الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الطوفي (w. 716 H).

Bagian 6 dari 25 943 halaman

— Bagian 6 · في النبوة في المسيح وصلبه مع الأئمة، واحتماله لل… —

Bagian 6

في النبوة في المسيح وصلبه مع الأئمة، واحتماله للذنوب ما هو أنص من هذا في قتل المسيح وهو قوله:- وهو يعني المسيح المضروب في سبب ذوات «٧» الله المتواضع

من أجلها:" يقتل من أجل إثمنا، ويتواضع من أجل إثمنا وعليه أدب سلامتنا «١»، لأن بجراحه نبرأ كلّنا نهبا مثل الغنم وأقبل كل إنسان منا إلى جانبه، والرب لقّاه خطايانا أجمعين دنا متواضعا ولم يفتح فاه، وسيق مثل الحمل للذبح وكان صامتا كالنعجة قدام جازرها ولم يفتح فاه وسيق من الحبس إلى القضاء. ومن يقدر أن يحدث بما لقي من خفيّة «٢» / لأنه رفع من أرض الحياة ودنا منه قوم من أئمة شعبي «٣» وأذن المنافق بدفنه". قلت: فهذا فيه تصريح بالإخبار بقتله ودفنه. لكن عليه اشكالان: أحدهما: أن في أول هذا الفصل بعينه، وهو النبوة في المسيح:" ان عبدي ليفهم ويرتفع ويتعظم ويتعالى جدا، حتى يتعجب منه/ كثير من الناس" وساق صفاته إلى أن اتصل «٤» بذكر قتله ودفنه، فهذا تصريح/ بأن المسيح عبد الله، وأنتم تقولون: هو الله، أو ابن الله، كما صرح به الإنجيل. فإن قلتم بمجموع الأمرين: أعني عبوديته وقتله، فقد خالفتم دينكم في القول بالعبودية. وإن ألغيتم الأمرين ولم تعتدوا بهما فقد سقط عنا اشكال الإخبار بالقتل، وإن قلتم بأحدهما دون الآخر وهو القتل كان ذلك ترجيحا من غير مرجح، واحتجاجا بكلام تقدحون في جزءه ثم نقابلكم بمثله، فنقول بالعبودية دون القتل.

فإن قيل: ذكر العبودية حق باعتبار ناسوت المسيح، وإلهيته حق باعتبار لاهوته فكلا الأمرين صحيح. فنقول بهما ويثبت ما ادعيناه من قتله. قلنا: هذا هوس، وأنتم عند التحقيق عاجزون عن إثباته. وقد وجهت ذلك في التعليق على الإنجيل «١». الإشكال الثاني: أن أشعياء قبل المسيح بخمسمائة عام أو نحوها وهو يحكي ما جرى للمسيح بلفظ الماضي حيث قال:" دنا متواضعا، ولم يفتح فاه، وسيق مثل الحمل للذبح، وكان صامتا كالنعجة قدام جازرها" ونحو ذلك من صيغ الماضي وحقه أن يذكر بصيغة المستقبل. وهذا يدل على اضطراب هذا الإخبار، وكونه مدخولا «٢».

الحمل للذبح، وكان صامتا كالنعجة قدام جازرها" ونحو ذلك من صيغ الماضي وحقه أن يذكر بصيغة المستقبل. وهذا يدل على اضطراب هذا الإخبار، وكونه مدخولا «٢».

قلت: لكن عند الإنصاف، هذا الإشكال/ لا يتجه، لأن اخبارات الله- سبحانه- كثيرا ما جاءت عن المستقبل بصيغة الماضي، وقد وقع مثله في القرآن كثيرا. والمعول عليه في الجواب عما تضمنته الكتب القديمة من قبل المسيح هو الوجه الأول، وهو القدح في صحتها، ودعواهم تواترها ممنوعة وإثباته عليهم شديد «١». الوجه الثالث: أن هذا الخصم قدح في قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ... (١٠٠) «٢». وفي قصة زواج موسى على أن يؤجر نفسه ثماني حجج بأن ذلك لم يذكر في التوراة فنحن أيضا نقدح في دعواه صلب المسيح وقلته بعين ذلك، وهو أنه لم يذكر في التوراة، حيث جمع" إسرائيل" «٣» بنيه بمصر قبيل موته، وأخبرهم بما

