به جمعا كبيرا من بني سليم، فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه، فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع ولم يلق كيدا. وكان قد استتعمل على المدينة ابن أم مكتوم، قاله ابن هشام، وكانت غيبته عشر ليال.

لاثمائة رجل من أصحابه، فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع ولم يلق كيدا. وكان قد استتعمل على المدينة ابن أم مكتوم، قاله ابن هشام، وكانت غيبته عشر ليال.

" سرية زيد إلى القردة ": سرية زيد بن حارثة إلى القردة -بالقاف المفتوحة وسكون الراء، وقيل بالفاء وكسر الراء، كما ضبطه ابن الفرات- اسم ماء من مياه نجد. وسببها: -كما قال ابن إسحاق- أن قريشا خافوا من طريقهم التي يسلكون إلى الشام، حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب،

ومعهم فضة كثيرة. وعند ابن سعد: بعثه ﷺ لهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة، في مائة راكب يعترض عيرًا لقريش فيها صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى، ومعهم مال كثير وآنية فضة. فأصابوها وقدموا بالعير على رسول الله ﷺ، وخمسها وبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم.

وعند مغلطاي: خمسة وعشرين ألف درهم. وذكرها محمد بن إسحاق قبل قتل كعب بن الأشرف.

" غزوة أحد ": ثم غزوة أحد وهو جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها.

وسمي بلك لتوحده وانقطاعه عن جبال آخر هناك، ويقال له: ذو عينين، قال في القاموس: بكسر العين وفتحها مثنى، جبل بأحد. انتهى. وهو الذي قال فيه ﵊: "أحد جبل يحبنا ونحبه"

تنبيه: وقيل: وفيه قبر هارون، أخي موسى، ﵉.

وكانت عنده الوقعة المشهورة، في شوال سنة ثلاث بالاتفاق، يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه -وقيل لسبع ليال خلون منه، وقيل وفي نصفه. وعن مالك: بعد بدر بسنة، وعنه أيضا: كانت على أحد وثلاثين شهرا من الهجرة. وكان سببها، كما ذكره ابن إسحاق عن شيوخه، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود

عن عروة، وابن سعد، قالوا -أو من قال منهم- ما حاصله: إن قريشا لما رجعوا من بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب القليب، ورجع أبو سفيان بعيره، قال عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، في جماعة ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه -بعنون عير أبي سفيان، ومن كانت له في تلك العير تجارة- لعلنا أن ندرك به ثأرنا

فأجابوا لذلك، فباعوها وكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار. وفيهم -كما قال ابن إسحاق وغيره- أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] . واجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ. وكتب العباس بن عبد المطلب كتابا يخبر

رسول الله ﷺ بخبرهم، وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد مقابل المدينة. وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر. ورأى ﷺ ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: "والله إني قد رأيت خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع

هم من مشهد بدر. ورأى ﷺ ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: "والله إني قد رأيت خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع

حصينة، فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل". وقال موسى بن عقبة، ويقول رجال: كان الذي بسيفه ما أصاب وجهه، فإن العدو أصابوا وجهه الشريف ﷺ، يومئذ، وكسروا رباعيته، وجرحوا شفته.

وفي رواية قال ﵊: "وأولت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا، فإن دخل القوم المدينة قاتلناهم، ورموا من فوق البيوت". فقال أولئك القوم، يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم.

فصلى ﵊ بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك. ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ثم دخل ﵊ بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر ﵄، فعمماه وألبساه. وصف الناس ينتظرون خروجه ﵊، فقال لهم سعد بن معاذ

وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج، فردوا الأمر عليه، فخرج ﷺ وقد لبس لأمته -وهي بالهمز وقد يترك تخفيفا: الدرع- وتقلد سيفه، فندموا جميعا على ما صنعوا،

فقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت. فقال: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه". وفي حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم: نحو حديث ابن إسحاق، وفيه إشارة النبي ﷺ إليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة، ولبسه لأمته، وندامتهم على ذلك وقوله ﷺ: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" وفيه: "إني رأيت أني في درع حصينة" الحديث. وعقد ﵊ ثلاثة ألوية:

  • لواء بيد أسيد بن حضير.
  • ولواء للمهاجرين بيد علي بن أبي طالب وقيل بيد مصعب بن عمير.
  • ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة. وفي المسلمين مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، دارعين. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة.

لمين مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، دارعين. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة.

وأدلج ﵊ في السحر، وقد كان ﷺ لما عسكر رد جماعة من المسلمين لصغرهم، منهم: أسامة، وابن عمر،

وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري. والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر. وكان المسلمون الخارجون ألف رجل، ويقال: تسعمائة، والمشركون ثلاثة آلاف رجل

فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس، وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة. ونزل ﵊ بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي في ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق

ويقال: إن النبي ﷺ أمرهم بالانصراف لكفرهم، بمكان يقال له الشوط، ويقال بأحد.

