— Bagian 5 · قال:" وإذ قد فرغنا مما ذكرناه. فنبين: ما النبي؟ … —
Bagian 5
قال:" وإذ قد فرغنا مما ذكرناه. فنبين: ما النبي؟ وما شروطه؟ فنقول:
[النبي وشروطه] النبي: هو الذي يعطى الوحي من عند الله على الصفة المذكورة في حد النبوة" «١». قلت: هذا مسلم. قال:" وأما شروطه فأربعة نسوقها بعد توطئة وتمهيد لذلك". وحاصل التمهيد الذي ذكره:" أن من تردد في شيء فإنه لا يقف على حقيقته إلا بالنظر. فكذلك النبي إنما يعرف صدقه من كذبه بوجود الشروط الأربعة فيه «٢». أولها: الصدق. وثانيها: طهارة النفس ونزاهتها عن الفواحش، لأن النبي
من عند الله، فوجب أن يكون على صفته «١» في الصدق
والطهارة والنزاهة «١». قلت: هذا كلام صحيح. بل طهارة النفس وتزكيتها واجب على كل أحد لكن منهم من يحصل/ له ذلك، ومنهم من يحرمه. أما الأنبياء فهو لازم فيهم لأنهم أمناء الله على خلقه ووحيه، صيانة له. قال:" وقد تكلم في هذا الموطن- يعني موطن الطهارة، وهي الشرط الثاني-" موسى بن عبيد الله «٢» " الفيلسوف. في فصل" النبوة" في كتابه المسمى: " دلالة الحائرين «٣» " فقال:" امتحان النبي الصادق، هو اعتبار كماله، وتعقب أفعاله، وتأمل سيرته. وأكبر علاماته: اطراح اللذات البدنية، والتهاون بها، فإن ذلك شأن «٤» أهل العلم، فضلا عن الأنبياء. وخاصة الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سيما قذارة النكاح منها. ولذلك فضح الله بها كل مدع،
ليتبين الحق، ولا يضلوا، ولا يغلطوا «١» ". ثم ذكر قصة رجلين ادعيا النبوة، وانهمكا في حساسة لذة الجماع، حتى زنيا، فافتضحا، وأحرقهما ملك بابل «٢». كما ذكر ارمياء النبي أو قال برميا النبي «٣» في الباب التاسع والعشرين «٤». قلت: شرع العلج «٥» يدس الدسائس، ويقدم/ المقدمات الردية، ليستنتج
بابل «٢». كما ذكر ارمياء النبي أو قال برميا النبي «٣» في الباب التاسع والعشرين «٤». قلت: شرع العلج «٥» يدس الدسائس، ويقدم/ المقدمات الردية، ليستنتج
منها النتائج الخبيثة،" ومثلي لا يغالط في الحساب" «١». فأقول: أما قول الفيلسوف:" امتحان النبي الصادق باعتبار كماله، وتعقب أفعاله. وتأمل سيرته" فهذا صحيح. ومن تأمل ذلك من نبينا محمد- ﵇ تأمل منصف، لم يجد مقالا، فإنه كان على الغاية في العدل والزهد والورع والتواضع. يعرف ذلك بالنظر في سيرته المنقولة عنه، ولسنا بصدد بيان ذلك مفصلا، إذ فيه كتب مصنفة/ من جيدها كتاب" رياض الصالحين" للنووي «٢». وأما اطراحه اللذات البدنية سوى النكاح- فكان في الغاية منه، فإنه لم ينقل عنه أنه أكل مرققا «٣»، ولا على
أسكرجة «١»، ولا نام على فراش وطئ «٢». وكان يقول:" ما لي وللدنيا/. إنما أنا والدنيا كراكب نام تحت شجرة ثم قام وتركها «٣» ".
[موقف النصارى من النكاح] وأما قوله:" الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سميا قذارة النكاح منها". فنقول أولا لهذا المصنف النصراني: أنت قد قدمت في فوائد النبوة: أن مقاصدها لا تحصل بمجرد الفلسفة. فكيف جعلت قول الفلاسفة كموسى بن عبيد الله، وأرسطو: حجة في تقبيح حاسة النكاح؟ هذا تهافت لا يسمع.
ت في فوائد النبوة: أن مقاصدها لا تحصل بمجرد الفلسفة. فكيف جعلت قول الفلاسفة كموسى بن عبيد الله، وأرسطو: حجة في تقبيح حاسة النكاح؟ هذا تهافت لا يسمع.
ثم نقول لهذا الفيلسوف: حاسة النكاح عار على من «١»؟ عليك؟ أو على الأنبياء ومن تابعهم؟ إن قلت: عليك. قلنا: عندك أو عندهم؟ إن قلت: عندك فأنت لا عند لك: بل أنت من أعداء أهل الشرائع. ومن أول عداوتك لهم، وطعنك عليهم، تقبيحك عليهم شيئا أجمعوا على جوازه منذ أهبط آدم إلى الآن، وأنت قد اعترفت بصحة نبوتهم وعقولهم، فأحد الأمرين لازم: إما فساد عقلك في إنكارك عليهم التشاغل بالنكاح، أو فساد عقلك في اعترافك بصحة نبوتهم، وكمال عقولهم. ويقال لأرسطو: ألست القائل آنفا: إن حال عقولنا عند النظر إلى المبادئ «٢» كحالة الخفاش عند النظر إلى الشمس. فمن أين لك أن عقلك لم يقصر عن إدراك حكمة الباري- سبحانه- في إباحة النكاح للأنبياء- ﵈ «٣» -؟ وهل هذا إلا تهافت؟ وإن قلت: عند الأنبياء. فهذا كذب عليهم. فإن الأنبياء أجمعوا على حسنه وحكمة الله فيه، من تكثير العباد والعبّاد، وعمارة الأرض، ودوام العالم، وبقاء النوع الإنساني الذي أجمعت الحكماء على أنه خلاصة الوجود، وتنوع «٤» أنواعه. وإن قلت على الأنبياء- ﵈ «٥» - فأنت قد اعترفت بكمالهم! / والاقدام على العار ينافي الكمال. فهذا تهافت منك بكل حال.
[فوائد النكاح وفضيلته] وأما ما ذكر من قذارة/ النكاح، فنقول: لا نسلم أن فيه قذارة، بل فيه مصالح: منها: سرور النفس به، وانشراحها للعبادة، ولعل بدونه لا تنشرح لذلك. ومنها: تحصين الفرج عن الزنا المحرم «١» بإجماع أهل الملل والعقول. ومنها: تحليل فضلات البدن المحتقنة فيه، وانعاش الحار الغريزي «٢» به، فيخف بذلك البدن وينشط. ولهذا بعض الناس يمرض بتركه وتكثر في بدنه الجراحات «٣» والدماميل ونحوها «٤».
ومنها: أنه يحسن الخلق، ويبسط بشرة الوجه «١». وقد نص" جالينوس" «٢» على أن سبب سوء خلق الخصيان، وتعبيس وجوههم وانتهارهم لمن كلمهم: ترك «٣» الجماع، لاحتباس الماء، وتعفنه في أبدانهم. ولئن سلمنا أن فيه قذارة فالجواب من وجهين: أحدهما: أن قذارته شرعية أو طبيعة؟ إن قلت: شرعية. فهو ممنوع فإن الذي «٤» يصلح أن يضاف إليه الاستقذار في الجماع/ هو: المنيّ «٥»،
والمذي «١»، ورطوبة فرج المرأة «٢». وهذه الأشياء طاهرة عند كثير من أهل الشرع.
ومن قال بنجاستها منهم عفا «١» عن يسيرها دفعا للحرج والمشقة فأما مخرج البول والغائط فلا وطء «٢» فيه «٣»، والحيض يحرم الوطء «٤» في زمنه. فأين القذارة إذن في الجماع؟. وإن قلت: طبعيّة لم يلزم من ذلك وجوب اجتنابها عقلا، ولا شرعا، لأن هذه الأشياء كالبصاق، وبلغم المعدة والرأس والمخاط وعرق الحمى. بل مطلق العرق. فإن هذه كلها فضلات تحللها الحرارة من البدن، وهي تورثه خفة ونشاطا وصحة، ومعتمد العلاج الطبي تنقية «٥» البدن من المواد التي ليس من شأنها أن تكون فيه. الثاني: سلمنا أن فيه قذارة بكل حال. لكن مفسدة تلك القذارة مغمورة بما فيه من المصالح العظيمة الدنيوية والأخروية «٦». والعقول/ الصحيحة لا ترجح إعدام مفسدة واحدة خفيفة خصوصا وقد باشرها الأنبياء والصديقون أجمعون،- إلا من شذ منهم- على وجود مصالح كثيرة جمة النفع.
ثم أين قذارة الجماع من قذارة الغائط؟ الذي يتعبد مخاييس «١» النصارى ببقائه على أبدانهم، حتى تغالي فيه النصارى، فجعلوا يتهادونه يتبركون ويستشفون به من الأمراض، بناء منهم «٢» على فهمهم الفاسد لكلام المسيح في الفصل الثامن والعشرين/ من إنجيل متى «٣» حيث يقول:" ليس النجس ما دخل الفم ثم خرج مستحيلا من المخرج. إنما النجس ما خرج من الفم من الكلام السيئ، لأنه يدل على نجاسة القلب" هذا معنى كلامه «٤». ومن أنكر من النصارى أنهم يتعبدون ببقاء العذرة على أبدانهم فهو مستخف منكر لما يعلم- كما ينكر بعض فقهاء المسلمين تجويز الوطء «٥» في الدبر- وهو
منصوص في كتبهم وعن أئمتهم «١».
يتعبدون ببقاء العذرة على أبدانهم فهو مستخف منكر لما يعلم- كما ينكر بعض فقهاء المسلمين تجويز الوطء «٥» في الدبر- وهو
منصوص في كتبهم وعن أئمتهم «١».
[الأنبياء والنكاح] وأما قوله:" ولذلك فضح الله بها كل مدع" فنقول في جوابه: لا نسلم أن الله فضح المدعين بحاسة النكاح، وإنما فضحهم بدعواهم الكاذبة ولو كانت حاسة النكاح تقتضي الفضيحة لافتضح بها الأنبياء كلهم، بل جميع الخلق كآدم ونوح وإبراهيم، وخصوصا إسرائيل، وداود، وسليمان فإنهم كانوا كثيري النساء والسراري «٢»، وكثرة تشاغل إبراهيم وبنيه بالجماع هو الذي أوجب كثرة نسلهم وانتشار الشعوب منهم، لأن الجماع سبب النسل، وكثرة المسبب يدل على كثرة السبب.