يكون لكل منهم في مستقبله. فإنه تغيظ «١» على" روبيل" «٢» وقال له:" نجست فراشي" يعني كونه وطئ سرية أبيه- وقال:" لا يفقد الملك والنبوة والكهنوت من سبط «٣» يهوذا ومن بين فخذيه. حتى يأتي من هي له، وإياه تنتظر الشعوب. الرّابط في الشجرة جحشه «٤». وفي القضيب «٥» ابن أتانه «٦» تحمر من الخمر عيناه، وأشد بياضا من اللبن أسنانه" «٧». وهذه صفات المسيح بلا شك «٨»، ولم يذكر أنه يقتل ولا يصلب. فإن قيل: ثبت قتله بزيادة مقبولة من الأنبياء كما ذكر عن شعياء ودانيال والإنجيل.

قلنا: ورفع أبوي يوسف على العرش وايجار موسى نفسه ثماني سنين ثبتت «١» بزيادة مقبولة «٢» / على لسان محمد في القرآن. وهي زيادة مقبولة «٣». فإن قيل: لكن زيادة قتل المسيح ثبتت على لسان من اتفقنا على نبوته وصدقه، وزيادة رفع أبوي يوسف، وايجار موسى نفسه ثبتت على لسان من اختصصتم/ باعتقاد نبوته، وخالفناكم نحن فيها، ولم نوافقكم عليها. قلنا: هو كذلك لكن عدم موافقتكم على صدقه لا يقدح في نبوته وصدقه/ لأنكم أنتم وافقتم اليهود على صدق موسى والتوراة، وخالفوكم في صدق المسيح والإنجيل. ولم يكن ذلك قادحا في صدقهما، باتفاق منا ومنكم. فإن كان عدم وفاقكم لنا على صدق محمد قادحا فيه، لزمكم أن يكون عدم وفاق اليهود لكم على صدق المسيح قادحا فيه، والجواب مشترك «٤». وأما ما ذكر عن" السّهروردي" من «٥» قوله:" لو لم يصلب عيسى، لم يبق على المحسوسات اعتماد" وهو من أكابر فلاسفة الإسلام. فليس صحيحا عن

السّهروردي. وإنما حكى ذلك حكاية عن بعض من نازع في بعض أحكام التواتر. من نظر ذلك في كتابه وجده، ولم يتفق لي حكاية لفظه «١». وبتقدير صحته عنه. فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن هذا الرجل المذكور رجل غلبت عليه الفلسفة، ثم انسلخ منها إلى الزندقة «٢»، حتى قتل في" حلب" «٣» بسيف الشرع، فليس قوله حجة على الله ورسوله، والقرآن وإجماع المسلمين. وقوله:" كان من أكابر فلاسفة الإسلام" غلط. فإن الفلسفة «٤» التي كان يتعاناها «٥» هذا وأصحابه ليست من الإسلام في شيء. وكيف يكون من الإسلام ما يقدح فيه، ويقوض مبانيه؟ وإنما الإسلام انقياد واستسلام لأحكام العزيز العلام

يتعاناها «٥» هذا وأصحابه ليست من الإسلام في شيء. وكيف يكون من الإسلام ما يقدح فيه، ويقوض مبانيه؟ وإنما الإسلام انقياد واستسلام لأحكام العزيز العلام

وسنة محمد- ﵇ واتباع لا ابتداع. وإنما هؤلاء قوم زنادقة، ينتمون إلى الإسلام لحفظ رياستهم ودمائهم والإسلام فسيح واسع/ يقبل «١» منهم الظاهر، والله أولى بالسرائر فهم في الظاهر منه، وفي الباطن منسلخون عنه. الثاني: أن قول «٢» " السهروردي" إن كان حجة علينا فليكن قول كل من أسلم من النصارى، ثم عاد بالقدح على دين النصرانية حجة عليكم، وإنما تقوم الحجة بقول المعتبرين منا، كالخلفاء الأربعة، والفقهاء السبعة «٣». والأئمة الأربعة أو من هو معتبر في الإجماع من أهل الحل والعقد كما لا تقوم حجتنا عليكم إلا بمن تعتبرون قوله منكم. الثالث: أن" السهروردي" لم يكن عالما بأصول الشرائع والنبوات على الوجه المعتبر فيها، حتى يكون قوله حجة لها وعليها. إنما كان علمه فلسفة محضة وعقليات صرفة وليس له تصنيف إلا في ذلك كاللمحات والألواح «٤» والإشراق «٥» وغيرها. وهذه" التنقيحات" لا يعتمد/ عليها من المسلمين في أصول الفقه إلا من هو على طريقه في الانحراف إلى الفلسفة، والخلو من علم النبوة وقد