ثم صف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة. قال ابن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. وجعل ﷺ على الرماة -وهم خمسون رجلا- عبد الله بن جبير، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم

وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم". كذا في البخاري من حديث البراء. وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم: أن ﷺ أقامهم في موضع ثم قال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا". قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ: "من يأخذ هذا السيف بحقه"، فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: "أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني"،

قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إليه وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب، فلما رآه ﵊، يتبختر قال: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن".

بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت فخرج وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول فجعل لا يلقى أحدًا من المشركين إلا قتله.

وقوله: في الكيول -بفتح الكاف وتشديد المثناة التحتية- مؤخر الصفوف. وهو: فيعول من كال الزند يكيل كيلا إذا كبا ولم يخرج نارا، فشبه مؤخر الصفوف به لأن من كان فيه لا يقاتل. قال أبو عبيدة: ولم يسمع إلا في هذا الحديث.

وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف. والتقى حنظلة الغسيل وأبو سفيان فضربه شداد بن أوس فقتله فقال ﷺ: "إن حنظلة لتغسله الملائكة"،

فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله بن أبي فقالت: خرج وهو جنب فقال ﵊: "لذلك غسلته الملائكة". وبذلك تمسك من قال من العلماء: إن الشهيد يغسل إذا كان جنبا. وقتل علي ﵁ طلحة بن أبي طلحة لواء المشركين،

لت: خرج وهو جنب فقال ﵊: "لذلك غسلته الملائكة". وبذلك تمسك من قال من العلماء: إن الشهيد يغسل إذا كان جنبا. وقتل علي ﵁ طلحة بن أبي طلحة لواء المشركين،

ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة، فحمل عليه حمزة ﵁ فقطع يديه وكتفيه. ثم أنزل الله نصره على المسلمين فحسوا الكفار بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة، فولى الكفار لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم. ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما

فيه من الغنائم. وفي البخاري: قال البراء: فقال أصحاب عبد الله بن جبير: أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين.

وفي حديث عائشة ﵂ عند البخاري أيضا: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولادهم فاجتلدت مع أخراهم. وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس: أنهم لما رجعوا اختلطوا بالمشركين والتبس العسكران فلم يتميزوا، فوقع القتل في المسلمين بعضهم في بعض. وفي رواية غيرهما: ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكر بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبي جهل فحملوا على من بقي من النفر الرماة

فقتلوهم وأميرهم عبد الله بن جبير. وفي البخاري: أنهم لما اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال: هل من مبارز، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب ﵁ فشد عليه فكان كأمس الدابر، وكان وحشي كامنا تحت صخرة، فلما دنا منه رماه بحريته حتى خرجت من بين

وركيه وكان آخر العهد به. انتهى. وكان مصعب بن عمير قاتل دون رسول الله ﷺ حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة، وهو يظنه رسول الله ﷺ فصاح ابن قمئة أن محمدًا قد قتل. ويقال كان ذلك أزب العقبة،

ويقال: إبليس لعنه الله تصور في صورة جعال. وقال قائل: أي عباد الله أخراكم، أي: احترزوا من جهة أخراكم فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون، وانهزمت طائفة منهم إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل.

له أخراكم، أي: احترزوا من جهة أخراكم فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون، وانهزمت طائفة منهم إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل.

وقال موسى بن عقبة: ولما فقد ﵊، قال رجل: منهم: إن رسول الله ﷺ قد قتل، فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنهم داخلو البيوت. وقال رجال منهم: إن كان رسول الله ﷺ قتل أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله ﷿ شهداء. منهم أنس بن مالك بن النضر شهد له بها عند النبي ﷺ سعد بن معاذ. قال في "عيون الأثر": كذا وقع في هذا الخبر: أنس بن مالك، وإنما هو

أنس بن النضر عم أنس بن مالك بن النضر. انتهى. وثبت النبي ﷺ...................................................................

وانكشفوا عنه، وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق ﵁ وسبعة من الأنصار. وفي البخاري: لم يبق معه ﵊ إلا اثنا عشر رجلا

فأصابوا منا سبعين، وكان ﵊ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا.

فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، ثلاث مرات، فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات،

ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لكما يسوءك، قال: يوم بيوم، والحرب سجال.

وتوجه ﷺ أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته، والذي جرح وجهه الشريف عبد الله بن قمئة، وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد هو الذي كسر رباعيته،

ومن ثم لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهتم -أي مكسور الثنايا من أصلها- يعرف ذلك في عقبه. وقال ابن هشام: في حديث أبي سعيد الخدري: إن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله ﷺ يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب

الزهري شجه في جبهته، وإن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته، ووقع ﷺ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين. وفي رواية: وهشموا البيضة على وجهه -أي كسروا الخوذة- ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما،

ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه الشريف، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه الشريف.

الله حتى استوى قائما،

ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه الشريف، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه الشريف.

وامتص مالك بن سنان -والد أبي سعيد الخدري ﵁ الدم من وجنته ثم ازدرده، فقال ﵊: "من مس دمي لم تصبه النار"، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم دمه ﵊. وفي الطبراني من حديث أبي أمامة قال: رمى عبد الله بن قمئة رسول الله ﷺ يوم أحد فشج وجهه وكسر رباعيته فقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله ﷺ وهو يمسح الدم عن وجهه: "أقماك الله"، فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة.