وبالجملة: فمن جعل حاسة النكاح عارا. فقد ألحق العار بسائر الأنبياء والصديقين والصالحين وعباد الله أجمعين. وإن عارا يتلبس «١» به هؤلاء كلهم ليس بعار:/ وعيروني بذلي في محبتها ... وبالذي عيروني تم لي الشرف «٢» [وإذ لولا هذه الحاسة لما وجد الأنبياء وشرائعهم، وإنما هي عار على معتقدها عارا، إذ لولا هذا العار لما صار إلى النار] «٣». وأما ما ذكر من قصة الرجلين الذين أحرقهما ملك «٤» بابل، فلم أجده في الباب المذكور من كتاب ارمياء النبي، فإن كان المشار إليه برميا «٥» النبي، وأنه غير ارمياء، وإلا فلا أعلم صحة هذا النقل، على أنه بتقدير الصحة إنما افتضح هذان الرجلان بدعواهما الكاذبة وزناهما،/ لا بتعاطي شهوة النكاح. على أني أحسب أن النقل اشتبه عليه، وأن المراد بالرجلين هاروت وماروت «٦». ولهما قصة عجيبة وردت بها السنة وذكرها أهل السير.
منهم:" وثيمة بن موسى بن الفرات «١» في" قصص الأنبياء": وكان افتضاحهما بتقدير الله، وسببه طعن الملائكة على بني آدم، واستقلالهم أعمالهم وتعبيرهم بخطاياهم وعصيانهم. فلما ابتلى الملائكة بما ابتلى به بنو آدم ساعة من نهار، استقالوا فأقيلوا، إلا هاروت وماروت ثبتا فجرى لهما ما جرى «٢»،
لهم وتعبيرهم بخطاياهم وعصيانهم. فلما ابتلى الملائكة بما ابتلى به بنو آدم ساعة من نهار، استقالوا فأقيلوا، إلا هاروت وماروت ثبتا فجرى لهما ما جرى «٢»،
وقد ذكرت بعض قصتهما في" الفوائد" «١». قلت: والذي أوجب لهذا النصراني تقديم هذا الكلام، وتقبيح حاسة النكاح هو كونه رأى المسيح لا داعي له إليها، ورأى محمدا- ﵇ شديد الداعي إلى ذلك. كما نقل عنه حديث يقول: «حبب إليّ من الدنيا ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة/ عيني في الصلاة» «٢» وأنه تزوج كثيرا وتسرى، فأراد العلج أن يجعل هذا مطعنا عليه. ولقد تاه عن الصواب. فإن نكاح النساء هو عين الطهارة، لما فيه من تحصين الدين، والإعانة على تقوى رب العالمين. ولهذا كان محمد ﷺ إذا رأى امرأة أعجبته دخل على بعض نسائه فقضى حاجته منها، ثم خرج. وفعل ذلك يوما ثم
خرج على أصحابه، فقال: «إن المرأة إذا أقبلت أقبل معها/ شيطان يزينها فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها» «١». وقال: «إذا كانت لأحدكم إلى امرأته حاجة فليأتها، وإن كانت على التنور" «٢». كل ذلك محافظة على حفظ الدين، لئلا يغلب الإنسان عليه بداعي الشيطان والهوى.
كما حكي في التوراة «١»: أن" يهوذا بن يعقوب" تعرضت له كنّته «٢» - زوجة ابنه- في الطريق في صورة زانية، فواقعها على أن يعطيها جديا ورهنها عليه عمامته وقضيبا كان بيده". وأن" روبيل «٣» " وطئ" «٤» سرية أبيه يعقوب ونجس فراشه، ونحن لا نقول بصحة هذا ولكنه حجة على النصارى واليهود، وتحقيق ذلك «٥» وتلخيصه: أن شهوة النكاح في الإنسان طبيعية كشهوة الأكل والشرب، وحب الغلبة والرئاسة، بل هي أشد الشهوات. ولذلك كان أكثر افتتان العالم بها، فقضاؤها وأمن غائلتها بالطريق الحلال المصطلح عليه في النواميس الإلهية أولى في العقل من التعرض بتركها «٦» لمعصية الرحمن وطاعة الشيطان. وقول محمد- ﵇: «حبب إليّ من دنياكم النساء» ليس ذلك لغلبة شهوته عقله، كيف ذلك وسيرته: سيرته. لمن تأملها، وثباته: ثباته. بل إنما
المقصود بذلك: أن يتفرغ خاطره التفرغ الكلي لأداء الرسالة «١»، والقيام بأعبائها- كما يتفرغ الجائع بالأكل- لأداء العبادات. وقد ورد في السنة النبوية الصحيحة عن يوشع بن نون. أنه لما توجه إلى بعض مغازيه- أحسبها: غزاة أريحا «٢»، مدينة الجبارين- قال لقومه: " لا يتبعني «٣» رجل قد/ ملك بضع امرأة، يريد أن يبني بها ولما يبن. ولا آخر قد بنى بيوتا، ولم يرفع سقفها «٤». ولا آخر قد اشترى غنما، أو خلفات «٥»، وهو
ينتظر أولادها" ... الحديث رواه أحمد «١»، وأخرجاه في الصحيحين «٢». كل ذلك مراعاة لاجتماع «٣» / الخواطر في طاعة الله، وحذرا من تفرق الهمم فيها «٤»، ونظائر هذا في شريعتنا مطلوب كالنهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين «٥» وكذلك الشبق «٦»، وكل ما يلهي. وبالجملة: فكل عبادة الله- سبحانه- ينبغي للإنسان أن لا يدخل فيها، حتى يحسم مواد اشتغال قلبه عنها ما أمكن، ومن هذا،/ أو قريبا منه قوله- عليه
ما يلهي. وبالجملة: فكل عبادة الله- سبحانه- ينبغي للإنسان أن لا يدخل فيها، حتى يحسم مواد اشتغال قلبه عنها ما أمكن، ومن هذا،/ أو قريبا منه قوله- عليه
السلام-: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» «١» لأن القضاء عبادة، والغضب يشغل عنه. وكذلك كلما في معنى الغضب من مرض أو حر أو برد أو شبق ونحو ذلك. ولهذا كان- ﵇ يحب الطيب لا ليلتذ به في نفسه «٢»، بل إكراما للملائكة الذين معه خصوصا جبريل صاحب الوحي. ولهذا كان يبغض الثوم والبصل، وكل ذي ريح كريهة، وقال لأصحابه: «إني أناجي من لا تناجون» «٣».
«وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» «١». وأما المسيح فلعله في ترك النكاح كان عنينا «٢»، أو لكونه لا من ذكر، أو لكونه كان ملكا ظهر في صورة آدمي، فغلبت عليه صفة الملائكة «٣». كما قال الله- سبحانه-: ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ... (٩) «٤» الآية.
أو لكونه كان هو الله أو ابنه على رأي النصارى الساقط- تعالى الله عما يقولون- ونحن نقول: إن المسيح لو تأسى بسائر الأنبياء في النكاح والنسل، وتكثير العباد والعبّاد لكان ذلك أكمل له «١». فالذي يحتج علينا في [حاسة] «٢» النكاح بترك المسيح له، نحتج عليه في فضيلته بفعل جميع الأنبياء له. وليس المسيح- ﵇ بخير من جميع الأنبياء، إلا على هذيان النصارى في أنه: الله، أو ابن الله. وذلك ممنوع عند كل عاقل، بل هو عبد الله ورسوله. وسيأتي تمام الكلام على هذا الشرط عند ذكر تفاصيله.
[ظهور المعجز على يد النبي] قال:" الشرط الثالث/- يعني من شروط النبي-: اظهار المعجز للناس ليرتفع اللبس ويقع الفرق بين الصادق والكاذب".
د ذكر تفاصيله.
[ظهور المعجز على يد النبي] قال:" الشرط الثالث/- يعني من شروط النبي-: اظهار المعجز للناس ليرتفع اللبس ويقع الفرق بين الصادق والكاذب".
قلت: هذا كلام صحيح. قال:" والمعجز فعل ما ليس في قوة الإنسان أن يفعله بحسب المجرى الطبيعي" «١». قلت: هذا جيد في تعريف المعجز، لكن للمتكلمين فيه عبارة أخرى أحق من هذه وهو قولهم: المعجز هو الأمر الممكن الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارض. فالأمر: جنس للمعجز وغيره. والممكن: فصل له عن الممتنع، إذ الممتنع لا يوجد. والخارق للعادة يفصله عن الأمور العادية كطلوع الشمس ووقوع المطر وركوب الفرس ونحوها. فإن المستند في دعوى النبوة إليها لا يثبت له شيء والمقرون بالتحدي: احتراز ممن يدعي أن معجز من قبله، دليل على صدقه هو، كما يقول إنسان اليوم: إن قلب موسى عصاه حية، دليل على صدقي في دعوى النبوة. فإن ذلك لا ينفعه، لأن معجزه ليس مقارنا لتحديه، والخالي عن المعارض: احتراز من الشعبذة «٢» والنيرنجات/ «٣» فإنها تعارض بمثلها، فإذا ظهر على يد شخص هذا الأمر بهذه الشروط كان معجزا وكان الشخص نبيا./
قال:" الشرط الرابع: أن يكون الدين الذي «١» يشرعه موافقا للدين الطبيعي، وهو نوعان:
[موافقة ما يأتي به النبي للفطرة] أحدهما: عام لجميع الأمم، لا يختص بأمة دون أمة، كبر الوالدين، وصلة الرحم والإحسان إلى المحسن، والتجاوز عن المسيء. وبالجملة. جلب المصالح ودرء المفاسد، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل. والثاني: خاص «٢» يختص أمة دون أمة كتحريم لحم الخنزير عند غير النصارى وتحريم ذبح الحيوان عند البراهمة". هذا حاصل ما ذكره في هذا الشرط. قلت: هذا شرط متفق على حسنه عقلا وشرعا، وهو عام الوجود في دين الإسلام على ما ذكرنا جملة منه/ في شرح" الآداب الشرعية" «٣» لكن لا يلزم أن يأتي النبي به على هذه الصفة، واشتراطه فلسفة صرفة بل لله سبحانه أن يتعبد خلقه بما شاء، سواء كان ذلك مصلحة لهم أو لا. بناء على أصلنا في أن رعاية الأصلح للخلق لا تجب على الله سبحانه وإنما فعل ذلك حيث فعله بهم، تفضلا، لا وجوبا «٤».
[موقف عتاة النصارى من نبوة محمد- ﷺ] قال:" وإذ قد فرغنا من الكلام في النبوة والنبي، وشروطه التي يجب امتحانه بها بحيث إن وجدت فيه صدّق، وإن اختلت فيه أو بعضها كذّب. فإنا وجدنا الرجل المسمى: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ادعى النبوة في أمة من العرب «١» فالتمس منه الشرط الأول وهو الصدق. فوجدنا ما جاء به يشتمل على صنفين: صادق وكاذب- كما سنبين-". قلت: هذه دعوى مجردة عن حجة، فإذا ذكر الحجة قوبلت بحسب ما ينبغي «٢». قال: وليس كون الصدق بحال كذب «٣» المتكلم موجبا لحسن الظن به، بل
خلط الصدق مع الكذب أبلغ في الحيلة، وأنفذ في المكيدة. ولهذا يقال: ما من «١» تعليم كاذب إلا ويمازجه شيء من الحق ليلتبس الباطل به، وتكون الخدعة أخفى فيه، والحيلة في التصديق أقوى. قلت: هذا كلام صحيح «٢». وهو من محاسن الحكم لا ينازع فيه عاقل بل النزاع في أن ما أتى به محمد- ﵇ يشتمل على الكذب.