الإشراق «٥» وغيرها. وهذه" التنقيحات" لا يعتمد/ عليها من المسلمين في أصول الفقه إلا من هو على طريقه في الانحراف إلى الفلسفة، والخلو من علم النبوة وقد

رأيتها وهي كثيرة التشكيك، لا يكاد يبني شيئا إلا ويهدمه ولا ينصر قولا إلا ويخذله وأنت أيها الخصم قد قدمت عند ذكرك ضرورة الخلق إلى النبوة ومنفعتها: إن العقل لا يستقل «١» بإدراك الأمور الإلهية بدون تأييد إلهي. الرابع: قوله:" لو لم يصلب المسيح لم يبق على المحسوسات اعتماد" إن أراد لم يبق عليها اعتماد مع عدم المعارض لها فلا نسلم أن ذلك لازم لعدم صلب المسيح، وإن أراد مع وجود المعارض/ فهو صحيح، فإن مدارك العلم إما حس أو عقل أو مركب منهما. وكلها قد تخلف مع وجود المعارض. أما الحس فكما في التخييلات/ السحرية والشعبذية وكعدم «٢» إدراك الصوت للصمم «٣» والريح للخشم «٤» والطعم للمرة، واللمس لفساد في آلته، أو لعلة في محله، وأما العقل فكما يعرض للإنسان عند غلبة السوداء «٥» أو الحزن أو الفرح المفرطين أو السكر ونحوه من المغيّبات كالنوم والإغماء فإنه يرى الحقائق منقلبة، والأمور مضطربة، وأما المركب منهما فكخبر الواحد إذا كان في طريقه كذاب. وكالتواتر إذا فقد فيه شرط.

وأما البرهان على أن المسيح لم يصلب ولم يقتل فهو: أن قتله إن لم يكن [أشهر] «١» من ولادته من غير ذكر، فهو مثله في الشهرة، ولا بدّ. ثم إن ولادته من غير ذلك لما كان له وجود، تواتر تواترا لم يختلف فيه اثنان «٢» منا ومنكم فلما اختلفنا في قتله، دل على أنه لم يبلغ تلك المرتبة من التواتر فلم يثبت بمجرد الدعاوى أو الحجج الضعيفة «٣» وإنما كان الأمر في ذلك مشتبها «٤» كما نص عليه القرآن فاشتبه عليكم. يؤكد «٥» ذلك: أن المسيح طبق ذكره الآفاق، لما ظهر على يده من الخوارق وقتل مثل هذا لا يقبل مثل هذا النزاع لما يجب له في مطرد العادات من الشهرة والغلبة، وإذا كان يحيى وزكريا دونه في الشهرة بكثير، ثم لم يختلف في قتلهما. فما الظن بالمسيح الذي أجمعنا على أنه أفضل أنبياء بني إسرائيل «٦» وأنتم تدعونه إلها؟ «٧».

[أين تغرب الشمس كل يوم وموقف النصراني من ذلك] قال:" وفي سورة الكهف عند ذكر ذي القرنين «١». قال: حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ... (٨٦) «٢» قال ابن عطية: على وزن

فعلة أي ذات حمأة، وقرأ أبو بكر عاصم «١» والباقون: في عين حامية وذكر حديث/ أبي ذر «٢» نصا في ذلك. قال:" فدل على أن العين هناك حارة" «٣» /. قال:" وفي سورة يس مثل هذا حيث يقول: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ... «٤» الآية. وذكر حديث البخاري عن أبي ذر حيث قال له النبي- صلى

الله عليه وسلم «١» -[حين غربت الشمس] «٢» أتدري أين تذهب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها» «٣». قال:" وهذا كله بين البطلان لكل من له أدنى معرفة «٤» في الهيئة لأن الشمس تدور أبدا في فلكها، وهو الفلك الرابع، ولا تغرب في عين حامية ولا تجري لمستقر لها «٥»، لأنها ليس لها قرار". قلت: الجواب عن هذا السؤال:

أما القراءتان:" حمئة"، من الحماة و" حامية" من الحرارة فهما قراءتان صحيحتان «١»، والأولى «٢» قراءة نافع «٣» وابن كثير «٤» وأبي عمرو «٥»، والثانية

قراءة الباقين «١». والخبط في نقل «٢» مذهب القراء فيها لا أدري هل هو من هذا الخصم أو من غيره" وقد روى ابن عباس «٣» عن أبي بن كعب «٤»: أن النبي ﷺ قرأ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ رواه أبو داود «٥» والترمذي «٦». وقال: حديث غريب.

