— Bagian 8 · يكدم الأرض بفيه حتى مات. —
Bagian 8
يكدم الأرض بفيه حتى مات. وعند الدمياطي وابن سعد أن اللقاح كانت خمسة عشر لقحة -بكسر اللام وسكون القاف- ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر. وفي صحيح مسلم: أن السرية كانت قريبا من عشرين فارسا من الأنصار. وروى ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي ﷺ مولى يقال له: يسار
فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاءوا -وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم- وغدوا على يسار فذبحوه وجعلوا الشوك في عينيه، فبعث النبي ﷺ في آثارهم خيلا من المسلمين، أميرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال ابن كثير: غريب جدا. وروى ابن جرير عن محمد بن إبراهيم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة ... الحديث. وفيه قال جرير: فبعثني رسول الله ﷺ ونفرا من
المسلمين حتى أدركناهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله ﷺ يقول: "النار"، حتى هلكوا. قال: وكره الله سمر الأعين، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية. وهو حديث غريب ضعيف. وفيه: أن أمير السرية جرير بن عبد الله البجلي. قال مغلطاي: وفيه نظر، لأن إسلام جرير كان بعد هذه بنحو أربع سنين.
وفي مغازي ابن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء, وعند غيره: أنه سعد -بسكون العين- ابن زيد الأشهلي، وهذا أنصاري، فيحتمل أن يكون رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة. وأما قوله: فكره الله سمر الأعين فأنزل الله تعالى هذه الآية، فإنه منكر. فقد تقدم أن في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاة، فكان ما فعل بهم قصاصا والله أعلم. تنبيه: قال في فتح الباري: وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان.
والله أعلم. تنبيه: قال في فتح الباري: وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان.
بعث الضمري ليغتال أبا سفين ... "بعث الضمري ليغتال أبا سفيان": ثم سرية عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان بن حرب بمكة، لأنه أرسل للنبي ﷺ من يقتله غدرا، فأقبل الرجل ومعه خنجر ليغتاله، فلما رآه النبي ﷺ قال: "إن هذا يريد غدرا". فجذبه أسيد بن حضير بداخلة إزاره فإذا بالخنجر، فسقط في يده.
فقال ﷺ: "اصدقني ما أنت"؟ , قال: وأنا آمن؟ قال: "نعم". فأخبره بخبره فخلى عنه ﷺ. وبعث عمرو بن أمية ومعه سلمة بن أسلم، ويقال: جبار بن صخر إلى أبي سفيان، وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه، فدخلا مكة. ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبي سفيان
فأخبر قريشا بمكانه، فخافوه وطلبوه، وكان فاتكا في الجاهلية، فحشد له أهل مكة وتجمعوا له. فهرب عمرو وسلمة، فلقي عمرو عبيد الله بن مالك التيمي فقتله، وقتل آخر، ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتحسسان الخبر، فقتل أحدهما وأسر الآخر، فقدم به المدينة. فجعل عمرو يخبر رسول الله ﷺ خبره، وهو يضحك.
...........................
"أمر الحديبية": ثم الحديبية -بتخفيف الياء وتشديدها- وهي بئر سمي المكان بها، وقيل: شجرة، وقال المحب الطبري: قرية قريبة من مكة
أكثرها في الحرم، وهي على تسعة أميال من مكة. خرج ﵊ يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة للعمرة، وأخرج معه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة. ويقال: ألف وخمسمائة وقيل: ألف وثلاثمائة. والجمع بين هذا الاختلاف: أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة
لعمرة، وأخرج معه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة. ويقال: ألف وخمسمائة وقيل: ألف وثلاثمائة. والجمع بين هذا الاختلاف: أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة
فمن قال: ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألف وأربعمائة ألغاه، ويؤيده رواية البراء: ألف وأربعمائة أو أكثر. واعتمد على هذا الجمع النووي. وأما رواية ألف وثلاثمائة فيمكن حملها على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة مائتين لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة. وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافقه أحد عليه، لأنه قاله استنباطا من قول جابر: نحرنا عن عشرة، وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم ما كانوا نحروا غير البدن
مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا. وجزم موسى بن عقبة: بأنهم كانوا ألفا وستمائة. وعند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع: ألف وسبعمائة. وحكى ابن سعد: ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين. واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ولم يخرج معه بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب.
وفي البخاري -في المغازي- عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي، وأشعر وأحرم منها. وفي رواية: أحرم منها
بعمرة, وبعث عينا له من خزاعة. وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك من مكة.
فقال: "أشيروا عليّ أيها الناس، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت". وفيه: قال أبو بكر: يا رسول الله! خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: "امضوا على اسم الله".
وزاد أحمد: كان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط، كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ. وفي رواية للبخاري: حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين".
فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته، فقال الناس: حل حل
فألحت -يعني تمادت على عدم القيام- فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. فقال النبي ﵊: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذلك أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة، وصدتهم قريش لوقع بينهم القتال المفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل، لكن سبق في علم الله أنه سيدخل في الإسلام منهم خلق، ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون. انتهى.
ثم قال ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".
ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء -يعني حفرة فيها ماء قليل- يتربضه الناس تبرضا -أي يأخذونه قليلا قليلا- فلم يلبثه الناس
حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة, وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة
ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة, وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة
فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. والعوذ: بالذال المعجمة: جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن. والمطافيل: الأمهات اللاتي معها أطفالها. يريد أنهم خرجوا معهم
بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال. والمراد أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام ليكون أدعى إلى عدم الفرار. فقال رسول الله ﷺ: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس إن شاءوا، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمعوا -يعني استراحوا
وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي -أي صفحة العنق، كنى بذلك عن القتل- ولينقذن الله أمره". فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول, قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ. فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ
فلما بلحوا علي -وهو بالحاء المهملة، أي تمنعوا من الإجابة- جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد -أي خصلة خير وصلاح- اقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكلم النبي ﷺ, فقال النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى
لنبي ﷺ, فقال النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى
فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا يعني أخلاطا من الناس خليقا أن يفروا عنك ويدعوك. فقال له أبو بكر الصديق ﵁: امصص بظر اللات
أنحن نفر عنه وندعه؟ قال العلماء: وهذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة، فإنه أقام معبود عروة، وهو صنمه مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه به نسبته إلى الفرار. والبظر: بالموحدة المفتوحة والظاء المعجمة الساكنة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة. واللات: اسم صنم. والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم. انتهى. فقال عروة: من هذا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده
لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف عليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. وقد كانت عادة العرب
أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، لا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كان ﷺ يغضي لعروة استمالة وتأليفا. والمغيرة يمنعه إجلالا للنبي ﷺ وتعظيما. انتهى. قال: فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم
فقال النبي ﷺ: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء". ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، فقال: والله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذ توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له.