ة أخفى فيه، والحيلة في التصديق أقوى. قلت: هذا كلام صحيح «٢». وهو من محاسن الحكم لا ينازع فيه عاقل بل النزاع في أن ما أتى به محمد- ﵇ يشتمل على الكذب.
[امتحان شرط الصدق في نبوة محمد- ﷺ] قال:" فلنورد أقاويل هذا الإنسان من صدق وغيره: فقسم الصدق: قوله في سورة الصمد: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١). قلت: لا شك أن هذا الكلام حق في نفسه، لكن اخبار هذا المصنف بصدق هذا الكلام عنده «٣»: إما جهل بحقيقة التوحيد، أو ستر لعوار دينه الثالوثي، وتحلية لجيده العاطل منه به، وإلا فأين قوله: اللَّهُ أَحَدٌ من قولهم:" الأب، والابن، وروح القدس، إله واحد"، ودعواهم التوحيد/ مع هذا التصريح كلام في الريح، لا يعقل ولا يتحصل، كما قد حققت بطلانه في:" التعليق على الإنجيل" «٤».
قال:" وقوله في سورة يونس «١»: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ... وفي سورة آل عمران «٢»: وإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) «٣» الآية. وقوله في سورة الأنعام «٤»: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يعني كلمات الله، وهي التوراة والإنجيل- وفي سورة الحجر «٥»: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) والذكر: هو التوراة والإنجيل. ويشهد لذلك قوله في سورة الأنبياء «٦»: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧). فبين بهذا: أن كلمات الله غير مبدلة". قلت: هذه الآيات كلها حق وصدق. ولكن أخطأ هذا الخصم في إيرادها في مواضع: منها: أنه حصر ما جاء به محمد من الصدق فيها، والقرآن مملوء من الحكم والأخبار التي يعلم بالضرورة صدقها. وإنما هذا رجل معاند يريد أن ينفي التهمة عن نفسه، بإيهام العدل في إيراد ما يعتقده صدقا وكذبا. وعناده: يأبى عليه إلا إظهار التعصب والجور. فذكر خمس آيات حصر الصدق فيها، وهي مما يعتمد
عليها. وتنفعه في عناده «١». شرع في ذكر ما يعتقده كذبا، فملأ منه الكتاب.
ى عليه إلا إظهار التعصب والجور. فذكر خمس آيات حصر الصدق فيها، وهي مما يعتمد
عليها. وتنفعه في عناده «١». شرع في ذكر ما يعتقده كذبا، فملأ منه الكتاب.
[المقصود بكلمات الله في القرآن الكريم] ويأبى الله إلا ظهور الحق واستعلاءه «٢»، وخمول الباطل واذعانه. ومنها: قوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ووهم منها في موضعين: أحدهما: أنه ذكر الكلمات المضافة إلى الضمير، فاحتاج أن يفسره بالله تعالى، وقد كان يستغنى عن ذلك بإيراد الآية التي في أول السورة المذكورة وهي قوله: ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) «٣». فإن الكلمات فيها مضافة إلى الله- سبحانه- لا إلى ضميره المحتاج إلى تفسير «٤»، وهذا لا يقدح في صحة ما احتج به، لكن/ احتجاجه «٥» بما ذكرناه أظهر، فعدوله عنه مشعر بالضعف وقصور النظر. الموضع الثاني: أنه فسر كلمات الله بالتوراة والإنجيل ليثبت علينا بكتابنا أنها حجة لازمة
لنا،" وهيهات من دون المراد موانع" «١». والذي يدل على أنه ليس المراد بالكلمات هنا «٢» التوراة والإنجيل: هو أن هذه الآية في سورة الأنعام. وسورة الأنعام كلها جدال ومناظرة لعباد الأوثان الذين ينكرون البعث. ولا تعرض فيها لأهل الكتاب إلا بطريق الاستشهاد بهم. كقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ «٣» وقوله: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ «٤»، وليس المراد بأهل الكتاب: الموجودين الآن بل المعاصرين لزمن النبوة، أو بطريق عموم خطاب غيرهم لهم لا بالقصد، وإذا عرف هذا فالله سبحانه يقول قبل هذه الآية: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا «٥». والخطاب لكفار العرب «٦»، والكتاب الذي أنزل إليهم هو القرآن وهو المراد بالكلمات. قاله قتادة «٧»
والطبري «١». قال الله سبحانه: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ وهذا استشهاد بأهل الكتاب الموجودين حينئذ من أسلم منهم كعبد الله بن سلام «٢» وغيره، أو جميع أهل الكتاب، ولكن يكتم ذلك منهم من يكتمه عنادا «٣».
لْحَقِ وهذا استشهاد بأهل الكتاب الموجودين حينئذ من أسلم منهم كعبد الله بن سلام «٢» وغيره، أو جميع أهل الكتاب، ولكن يكتم ذلك منهم من يكتمه عنادا «٣».
ولو كان الكلمات هي التوراة والإنجيل لكان الكتاب المذكور هو التوراة والإنجيل، ولم يكن به حاجة إلى أن يستشهد بأهل «١» الكتاب على صحته، لأن التوراة والإنجيل المنزلين على موسى وعيسى، لم ينازع فيهما أحد حتى يستشهد لهما. وأيضا:/ لو كان كذلك لم تصح شهادة أهل الكتاب لكتابهم لموضع التهمة. ثم قال: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ .. (١١٥) وهي الكتاب الذي أنزل/ مفصلا، وهو القرآن إذ لا معنى لقول القائل:" وهو الذي أنزل إليكم القرآن مفصلا، وتمت التوراة والإنجيل، ولا مبدل للتوراة والإنجيل" لأن المخاطبين بهذا الخطاب هم كفار العرب، ومحمد- ﵇ لم يكن يدعوهم إلى التوراة والإنجيل حتى يثني لهم عليهما، وإنما كان يدعوهم إلى القرآن فثبت بهذا أن المراد بقوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ هو القرآن. وفيما «٢» يرجع إليه نفي التبديل قولان: أحدهما" معناه ومتعلقه من أخبار وحكم ووعد ووعيد، أي أن ما أخبر الله في القرآن من خبر، أو حكم به من حكم، أو وعد من ثواب، أو أوعد من عقاب لا يستطيع أحد تبديله ولا بيان فساده. والثاني: أنه لفظه: أي لا يقدر أحد أن يزيد فيه ولا ينقص، لأن الله سبحانه ألهم المسلمين حفظه حرفا فحرفا، فلا تدخله الزيادة والنقص كما دخل التوراة والإنجيل على ما قد شاهدته أنا بنفسي في الكتابين من التناقض والاختلاف وأثبته في تعليقي على الكتابين «٣».
ثم إن هذا المصنف جعل عمدته في كتابه: تفسير ابن عطية «١». فما باله لم يذكر ما قاله ابن عطية في تفسير قوله «٢»: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ؟ لكنه رآه عليه «٣» فحاد عنه. ولعمري أنه معذور في/ ذلك فإن كتب المسلمين ليست عنده حجة. وإنما يذكر منها ما يذكر احتجاجا عليهم وإلزاما لهم ورميا «٤» لهم بسهامهم كما نحتج نحن عليهم بالتوراة والإنجيل على هذا الوجه، ولا نعتقد صحة ما فيها.
. وإنما يذكر منها ما يذكر احتجاجا عليهم وإلزاما لهم ورميا «٤» لهم بسهامهم كما نحتج نحن عليهم بالتوراة والإنجيل على هذا الوجه، ولا نعتقد صحة ما فيها.
[المقصود بلفظ الذكر في القرآن الكريم] ومنها: قوله: إن" الذكر" في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «١» هو التوراة والإنجيل". وليس كذلك بل هو القرآن بإجماع مفسري القرآن «٢». ذكر عبد الرزاق «٣» في تفسيره عن معمر «٤»، عن قتادة وثابت البناني «٥» في قوله: وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
قال:" حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلا أو يبطل «١» منه حقا «٢» ". قلت: ونظيره قوله تعالى/: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ «٣»، والمعنى واحد. أما «٤» احتجاجه على ذلك بقوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) «٥» فلا حجة فيه، لأن قبل ذلك قوله سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ «٦» يعني القرآن بلا خلاف ولا شك إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وهُمْ يَلْعَبُونَ يعني كفار العرب لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم الكفار" هل هذا- يعني محمدا- إلا بشر مثلكم" أي فليس بأولى بالرسالة منكم. كما قال قوم نوح له: ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا «٧» وقول قوم صالح: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ «٨»؟ ثم قالوا: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ؟ فأجابهم الله تعالى عن هذا بقوله: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا
نُوحِي إِلَيْهِمْ أي أن الرسل الذين كانوا قبلك كانوا بشرا كانوا «١» وقد اعترف هؤلاء الكفار برسالتهم. فما وجه انكارهم لرسالتك مع كونك بشرا؟ ثم قال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعني أهل التوراة «٢»، هل كان المرسلون إلا رجالا يوحى إليهم؟. فالذكر المراد/ هاهنا «٣» غير الذكر المراد في سورة الحجر، وهو الذكر المحفوظ. فإن لفظ الذكر ورد في القرآن على وجوه: منها: القرآن والتوراة كالموضوعين المذكورين. ومنها: الرسول، كقوله «٤»: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولًا على ما قيل فيه «٥».
ومنها: الشرف، كقوله: وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ «١» أي: شرف «٢». فلفظ" الذكر" مطلق على هذه المعاني بالاشتراك أو التواطؤ «٣». أو بالحقيقة والمجاز. وبكل تقدير فلا يصح استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو الذكر المسئول أهله.
[الرد على تكذيب النصراني لبعض أخبار محمد ﷺ] ونبين ذلك بتقرير استدلاله على وجه صناعي هكذا: الله سبحانه حفظ الذكر، والذكر هو التوراة. فالله حفظ التوراة، لكن المقدمة الأولى مهملة، وشرطها في الإنتاج أن تكون كلية، هكذا: الله حفظ كل ذكر. والتوراة ذكر/ لكن ليس التقدير هذا، وحينئذ يدخل/ التفصيل في المقدمة الأولى. فيقال: ما
تعني بالذكر المحفوظ؟ التوراة أو «١» القرآن؟ الأول ممنوع، والثاني: مسلم لكنه لا يفيد، لأن الحد الأوسط في الشكل مختلف فمحمول الأولى غير موضوع الثانية. قوله:" فتبين بذلك أن كلمات الله غير مبدلة". قلنا: هذا صحيح لكن قد بينا أن المراد بكلمات الله ليست التوراة والإنجيل التي بأيديكم بل هي القرآن. ولئن سلمنا أنها التوراة والإنجيل، بل وكل كلام الله غير مبدل، إلا أن ما بأيديكم ليس هو التوراة والإنجيل المرادين هنا «٢»، المنزلين على موسى وعيسى، بل كلمات الله التي هي كلماته لا يدخلها التبديل في خبر ولا حكم ولا وعد ولا وعيد، وما بأيديكم من ذلك تواريخ وسير مبدل محرف متناقض، علمنا تناقضه بالعيان والمباشرة.