وروى ابن إسحاق عن حميد الطويل عن أنس قال: كسرت رباعيته ﷺ يوم أحد وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه الشريف، وجعل يمسحه ويقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم"، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:

١٢٨] . ورواه أحمد والترمذي والنسائي من طرق حميد به. وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعي: بلغنا أنه لما جُرِحَ ﷺ يوم أحد، أخذ شيئًا فجعل ينشف دمه ويقول: "لو وقع شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء،

ثم قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضُرِبَ وجه النبي ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها. قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها, أو المبالغة في الكثرة. انتهى. وقاتلت أم عمارة نسيبة

بنت كعب المازنية يوم أحد -فيما قاله ابن هشام, فخرجت أوَّل النهار حتى انتهت إلى رسول الله ﷺ قالت: فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف وأرمي عن القوس, حتى خلصت الجراحة إلي، أصابني ابن قمئة -أقمأه الله تعالى- لما ولَّى الناس عن رسول الله ﷺ, أقبل يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت له، فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته ثلاث ضربات على ذلك، ولكنَّ عدو الله عليه درعان. قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور.

له، فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته ثلاث ضربات على ذلك، ولكنَّ عدو الله عليه درعان. قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور.

وتترِّس دون رسول الله ﷺ -فيما قاله ابن إسحاق- أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل وهو لا يتحرك. ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله ﷺ. قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل ويقول: "ارم فداك أبي وأمي،

حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: "ارم به". وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله ﷺ, فأخذها رسول الله ﷺ بيده, وردَّها إلى موضعها وقال: "اللهم اكسه جمالًا"، فكانت أحسن عينيه وأحدُّهما نظرًا. ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي إن شاء الله تعالى لفظه

في مقصد المعجزات. ورمي أبو رهم الغفاري كلثوم بن الحصين بسهم فوقع في نحره, فبصق عليه ﷺ فبرئ. وانقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه ﷺ عرجونًا فعاد في

يده سيف، فقاتل به, وكان ذلك السيف يسمَّى العرجون، ولم يزل يتوارث حتى بيع من بغا التركي من أمراء المعتصم بالله في بغداد بمائتي دينار. وهذا نحو حديث عكاشة السابق في غزوة بدر, إلّا أن سيف عكاشة كان يسمَّى العون، وهذا يسمَّى العرجون. واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم، يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون, وهم يظنون أنهم أصابوا رسول الله ﷺ, وأشراف أصحابه.

وكان أوَّل مَنْ عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله ﷺ, فلمَّا عرفوه نهضوا ونهض معهم نحو الشِّعْب، معه أبو بكر وعمر وعلي ورهط من المسلمين، فلمَّا أسند

رسول الله ﷺ في الشِّعْب أدركه أُبَيّ بن خلف وهو يقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا، فقالوا: يا رسول الله، يعطف عليه رجل منَّا؟ فقال ﷺ: "دعوه"، فلمَّا دنا تناول ﵊ الحربة من الحارث بن الصمة، فلمَّا أخذها منه ﵊ انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله ﵊، فطعنه رسول الله ﷺ طعنة

وقع بها عن فرسه, ولم يخرج له دم, فكسر ضلعًا من أضلاعه. فلمَّا رجع إلى قريش قال: قتلني والله محمد، أليس قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني، فمات عدو الله بسرف

وهم قافلون إلى مكة. رواه أبو نعيم والبيهقي ولم يذكر: فكسر ضلعًا من أضلاعه. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أُبَيّ بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل إذا نار تأجج فهبتها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ، هذا أُبَيّ بن خلف، ورواه البيهقي.

ولما انتهى ﷺ إلى فم الشِّعب ملأ علي بن أبي طالب ﵁ درقته من المهراس -وهو صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وقيل هو اسم ماء بأحد-

خلف، ورواه البيهقي.

ولما انتهى ﷺ إلى فم الشِّعب ملأ علي بن أبي طالب ﵁ درقته من المهراس -وهو صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وقيل هو اسم ماء بأحد-

فجاء به إلى رسول الله ﷺ, وغسل عن وجهه الدم، وصبّ على رأسه وهو يقول: "اشتدَّ غضب الله على من دمى وجه نبيه". وصلى النبي -صلى لله عليه وسلم- الظهر يومئذ قاعدًا من الجراح التي أصابته، وصلَّى المسلمون خلفه قعودًا. قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثِّلن بالقتلى

من أصحاب رسول الله ﷺ, يجدعن الآذان والآنف، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.

ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل. وكان أبو سفيان حين أراد الخروج إلى أُحد، كتب على سهم نعم، وعلى آخر: لا، وأجالها عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج إلى أُحد، فلما قال: أعل هبل، أي: زد علوًّا. قال رسول الله ﷺ لعمر: "أجبه فقل: الله أعلى وأجل". فقال أبو سفيان:

أنعمت فعال، أي: اترك ذكرها, فقد صدقت في فتواها وأنعمت، أي: أجابت بنعم. فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال: إن لنا عزى ولا عزى لكم. فقال له ﵊ قولوا: "إن الله مولانا ولا مولى لكم".