قال في فتح الباري: فيه إشارة إلى الرد ما خشيه من فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال: من نحبه هذه المحبة ونعظمه هذا التعظيم كيف يظن أنه نفر عنه ونسلمه لعدوه، بل هم أشد اغتباطا به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم والله أعلم. انتهى. قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم
خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له, وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له". فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت
ه ﷺ: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له". فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت
فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فلما أشرف عليهم قال
النبي ﷺ: "هذا مكرز، وهو رجل فاجر". فجعل يكلم النبي ﷺ. فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو
قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي ﷺ: "قد سهل لكم من أمركم". وفي رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سهيل بن عمرو فقالت: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، فقال ﷺ: "قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا". فلما انتهى إلى النبي ﷺ جرى بينهما القول
حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين وأن يؤامر بعضهم بعضا، وأن يرجع عنهم عامهم هذا. وقال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا, فدعا النبي ﷺ الكاتب. فقال له النبي ﷺ: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن الرحيم فوالله، ما أدري ما هو
ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا تكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ: "اكتب باسمك اللهم". ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الحاكم: " هذا ما صالح محمد رسول الله أهل مكة" ... الحديث. فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك, ولكن اكتب: محمد بن عبد الله.
فقال النبي ﷺ: "والله إني لرسول الله كذبتموني". وفي رواية له -أي البخاري- ومسلم: فقال النبي ﷺ لعلي: "امحه" فقال ما أنا بالذي أمحاه، وهي لغة في أمحوه. قال العلماء: وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب، لأنه لم يفهم من النبي ﷺ تحتم محو على نفسه، ولهذا لم ينكر عليه، ولم حتم محوه لنفسه لم يجز لعلي تركه انتهى. ثم قال ﷺ: "أرني مكانها" فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله.
ﷺ تحتم محو على نفسه، ولهذا لم ينكر عليه، ولم حتم محوه لنفسه لم يجز لعلي تركه انتهى. ثم قال ﷺ: "أرني مكانها" فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله.
وفي رواية البخاري -في المغازي- فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب -وليس يحسن يكتب- فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. وكذا أخرجه النسائي وأحمد ولفظه: فأخذ الكتاب -وليس يحسن أن يكتب- فكتب مكان رسول الله: محمد بن عبد الله. قال في فتح الباري: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي
فادعى أن النبي ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب. فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرءان حتى قال قائلهم شعرا: برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال إن رسول الله قد كتبا فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال الأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وبعد أن تحققت أميته وتقررت لذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فيكون معجزة أخرى.
وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية. واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجالد عن عون بن عبد الله قال: ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ. قال مجالد: فذكرته للشعبي فقال: صدق، قد سمعت من يذكر ذلك. وقال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه:
"ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك", وقوله لمعاوية: "ألق الدواة وحرف القلم وفرق السين ولا تعور الميم" إلى غير ذلك. قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث. وعن قصة الحديبية: بأن القصة واحدة، والكاتب فيها هو علي بن أبي طالب رضي الله
عنه، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة بأن عليا هو الذي كتب فيحتمل أن النكتة في قوله فأخذ الكتاب، وليس يحسن يكتب لبيان أن قوله "أرني إياها" إلى أنه إنما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة. وعلى أن قوله بعد ذلك: فكتب، فيه حذف تقديره: فمحاها فأعادها لعلي فكتب: أو أطلق "كتب" بمعنى: أمر بالكتابة، وهو كثير، كقوله: كتب إلى كسرى وقيصر. وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم -وهو لا يحسن الكتابة- أن يصير عالما بالكتابة، ويخرج عن كونه أميا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا ككثير من الملوك. ويحتمل أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في
، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا ككثير من الملوك. ويحتمل أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في
ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا, وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي. وتعقب ذلك السهيلي وغيره: بأن هذا وإن كان ممكنا، ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة، وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتب ذلك. قال السهيلي: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا، والحق: أن معنى قوله "كتب" أمر عليا أن يكتب. انتهى. قال: وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة
تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير، والله أعلم. انتهى. وأما قوله: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" وقوله: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم ... إلخ. فقال العلماء: وافقهم ﵊ في عدم كتابة: بسم الله الرحمن الرحيم, وكتب: باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله، وترك كتابة: رسول الله للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح. مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور: أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله: محمد بن عبد الله، هو أيضا رسوله، وليس في ترك وصف الله تعالى
في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه ﷺ هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما المفسدة لو طلبوا أن يكتبوا ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك. انتهى. قال في رواية البخاري: فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فقال ﷺ: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة, ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا.
سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة, ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا.
فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ والضغطة، بالضم، قال في القاموس: الضيق والإكراه والشدة. انتهى. فإن قلت: ما الحكمة في كونه عليه الصلاة وافق سهيلا على أنه لا يأتيه رجل منهم وإن كان على دين الإسلام إلا ويرده إلى المشركين.
فالجواب: إن المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجا. وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي ﷺ كما هي، ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي ﷺ ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام، قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام.
فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل. وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي. قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١, ٢] فالله ورسوله أعلم. انتهى. قال في رواية البخاري: فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده
وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ. فقال النبي ﷺ: "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا. قال النبي ﷺ: "فأجزه لي". قال: ما أنا بمجيز ذلك. قال: "بلى فافعل". قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى
قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب في الله عذابا شديدا. زاد ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا"
فوثب عمر يمشي إلى جنبه ويقول، اصبر فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب. قال الخطابي: تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين: أحدهما: أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم تمكن التورية، فلم يكن رده إليهم إسلاما لأبي جندل إلى الهلاك، مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية. والوجه الثاني: إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك, وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضا. وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله تعالى يبتلي به صبر عباده المؤمنين.
واختلف العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم، أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير.
.....................................
مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم، أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير.
.....................................
وقيل: لا، وإن الذي وقع في القصة منسوخ. وإن ناسخه حديث: "أنا بريء من مسلم بين مشركين" وهو قول الحنفية. وعند الشافعية: يفصل بين العاقل والمجنون والصبي، فلا يردان. وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب. والله أعلم. قاله في فتح الباري. قال في رواية البخاري: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ, فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: "بلى" , قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى"
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: "إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري". قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام"؟ قلت: لا، قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في
ديننا إذا؟ قال أبو بكر: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال العلماء: لم يكن سؤال عمر ﵁ وكلامه شكا، بل طلبا لكشف ما خفي عليه، وحثا على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما عرف في خلقه وقوته في نصرة الدين، وإذلال المبطلين. وأما جواب أبي بكر لعمر ﵄ بمثل جواب النبي ﷺ فهو من الدلائل الظاهرة على عظم فضله
وبارع علمه، وزيادة عرفانه ورسوخه، وزيادته في كل ذلك على غيره. وكان الصلح بينهم عشر سنين، كما في السير. وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر. ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار كانت أربع سنين. وكذا أخرجه الحاكم في البيوع من المستدرك
شر سنين، كما في السير. وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر. ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار كانت أربع سنين. وكذا أخرجه الحاكم في البيوع من المستدرك
والأول أشهر. وكان الصلح على وضع الحرب، بحيث يأمن الناس فيها، ويكف بعضهم عن بعض. وأن لا يدخل البيت إلا العام المقبل ثلاثة أيام. ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، وهو القراب بما فيه. والجلبان -بضم الجيم وسكون اللام- شبه الجراب يوضع فيه السيف مغمودا. ورواه القتيبي: بضم الجيم واللام وتشديد الباء، وقال: هو أوعية السلاح بما فيها. وفي بعض الروايات: لا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف والقوس. وإنما اشترطوا ذلك ليكون علما وأمارة للسلم
إذ كان دخولهم صلحا. وقال مكي بن أبي طالب القيرواني في تفسيره. وبعث ﵊ بالكتاب إليهم مع عثمان بن عفان
وأمسك سهيل بن عمرو عنده، وأمسك المشركون عثمان فغضب المسلمون. وقال مغلطاي: فاحتبسته قريش عندها. فبلغ النبي ﷺ أن عثمان قد قتل، فدعا الناس إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وقيل: على أن لا يفروا. انتهى.
...................................................
ووضع النبي ﷺ شماله في يمينه وقال: "هذه عن عثمان". وفي البخاري: فقال ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان". فضرب بها على يده اليسرى فقال: "هذه لعثمان" ... الحديث. ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا
وبعثوا عثمان وجماعة من المسلمين. وفي هذه البيعة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] . وحلق الناس مع النبي ﷺ
ونحروا هداياهم بالحديبية، قال مغلطاي: وأرسل الله ريحا حملت شعورهم فألقتها في الحرم.
وأقام ﵊ بالحديبية بضعة عشر يوما، وقيل عشرين يوما، ثم قفل وفي نفوس بعضهم شيء، فأنزل الله تعالى سورة الفتح يسليهم بها ويذكرهم نعمه، فقال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] . قال ابن عباس وأنس والبراء بن عازب: الفتح هنا فتح الحديبية، ووقوع
الصلح بعد أن كان المنافقون يظنون أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، أي حسبوا أنهم لا يرجعون بل يقتلون كلهم. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] فالمراد فتح خيبر على الصحيح؛ لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين. وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن جارية قال: شهدنا الحديبية
فلما انصرفنا وجدنا رسول الله ﷺ واقفا عند كراع الغميم، وقد جمع الناس وقرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية فقال رجل: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال: "إي والذي نفسي بيده إنه لفتح". وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية, صلح الحديبية
أوفتح هو؟ قال: "إي والذي نفسي بيده إنه لفتح". وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية, صلح الحديبية
وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله. وأما قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحِ﴾ [النصر: ١] وقوله ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح". ففتح مكة باتفاق. قال الحافظ ابن حجر: فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال والله أعلم. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة.
وفي هذه السنة كسفت الشمس. وظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة بنت ثعلبة.
وفي هذه السنة أيضا استسقى في رمضان ومطر الناس، فقال النبي ﷺ: "أصبح الناس مؤمنا بالله وكافرا بالكواكب".
قال مغلطاي: وجزم الدمياطي في سيرته بأن تحريم الخمر كان في سنة الحديبية. وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد أحد، وذلك سنة أربع على الراجح. وفيه نظر؛ لأن أنسا كان الساقي يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها، فلو كان ذلك سنة أربع، لكان أنس يصغر عن ذلك. وقال النسائي والبيهقي بسند صحيح
عن ابن عباس: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر فيقول: صنع هذا أخي فلان -وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن- فيقول: والله لو كان بي رحيما ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى ﴿مُنْتَهُونَ﴾ . فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان وفلان, وقد قتل يوم أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾
إلى ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ . وآية تحريم الخمر نزلت في عام الفتح قبل الفتح.
يْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾
إلى ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ . وآية تحريم الخمر نزلت في عام الفتح قبل الفتح.
والخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره، سمي به عصير العنب إذا اشتد وغلا كأنه يخمر العقل، كما سمي مسكرا لأنه يسكره، أي يحجره. وهي حرام مطلقا، وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون سكر. انتهى. وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندي والحيدرية والقلندرية فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ولا غيرهم من علماء السلف، لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في أواخر المائة السادسة وأول السابعة. واختلف هل هي مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب التعزير
والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، وبه جزم الفقهاء وصرح به أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التذكرة في الخلاف، والنووي في شرح المهذب، ولا نعرف فيه خلافا عندنا. ونقل عن ابن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها ينشون عنها ولذلك يتناولونها بخلاف البنج فإنه لا ينشي ولا يشتهى. قال الزركشي: ولم أر من خالف في ذلك إلا القرافي في قواعده فقال: نص العلماء بالنبات أنها مسكرة، والذي يظهر لي أنها مفسدة ... في كلام تعقبه الزركشي يطول ذكره. وقد تضافرت الأدلة على حرمتها: ففي صحيح مسلم كل مسكر حرام وقد قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وأي خبيث أعظم مما
يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها. ولا ريب أن تناول الحشيشة يظهر به أثر التغير في انتظام العقل والقول المستمد كماله من نور العقل. وقد روى أبو داود -بإسناد حسن- عن ديلم الحميري قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، قال: "فهل يسكر"؟ , قلت: نعم، قال: "فاجتنبوه"، قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال: "فإن لم يتركوه فقاتلوهم". وهذا منه ﷺ تنبيه على العلة التي لأجلها حرم المزر فوجب أن كل شيء عمل عمله يجب تحريمه، ولا شك أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه.
وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر. قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف. وهذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات، فإنها إن لم تكن مسكرة كانت مفترة، مخدرة ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رءوسهم بواسطة تبخيرها في الدماغ. واختلف هل يحرم تعاطي اليسير الذي لا يسكر؟ فقال النووي في شرح المهذب: إنه لا يحرم أكل القليل الذي لا يسكر من الحشيش، بخلاف الخمر، حيث حرم قليلها الذي لا يسكر. والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة. وتعقبه الزركشي بأنه صح في الحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"
حرم قليلها الذي لا يسكر. والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة. وتعقبه الزركشي بأنه صح في الحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"
قال: والمتجه أنه لا يجوز من الحشيش لا قليل ولا كثير. وقد نقل الإجماع على تحريمها غير واحد، منهم القرافي وابن تيمية وقال: إن من استحلها فقد كفر. وتعقبه الزركشي: بأن تحريمها ليس معلوما من الدين بالضرورة، سلمنا ذلك، لكن لا بد أن يكون دليل الإجماع قطعيا على أحد الوجهين، وقد ذكر أصحابنا أن المسكر من غير عصير العنب، كعصير العنب في وجوب الحد، لكن لا يكفر مستحله لاختلاف العلماء فيه. وأما قول النووي: إنها طاهرة وليست بنجسة، فقطع به ابن دقيق العيد وحكى الإجماع عليه. قال: والأفيون وهو لبن الخشخاش، أقوى فعلا من الحشيش، لأن القليل منه يسكر جدا، وكذلك السيكران وجوز الطيب
مع أنه طاهر بالإجماع. انتهى. وقد جمع بعضهم في الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية وبدنية، حتى قال بعضهم: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيش وزيادة. فإن أكثر ضرر الخمر في الدين لا في البدن. وضررها فيهما. فمن ذلك: فساد العقل، وعدم المروءة، وكشف العورة، وترك الصلوات، والوقوع في المحرمات، وقطع النسل، والبرص والجذام والأسقام والرعشة والأبنة، ونتن الفم وسقوط شعر الأجفان، وتفتيت الأسنان وتسويدها، وتضييق النفس وتصفير الألوان، وتفتيت الكبد، وتجعل الأسد كالجعل، وتورث الكسل والفشل، وتعيد العزيز ذليلا، والصحيح عليلا، والفصيح أبكما، والذكي أبلما، وتذهب السعادة
وتنسي الشهادة، فصاحبها بعيد عن السنة طريد عن الجنة، موعود من الله باللعنة إلا أن يقرع من الندم سنة ويحسن بالله ظنه. ولقد أحسن القائل: قل لمن يأكل الحشيشة جهلا ... يا خسيسا قد عشت شر معيشة دية العقل بدرة فلماذا ... يا سفيها قد بعتها بحشيشة
أمر الحديبية ...
" غزوة خيبر ": وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام.
بدرة فلماذا ... يا سفيها قد بعتها بحشيشة
أمر الحديبية ...
" غزوة خيبر ": وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام.
قال ابن إسحاق: خرج النبي ﷺ في بقية شهر المحرم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها. وقيل: كانت في آخر سنة ست، وهو منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم. قال الحافظ ابن حجر: والراجح ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول. وأغرب ابن سعد وابن أبي شيبة فرويا من حديث أبي سعيد الخدري: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان، وإسناده حسن، لكنه خطأ ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت. وتوجيهه: بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج ﷺ فيها في رمضان جزما.
قال: وذكر الشيخ أبو حامد في التعليقة: أنها كانت سنة خمس، وهو وهم، لعله انتقال من الخندق إلى خيبر. وكان معه ﵊ ألف وأربعمائة راجل ومائتا فارس، ومعه أم سلمة زوجته. وفي البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع النبي إلى خيبر فسرنا ليلا، فقال رجل من
القوم لعامر: عامر، ألا تسمعنا من هنيهاتك وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء.........
.... لك ما اتقينا وألقين سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إنا إذا صيح بنا أتينا ... وبالصياح عولوا علينا وفي رواية إياس بن سلمة عن أبيه عند أحمد في هذا الرجز من الزيادة: إن الذين قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فقال رسول الله ﷺ -كما في رواية البخاري:
"من هذا السائق"؟ فقالوا: عامر بن الأكوع: قال: "يرحمه الله". قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به. الحديث. وفي رواية أحمد: فجعل عامر يرتجز ويسوق الركاب، وهذه كانت عادتهم إذا أرادوا تنشيط الإبل في السير نزل بعضهم فيسوقها، ويحدو في تلك الحال. وقوله: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا" كذا الرواية، قالوا: وصوابه في الوزن: لا هم. أو: تالله، كما في الحديث الآخر. وقوله: "فداء لك" قال المازري:
هذه اللفظة مشكلة، فإنه لا يقال للباري سبحانه: فديتك؛ لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله بالشخص، فيختار شخص آخر أن يحل ذلك به ويفديه منه. قال: ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه، كما يقال: قاله الله، ولا يريد بذلك حقيقة الدعاء عليه، وكقوله ﵊: "تربت يداك". و "تربت يمينك". وفيه كله ضرب من الاستعارة لأن المفادي مبالغ في طلب رضا المفدي حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه، فكان مراد الشاعر: أي أبذل نفسي في رضاك.