قال والصحيح: أنها قراءة ابن عباس لأنه اختلف هو وعمرو بن العاص «١» فيها وترافعا إلى كعب الأحبار «٢»، ولو كان عنده فيها رواية لاكتفى بها. ووجه الجمع بين القراءتين: أن تلك العين حارة، وهي ذات حماة، فإن اجتماع الأمرين جائز غير ممتنع. وأما حديث أبي ذر فلفظه على ما رواه الترمذي وغيره قال:" دخلت المسجد حين غابت الشمس، والنبي- ﷺ «٣» جالس. فقال [النبي- ﷺ «٤»] «أتدري يا أبا ذر

ر ممتنع. وأما حديث أبي ذر فلفظه على ما رواه الترمذي وغيره قال:" دخلت المسجد حين غابت الشمس، والنبي- ﷺ «٣» جالس. فقال [النبي- ﷺ «٤»] «أتدري يا أبا ذر

أين تذهب هذه؟ " قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال/: فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها: اطلعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها" قال: ثم قرأ (ذلك مستقر لها) «١» قال: وذلك قراءة عبد الله «٢»، قال الترمذي: هو حسن صحيح «٣». وأخرجاه في الصحيحين، ورواه أبو داود والنسائي «٤». ووصف الشمس بالسجود وخطا بها من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها، فيجب تلقيها عن أصحاب الشرائع بالقبول، كما سبق تقريره في المقدمة الثانية في صدر الكتاب.

وأما معنى غروبها في عين حامية، [ففيه تأويلات: أحدها: أنها تغرب فيها في رأي العين «١»، لا الحقيقة كما يرى كأنها تغرب في البحر أو من وراء الجبل،/ بل من وراء جدار صغير، بحسب اختلاف مناظرها وأوضاع الناظرين إليها. الثاني: أن" في" بمعنى على: أي تغرب على عين حامية،] «٢» أي تكون مقابلة لها، وحروف الصفات يقع بعضها موقع بعض كما قال تعالى: ولَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ... «٣» أي عليها «٤»، وقال عنترة «٥»: بطل كأن ثيابه في سرحة ......... «٦» أي عليها. وعلى بمعنى" في"، كقول «٧» أبي كبير الهذلي «٨»

ولقد سريت على الظلام بمغشم ......... «١» أي في الظلام. الثالث: أنها بمعنى عند «٢». أي تغرب عند عين حامية. وقد ترد بمعنى عند، ومع في العربية. فكلام يحتمل هذه «٣» التأويلات السابقة في اللغة التي ورد بها، لا ينبغي أن يتهجم على القدح فيه. وقد نقل بعض المفسرين عن كعب أنه قال:" في التوراة إنها تغرب في ماء وطين" «٤». وأصحاب الهيئة يعترضون على هذا بناء على ما قرروه من أن الشمس مثل كرة الأرض مائة وإحدى «٥» وستين مرة ونصف/ وربع «٦» فكيف تسعها عين من عيون الأرض؟ والجواب بما سبق. وأما قوله:" إن هذا كله بين البطلان، لمن له أدنى معرفة بالهيئة" فجوابه: أن علم الهيئة مبني على مقدمتين:

كيف تسعها عين من عيون الأرض؟ والجواب بما سبق. وأما قوله:" إن هذا كله بين البطلان، لمن له أدنى معرفة بالهيئة" فجوابه: أن علم الهيئة مبني على مقدمتين:

إحداهما: أن حركة «١» الأفلاك متصلة متشابهة يستحيل أن يعرض لها البطء أو السرعة «٢» أو الرجوع أو الانقطاع «٣». والثانية: اعتبار الرصد «٤». وقد قدح المحققون فيهما بما لا يسع هذا المكان ذكره «٥». ومنه: أن حاصل الرصد: الاعتماد على أبصار الآحاد، [والبصر لا يفيد اليقين لكثرة ما يعرض للبصر من الغلط، خصوصا مع البعد المفرط، وخبر الآحاد] «٦» إنما يفيد ظنا