ولما انصرف أبو سفيان وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال ﵊ لرجل من أصحابه: "قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد". وذكر الطبراني: أنه لما انصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعنّهم, فكانت فاطمة فيمن خرج، فلمَّا لقيت النبي ﷺ اعتنقته, وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلمَّا رأت ذلك أخذت شيئًا

من حصير أحرقته بالنار وكمَّدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم. ثم أرسل ﵊ محمد بن سملة -كما ذكره الواقدي- فنادى في القتلى: "يا سعد ...

لك أخذت شيئًا

من حصير أحرقته بالنار وكمَّدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم. ثم أرسل ﵊ محمد بن سملة -كما ذكره الواقدي- فنادى في القتلى: "يا سعد ...

ابن الربيع، مرة بعد أخرى، فلم يجبه، حتى قال: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليك، فأجابه بصوت ضعيف، فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق, فقال: أبلغ رسول الله ﷺ عني السلام، وقل له: يقول لك: جزاك الله عنَّا خير ما جزى به نبيًّا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: لا عُذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، ثم مات ﵁. وقتل أبو جابر,

فما عرف إلّا ببنانه -أي أصابعه، وقيل أطرافها، واحدتها بنانة. وخرج ﷺ يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي، قد بُقِرَ بطنه عن كبده، ومُثِّل به فجدع أنفه وأذناه، فنظر ﵊ إلى شيء لم ينظر إلى شيء أوجع لقلبه منه, فقال: "رحمة الله عليك، لقد كنت فعولًا للخير، وصولًا للرحم، أما والله

لأمثِّلنَّ بسبعين منهم مكانك"، قال: فنزلت عليه خواتيم سورة النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه﴾ [النحل: ١٢٦] الآية, فصبر وكفَّر عن يمينه وأمسك عمَّا أراد.

وممن مثِّل به كما بحمزة عبد الله بن جحش، ابن أخت حمزة, ولذا يعرف بالمجدع في الله، وكان حين قتل ابن بضع وأربعين سنة، ودفن مع حمزة في قبر واحد. ولما أشرف ﵊ على القتلى

قال: "أنا شهيد على هؤلاء، وما من جريح يجرح في الله إلّا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه, اللون لون الدم, والريح ريح المسك".

وفي رواية عبد الله بن ثعلبة: قال ﵊ لقتلى أحد: "زمّلوهم بجراحهم".

وروى أبو بكر بن مردويه أن رسول الله ﷺ قال: "يا جابر ألا أخبرك، ما كلم الله تعالى أحدًا قط إلّا من وراء حجاب، وإنه كلَّم أباك كفاحًا، فقال: سلني أعطك، فقال: أسألك أن أردَّ إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب ﷿: إنه سبق مني أنهم لا يرجعون إلى الدنيا، قال: يا رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ " [آل عمران: ١٦٩] الآية.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لما أصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلَّا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا

عن الحرب، "قال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم, فأنزل الله ﷿ هذه الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ " رواه أحمد. قال بعض من تكلّم على هذا الحديث: قوله: ثم تأوي إلى قناديل، يصدقه قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ , وإنما تأوي إلى ذلك القناديل ليلًا وتسرح نهارًا قبل دخول الجنة, وبعد دخول الجنة في الآخرة لا تأوي إلى تلك القناديل، وإنما ذلك في البرزخ.

نُورُهُمْ﴾ , وإنما تأوي إلى ذلك القناديل ليلًا وتسرح نهارًا قبل دخول الجنة, وبعد دخول الجنة في الآخرة لا تأوي إلى تلك القناديل، وإنما ذلك في البرزخ.

وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها. وقد ردَّ هذا القول، ويشهد له ما وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق, عند باب الجنة، في قباب خضر, يأتيهم رزقهم منها بكرة وعشيًّا". قال الحافظ عماد الدين بن كثير: كأنَّ الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر, فيجتمعون هناك ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح.

قال: وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه بشرى لكل مؤمنٍ بأنه روحه تكون في الجنة أيضًا, وتسرح فيها, وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور, وتشاهد ما أعدَّ الله لها من الكرامة. قال: وهو إسناد صحيح عزيز عظيم, اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتَّبعة، فإن الإمام أحمد رواه عن الشافعي عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه يرفعه: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة

حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه". وقوله: يعلق، أي: يأكل، وفي هذا الحديث أنَّ روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، وأمَّا أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر، فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها. فنسأل الله تعالى الكريم المنَّان أن يميتنا على الإسلام. وقد استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون -فيما ذكره مغلطاي وغيره, وقيل: خمسة وستون, أربعة من المهاجرين. وروى ابن منده من حديث أُبَيّ بن كعب قال:

استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون, ومن المهاجرين ستة, وصحَّحه ابن حِبَّان من هذا الوجه. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلًا، وقتل ﵊ بيده أُبَيّ بن خلف.

من الأنصار يوم أحد أربعة وستون, ومن المهاجرين ستة, وصحَّحه ابن حِبَّان من هذا الوجه. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلًا، وقتل ﵊ بيده أُبَيّ بن خلف.