ه التي هي كلماته لا يدخلها التبديل في خبر ولا حكم ولا وعد ولا وعيد، وما بأيديكم من ذلك تواريخ وسير مبدل محرف متناقض، علمنا تناقضه بالعيان والمباشرة.
[رد شبهة النصارى فى قوله:" يا أُخْتَ هارُونَ "] قال: القسم الثاني من قوله- يعني مما زعم أنه كذب من أخبار محمد- ﵇ فمن ذلك قوله: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ... إلى قوله: وإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ «٣» وقوله في التحريم «٤»: ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها «٥» وقوله في سورة مريم: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ «٦».
قال:" فثبت بهذا كله: أن مريم أم المسيح هي بنت عمران أخت موسى وهارون". قال:" واسم أبي مريم أم المسيح: يعقيم. وأمها: حنة. وبين مريم هذه وعمران أبي موسى ألف وخمسمائة سنة" «١». قال: وعذرا له في هذه الغلطة، فإن الناقل، إما جاهل وإما قاصد إيقاعه في الغلط". «٢» قلت: يشير هذا الخصم إلى أن محمدا- ﵇ كان يلقن أساطير الأولين ثم ينظمها بعبارته، والملقن له إما جاهل بالنقل أو قاصد «٣» تغليطه «٤». قلت: وللعدو أن يقول ما شاء، وإنما يثبت ما قامت عليه الحجة.
وهذا سؤال قد كفانا/ جوابه صاحب الشريعة ﷺ فروى المغيرة بن شعبة «١» قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران. فقالوا ألستم تقرءون: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين عيسى وموسى ما كان؟ فلم أدر ما أجيبهم/ فرجعت «٢» إلى رسول الله ﷺ «٣» فأخبرته. فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» رواه مسلم والترمذي «٤» وقال حديث حسن صحيح".
قلت: ومعنى هذا الحديث ما ذكره عبد الرزاق في تفسيره «١». قال: أخبرنا «٢» معمر عن قتادة في قوله يا أُخْتَ هارُونَ قال: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل يسمى هارون فشبهوها به. فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح «٣». فتحقيق معنى الحديث:/ أن هارون هذا سمي باسم هارون أخي موسى تبركا. وحينئذ يفسد استدلال هذا الخصم ويكون الحد الأوسط في نظمه وهو هارون مختلفا، كما تقدم في استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو التوراة.
ارون أخي موسى تبركا. وحينئذ يفسد استدلال هذا الخصم ويكون الحد الأوسط في نظمه وهو هارون مختلفا، كما تقدم في استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو التوراة.
وأما قوله: إن اسم أبي مريم:" يعقيم" فجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذا لم أعلمه ولا رأيت أحدا ذكره ممن أثق به من علماء المسلمين. وعلماء اليهود والنصارى غير مأمونين عندنا، ولا وثوق لنا بما عندهم على ما سبق في مقدمات الكتاب. ومعنا شيء نحن معتقدون فيه واثقون به، وهو القرآن المتضمن أن اسم أبيها عمران. ويكون ذلك من أسماء الأعلام المشتركة مثل هارون، وهارون، وفرعون، وفرعون، وزيد وزيد، وعمرو، وعمرو، فلا نعدل عنه إلى غيره ولا سبيل لهم إلى إقامة الحجة القاطعة التي نضطر إلى تسليمها علينا، وإن أمكنهم ذلك وفعلوه قبلناه منهم، فإنه لا غرض لنا في العناد بل الحق حيث كان متبع. الوجه الثاني: أن هذا اختلاف في الأسماء، لا في المسميات فجاز أن يكون عمران تعريب يعقيم، فإن العربية تصرفت في الألفاظ الأعجمية فعربتها كما سمت العرب/ المسيح: عيسى، واسمه في الإنجيل: يسوع. فعكسوه من آخره، وقلبوا الواو ياء. وكان أصل موسى: موشا، بالشين المعجمة، يعني الماء والشجر، لأن آل فرعون التقطوه من بين ماء وشجر حين ألقته أمه في اليم، ومو: هو الماء. وشا: الشجر «١».
وكما سموا" حران «١» " هذه المدينة التي بين الشام «٢» وبلاد الجزيرة «٣» باسم هاران أخي إبراهيم، وهو أبو لوط، لأنه نزلها. فعربوها، فقالوا: حران. أو لعل عمران اسم ويعقيم لقب، فكل هذا محتمل، فلا يقدح مثله في صاحب ناموس عظيم غلب ناموسه على ناموس المسيح والكليم «٤».
[رد شبهة النصارى في سكوت زكريا ﵇] قال:" ومن ذلك قوله في سياق تبشير الملائكة لزكريا بيحى «٥» " قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً «٦» قال:" وهذا باطل، لان
سكوت زكريا كان أزيد من تسعة أشهر، وذلك من الوقت الذي بشر به إلى أن وضع، وأن ذلك كان على جهة التأديب والعقاب، يعني على مراجعته الملك، وكونه لم يثق بأول كلامه، لا على جهة الآية" وذكر حكاية ذلك من الإنجيل في كلام طويل قد ذكرته أنا وجوابه في:" التعليق علي الأناجيل «١» ". قلت: والذي يحتاج إلى الجواب عنه في هذه الجملة أمران/: أحدهما: أن سكوته كان أكثر من ثلاثة أيام. الثاني: أن سكوته كان عقوبة لا علامة. والجواب/ عن ذلك من وجهين: أحدهما: الجواب العام وهو أن مستندكم في هذا: الإنجيل. وليس حجة علينا، كما أن ما عندنا ليس حجة عليكم- على زعمكم-، فبقيت دعوانا ودعواكم ولا فاصل بيننا يلزمنا جميعا الرجوع إليه. الوجه الثاني: أن خبر محمد- ﵇ أثبت ثلاثة الأيام، ولم ينف ما فوقها وأثبت العلامة، ولم ينف العقوبة «٢». فإذن الجمع بين القولين ممكن، وهو
ا الرجوع إليه. الوجه الثاني: أن خبر محمد- ﵇ أثبت ثلاثة الأيام، ولم ينف ما فوقها وأثبت العلامة، ولم ينف العقوبة «٢». فإذن الجمع بين القولين ممكن، وهو
أن سكوته/ كان تسعة أشهر، ومنها ثلاثة الأيام المذكورة. ولعله إنما اقتصر عليها لخصيصة فيها، وذلك أن في القرآن في سورة مريم «١» أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة «٢» قال:" سويا" من غير خرس. وذكر في الإنجيل «٣»: أن زكريا بقي أبكم إلى أن وضع يحيى، والأبكم: الأخرس، فلعله كان في ثلاثة الأيام الأول ساكتا من غير خرس، وفي بقية المدة ساكتا من خرس «٤»، ويكون الأول: علامة، والثاني: عقوبة. والقرآن الكريم إنما ذكر هذه القصة في سياق ذكر النعمة على آل إبراهيم وآل عمران واصطفائهم على العالمين، فاقتصر على ذكر زمن الآية والعلامة التي هي من نعم الله على خلقه، إذ هي موجبة لطمأنينة القلوب، ولم يذكر مدة البكم الذي هو عقوبة لئلا يفضي ذلك إلى ضرب من تكدير النعمة بذكر العقوبة عقيبها «٥». والقرآن فيه من ملاحظات الآداب واللطائف ما هو أدق من هذا، وشبيه بهذا تأدب إبراهيم مع ربه حيث يقول: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) والَّذِي هُوَ
قرآن فيه من ملاحظات الآداب واللطائف ما هو أدق من هذا، وشبيه بهذا تأدب إبراهيم مع ربه حيث يقول: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) والَّذِي هُوَ
يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ (٧٩) وإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) «١» فأضاف الخلق والهداية والإطعام والإسقاء إلى الله. لأنها نعم. وأضاف المرض إلى نفسه لكونه محله، وإن كان ليس منه في الحقيقة تأدبا لأن المرض صورته صورة نقمة «٢»، فإضافته إلى المنعم في سياق الاعتراف له بالإنعام تكدير للتأدب. وكذلك لا تنافي بين كون السكوت علامة على صدق البشرى، وعقوبة على عدم المبادرة إلى التصديق بها. وذكر العقوبة في هذا ليس مما اخترعه هذا المصنف من الأسئلة على القرآن، بل قد ذكره مفسرو القرآن منهم قتادة. قال [القرطبي] «٣»:" وهو قول أكثر المفسرين «٤» ". قلت: وعليه إشكال. وإن كان/ قد ذكره المسلمون فإنه لا خلاف بيننا وبين النصارى أن مريم لما بشرت بالولد استعظمت ذلك وقالت: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «٥»؟ نطق بذلك قرآننا وإنجيلهم «٦»، ثم إنها لم تعاقب على ذلك بشيء. فإن قال قائل: إن زكريا كان أكمل من مريم والأكمل في الحال أولى
بالعقوبة على الأفعال وهذا معلوم من قواعد الشرع والعقل، ولهذا كان وعيد العلماء أعظم/ من وعيد الجهال. قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا مع قيام المقتضي للعقوبة إنما يقتضي تخفيف العذاب عن المفضول في الحال، لا سقوطه بالكلية،/ وقد وجد مقتضى العقوبة في مريم كما وجد في زكريا، فكان ينبغي أن يحصل لها من العقوبة بحسب حالها. الثاني: أنه باطل بإبراهيم لما سأل الطمأنينة بمشاهدة كيفية إحياء الموتى «١»، فإنه لم يعاقب، مع أنه في عدم المبادرة إلى قبول خبر الصادق. ك" زكريا" و" مريم" بل أولى لوجهين: أحدهما: أنه كان في غاية من كمال الحال. الثاني: أن المخاطب له كان هو الله نفسه على ظاهر القرآن، والمخاطب لزكريا ومريم كان الملك. وبشارة زوجة إبراهيم حيث فَصَكَّتْ وَجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) «٢» ولم تعاقب. والأشبه- والله أعلم- أن العقوبة لا مدخل لها هنا لوجهين:
أحدهما: أن الله- سبحانه- خلق الإنسان من ضعف، ولم يجعل في قوة عقله إدراك الحقائق الإلهية، فعدل الله- سبحانه- يقتضي تمهيد عذر الإنسان إذا ضعف في مثل هذه المقامات المدهشة، ما لم يصر على العناد، ولو كان مثل هذا موجبا للعقاب لكان أولى الناس به موسى ﵇ فإن الله سبحانه لما قال: وَأَلْقِ عَصاكَ «١» فألقاها إلقاء راغب عنها، ظنا منه أن الله نهاه عن حملها/ ثم التفت فإذا هي حية تسعى، فأمعن هربا، فلما عاد قال له ربه: خُذْها ولا تَخَفْ «٢» فلف كم مدرعته على «٣» يده، ثم تناولها. فقال له الملك: أرأيت لو أذن الله لما تحاذر أكانت تنفعك كمك؟ فقال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت «٤». فإن موسى فعل هذه «٥» الفعال وهو بحضرة الله- سبحانه- يسمع كلامه بغير
واسطة، وقد وانسه بالكلام، ولم يبق من أمره في «١» شك فقد كان أولى بالعقوبة إذن، ولكن مثل هذا لا يقتضيها في عدل الله- سبحانه-. الثاني: أن العقوبة تستدعي ذنبا، وليس هاهنا ما يصح أن يكون ذنبا إلا الشك في قدرة الله، على ما أخبر به، أو في صدقه «٢»، والأنبياء عارفون بالله وصفاته لا يخفى عليهم مثل هذا، وهم معصومون منه، وإنما كان ذلك من زكريا ومريم وإبراهيم وسارة وكل من صدر منه ذلك من المؤمنين بالله تعجبا من كيفية المقدور، لا شكا في حقيقته، فأراد أن يعرف: هل يعاد شابا ثم يرزق الولد، أو يرزقه وهو بهذه الحال؟ والتعجب وسؤال الله- سبحانه- كشف الأمور الملتبسة أن لم يقتض ثوابا لم يقتض عقابا. ومن الدليل على أن العلامة مرادة من سكوت زكريا/ ولا بد: ما ذكر في الإنجيل أن زكريا قال للملك:" من أين أعلم هذا وأنا شيخ وزوجتي قد تناهت في أيامها «٣» "؟ فهذا سؤال من زكريا للآية بلا شك. فأجابه الملك وقال:" أنا جبريل الواقف بين يدي الله وأرسلت لأبشرك بهذا. وها أنت تكون ساكتا، لا تقدر على الكلام إلى اليوم الذي يتم هذا. لكونك لم تصدق كلماتي اليوم التي يتم في زمانها". فأخبر في الإنجيل: أن جبريل أجاب زكريا على سؤاله، والجواب تجب
تقدر على الكلام إلى اليوم الذي يتم هذا. لكونك لم تصدق كلماتي اليوم التي يتم في زمانها". فأخبر في الإنجيل: أن جبريل أجاب زكريا على سؤاله، والجواب تجب
مطابقته للسؤال. وقد ثبت أن سؤاله كان عن الآية، فيكون الجواب بها. وزيادة العقوبة/ إن ثبت وسلمناه لا ينافي ذلك، لأن الجواب يجوز أن يتضمن زيادة عما في السؤال، كما في قوله تعالى: وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ .. هذا طبق السؤال، وقوله: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) «١» هذا زيادة عليه. وقوله- ﵇ حين سئل:" أنتوضأ بماء البحر؟ " فقال: (هو الطهور ماؤه) «٢» هذا طبق السؤال. وقوله:" الحل ميتته" زيادة عليه ويكون وجه الجمع بين الآية والعلامة: إما بما ذكرناه من قبل وهو أن ثلاثة الأيام سويا من غير خرس علامة، وباقيها أخرس عقوبة، أو بأن مطلق السكوت علامة، وامتداده إلى حين الوضع عقوبة. والله أعلم.
[رد شبهة النصراني في حضور أم يوسف إليه، وسجود أبويه وإخوته له] قال:" ومن ذلك قوله في سورة يوسف: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ... (١٠٠) إلى قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ... (١٠٠) «٣» وتقرير السؤال من وجهين:
أحدهما: أنه أخبر أن أبوي يوسف حضرا عنده ذلك الوقت، وقد ثبت في التوراة: أن راحيل أم يوسف ماتت في نفاسها ببنيامين ودفنت ببيت لحم «١». قبل أن يطرأ ليوسف ما طرأ «٢». والثاني: أنه ذكر أنهم سجدوا ليوسف، ولم يذكر في التوراة. غير أن يعقوب لما رأى يوسف فتح ذراعيه، وعانقه باكيا «٣» ". قلت: والجواب عن الأول من وجوه: أحدها: الجواب العام، وهو: عدم الوثوق بالتوراة، وقد بينت في التعليق عليها «٤» من التناقض والتهافت ما تبين لكل عاقل أنها مما لا يعتمد عليه.
ل من وجوه: أحدها: الجواب العام، وهو: عدم الوثوق بالتوراة، وقد بينت في التعليق عليها «٤» من التناقض والتهافت ما تبين لكل عاقل أنها مما لا يعتمد عليه.
الثاني: أني تأملت هذا الحكم في التوراة على جهة التفصيل فوجدته مختلفا مشتبها جدا وذلك أنه ذكر فيها أن راحيل أم يوسف ماتت على طريق بيت لحم عند قدوم يعقوب من عند خاله" لابن" وذلك قبل أن يرى يوسف الرؤيا بمدة «١»، وذكر فيها: أن يعقوب بعد اجتماعه/ بيوسف بمصر «٢» قال له:" وإني حين/ أقبلت من فدان «٣» آرام- يعني قدومه من عند خاله" لابن" من حوران «٤» - ماتت راحيل أمك في أرض كنعان «٥» فقبرتها في بيت لحم «٦» " فهذان نصان يقتضيان: أن أم يوسف ماتت قبل أن يرى الرؤيا، وذكر فيها: أن يوسف لما جاءه
إخوته يطلبون الميرة «١»، فعرفهم وهم له منكرون، اتهمهم بالجاسوسية وجعل ذلك ذريعة إلى سؤالهم عن عدتهم، حتى انتهى إلى ذكر" بنيامين" فقال: ائتوني به لأعلم صدقكم، فرجعوا إلى أبيهم فقالوا: أرسل معنا بنيامين، فقال لهم يعقوب: " إن أخاه قد مات ولم يبق لأمه غيره ولعله تصيبه في الطريق" «٢». وظاهر هذا: أن أمه الآن حيه، وأنه خاف على وجع قلبها وقلبه لفقده وكذلك ذكر فيها: أن إخوة يوسف قالوا له حين سألهم عن عدتم «٣»:" إن لنا أبا شيخا، وله ابن صغير، وهو ابن كبره، ومات أخوه، وهو واحد لا غير لأمه وأبيه، وأبوه يحبه «٤» ". وهذا قاطع في أن أم" بنيامين" حية إلى الآن «٥» - وهي أم يوسف- وهذا تهافت في التوراة «٦» كما تراه. فمن احتج بالنص الأول على موتها قبل هذا الحال
احتججنا عليه بهذا القاطع «١» أنها باقية إلى هذا الحال. ونؤكده بقول يعقوب ليوسف حين قال: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) «٢» فزجره يعقوب وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجئ أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض"/ «٣». فنقول: إن كانت أم يوسف التي ولدته حية الآن فهو يناقض ما في التوراة من أنها ماتت قبل ذلك ودفنت ببيت لحم. وإذا وقع التناقض فيها سقط الاحتجاج بها «٤»، وليس للخصم مستند في ذلك غيرها، وإن كانت قد ماتت فقد سمى يعقوب ليوسف بعد أمه أما، فتلك هي التي سجدت له مع يعقوب عند تأويل الرؤيا، سواء كانت هي والدته، أحياها الله حينئذ تصديقا/ لرؤياه «٥»، كما قال
الحسن البصري «١»، أو كانت خالته وسميت أما مجازا، كما قال بعض المفسرين «٢». وكما قد ثبت في الإنجيل: أنهم كانوا يسمون مريم ويوسف: أبوي المسيح، في غير موضع، وقالت له مريم لما تخلف عنها في أوراشليم «٣»:" يا بني لم تخلفت عنا وتركتني وأباك نطوف عليك «٤» "؟ فكما سمى يوسف أبا المسيح لكونه زوج أمه مجازا «٥»، فكذا سميت زوجة يعقوب أما ليوسف مجازا،
خصوصا وكانت زوجة أبيه أخت أمه نسبا وهي" ليا/ بنت لابن" فقرب المجاز وزال الإشكال. والله أعلم بالصواب. الثالث: أن المراد بأبويه: أبوه وخالته، والعرب تسمي الخالة أما، والعم أبا كما روى أبو إسحاق «١» عن البراء «٢» عن النبي ﷺ قال: «الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح «٣». وعن ابن عمر «٤»: أن رجلا قال:
والعم أبا كما روى أبو إسحاق «١» عن البراء «٢» عن النبي ﷺ قال: «الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح «٣». وعن ابن عمر «٤»: أن رجلا قال:
يا رسول الله إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ قال: (هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم. قال: «فبرها». أخرجه الترمذي أيضا «١». وقال الله تعالى حكاية عن بني يعقوب أنهم قالوا له: نَعْبُدُ إِلهَكَ وإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً «٢» فسموا إسماعيل أباه، وإنما هو عمه، وتكملة هذا الوجه قد سبق في الذي قبله. الرابع: ما ذكره الحسن وهو أن الله- سبحانه- أحيا راحيل أم يوسف حتى سجدت له تحقيقا لرؤياه. وقول القائل:" إن هذا ونحوه لم يذكر في التوراة": جهالة، وضيق عطن «٣» في العلم، فإن التوراة التي عندكم- إن صح أنها التي جاء بها موسى-
فهو جزء «١» يسير من علم الله، وتضمنت يسيرا مما جرى للقوم، وقد جرى لهم جزئيات وتفاصيل لم تذكر، فلعل هذا منها. والله- سبحانه- يفضل من شاء على من شاء في العلم والجسم والمال والعقل وغير ذلك «٢». فما المانع أن يكون/ الله- سبحانه- اختص محمدا من العلم بما لم يخصكم «٣» كما خصه باذلالكم وإرغام أنوفكم، وأخذ الجزية منكم، نحو ثمانمائة سنة «٤». والجواب عن الثاني- وهو سجودهم له- من وجوه: أحدها: هذا بعينه، وهو أن في القرآن زيادة علم لم تبلغكم، تخصيصا من الله لغيركم عليكم. الثاني: أن السجود المذكور في القرآن ليس المراد به وضع الجباه على الأرض بل هو الإيماء بالرءوس، والانحناء على جهة التعظيم، وكانت تلك تحية الملوك عندهم، فلعله لخفاء صورته وعدم ظهور تأثيره في هيئة الإنسان الانتصابية «٥» لم يذكر في التوراة اعتبارا/ بصورته، وذكر في القرآن اعتبارا بمعناه، وهو التعظيم «٦».