ضعيفا «١»، ودعوى أهل الهيئة: أن علمهم ثابت بالبراهين الهندسية كذب وزور وبهتان. إذ لو كان كذلك لما وقع الخلاف العظيم بينهم في تفاصيل علمهم وجمله. وإذا اتجه القدح في مقدمات الهيئة لم يبق بها وثوق، وصار خبر الشرع أوثق منها، على ما قدمت أنت أيها الخصم في بيان ضرورة النبوة من كلام" أرسطو" وغيره. ثم نقول: إن علم الهيئة على تقدير صحته وثبوته لا ينفي ما فسرناه به كيفية غروب الشمس في العين الحامية. وأما قوله:" إن الشمس تدور أبدا في فلكها،/ وهو الرابع، ولا تجري لمستقر لها" لأنه ليس لها قرار. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال له: أنت إما أن تكون فيلسوفا محضا، أو مشرعا تقول

بصحة الشرائع، وما جاءت به النبوات./ فإن كنت فيلسوفا ورد عليك كثير مما تقول به من أحكام التوراة والإنجيل مما تعتقد الفلاسفة فسادها. منها: دعواك في المسيح/ أن لاهوت الله اتحد بنا سوته فصارا حقيقة واحدة، أو أن الله- سبحانه- واحد بالذات، متعدد بالأقانيم «١» التي هي الله «٢» والابن وروح القدس «٣». وإن كنت مشرعا فيلزمك تجويز أن الشمس يمكن أنها تستقر وتقف، فإنه قد ثبت باتفاقنا: أن يوشع بن نون وقفت له الشمس عن سيرها ليلة السبت، حتى فرغ من قتال الجبارين. وقد ذكرته أنت في كتابك هذا عند بيان وجود النبوة «٤». وثبت أيضا في الأصحاح الثامن عشر «٥» من مصحف أشعياء أن الله سبحانه

رد الشمس إلى خلفها عشر درجات علامة لحزقيا «١» ملك بني إسرائيل على أنه ينفس له في عمره خمس عشرة سنة بعد أن حضره الموت والقصة «٢» مشهورة «٣». ومثل هذا لا يصح في علم الهيئة بناء على المقدمة المذكورة، وأن حركة الأفلاك متصلة. ويقال: إن من حين وقوف الشمس لهذين النبيين «٤» تخبط حساب المنجمين، واختلط رأيهم فالله أعلم. وأما أنك تكون تارة فيلسوفا وتارة مشرعا. فهذا مما لا يمكن لأن الفلسفة والتشريع لا يجتمعان. وقد حاول قوم منهم أبو الوليد بن رشد الجمع بينهما فلم يحصل إلا على الحيرة «٥»، وظهر أمره فكاد أهل المغرب يقتلونه وأحسبه مات في حبس الشرع «٦»، وأنا أحسبك أيها الخصم حائرا مترددا، لا نصرانيا ولا مسلما

ولا فيلسوفا. الوجه الثاني: أن قوله" لمستقر لها" له أربع «١» محامل صحيحة: أحدها: أن" اللام" بمعنى في: أي تجري في مستقر لها «٢»، وهو فلكها تجري فيه ما بين/ طرفي مشارقها ومغاربها من ناحية الشمال والجنوب لا تجاوز ذلك. الثاني: أن تكون بمعنى إلى أي تجري إلى مستقر لها «٣»، وهو حين تستقر بزوال «٤» حركتها عند قبض الله السموات والأرض وتكوير الشمس والقمر. وانكدار النجوم عند خراب العالم على ما جاء به شرع الإسلام وأخبر به النبي الصادق- ﵇ وأشار إليه المسيح في الإنجيل حيث يقول:" إذا جاء ابن الإنسان في مجده علا الغمام «٥» والملائكة حوله هنالك من عرفني اليوم عرفته ومن أنكرني أنكرته" «٦». معنى هذا الكلام.

في الإنجيل حيث يقول:" إذا جاء ابن الإنسان في مجده علا الغمام «٥» والملائكة حوله هنالك من عرفني اليوم عرفته ومن أنكرني أنكرته" «٦». معنى هذا الكلام.