وحضرت الملائكة يومئذ، ففي حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم في صحيحه: أنه رأى عن يمين رسول الله ﷺ, وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل يقاتلان عنه كأشد القتال. وفيه -كما قدمناه في غزوة بدر- أن قتال الملائكة معه ﷺ لا يختص بيوم بدر، خلافًا لمن زعمه، كما نصَّ عليه النووي في شرح مسلم كما قدَّمته, والله أعلم.

ولما بكى المسلمون على قتلاهم سر بذلك المنافقون, وظهر غش اليهود. ذكر القاضي عياض في الشفاء, عن القاضي أبي عبد الله بن المرابط من المالكية أنه قال: من قال إن النبي ﷺ هزم يستتاب, فإن تاب وإلّا قُتِل؛ لأنه تنقص،؛ إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته؛ إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته،

انتهى. وهذا موافق لمذهبنا. لكن قال العلامة البساطي من المالكية: هذا القائل إن كان يخالف في أصل المسألة، أعني: حكم السابّ، فله وجه، وإن وافق على أن السابّ لا تقبل توبته فمشكل, انتهى. وقد كان في قصة أُحد، وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحِكَم الربانية أشياء عظيمة: منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية, وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ أن لا يبرحوا منه.

ومنها: إن عادة الرسل أن تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، والحكمة في ذلك أن لو انتصروا دائمًا لدخل في المسلمين من ليس منهم, ولم يتميز الصادق من غيره, ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميّز الصادق من الكاذب, وذلك أنَّ نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين, فلمَّا جرت هذه القصة وأَظْهرَ أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول, عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدوًّا في دورهم, فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم. ومنها:

أنَّ في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها, فلمَّا ابتلي المسلمون صبروا وجزع المنافقون. ومنها: أنَّ الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيِّضَ لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها. ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحَّص ذنوب المؤمنين

ومحق بذلك الكافرين.

" غزوة حمراء الأسد ": وهي على ثمانية أميال من المدينة, على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة. وكانت صبيحة يوم الأحد لست عشرة، أو لثمان خلون من شوال, على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة لطلب عدوهم بالأمس،

ونادى مؤذن رسول الله ﷺ: "أن لا يخرج معنا أحدٌ إلّا من حضر يومنا بالأمس"، أي: من شهد أُحدًا.

وإنما خرج ﵊ مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنّوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

ا من حضر يومنا بالأمس"، أي: من شهد أُحدًا.

وإنما خرج ﵊ مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنّوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

وأقام ﵊ بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة, وقد غاب خمسًا. وظفر ﵊ في مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص, فأمر بضرب عنقه صبرًا.

قال الحافظ مغلطاي: وحُرِّمَت الخمر في شوال، ويقال: سنة أربع. انتهى. قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حُرِّمَت الخمر ثلاث مرات, قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر،.............................................

فسألوا رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] إلى آخر الأية. فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: فيهما إثم كبير. وكانوا يشربون الخمر حتى كان يومًا من الأيام صلى رجل من المهاجرين, أمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] .

وكان الناس يشربون ثم نزلت آية أغلظ منها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] قال: انتهينا ربنا. والميسر: القمار وقيل غيره.

وولد الحسن بن علي في هذه السنة.

" سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ": ثم سرية عبد الله بن عبد الأسد، هلال المحرَّم على رأس خمس وثلاثين شهرًا من الهجرة، إلى قطن -جبل بناحية فيد-

ومعه مائة وخمسون رجلًا من الأنصار والمهاجرين، لطلب طليحة وسلمة ابني خويلد، فلم يجدهما، ووجد إبلًا وشاء فأغار عليهما ولم يلق كيدًا.

" سرية عبد الله بن أنيس ":

وخمسون رجلًا من الأنصار والمهاجرين، لطلب طليحة وسلمة ابني خويلد، فلم يجدهما، ووجد إبلًا وشاء فأغار عليهما ولم يلق كيدًا.

" سرية عبد الله بن أنيس ":

ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده، يوم الإثنين لخمس خلون من المحرَّم، على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة، إلى سفيان بن خالد الهذلي بعرنة -وادي عرفة؛ لأنه بلغه ﷺ أنه جمع الجموع لحربه. فلمَّا وصل إليه قال له: ممن الرجل؟ قال: من بني خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد, فجئتك لأكون معك، قال: اجلس. فمشى معه ساعة، ثم اغترَّه.....

وقتله، وأخذ رأسه، فكان يسير الليل ويتوارى النهار، حتى قدم المدينة، فقال له ﵊: "أفلح الوجه"، قال: أفلح وجهك يا رسول الله، ووضع رأسه بين يديه. وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من محرم.