و "تربت يمينك". وفيه كله ضرب من الاستعارة لأن المفادي مبالغ في طلب رضا المفدي حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه، فكان مراد الشاعر: أي أبذل نفسي في رضاك.
وعلى كل حال فإن المعنى وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة فإطلاق اللفظ واستعارته والتجوز فيه يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فيه. قال: وقد يكون المراد بقوله: "فداء لك" رجل يخاطبه، وفصل بين الكلام بذلك، ثم عاد إلى الأول فقال: ما اتقينا. وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى لولا أن فيه تعسفا اضطرنا إليه تصحيح الكلام. انتهى. وقيل: إنه يخاطب بهذا الشعر النبي ﷺ. المعنى: لا تؤاخذنا بتقصيرنا في حقك ونصرك. وعلى هذا فقوله: "اللهم" لم يقصد بها الدعاء وإنما افتتح بها الكلام. والمخاطب بقول الشاعر: "لولا أنت" النبي، لكن يعكر عليه قوله بعد ذلك: فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا فإنه دعاء لله تعالى. ويحتمل أن يكون المعنى فاسأل ربك أن ينزل ويثبت
والله أعلم. وقوله: "إذا صيح بنا أتينا" أي إذا صيح بنا للقتال ونحوه من المكاره أتينا ولم نتأخر عنه. وفي رواية أبينا بالموحدة بدل المثناة، أي أبينا الفرار. وقوله: "وبالصياح عولوا عليها" أي استعانوا بنا واستفزعونا للقتال. قيل: هو من التعويل على الشيء وهو الاعتماد عليه، وقيل: هو من العويل، وهو الصوت. وقوله: "من هذا السائق؟ قالوا: عامر، قال: يرحمه الله، قال رجل من القوم: وجبت" أي: ثبتت له الشهادة وستقع قريبا، لأنه كان معلوما عندهم أن من دعا له النبي ﷺ هذا
الدعاء في هذا الموطن استشهد، وقوله: لولا أمتعتنا به؟ أي وددنا أنك أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته مدة. وفي البخاري من حديث أنس أنه ﷺ أتى خيبر ليلا -وكان إذا أتى قوما بليل لم يغربهم حتى يصبح- فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم
فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبي ﷺ: "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". وفي رواية: فرفع يديه وقال: "الله أكبر خربت خيبر".
: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبي ﷺ: "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". وفي رواية: فرفع يديه وقال: "الله أكبر خربت خيبر".
والخميس: الجيش: سمي به لأنه مقسوم بخمسة أقسام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب. ومحمد: خبر مبتدأ، أي هذا محمد. قال السهيلي: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل؛ لأنه ﵊ لما رأى آلة الهدم تفاءل أن مدينتهم ستخرب. انتهى. ويحتمل -كما قاله في فتح الباري- أن يكون قال: "خربت خيبر" بطريق الوحي، ويؤيده قوله بعد ذلك: "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". وفي رواية: أنه ﷺ صلى الصبح قريبا من خيبر بغلس ثم قال: "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
وقال مغلطاي وغيره: وفرق ﵊ الرايات، ولم تكن الرايات إلا بخيبر، وإنما كانت الألوية. قال الدمياطي: وكانت راية النبي ﷺ السوداء من برد لعائشة ﵂. وفي البخاري: وكان علي بن أبي طالب تخلف عن النبي ﷺ وكان رمدا, فقال: أنا أتخلف عن النبي ﷺ فلحق فلما بتنا الليلة التي فتحت قال: "لأعطين الراية غدا -أو: ليأخذن
الراية غدا- رجل يحبه الله ورسوله". وفي رواية أنه ﷺ قال: "لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه".
فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.
فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير من أن يكون لك حمر النعم". الحديث.
ولما تصاف القوم، كان سيف عامر قصيرا، فتناول ساق يهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمت منه. فلما قفلوا، قال سلمة:
قلت يا رسول الله، فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله، فقال النبي ﷺ: "كذب من قال، وإن له أجرين -وجمع بين إصبعيه- إنه لجاهد مجاهد". رواه البخاري أيضا. وعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة، فقلت: ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر, فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة.
أخرجه البخاري. وعند أيضا عن أبي هريرة: شهدنا خيبر فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يدعي الإسلام: "هذا من أهل النار"، فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب،
فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها سهما فنحر نفسه، فاشتد رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: "قم يا فلان فأذن: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".
وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة". الحديث.
وقاتل النبي ﷺ أهل خيبر، وقاتلوه أشد القتال، واستشهد من المسلمين خمسة عشر، وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون. وفتحها الله عليه حصنا حصنا، وهي: النطاة، وحصن أصعب وحصن ناعم،
ل خيبر، وقاتلوه أشد القتال، واستشهد من المسلمين خمسة عشر، وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون. وفتحها الله عليه حصنا حصنا، وهي: النطاة، وحصن أصعب وحصن ناعم،
وحصن قلعة الزبير، والشق، وحصن البريء، والقموص, والوطيح, والسلالم.
وهو حصن بني أبي الحقيق. وأخذ كنز آل أبي الحقيق الذي كان في مسك الحمار، وكانوا قد غيبوه في خربة، فدل الله رسوله عليه فاستخرجه. وقلع
علي باب خيبر، ولم يحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد. وفي رواية ابن إسحاق: سبعة، وأخرجه من طريق البيهقي في الدلائل، ورواه الحاكم، وعنه البيهقي من جهة ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين عن جابر: أن عليا حمل الباب يوم خيبر، وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا, وليث ضعيف.