على أنه قد صرح في التوراة «١» بأن إخوة يوسف لما عرفهم وهم له منكرون" خروا له سجدا". ثم لما «٢» عادوا المرة الثانية" خروا له سجدا" «٣»، وأن يوسف لما جاء بابنيه" ميشا" «٤» و" أفرايم" إلى يعقوب ليبرّك عليهما، سجدا له «٥». وأن" إبراهيم" لما اشترى مغارة" عفرون" «٦» ليجعلها مقبرة لسارة، فقالوا له:
لما جاء بابنيه" ميشا" «٤» و" أفرايم" إلى يعقوب ليبرّك عليهما، سجدا له «٥». وأن" إبراهيم" لما اشترى مغارة" عفرون" «٦» ليجعلها مقبرة لسارة، فقالوا له:
قد وهبناها لك، خر لهم ساجدا «١» على جهة الشكر حيث ياسروه ولم/ يعاسروه. وسألهم أن يأخذوا منه ثمنها. فقد كان السجود عندهم سهلا متعارفا في هذه المواطن اليسيرة الخطب، وهو من ملة أبيهم إبراهيم «٢». وفي التوراة:" أن يعقوب لما التقى بأخيه العيص سجد له «٣» بالأرض سبع مرات" «٤»، فما ظنك بحال الدخول على يوسف من قوم متشوقين إليه، وخجلين منه بعد سنين متطاولة، فإن العقول تجزم بأن هذا المقام أولى بالسجود من كل مقام، خصوصا لشخص قد أحياهم الله به، وقد غمرهم بإحسانه بعد أن بالغوا في الإساءة إليه. ففي السجود له فوائد «٥». منها: إقامة رسم الملك بفعل تحيته «٦». والثانية: التوصل إلى إزالة ما في نفسه.
والثالثة: إظهار المحبة ليوسف والطاعة له ليرضى/ عنهم يعقوب، ويطيب قلبه بتصافيهم. الرابعة: مكافأته على بعض إحسانه. الخامسة: تصحيح رؤياه، فإن" رؤيا الأنبياء وحي «١» ". الثالث: أنه ذكر في التوراة «٢» أن يوسف لما قص رؤياه على يعقوب زجره لما قصها، وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض؟ " وكان يعقوب قد وعى معنى الرؤيا. قلت: وإنما أراد أن يصد عنه كيد إخوته له باستبعاده ذلك وإنكاره «٣». قلت: فهذا يعقوب قد فهم أن تأويل رؤيا يوسف: سجود إخوته وأبويه له. وقد ثبت أن الرؤيا صحت، فكذا تأويلها، خصوصا والرؤيا رؤيا نبي، والتأويل تأويل نبي ورؤيا الأنبياء وحي، وتأويلهم إلهام. وأيضا: فإن في التوراة «٤» أن يوسف رأى رؤيا أخرى وهي أنه رأى أنه وإخوته جمعوا حزما في المزرعة، وقد قامت حزمته، وجاءت حزم إخوته، فسجدت لها. وهذا يدل على سجودهم له، لما التقوا لأن الرؤيتين دلتا على حكم واحد، وهو السجود.
الرابع: أنه يجوز حمل ما في القرآن على أن قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ «١» جملة. وقوله: وخَرُّوا جملة مختص ضميرها بإخوة يوسف لم يتناول أبويه، فيكون ذلك موافقا لرؤيا الحزم، فإنها إنما تضمنت ما يدل على سجود الإخوة فقط دون أبويه، ويصير هذا قريبا جدا «٢» لأن إخوته سجدوا له قبل ذلك مرتين بنص التوراة، وهذه تكون ثالثة ووقتها أولى بالسجود من غيره على ما سبق وإنما ترك ذكره في التوراة اكتفاء عنه بالمرتين الأوليين، وتنبيها عليه بطريق أولى. قلت: وفي ورود/ القرآن برؤيا النجوم دون رؤيا الحزم أقوى دليل على صدق محمد- ﵇ وأن القرآن وحي من الله، وأنه إنما أخبر بما أوحى إليه، وإلا فلو كان ينقل ذلك من كتب/ الأولين لتتبعها/ ولظفر برؤيا الحزم، ولذكرها خشية أن يطعن عليه بالنقص والزيادة فاعلم ذلك.
[رد شبهة النصراني في ورود بنات شعيب ماء مدين وعددهن واستئجار موسى ثماني حجج] قال:" ومن ذلك في سورة القصص بعد ذكر موسى: ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ ... إلى قوله: ... إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ ... «١» قال: الكذب في هذه القصة في مواضع: أحدها: قوله:" وجد على الماء قوما يسقون" ولم يكن كذلك يعني بل «٢» القوم طرءوا «٣» على بنات شعيب، وقد ملأن الحياض «٤» ليسقين غنم أبيهن، فأخرجوهن فقام موسى فحماهن وسقى غنمهن كما سيأتي في لفظ التوراة. الثانى" أن النساء كن سبعا لا اثنتين. الثالث: أن عرض شعيب ابنته على موسى واستئجاره على نكاحها ثماني سنين لم يكن منه شيء، إنما كان هذا في زواج يعقوب براحيل بنت خاله" لابن" وإنما اختلطت لهذا الإنسان القصة، أو خلطت له بقصة زواج يعقوب النبي، ثم ذكر ما في التوراة من قصة موسى في ذلك. وهو أن قال فيها بعد ذكر قتل موسى للقبطي «٥»:" فسمع فرعون هذا الخبر وكان يطلب قتل موسى فهرب من حضرته، وأقام بأرض مدين «٦»، وجلس جوار البئر.
ى في ذلك. وهو أن قال فيها بعد ذكر قتل موسى للقبطي «٥»:" فسمع فرعون هذا الخبر وكان يطلب قتل موسى فهرب من حضرته، وأقام بأرض مدين «٦»، وجلس جوار البئر.
وكان لإمام مدين سبع بنات. كن أقبلن لاستقاء الماء فملأن الحياض وأحببن سقي غنم" يثرا" «١» أبيهن، فأقبل الرعاة عليهن وأخرجوهن فقام موسى وحمى الجواري وسقى نعاجهن، فلما انصرفن إلى" يثرو" أبيهن، قال لهن: لم جئتن أسرع من المعتاد «٢»؟ فأجبن: رجل مسلم «٣» مصري أنجانا من الرعاة، وبزيادة استقى الماء وسقى النعاج «٤». فقال: أين هو؟ لم خلفتن الإنسان؟ ادعونه ليأكل خبزا، فحلف «٥» موسى أن يسكن معه وأخذ سابور «٦» بنته زوجة". اهـ. قال:" هذا نص التوراة/ أن الجواري كن سبعا، لا اثنتين، وأن والدهن كان اسمه يثرو لا شعيب، ولا ذكر لاستئجاره ثماني حجج. ثم ذكر قصة زواج يعقوب من التوراة إلى آخرها. ثم قال:" فتأمل يا قارئ اختلاط إحدى القصتين بالأخرى". قلت: والجواب عن هذا السؤال من وجوه:
أحدها: الجواب العام بالقدح في التوراة وعدم الوثوق بها، كما تقرر في المقدمة وقد وجدنا فيها من التناقض والاختلاف/ ما بعضه يقدح في الاحتجاج بها. ولذلك سببان ظاهران: أحدهما: أن اليهود حرفوا منها اسم محمد- ﵇ «١» ودلائل نبوته «٢» لئلا يكون عليهم حجة له من كتابهم، وحرفوا مع ذلك أشياء مما جاء به محمد عن وضعه الذي في التوراة ليصير ذلك شبهة لهم في تكذيبه، ويقولون: ما نصنع به؟ لو وافق ما عندنا أو ذكر فيه، آمنا به «٣».
وا مع ذلك أشياء مما جاء به محمد عن وضعه الذي في التوراة ليصير ذلك شبهة لهم في تكذيبه، ويقولون: ما نصنع به؟ لو وافق ما عندنا أو ذكر فيه، آمنا به «٣».
السبب الثاني: أن التوراة تقادم عهدها وحرفت في زمن" بختنصر «١» " وتعاورتها «٢» التغيرات والتنقلات من العبراني إلى السرياني إلى القبطي إلى العربي لفظا وخطا. وبعيد من مثل هذه التغيرات أن لا تخل بالمعاني. ولذلك صارت التوراة التي بيد النصارى «٣» تخالف التي بيد اليهود «٤»، والتي بيد اليهود يخالف بعضها بعضا كما أن أناجيل النصارى يخالف بعضها بعضا «٥»، كما قد بينته/ في التعليق عليها «٦» لأن أهل الكتاب معتمدهم على الخط، لا على الحفظ، وعلى الرواية بالمعنى لا باللفظ. الثاني: أن علماء المسلمين ذكروا قصة موسى، على وفق ما هي في القرآن وكان لهم اجتماع بأهل الكتاب واطلاع على علمهم، وأسلم جماعة من أهل
الكتاب ووافقوهم على ذلك كعبد الله بن سلام/ من اليهود، والعاقب والسيد «١» رئيسي نجران من النصارى والنجاشي «٢» صاحب الحبشة «٣» في ناس كثير، فدل أن ما في القرآن موافق لما في الكتب القديمة، ولكن هذا الذي تدعونه تحريف حدث. فإن قيل: إنما كان إسلام بعض أهل الكتاب «٤» وعدم إنكارهم ما جاء به القرآن من الوهم مخافة من سيف الإسلام، فإنه كان مشهورا منصورا، لا يقوم له أحد.
قلنا: هذا مما لا يفيدكم، فإن مصنف هذا الكتاب قد أبرز فيه كل ما عنده من الطعن في دين الإسلام مع المخافة وظهور الإسلام، ولم يمنعه ذلك، فلو أمكن الأوائل من أهل الكتاب قدح لفعلوا، ولو في خفية ثم لاشتهر في ذلك العصر ثم نقل إلينا. كيف والمسيح ﷺ «١» يقول:" ما من خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن «٢» ". وهو قول معصوم لا يجرم. وأيضا فإن من الممتنع عادة أن أحدا لا «٣» ينتقل من دين إلى دين إلا بعد انشراحه لما انتقل إليه وانقباضه عما كان عليه، وأن من ينشرح صدره لدين يحتمل الذل والصغار والقتل، ولا ينتقل عنه كاليهود والنصارى في بلاد المسلمين، والمسلمين في بلاد النصارى. فمن المحال عادة أن جماعات من أحبار «٤» اليهود والنصارى ورؤسائهم ورعاعهم يتركون دينهم في/ عصر النبوة إليها إلا بعد علمهم بصحة ما جاءت به «٥»، وحينئذ يصير هؤلاء حجة على من يقدح في الإسلام من أهل الدينين.