[بعث الرجيع] :

ثم سرية عاصم بن ثابت، في صَفَر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى الرجيع -بفتح الراء وكسر الجيم، اسم ماء لهذيل بين مكة وعسفان- بناحية الحجاز، وكانت الوقعة بالقرب منه فسميت به. وحديث عضل والقارة -بفتح الضاد المعجمة بعده لام- بطن من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش، وأما القارة -بالقاف وتخفيف الراء: بطن من الهون ينسبون إلى الديش المذكور، وقال ابن دريك: القارة: أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها فسموا بها. وقصة عضل والقارة كانت في بعث الرجيع، لا في سرية بئر معونة، وقد فصل بينهما ابن إسحاق، فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة

ثلاث، وبئر معونة أوائل سنة أربع. وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي ﷺ في ليلة واحدة. وسياق ترجمة البخاري يوهِمُ أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك؛ لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما، وهي مع عضل والقارة. وبئر معونة كان سرية القراء، وهي مع رعل وذكوان، وكأن البخاري أدمجها معها لقربها منها. ويدل على قربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبي ﷺ بين بني لحيان وبين عصية وغيرهم في الدعاء عليهم. ولم يرد البخاري ﵀ أنهما

قصة واحدة، ولم يقل ذكر عضل والقارة عنده صريحًا. وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق, فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله ﷺ بعد أُحدٍ رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه, وأمَّرَ ﵊ على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي, كذا في السيرة له, وفي الصحيح: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي، وهو

هوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه, وأمَّرَ ﵊ على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي, كذا في السيرة له, وفي الصحيح: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي، وهو

أصح -فخرجوا مع القوم حتى أتوا الرجيع- ماء لهذيل, غدروا بهم, فاستصرخوا عليهم هذيلًا فلم يرع القوم، وهم في رحالهم، إلّا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنَّا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم، فأبوا، فأمَّا مرثد وخالد وعاصم، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا, وقاتلوا حتى قتلوا ﵃. وفي البخاري: وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، حتى إذا كانوا بالهدأة

بين عسفان ومكة -وذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو الحيان، فنفروا لهم بقريب من مائتي رجل. وعند بعضهم فتبعوهم بقريب من مائة رام. والجمع بينهما واضح، بأن تكون المائة الأخرى غير رماة. وفي رواية أبي معشر في مغازيه: فنزلوا بالرجيع سحرًا، فأكلوا تمرة عجوة، فسقط نواه بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون بالنهار،

فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنمًا، فرأت النواءات وأنكرت صغرهن، وقالت: هذا تمر يثرب, فصاحت في قومها قد أتيتم، فجاءوا في طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، وتبعوا آثارهم حتى لحقوهم. وفي رواية ابن سعد: فلم يرع القوم إلّا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم. فلما حسَّ بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد -بفاءين مفتوحتين ومهملتين, الأولى ساكنة- وهي الرابية المشرفة، فأحاط بهم القوم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا،

فقال عاصم بن ثابت أيها القوم: أما أنا فلا أنزل في ذمَّة كافر، ثم قال: اللهم أخبر عنَّا رسولك، فاستجاب الله تعالى لعاصم فأخبر رسوله خبرهم يوم أصيبوا. فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم على العهد والميثاق: خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة -بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة والنون المفتوحة المشددة, وعبد الله بن طارق.

فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبًا،

المهملة وكسر المثلثة والنون المفتوحة المشددة, وعبد الله بن طارق.

فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبًا،

فلبث خبيب عندهم أسيرًا، حتى اجتمعوا على قتله, استعار من بعض بنات الحارث موسى ليستحد بها -يعني يحلق عانته-

فغفلت عن ابن لها صغير, فأقبل إليه الصبي فأجلسه عنده, فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت، فقال خبيب: ما كنت لأغدر. قال: قالت: والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفًا من

عنب، مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقًا رزقه الله تعالى خبيبًا. وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب، آية على الكفار، وبرهانًا لنبيه لتصحيح رسالته. والكرامة للأولياء ثابتة مطلقًا عند أهل السنة, لكن استثني بعض المحققين مهم كالعلامة الرباني أبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء, فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك, وهذا أعدل

المذاهب في ذلك. فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام, والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي, ونحو ذلك, قد كثر جدًّا، حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة. فانحصر الخارق الآن في نحو ما قاله القشيري، وتعيّن تقييد من أطلق، بأن كل معجزة لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي. ووراء ذلك: إن الذي استقر عند العامة، أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط، فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأَوْلى من ذكروه: أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكًا بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا

والله أعلم, انتهى ملخصًا من الفتح. ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين -وعند موسى بن عقبة: أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم -وقال: اللهمَّ أحصهم عددًا، ولا تبق منهم أحدًا، واقتلهم بددًا -يعني متفرقين، فلم يحل الحول ومنهم أحد حي.