وفي رواية البيهقي: أن عليا لما انتهى إلى الحصن اجتذب أحد أبوابه فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب مكانه. قال شيخنا: وكلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء. انتهى. وفي البخاري: وتزوج ﵊ بصفية بنت حيي بن أخطب، وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكانت عروسا،
فذكر له جمالها، فاصطفاها لنفسه فخرج بها حتى بلغت سد الصهباء حلت له, يعني طهرت من الحيض, فبنى بها ﵊ فصنع حيسا في نطع
صغير، ثم قال لأنس: "آذن من حولك". فكانت تلك وليمته على صفية. قال أنس: ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة. ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. وفي رواية له: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ قالوا إن حجبها فهي إحدى أمهات.
المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها ومد الحجاب. وفي رواية أنه ﷺ قتل المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي ﷺ فجعل عتقها صداقها.
ارتحل وطأ لها ومد الحجاب. وفي رواية أنه ﷺ قتل المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي ﷺ فجعل عتقها صداقها.
وفي رواية: فأعتقها وتزوجها. وفي رواية: قال ﷺ لدحية: خذ جارية من السبي غيرها. وفي رواية لمسلم: أنه ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس. وإطلاق الشراء على ذلك، على سبيل المجاز، وليس في قوله سبعة أرؤس ما ينافي قوله في رواية البخاري: خذ جارية من السبي غيرها، إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة والله أعلم. وإنما أخذ ﷺ صفية لأنها بنت ملك من ملوكهم
وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه ﵊ بها، فإن في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شيء. انتهى. قال مغلطاي وغيره: وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها، فتؤول بذلك.
قال الحاكم: وكذا جرى لجويرية. وفي هذ الغزوة حرم النبي ﷺ لحوم الحمر الأهلية, كما في البخاري ولفظه: فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم -يعني خيبر- أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال النبي ﷺ: "ما هذه النيران، على أي شيء توقدون"؟. قالوا: على لحم. قال: "على أي لحم"؟. قالوا: لحم.
الحمر الإنسية، فقال النبي ﷺ: "أهريقوها واكسروها". فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها، قال: "أو ذاك". والمشهور في الإنسية: كسر الهمزة منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم. وحكي: ضم الهمزة ضد الوحشة، ويجوز فتحها والنون أيضا, مصدر أنست به، آنس أنسا وأنسة. وفي رواية: نهى يوم خيبر عن أكل الثوم، وعن لحوم الحمر الأهلية. وفي رواية: نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.
ورخص في الخيل. قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: نهى عنها ألبتة لأنها كانت تأكل العذرة. قال العلماء: وإنما أمر بإراقتها لأنها نجسة محرمة، وقيل: إنما نهى عنها للحاجة إليها، وقيل: لأخذها قبل القسمة، وهذان التأويلان للقائلين بإباحة لحومها. والصواب.
ما قدمناه. وأما قوله ﷺ: "اكسروها" فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها قال: "أو ذاك". فهذا محمول على أنه ﷺ اجتهد في ذلك فرأى كسرها ثم تغير اجتهاده، أو أوحي إليه بغسلها. وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء في إباحتها: فذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف: إلى أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر، وفي صحيح مسلم عنها قالت: نحرنا فرسا.
الجمهور من السلف والخلف: إلى أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر، وفي صحيح مسلم عنها قالت: نحرنا فرسا.
على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه ونحن بالمدينة، وفي رواية الدارقطني: فأكلناه نحن وآل بيت النبي ﷺ. قال في فتح الباري: ويستفاد من قولها: "ونحن بالمدينة" أن ذلك بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد. ومن قولها: "وأهل بيت النبي ﷺ" الرد على من زعم أنه ليس فيه أن النبي ﷺ اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمنه صلى اله عليه وسلم إلا وعندهم العلم بجوازه لشده اختلاطهم به ﷺ وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤال ﵇ عن الأحكام. ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده ﷺ كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابي فكيف بآل أبي بكر.
وقال الطحاوي: ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما, واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها. انتهى. وقد نقل بعض التابعين: الحل عن الصحابة مطلقا من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء بن يسار قال: لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له أصحاب رسول الله ﷺ قال: نعم. وأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها: فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين. وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلي.
قال أبو حنيفة في الجامع الصغير: أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلي.
وصحح أصحاب المحيط والهداية والذخيرة عنه التحريم، وهو قول أكثرهم. وقال القرطبي في شرح مسلم: مذهب مالك الكراهة، وقال الفاكهاني: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم. وقال أبن أبي جمرة: الدليل على الجواز مطلقا واضح، لكن سبب كراهة مالك لأكلها لكونها تستعمل غالبا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله، ولو كثر لأفضى إلى فنائها، فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فعلى هذا فالكراهة لسبب خارج، وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكابه محظور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه. انتهى. وأما قول بعض المانعين: لو كانت حلال لجازت الأضحية بها. فمنتقض بحيوان البر، فإنه مأكول ولم تشرع الأضحية.
به, وأما حديث خالد بن الوليد عند أبي داود والنسائي: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير، فضعيف، ولو سلم ثبوته، لا ينهض معارضا لحديث جابر الدال على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء. وقد ضعف حديث خالد بن الوليد أحمد والبخاري والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون. وزعم بعضهم: أن حديث جابر دال على التحريم لقوله "رخص" لأن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر، فلا يدل ذلك على الحل المطلق. وأجيب: بأن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن، كما رواه مسلم، وفي رواية له: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي, وعند الدارقطني من حديث ابن عباس: نهانا ﷺ عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل.
فدل على أن المراد بقوله: "رخص" أذن. ونوقض أيضا بالإذن في أكل الخيل، ولو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها وعزة الخيل حينئذ، فدل على أن الإذن في أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة. وقد نقل عن مالك وغيره من القائلين بالتحريم: أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وقرروا ذلك بأوجه: أحدها: أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر. فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية. ثانيها: عطف البغال والحمير، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليه إلى دليل.