ويكون هذا معنى قوله- ﷾/- وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ... «١». الثالث: أن بعض أئمة السلف قرأ هذه الآية: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها أي: لا تقف ولا تفتر «٢»، وهو معنى قوله تعالى: وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والْقَمَرَ دائِبَيْنِ ... (٣٣) «٣» أي لا يفتران من الدأب «٤»، وهو السعي الشديد وتكون هذه القراءة مفسرة للمراد من الأخرى. وكل هذا محتمل لا يقدح بمثله في فروع شريعة فضلا عن أصولها. الرابع: أن يكون مستقرها موضع سجودها. كما جاء في الحديث وقد بينا جواز وقوفها عن السير، بقصة يوشع وحزقيا «٥». وأن هذا مما يجب أن يتسلم عن النبوات ويتلقى بالقبول،/ ولا يقابل بشبه العقول القاصرة عن إدراك الحقائق الإلهية. والله أعلم.

[البشارة بمحمد- ﷺ في التوراة والإنجيل] قال:" وفي سورة الصف قال: وإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ .. - إلى قوله- .. ومُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ .. «١». وفي سورة الأعراف قال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ «٢» مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والْإِنْجِيلِ ... «٣». قال: ولا أمارة لشيء من هذا لا «٤» في التوراة ولا في الإنجيل فضلا عن التصريح فيهما قال: ولعل قائلا يقول: نزع اسمه منها. فالجواب: أن هذا من الأعذار الباطلة المضحكة لأن ظهور محمد إما أن يكون بخير أو شر، وعلى كلي التقديرين لا فائدة في نزع اسمه من الكتب بل يجب ابقاؤه ليعرف فيتابع إن جاء بخير أو يجتنب إن جاء بشر كما في الدجال والشيطان. هذا حاصل ما ذكره في هذا السؤال. والجواب: أما ذكره صريحا في التوراة والإنجيل وتبشير المسيح به فقد ثبت

خير أو يجتنب إن جاء بشر كما في الدجال والشيطان. هذا حاصل ما ذكره في هذا السؤال. والجواب: أما ذكره صريحا في التوراة والإنجيل وتبشير المسيح به فقد ثبت

عندنا بالقرآن المعصوم المتواتر، ونقل علماء المسلمين كوهب بن منبه وغيره: أن الحواريين «١» قالوا للمسيح وهو يودعهم ويوصيهم يا روح الله هل لله نبي بعدك يفوقك؟ قال: نعم النبي العربي قالوا: يا روح الله ومن أين هو؟ قال: يبعث من أرض تهامة «٢» فقالوا: من هو؟ قال: من قريش يمسك بأصل الحكمة ويعطى فروعها. أمته حكماء علماء كأنهم الأنبياء أقرؤه مني السلام" «٣». قلت: ويدل على صحة هذا القول أعني: قوله يمسك بأصل الحكمة ويعطى فروعها. أنك لا تكاد تجد في الإنجيل حكمة عن المسيح إلا وعن محمد ﷺ معناها أو أحسن منها، بأوجز من عبارتها، وأخصر/ من لفظها وقد ذكرت من

ذلك أمثلة كثيرة في" الفوائد" «١» وأيضا ما تواتر من أن الأحبار «٢» والرهبان «٣» والكهان «٤» أخبروا بمحمد- ﵇ قبل مبعثه وعرفوه لما ظهر بصفته كبحيرا «٥» الراهب «٦» وغيره، فآمن به من سبقت له السعادة وكفر من سبقت عليه الشقاوة.

أما قوله:" لا أمارة لنبي من ذلك في الكتابين" فهو:/ إما عناد منه، أو لعدم اطلاعه على ما فيهما، وعدم تنبهه على إشاراتهما وفهمهما، فإن في التوراة من ذلك مواضع: منها: أن إبراهيم لما فارقه لوط قال الله لإبراهيم: ارفع عينيك وانظر المكان الذي أنت فيه إلى الشمال والجنوب والمشرق والمغرب فإن جميع الأرض التي ترى كلها لك أعطها «١» ولنسلك إلى أبد الأبد" «٢» فنظرنا فرأينا ملك بني إسرائيل ارتفع عن أرض كنعان وما حولها وصار إلى العرب. وهو يدل على صحة النبوة فيهم ولا نبي فيهم إلا محمد- ﵇. ومنها:" لما هربت هاجر «٣» من