وفي رواية بريدة بن سفيان، فقال خبيب: اللهمَّ إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه. وفي رواية أبي الأسود عن عروة، جاء جبريل إلى النبي ﷺ فأخبره, فأخبر أصحابه بذلك.. الحديث. ثم أنشأ خبيب يقول: فلست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع والأوصال: جمع وصل، وهو العضو. "والشلو -بكسر المعجمة- الجسد, ويطلق على العضو. لكن المراد به هنا الجسد. والممزع -بالزاي ثم المهملة- المقطّع, ومعنى الكلام: أعضاء جسد مقطع. وعند أبي الأسود عن عروة, زيادة في هذا الشعر فقال: لقد أجمع الأحزاب فيّ وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وفيه أيضًا: إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي وساقه ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا،

يّ وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وفيه أيضًا: إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي وساقه ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا،

قال ابن هشام: ومن الناس من ينكرها لخبيب. فكان أول مَن سنَّ الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبرًا، كذا قاله ابن إسحاق، وقوله هذا يدل على أنها سنة جارية. وإنما صار فعل خبيب سنة -والسنة إنما هي أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وتقريره؛ لأنه فعلها في حياته ﷺ, فاستحسن ذلك من فعله واستحسنها المسلمون

والصلاة خير ما ختم به عمل العبد. وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ في حياته ﵊، كما رويناه من طريق السهيلي بسنده إلى الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى بغلًا من الطائف، فاشترط عليه الكراء أن ينزله حيث شاء. قال: فمال به إلى خربة، فقال له انزل فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال: فلمَّا أراد أن يقتله قال له: دعني أصلي ركعتين، قال: صلِّ فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا، فلمَّا صليت أتاني ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج ليطلب فلم ير شيئًا، فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، فعل ذلك ثلاثًا، فإذا بفارس على فرس في يده حربة حديد في رأسها شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها

من ظهره فوقع ميتًا. ثم قال: لما دعوت المرة الأولى: يا أرحم الراحمين, كنت في السماء السابعة، فلمَّا دعوت المرة الثانية: يا أرحم الراحمين, كنت في سماء الدنيا، فلمَّا دعوت الثالثة أتيتك. انتهى. في رواية أبي الأسود عن عروة: فلمَّا وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب -نادوه وناشدوه: أتحب أن محمدًا مكانك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه. ويقال: إن الذي قال ذلك زيد بن الدثنة، وأنَّ أبا سفيان قال له: يا زيد، أنشدك بالله, أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تُضْرَب عنقه، وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني لجالس في أهلي

ب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تُضْرَب عنقه، وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني لجالس في أهلي

قال أبو سفيان: ما رأيت الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. ثم قتله نسطاس -بكسر النون. وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم

قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، ولعلَّ العظيم المذكور: عقبة بن أبي معيط، فإن عاصمًا قتله صبرًا بأمر النبي ﷺ بعد أن انصرفوا من بدر. ووقع عند ابن إسحاق, وكذا في رواية بريدة بن سفيان: أن عاصمًا لما قُتِل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وهي أمّ مسافع وجلاس ابني طلحة العبدري، وكان عاصم قتلهما يوم أُحد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنَّ الخمر في قحفة -بكسر القاف، وهو ما انفلق من الجمجمة فبان. قال الطبري: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة. فمنعهم منهم الدبر -بفتح الدال

المهملة وسكون الموحَّدة: الزنابير -فلم يقدروا منه على شيء. وكان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا, وكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما حفظه في حياته. وإنما استجاب الله تعالى له في حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه.

بئر معونة: سرية المنذر بن عمرو -بفتح العين المهملة- إلى بئر معونة -بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو بعدها نون: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان. في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أُحد. بعث معه المطلب السلمي ليدلهم على الطريق. وكانت مع رعل -بكسر الراء وسكون العين المهملة: بطن من بني سليم، ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك، وذكوان بطن من بني سليم أيضًا, ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة. فنسبت الغزوة إليها.

وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكان من أمرها -كما قاله ابن إسحاق: أنه قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر, المعروف بملاعب الأسنّة على رسول الله ﷺ

فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد, وقال: يا محمد, لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك, فقال ﵊: "إني أخشى أهل نجد عليهم". قال أبو براء: أنا لهم جاء فابعثهم. فبعث ﵊ المنذر بن عمرو، ومعه القراء وهم سبعون -وقيل: أربعون, وقيل: ثلاثون. وقد بَيِّنَ قتادة في روايته أنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل

وفي رواية ثابت: ويشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن بالليل. فساروا حتى وصلوا إلى بئر معونة، بعثوا حرام بن ملحان بكتابه ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامري، ومات كافرًا -وليس هو عامر بن

الطفيل الأسلمي الصحابي -فلمَّا أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فلم يجبيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم: عصية

تى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فلم يجبيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم: عصية

ورعلًا, فأجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم، إلّا كعب بن زيد, فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قُتِلَ يوم الخندق شهيدًا. وأسرَّ عمرو بن أمية الضميري، فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل

وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه. فلمَّا بلغ النبي ﷺ خبرهم، قال: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا، فبلغ ذلك أبا براء, فمات أسفًا على ما صنع عامر بن الطفيل. وقُتِل عامر بن فهيرة يومئذ, فلم يوجد جسده ﵁، دفنته الملائكة.

قال ابن سعد عن أنس بن مالك ما رأيت رسول الله ﷺ وَجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة. وفي صحيح مسلم عن أنس أيضًا: دعا ﷺ على الذين قتلوا أصحب بئر معونة ثلاثين صباحًا،

يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا قرأناه ثم نسخ بعد -أي: نسخت تلاوته- بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه.