ثالثها: أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها. رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب للزينة. وأجيب: بأن آية النحل مكية اتفاقا، والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي ﷺ من الآية المنع لما أذن في الأكل. وأيضا: فإن آية النحل ليست نصا في منع الأكل والحديث صريح في جوازه. وأيضا: فلو سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة،
فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقا، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما يطلب له الخيل, ونظيره حديث البقرة المذكورة في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث، فإنه مع كونه أصرح في الحصر، ما يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقا. وقال البيضاوي: واستدل بها -أي بآية النحل- على حرمة لحومها، ولا دليل فيها، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا. انتهى. وأيضا: فلو سلم الاستدلال للزم منه حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به.
تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا. انتهى. وأيضا: فلو سلم الاستدلال للزم منه حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به.
وأما عطف البغال والحمير، فدلالة العطف إنما هي دلالة اقتران وهي ضعيفة. وأما أنها سيقت مساق الامتنان، فالامتنان إنما قصد به غالب ما كان يقع به انتفاعهم، فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، بخلاف الأنعام، فإن أكثر انتفاعهم بها كن لحمل الأثقال وللأكل، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق لأضر. وأما قولهم: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها ... إلخ. فأجيب عنه: بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى، للزم مثله في البقر وغيرها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به. وإنما أطلت في ذلك.
لأمر اقتضاه، والله أعلم. وفي هذه الغزوة أيضا نهى ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم، وأن لا توطأ جارية حتى تستبرأ.
وفي هذه الغزوة أيضا سمت النبي ﷺ زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، كما في البخاري من حديث أبي هريرة ولفظه: لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ: "اجمعوا لي من كان ههنا من اليهود". فجمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ:
"إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقوني عنه"؟. فقالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال رسول الله ﷺ: "من أبوكم"؟. قالوا: أبونا فلان. فقال رسول الله ﷺ: "كذبتم، بل أبوكم فلان".
قالوا: صدقت وبررت، فقال: "هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟. فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ: "من أهل النار"؟. فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ: "اخسؤا فيها, والله لن نخلفكم فيها أبدا". ثم قال لهم: "هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟. فقالوا: نعم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سما"؟.
له ﷺ: "اخسؤا فيها, والله لن نخلفكم فيها أبدا". ثم قال لهم: "هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟. فقالوا: نعم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سما"؟.
فقالوا: نعم، فقال: "ما حملكم على ذلك"؟. قالوا: أردنا إن كنت كذابا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك. وفي حديث جابر عند أبي داود: أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها إلى رسول الله ﷺ، فأخذ رسول الله ﷺ فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول ﷺ: "ارفعوا أيديكم". وأرسل إلى اليهودية فقال: "سممت هذه الشاة"؟. فقالت: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه في يدي". للذراع. قالت: نعم.
قلت إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه. فعفا عنها ﷺ ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة. وفي رواية غيره: جعلت زينب بنت الحارث امرأة ابن مشكم تسأل أي الشاة أحب إلى محمد, فيقولون: الذراع. فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يطنئ -يعني لا يلبث أن يقتل من ساعته-.
وقد شاورت يهود في سموم فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين والكتف، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء، وتناول ﷺ الذراع فانتهس منها، وتناول بشر بن البراء عظما آخر، فلما ازدرد ﷺ لقمته، ازدرد بشر بن البراء ما في يده وأكل القوم، فقال ﷺ: "ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة". وفيه: أن بشر بن البراء مات، وفيه: أنه دفعها ﷺ إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها. رواه الدمياطي. وقد اختلف: هل عاقبها ﷺ؟
فعند البيهقي من حديث أبي هريرة: فأعرض لها، ومن حديث أبي نضرة عن جابر نحوه قال: فلم يعاقبها. وقال الزهري: أسلمت فتركها. قال البيهقي: يحتمل أن يكون تركها أولا ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها, وبذلك أجاب السهيلي وزاد: أنه تركها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر بن البراء قصاصا. ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت, وإنما أخر قتلها حتى مات بشر؛ لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه.
وفي مغازي سليمان التيمي: أنها قالت: إن كنت كاذبا أرحت الناس منك، وقد استبان لي الآن أنك صادق وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت. وفيه: موافقة الزهري على إسلامها، فالله أعلم. وفي هذه الغزوة أيضا: نام ﷺ عن صلاة الفجر، لما وكل به بلالا كما في حديث أبي هريرة عند مسلم أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر.
سار ليلة حتى أدركه الكرا عرس، وقال لبلال: "اكلأ لنا الليل". فصلى بلال ما قدر له، ونام ﷺ, فلما قارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته.
فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظا، فقال: "أي بلال"!. فقال بلال: إنه أخذ بنفسي الذي أخذ -بأبي أنت وأمي يا رسول الله-.
بنفسك. قال: "اقتادوا".
فاقتادوا رواحلهم شيئا، ثم توضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ".
مر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ".
وفيها قدم جعفر ومن معه من الحبشة.
واختلف في فتح خيبر هل كان عنوة أو صلحا؟ وفي حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس التصريح بأنه كان عنوة، وبه جزم ابن عبد البر، ورد على من قال: فتحت صلحا. قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال: فتحت صلحا بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لتحقن دماؤهما، وهو ضرب من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال. انتهى.
" فتح وادي القرى ": ثم فتح وادي القرى، في جمادى الآخرة.....................................
بعد أن قام أربعا يحاصرهم، ويقال: أكثر من ذلك. وأصاب "مدعما" مولاه سهم
فقال ﷺ: "إن الشملة التي غلها من خيبر تشتعل عليه نارا". وصالحه أهل تيماء على الجزية، قاله الحافظ مغلطاي.
.........................
" ذكر خمس سرايا بين خيبر والعمرة ": "الأولى: سرية عمر بن الخطاب ﵁ إلى تربة": ثم سرية عمر بن الخطاب ﵁ إلى تربة في شعبان سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلا، فخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر إلى هوازن فهربوا، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق منهم أحدًا، فانصرف راجعا إلى المدينة.
"الثانية: سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى بني كلاب": ثم سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى بني كلاب بنجد بناحية ضرية، سنة سبع، ويقال: إلى فزارة، فسبى منهم جماعة وقتل آخرين. وفي صحيح مسلم: إلى فزارة، وهو الصحيح الصواب. "الثالثة: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة": ثم سرية بشير بن سعد
الأنصاري إلى بني مرة بفدك، سنة سبع، ومعه ثلاثون رجلا، فقتلوا، وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه، وقيل: قد مات. وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله ﷺ, ثم قدم بعده بشير بن سعد. "السرية الرابعة: غالب بن عبد الله إلى الميفعة": ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي.
لبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله ﷺ, ثم قدم بعده بشير بن سعد. "السرية الرابعة: غالب بن عبد الله إلى الميفعة": ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي.
إلى الميفعة بناحية نجد من المدينة، على ثمانية برد، في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، في مائتين وثلاثين راجلا، فهجموا عليهم في وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء إلى المدينة. قالوا: وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد نهيك بن مرداس.
بعد أن قال: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ: "ألا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب"؟. فقال أسامة: لا أقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله. وفي الإكليل: فعل أسامة ذلك في سرية كان هو أميرا عليها سنة ثمان. وفي البخاري.
عن أبي ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه، وطعنته.
برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال: "يا أسامة أقتلته بعد ما قال: لا إلا إلا الله"؟. قلت: كان متعوذا. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. "الخامسة: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار": ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري أيضا إلى يمن وجبار -بفتح الجيم- وهي أرض لغطفان، ويقال لفزارة وعذرة، في شوال سنة سبع من الهجرة، وبعث معه ثلاثمائة
رجل لجمع تجمعوا للإغارة على المدينة، فساروا الليل وكمنوا النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا. وأصاب لهم نعما فغنمها، وأسر رجلين وقدم بهما المدينة على رسول الله ﷺ فأسلما.
" باب عمرة القضاء ": ثم عمرة القضية، وتسمى عمرة القضاء
لأنه قاضى فيها قريشا؛ لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها, بل كانت عمرة تامة، لذا عدوا عمر النبي ﷺ أربعا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى. وعدوا عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها، لا لأنها كملت. وهذا الخلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت.
فقال الجمهور: يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه. عن أبي حنيفة: عكسه. وعن أحمد رواية: أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء. وأخرى: يلزمه الهدي والقضاء. فحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . وحجة أبي حنيفة: أن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز له تأخيرها، فإذا زال الحصر أتى بها، ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين سقوط القضاء. وحجة من أوجبهما: ما وقع للصحابة، فإنهم نحروا الهدي حيث صدوا واعتمروا من قابل وساقوا الهدي. وحجة من لم يوجبهما: أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهدي، بل أمر من معه هدي أن ينحر، ومن ليس معه هدي أن يحلق. انتهى.
عتمروا من قابل وساقوا الهدي. وحجة من لم يوجبهما: أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهدي، بل أمر من معه هدي أن ينحر، ومن ليس معه هدي أن يحلق. انتهى.
قال الحاكم في الإكليل: تواترت الأخبار أنه ﷺ لما أهلّ ذو القعدة -يعني سنة سبع- أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله ﷺ من المسلمين ألفان، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري، وساق ﵊ ستين بدنة
وحمل السلاح والبيض والدروع والرماح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه، عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير بن سعد. وأحرم النبي ﷺ ولبى، والمسلمون يلبون معه، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران، فوجد بها نفرا من قريش، فسألوه فقال: هذا رسول الله ﷺ يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله تعالى. فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا.
ونزل رسول الله ﷺ بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج -كيسمع وينصر ويضرب- موضع بمكة، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولى الأنصاري في مائتي رجل. وخرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال. وقدم رسول الله ﷺ الهدي أمامه، فحبس بذي طوى، وخرج رسول الله ﷺ على راحلته القصواء، والمسلمون متوشحون السيوف
محدقون برسول الله ﷺ يلبون، فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون، وابن رواحة آخذ بزمام راحلته. وفي رواية الترمذي في الشمائل، من حديث أنس أنه ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... .........................
..................... ... ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ تقول شعرا؟ فقال ﷺ: "خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضج النبل". ورواه عبد الرزاق من حديث أنس أيضا من وجهين بلفظ. خلوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله بأن خير القتل في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله
س أيضا من وجهين بلفظ. خلوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله بأن خير القتل في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله
وأخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل وفيه: اليوم نضربكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله ... يا رب إني مؤمن بقيله وعند بن عقبة في المغازي بعد قوله: قد أنزل الرحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله لكنه لم يذكر أنسا، وزاد ابن إسحاق بعد قوله: يا رب إني مؤمن بقيله ... إني رأيت الحق في قبوله وقال ابن هشام: إن قوله: نحن ضربناكم على تأويله إلى آخر الشعر من قول عمار بن ياسر قاله
يوم صفين. قالوا: ولم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى استلم الركن بمحجنه.
مضطبعا بثوبه وطاف على راحلته، والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا بثيابهم. وفي البخاري، عن ابن عباس: قال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد
وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
وفي رواية، قال: "ارملوا" ليرى المشركون قوتهم, والمشركون من قبل قعيقعان. ومعنى قوله: "إلا الإبقاء عليهم" أي لم يمنعه من أمرهم بالرمل في جميع الطوفات إلا الرفق بهم، والإشفاق عليهم. ثم طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه -وقد وقف الهدي عن المروة- قال: "هذا المنحر، وكل فجاج
مكة منحر". فنحر عند المروة. وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون. وأمر رسول الله ﷺ ناسا منهم أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج، فيقيمون على السلاح، ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم ففعلوا. وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا. وفي البخاري من حديث البراء. فلما دخلها -يعني مكة- ومضى الأجل، أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل.
فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم, فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها.
فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم". الحديث.
وإنما أقرهم النبي ﷺ على أخذه مع اشتراط المشركين أن لا يخرج بأحد من أهلها أراد الخروج، لأنهم لم يطلبوها. وقوله: "الخالة بمنزلة الأم". أي في هذا الحكم الخاص؛ لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد. ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة؛ لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ، وإذا قدمت على العمة، مع كونها أقرب العصبات من النساء، فهي مقدمة على غيرها، ويؤخذ منه تقديم أقارب.
الأم على أقارب الأب. انتهى. قال ابن عباس: وتزوج ﷺ ميمونة وهو محرم