وهذا" ابن جزلة" «١» صاحب" منهاج البيان" في الطب كان نصرانيا فأسلم وصنف كتابا سماه" إفحام النصارى" ولما مات وقف كتبه على تربة الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت «٢» / ببغداد «٣» وكثيرون مثله يسلمون ويحسن إسلامهم، وبعد ذلك يطعنون فيما كانوا عليه من اليهودية أو النصرانية «٤» ولم نر مسلما خرج عن الإسلام، فحمد ما انتقل إليه «٥» فإن قيل: لأن المسلمين لا يتركونه بل
يقتلونه فلا يتسع له زمن النظر والترجيح، بين ما انتقل عنه وإليه، ثم انحسمت «١» مادة الردة في الإسلام خوف القتل. قلنا: لا شك أن مصلحة الدين ومنفعته عظيمة وهي النجاة الأبدية، وعظم مصلحته توجب قوة الداعي المحرك إليه وذلك يوجب انفتاح أبواب الوسائل الموصلة إلى المقصود منه. وهذه بلاد النصرانية ملاصقة لبلاد الإسلام، والسبل إليها آمنة مسلوكة وفي المسلمين ناس كثير وقفوا على حقيقة دين المسلمين والنصارى وهم عقلاء ألباء، فلو صح لهم ما ذكرتم من القدح في دين الإسلام لتوصلوا إلى أرض النصرانية واعتصموا بها وجعلوها هجرة دينية «٢».- والله أعلم-. ثم لو لم يكن في هذا الجواب إلا معارضة ما نقله المسلمون لما نقلتموه لأوقف دعواكم في صناعة النظر حتى تبدوا مرجحا لما قلتموه أو دليلا آخر.
والله أعلم-. ثم لو لم يكن في هذا الجواب إلا معارضة ما نقله المسلمون لما نقلتموه لأوقف دعواكم في صناعة النظر حتى تبدوا مرجحا لما قلتموه أو دليلا آخر.
الثالث: أن ما حكاه هذا المصنف من القصة في التوراة/ لا ينافي ما في القرآن بل في القرآن «١» زيادة بيان ومناسبة للقضية «٢»، فرد تلك الزيادة لكونها لم تذكر في التوراة جهالة، لأنه إبطال للوجود المحض بالعدم المحض، وذلك عناد أو قصر باع في العلم لما بيناه في الوجه الرابع من الجواب عن قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ «٣» في السؤال قبل هذا، وبيان عدم المنافاة: أما قوله:" إن موسى لما ورد ماء مدين لم يجد القوم/ يسقون بل طرءوا بعد ذلك". فهذه مناقشة باردة ممن لا يعلم مواقع الكلام خصوصا لغة العرب واتساعها، بل ولا حقائق المعقولات فإن" لما" في لغة العرب أداة زمانية: أي تدل على الوقت والزمان، فإذا قلت: قام زيد لما قعد عمرو، معناه: قام زيد وقت أو زمان قيام عمرو. فقوله: ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً «٤» / أي: وقت أو زمن ورود ماء مدين وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً ولا شك أن الزمان والمكان يكونان حقيقة ومجازا، فحقيقة المكان: هو الموضع الذي يستقر فيه الجسم، ويحيط به فقط دون ما حوله، كدائرة الكرسي مثلا «٥» لمن جلس عليه، ومجاز المكان: ما قارب مستقر الجسم وما أحاط به من مكانه الحقيقي كالبيت أو الدار بالنسبة إلى الكرسي الذي جلس عليه «٦» وحقيقة زمان الفعل: الجزء الذي يحدث فيه الفعل فقط لا يتناول شيئا مما قبله ولا بعده، كالجزء الذي كان فيه ورود موسى، ومجازه: هو ما قارب ذلك الجزء بساعة أو ساعتين أو أقل أو أكثر بحسب قرب المجاز وبعده وعظم الحقيقة وصغرها.
قبله ولا بعده، كالجزء الذي كان فيه ورود موسى، ومجازه: هو ما قارب ذلك الجزء بساعة أو ساعتين أو أقل أو أكثر بحسب قرب المجاز وبعده وعظم الحقيقة وصغرها.
وإذا ثبت هذا التقرير بان: أن لا منافاة بين قوله في القرآن: ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً وبين قوله في التوراة:" فأقبل الرعاة عليهن وأخرجوهن" لجواز أن يكون إقبال الرعاة، ووجدان موسى لهم جميعا في زمن وروده المجازي، الذي هو بعيد زمن وروده الحقيقي. وكذلك قوله: ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما «١» مع قوله في التوراة:" فقام موسى، وحمى الجواري، وسقى نعاجهن" لا تنافي بين الأمرين لجواز أنهما لما أخرجهما الرعاة عن الماء وقفتا تذودان غنمها- أي تحفظانها «٢» / من الشرود «٣» - فجاء موسى" فقال ما خطبكما" فأخبرتاه، فحماهما وسقى لهما. وأما قوله" كن سبعا لا اثنتين" فمن الجائز أن السبع حضرن لكن الذي تولى ذود الغنم منهن اثنتان، والأخر يملأن الحياض، أو ينظرن في مصلحة أخرى للغنم، فوقع الخطاب في القرآن على الذائدتين دون البواقي لأنهن حينئذ أخص بالغنم والبواقي كالأجنبيات منها، لا يعلم في الحال تعلقهن بأمرها «٤».
وأما قوله:" لا ذكر لندب شعيب موسى إلى زواج ابنته، ولا لاستئجاره «١» ثماني حجج" فلا ينافي ما في القرآن من ذلك، لأن هذا مجمل وما في القرآن مفصل، ولا تنافي بين المجمل والمفصل. على أن في قوله في التوراة:" أن يثرو قال لبناته: ادعونه يأكل خبزا، فحلف على «٢» موسى أن يسكن معه وأخذ سابور «٣» بنته زوجة" «٤». تنبيها «٥» على ما فصله القرآن إذ معناه: أن يثرو عزم على موسى وأقسم عليه أن يسكن معه. وهذا قريب في العرف من قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ .. «٦» فإن الناس جرت عاداتهم أنه إذا ورد/ عليهم غريب فظهرت منه النّجابة والخير والخصال/ الحميدة والأفعال النافعة تمسكوا به وحسنوا له المقام عندهم، وعرضوا عليه المسكن والسكن ليرتبط بذلك عليهم فينتفعون به وينتفع بهم. وقد كان" يثرو" أحق الناس بمثل هذا لكبره، وكون بناته حرما «٧»، ضعفا عن القيام بأمر الغنم، وقد كان الرعاة يستضعفونهن. وأما قوله:" كان اسم أبيهن يثرو لا شعيب" «٨»، فقد سبق جواب مثله عند قوله:" كان اسم أبي مريم أم المسيح يعقيم لا عمران" «٩» وذلك أن الأسماء ألفاظ تختلف باختلاف اللغات، ومع «١٠» اتفاق المسميات/ لا يضر اختلاف الأسماء.
ويدل على هذا ما ذكره" وثيمة بن موسى بن الفرات" في كتاب" قصص الأنبياء" عن محمد بن إسحاق «١» قال: حدثني عبد الله بن زياد بن سمعان «٢» عن بعض من قرأ الكتب أن أهل التوراة يزعمون أن شعيبا اسمه في التوراة ميكائيل بن جزي وبالسريانية يثرن بن جزي بن يشجر. وبالعربية: شعيب بن جزي بن يشجر ابن لاوى بن يعقوب. قال:" وحدثني الشرقي ابن القطامي «٣» - وكان عالما بالأنساب- قال: هو
بالسريانية يثرن بن جزي بن يشجر. وبالعربية: شعيب بن جزي بن يشجر ابن لاوى بن يعقوب. قال:" وحدثني الشرقي ابن القطامي «٣» - وكان عالما بالأنساب- قال: هو
يثرون بالعبرانية، وشعيب بالعربية بن عيفاء بن لوثب «١» بن مدين بن إبراهيم". فتبين بما ذكرناه أن هذا نزاع لفظي لا يقدح في حقائق المعاني «٢». وأما ما ذكر من أن الاستئجار إنما كان في قصة زواج يعقوب لا موسى. فجوابه: أن احتجاجك في هذا إنما هو بسكوت التوراة عن ذكره في قصة موسى على ما قد ثبت فيها من التحريف والتبديل والزيادة والنقص والتفاوت في النسخ بالنسبة إلى ما بأيديكم وأيدي اليهود وإلى ما في أيدي طوائف اليهود «٣»، وذلك استدلال بالسكوت الصرف والعدم المحض، والقرآن جاء بزيادة بيان فليس قدح التوراة في القرآن لمجيئه بالزيادة أولى من قدح القرآن في التوراة لمجيئها
بالنقص، فما المرجح لأحد القدحين على الآخر؟ على أن ما في القرآن أولى بالاعتبار لأنه أنسب بسياق القضية لمن تدبره، ولأنه أقرب عهدا بالظهور من التوراة «١»، وأبعد عن التحريف والنقل من لغة إلى لغة، ومن ترجمة إلى ترجمة، والمسلمون أشد عناية بحفظه من أهل الكتابين بحفظهما.
ثم نقول: ما المانع من أن تكون قصة يعقوب وموسى في زواجهما اتفقتا على صفة واحدة/ كما اتفق لإبراهيم وإسحاق، في أن كل واحد منهما لما دخل أرض" أبيمالخ" «١» / ملك فلسطين «٢» ادعى أن زوجته أخته لجمالها، خشية أن يغلب عليها «٣». وقد صرحت بذلك التوراة. لكن اتفق أنها شرحت قصة يعقوب بأبسط مما شرحت قصة موسى.