كذا وقع في هذه الرواية، وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة، وليس كذلك. وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأمَّا بنو لحيان فهم الذي أصابوا بعث الرجيع. وإنما أتى الخبر إلى رسول الله ﷺ عنهم كلهم في وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاءً واحدًا. والله أعلم. خاتمة.

حديث بني النضير: ثم غزوة بني النضير -بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- قبيلة كبيرة من اليهود، في ربيع الأول سنة أربعة. وذكرها ابن إسحاق هنا.

م. خاتمة.

حديث بني النضير: ثم غزوة بني النضير -بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- قبيلة كبيرة من اليهود، في ربيع الأول سنة أربعة. وذكرها ابن إسحاق هنا.

قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أُحد. ورجَّح الداودي ما قاله ابن إسحاق، من أن غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] . قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واهٍ، فإن الآية نزلت في شأن بني

قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأمَّا بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي بن أخطب، وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان, فكيف يصير السابق لاحقًا. انتهى. وقد تقدَّم قريبًا أنَّ عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة, فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من

رسول الله ﷺ لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو، وظنَّ أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك, فقال: "لقد قتلت قتيلين لأدينهما". قال ابن إسحاق وغيره: ثم خرج ﵊ إلى بني النضير؛ ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية؛ للجوار الذي كان ﷺ عقده لهما، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف. فلمَّا أتاهم ﵊ يستعينهم في ديتهما قالوا: يا أبا القاسم, نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال. وكان ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم. قالوا: من رجل يعلو على هذا البيت

فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب, فقال: أنا لذلك، فصعد ليقي عليه الصخرة, ورسول الله ﷺ في نفرٍ من أصحابه, فيهم أبو بكر وعمر وعلي. قال ابن سعد: فقال سلام بن مشكم لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه. قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام ﵊ مظهرًا أنه يقضي حاجته، وترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة. واستبطأ النبي ﷺ أصحابه، فقاموا في طلبه

حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما أردت يهود من الغدر به. قال ابن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] .

قال ابن إسحق: فأمر ﷺ بالتيهؤ لحربهم والسير إليهم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. ثم سار بالناس حتى نزل بهم, فحاصرهم ست ليال. قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون, فقطع النخل وحرقها

ال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. ثم سار بالناس حتى نزل بهم, فحاصرهم ست ليال. قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون, فقطع النخل وحرقها

وخرب. فنادوا: يا محمد, قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها. قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء, حتى أنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني

ففي هذه الآية أنه ﷺ لم يحرق من نخلهم إلّا ما ليس بقوت الناس، وكانوا يقتاتون، العجوة، وفي الحديث: "العجوة من الجنة

وتمرها يغذوا أحسن غذاء", والبرني أيضًا كذلك. ففي قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة﴾ ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيه على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصل إلى المسلمين. قال ابن إسحاق: وقد كان رهط من بني عوف بن

الخزرج منهم عبد الله بن أُبَيّ بن سلول, بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا, فقذف في قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم. فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم عن أرضهم ويكفّ عن دمائهم. وعند ابن سعد: أنهم حين هموا بغدره ﷺ, وأعلمه الله بذلك، بعث إليهم محمد بن مسلمة: "أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجَّلتكم عشرًا، فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت عنقه". فمكثوا على ذلك أيامًا يتجهزون، وتكاروا من أناس من أشجع إبلًا، فأرسل

إليهم عبد الله بن أُبَيّ: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم, وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قاله ابن أُبَيّ، فأرسل إلى رسول الله ﷺ: إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. فأظهر ﷺ التكبير، وكبَّر المسلمون بتكبيره، وسار إليهم ﵊ في أصحابه، فصلَّى العصر بفناء بني النضير، وعلي يحمل رايته، فلمَّا رأوا رسول الله ﷺ قاموا على حصونهم، ومعهم النبل والحجارة، واعتزلهم ابن أُبَيّ ولم يمنعهم، وكذا حلفاؤهم من غطفان،

بني النضير، وعلي يحمل رايته، فلمَّا رأوا رسول الله ﷺ قاموا على حصونهم، ومعهم النبل والحجارة، واعتزلهم ابن أُبَيّ ولم يمنعهم، وكذا حلفاؤهم من غطفان،

فيئسوا من نصرهم، فحاصرهم ﷺ, وقطع نخلهم، وقال لهم ﵊: "اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة" -بإسكان اللام, قال في القاموس: الدرع, فنزلت يهود على ذلك, فحاصرهم خمسة عشر يومًا، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم. ثم أجلاهم عن المدينة, وولي إخراجهم محمد بن مسلمة. وحملوا النساء والصبيان، وتحمَّلوا أمتعتهم على ستمائة بعير

فلحقوا بخيبر. وحزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا. وقبض ﷺ الأموال، ووجد من الحلقة خمسين درعًا وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفًا. وكانت بنو النضير صفيًا لرسول الله ﷺ, حبسًا لنوائبه، ولم يسهم منها

Bagian 6 dari 43