[تناقض كتب النصارى التي بأيديهم] ثم بعد هذا كله نقول لهذا النصراني: الخلاف والتناقض الذي أوردته علينا بتقدير ثبوته هو في كتابين لملتين، وهما التوراة والقرآن، ولا شك أن في إنجيل لوقا «١» في الفصل الثاني والثلاثين «٢»، أن يوحنا قال للمسيح:" يا معلم رأينا إنسانا يخرج الشياطين باسمك فمنعناه لأنه لم يتبعنا. فقال: لا تمنعوه، لأن كل من ليس عليكم فهو معكم". وفي إنجيل مرقس «٣» هذه الحكاية بعينها، وأن المسيح قال فيها:" كل من ليس معنا فهو علينا" «٤» وهذا تناقض بيّن. وبيانه: أن كل واحد من الناس:/ إما أن يكون معك أو عليك، أو لا معك
لحكاية بعينها، وأن المسيح قال فيها:" كل من ليس معنا فهو علينا" «٤» وهذا تناقض بيّن. وبيانه: أن كل واحد من الناس:/ إما أن يكون معك أو عليك، أو لا معك
ولا عليك، فالطرفان «١» حكمهما معلوم. أما الواسطة وهي الذي لا لك ولا عليك فإنها «٢» على لفظ لوقا: تكون لك، لأنها ليس «٣» عليك، وعلى لفظ مرقس تكون عليك لأنها ليس «٤» لك، فهذا تناقض في انجيلكم، وهو كتاب ملة واحدة، بعضه حجة على بعض، والقدح في بعضه قدح في كله فما كان جوابك عن هذا التناقض الذي في الإنجيل، فهو جوابنا عن التناقض الذي بين التوراة والقرآن «٥». ونكون قد سامحناك في هذا، لأن ما أوردناه عليك من تناقض كتابك وارد عليك ولازم لك، وما أوردته أنت علينا من تناقض التوراة والقرآن ليس لازما لنا، لأنا نحن نقول: القرآن حق وصدق، والتوراة/ التي احتججت علينا بها- لا أقول التي أوتيها موسى- كذب وزور، ومحال وافتراء على الله ورسله «٦». وأنت لا يمكنك أن تقول: إن إنجيل لوقا حق وصدق، وإنجيل مرقس كذب وزور، أو بالعكس، لأن أناجيلكم «٧» الأربعة هي كتاب واحد وموضوعها واحد، وإنما
اختلفت بالزيادة والنقص والرواية بالمعنى، وما فيها من الاختلاف والتناقض. فإن قلت: إن الذي أوردته عليّ من تناقض إنجيل لوقا وإنجيل مرقس ليس تناقضا في الأصل، بل هو من قلم الناسخ فهو خطأ في صورة الخط، لا في حقيقة النبوة المسيحية «١». قلت: هذا بعينه جوابنا عما أوردته من تناقض التوراة والقرآن في قصة موسى، وهو أن نضيف الخطأ إلى قلم الناسخ وصورة الخط في التوراة وهي أولى بذلك من القرآن لتقادم عهدها وتغير التراجم واللغات فيها، بل وأولى من الإنجيل لأنها قبله. فإن قلت: أنا ما أوردت تناقضا بين التوراة والقرآن، بل كذبت القرآن بالتوراة/. قلت: هذا هو معنى التناقض. ثم جوابك ما سبق من أنه ليس تكذيب القرآن بالتوراة أولى من تكذيب التوراة بالقرآن، بل هذا أولى لما بيناه غير مرة، والله أعلم. هذا تفصيل جوابه على ما ذكر هو في كتابه. [أما ما رأيناه في التوراة مما يدل على وفاق القرآن نذكر «٢» إن طرقه- إن شاء الله تعالى «٣»].
[ابطال دعوى صلب المسيح ﵇] قال:" وفي سورة النساء بعد ذكر اليهود: وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ... (١٥٧) «١» وذكر كلاما لابن عطية في تفسير قوله: شُبِّهَ لَهُمْ وأن معناه أن شبه المسيح ألقي على/ صاحب له يقال له: سرجس «٢» باختياره على أن يكون رفيق المسيح في الجنة «٣». قال:" ويتمسك المسلمون بهذا في القطع على أن المسيح ما صلب. وذلك باطل بالتواتر عند الأمتين: اليهود والنصارى. ومؤرخي المجوس على صلب المسيح وبنص الكتب المقدسة". وذكر كلام أشعياء ودانيال، وما في إنجيل متى مما يدل على ذلك وأن المسيح صلب ومات وقبر وقام حيا في اليوم الثالث وظهر لتلاميذه مرارا كثيرة.
تب المقدسة". وذكر كلام أشعياء ودانيال، وما في إنجيل متى مما يدل على ذلك وأن المسيح صلب ومات وقبر وقام حيا في اليوم الثالث وظهر لتلاميذه مرارا كثيرة.
ولما تكلم" السّهروردي" «١» في كتاب" التنقيحات" في التواتر وشروطه في أصول الفقه تعرضت «٢» له قصة الصلب/ فقال:" ولو لم يصلب عيسى لم يبق على المحسوسات اعتماد". قلت: هذا حاصل ما أورده على هذا السؤال. والجواب: أما الآية الكريمة المخبرة بنفي قتل المسيح وصلبه فنعتقد أنها حق وصدق ونتمسك بها على القطع بذلك لأنها عندنا صادرة عن الحكمة والعلم الإلهيين «٣» بواسطة العصمة النبوية وهي منقولة إلينا بالتواتر. وأما ما حكاه عن" ابن عطية" في تفسير قوله: شُبِّهَ لَهُمْ: فذاك مما لم يختص بنقله" ابن عطية" بل ذكره جميع مفسري القرآن الكريم «٤» قديمهم وحديثهم على اختلاف بينهم في ذلك «٥». فقال ابن سمعان، ومحمد بن إسحاق:" إن
الذي ألقي عليه شبه عيسى هو رجل من أصحابه يقال له" سرجس «١» " وقال وهب بن منبه «٢»:" هو يهوذا «٣» الذي أسلمه، ودل عليه، وهو الذي اسمه في الإنجيل: يهوذا الاسخريوطي «٤» ". قلت: وهذا أشبه. لأن عادة الله- سبحانه- جرت في أنبيائه أن يرد كيد من عاداهم عليه/، كنوح إذ كاده قومه فنجا وغرقوا «٥». وإبراهيم إذ ألقي في
النار فكانت عليه بردا وسلاما ثم هلك فرعونه «١». وموسى إذ عاد مكر فرعونه عليه فأغرق «٢». وقارون إذ قذف موسى بالزنا ليقتله، أو يغض منه فخسف به «٣». وعيسى مكر به يهوذا فعاد مكره عليه. ومحمد- ﷺ «٤» إذ قال الله سبحانه له: وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) «٥» وقال الله سبحانه: ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ
يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) «٥» وقال الله سبحانه: ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ
إِلَّا بِأَهْلِهِ «١» وقال في قوم صالح حين أرادوا تبييته «٢»: ومَكَرُوا مَكْراً ومَكَرْنا مَكْراً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) «٣». وأما قوله:" إن ذلك باطل بالتواتر عند الأمتين اليهود والنصارى ومؤرخي المجوس". فجوابه: أن المدعى تواتره عند اليهود والنصارى: ما هو صلب إنسان مطلق؟ أو صلب إنسان مقيد بأنه «٤» المسيح؟ الأول: مسلم ونحن أيضا نوافق عليه وهو جرجيس، أو يهوذا «٥» كما سبق عن ابن إسحاق ووهب. والثاني: ممنوع وهو «٦» محل النزاع. وسنبين مستند المنع في آخر هذا الجواب «٧». وأما مؤرخو المجوس فالجواب عن تأريخهم بذلك من وجوه:
أحدها: أنهم لم يكونوا حاضري قضية المسيح ولا أحد منهم. فمدار اعتقادهم صلبه على خبركم وخبر اليهود، ولا حجة فيه؛ لأن أحد الأمر اشتبه على من حضر القصة بأن أظلمت الأرض ظلمة شديدة، صرح بها الإنجيل «١» وغيره ففي تلك الظلمة أطلقت الملائكة المسيح وربطت الذي ألقي عليه شبهه مكانه فاعتقدتم أنتم: أن المسيح صلب. وقوّى ذلك الاعتقاد/ في نفوسكم: حنقكم على اليهود، وحب تقرير الظلم «٢» والعدوان عليهم، واعتقدت ذلك اليهود كما اعتقدتموه، وحملهم على ذلك الاعتقاد: حب الغلبة والظفر بمن اعتقدوه عدوا لهم ولو وفّقوا لتابعوه. فعليهم وعليكم من الله ما تستحقونه. الوجه الثاني: أنا أجمعنا وإياكم «٣» على ضلال المجوس، وسخافة عقولهم حيث عبدوا النار التي يوجدها الحطب، ويعدمها الماء والتراب، وانقطاع مادة الوقود فعقول هذا شأنها كيف تكون حجة على العقلاء، وإن كانوا عندكم عقلاء فاعبدوا النار معهم/ وإذا كنتم أنتم أصحاب الدعوى ندعي نحن أن الأمر اشتبه عليكم والتبس، فما الظن بقوم جهال أجانب من القضية سمعوكم واليهود «٤» ترجفون بشيء فقلدوكم فيه، وتابعوكم عليه، كما قلدوا آباءهم في عبادة النار.
الوجه الثالث: أن المجوس أعداء للمسلمين «١» والنصارى واليهود مثلكم. وشأن العدو أن يطلب لعدوه العثرات، ويتبع منه العورات، ولا شك أنهم تتبعوا عثراتكم وعثرات اليهود فوجدوها، أما عثراتكم فدعواكم التثليث وإلهية المسيح، وغير ذلك من سخافاتكم. وأما عثرات اليهود فأكثر من أن تحصى على ما دلت عليه كتب الأنبياء المتقدمين والمتأخرين كقتلهم الأنبياء بغير حق وتعديهم حدود الله، وإباقهم عن الانقياد/ له ولرسله «٢» وكيدهم للمسيح «٣» وتعصبهم عليه مع اظهاره العجائب والبينات. ولمعصيتهم الله- سبحانه- سلط على أوائلهم فرعون سامهم سواء العذاب «٤» خمسمائة عام «٥» حتى استنقذهم الله بموسى، ثم كان له معهم/ من التعب ما لا يخفى. وأما المسلمون فلم يجدوا لهم عثرة يقدحون بها فيهم، فوافقوكم «٦» على صلب المسيح ليوهموا بذلك القدح في القرآن كيدا للمسلمين ولو لم يكن إلا مجرد احتمال هذا القصد منهم كان ذلك تهمة لهم تقتضي عدم الالتفات إلى مقالهم.
وأما ما ذكره من نص الكتب المقدسة ككتاب" أشعياء" و" دانيال" وإنجيل متى فجوابه من وجوه: أحدها: الجواب العام. من عدم الوثوق بهذه الكتب لتقادم عهدها ونقلها من لغة إلى لغة وتهمة اليهود والنصارى عليها خصوصا الإنجيل فإنا قد بينا في التعليق عليه «١» ما يقيم عذرنا في عدم الوثوق به من الاختلاف والتناقض. [الوجه الثاني: أن ما ذكره من مصحف أشعياء هو قوله في صفة المسيح: يقاد إلى القتل] «٢» مثل الضائنة «٣» ويصمت كالخروف «٤» بين يدي الجازر ولم يفتح فاه «٥» " ولا حجة فيه على وقوع القتل بل على القود إلى القتل، ونحن نقول به: فإنهم قادوه ليقتلوه فخلصه الله بما ذكرناه، وكم من قيد إلى القتل ثم نجا فلم يقع به القتل. نعم قد ذكر أشعياء في الأصحاح الخامس والعشرين من مصحفه «٦» في النبوة في المسيح وصلبه مع الأئمة، واحتماله للذنوب ما هو أنص من هذا في قتل المسيح وهو قوله:- وهو يعني المسيح المضروب في سبب ذوات «٧» الله المتواضع