سارة «١» تلقاها ملك الرب فقال ارجعي إلى مولاتك فكوني تحت يدها يكثر الله نسلك، وستلدين غلاما اسمه إسماعيل لأن الله سمع تعبدك ويبارك فيه يده على الكل ويد الكل به، وعلى خد جميع إخوته «٢» ينزل «٣» ". ومن المعلوم أن إسماعيل لم يستعل على بني إبراهيم هذا الاستعلاء ولا أحد من ولده إلا محمد ﷺ لما ظهر. فدل على أنه هو المشار إليه من هذا الكلام. ومنها: قول الله سبحانه «٤» لإبراهيم: إن زوجتك سارة تلد لك غلاما ويدعى اسمه إسحاق وأقيم معه ميثاقا/ إلى الأبد ويخلفه «٥» من بعده. وعلى

إسماعيل فقد سمعتك وباركت عليه وكثرته كثيرا جدا ويولد له اثنا عشر شريفا «١» وأجعله لشعب عظيم" «٢». قلت: فهذا الشعب العظيم هم «٣» العرب، فوجب أن يكون فيهم رسول كسائر الشعوب لما سبق من أن عناية الله بخلقه تقتضي ذلك. وبالجملة: الأمارات «٤» الظاهرة في التوراة وغيرها من كتب الأوائل على نبوته كثيرة، ذكر الماوردي وغيره «٥» منها جملة في/ دلائل «٦» النبوة «٧» والذي ذكرته أنا نقلته من نفس التوراة «٨». وأما في الإنجيل. فحيث يقول في/ بشارة يوحنا: " والفارقليط روح القدس، الذي يرسله أبي باسمي، وهو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كلما ما قلت لكم" «٩» وحيث يقول:" إنه خير لكم أني انطلق لأني

بشارة يوحنا: " والفارقليط روح القدس، الذي يرسله أبي باسمي، وهو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كلما ما قلت لكم" «٩» وحيث يقول:" إنه خير لكم أني انطلق لأني

إن لم أذهب لم يأتكم البرقليط «١»، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، وإذا جاء ذلك، فهو يوبخ العالم على الخطية وعلى الحكم. أما على الخطية فلأنهم لم يؤمنوا بي ... وأما على الحكم فلأن [أركون] «٢» هذا العالم يدان" «٣» ثم قال:" إذا جاء روح الحق ذلك فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بما يأتي وهو يمجدني لأنه يأخذ مما هو فيّ ويخبركم «٤». قلت: وإذا تأملنا هذه الإشارات «٥» وجدناها مطابقة لصفات محمد- ﷺ «٦» " لأنه لم يأت بعد المسيح من ادعى النبوة ومجد عيسى وبالغ في تمجيده، وصدقه في نبوته، ووبخ العالم على خطية الكفر وقتل اليهود وغيرهم على تكذيب المسيح وعبادة الأوثان وأخبر بأن الناس يدانون يوم القيامة ويحاسبون، وعلم الناس محاسن «٧» الآداب، ومكارم الأخلاق وظهر ناموسه «٨»

واشتهر في البدو والحضر كظهور نواميس الأنبياء قبله إلا محمد ﷺ. وإن لم يكن محمد هو الذي أشار إليه «١» لزم القدح في صدق وعده بالبارقليط، لأن من المحال عادة أن عاد أحد يظهر بما ظهر به محمد ويتم له" «٢». فإن قيل: قد ذكر" الفارقليط" في الإنجيل بصفات غير هذه مما لا يطابق صفات محمد فيحمل ما ذكرتموه عليه. قلنا: مع المسامحة نقول لكم/ كل ما في الإنجيل حق عندكم فيجب اعتباره ما أمكن، وحيث ذكر" الفارقليط" تارة بما يوافق صفات محمد، وتارة بما يخالفها فاجعلوه من باب اللفظ المشترك. فالفارقليط الذي ذكرناه- محمد «٣» ﵇ والذي ذكرتموه اجعلوه من شئتم ويحصل لنا المقصود وقد بينت وجه دلالة هذا الفصل على المطلوب، وما عليه من سؤال وجواب في التعليق على الإنجيل، فاكتفيت به هناك عن تكراره هاهنا «٤». والله أعلم. وأما قوله:" لعل قائلا يقول: نزع اسمه منهما". فهكذا نقول. وأما جوابه عن ذلك بأن ظهور محمد: إما أن يكون بخير أو شر، وعلى التقديرين يجب ابقاؤه ولا فائدة في نزعه".

لعل قائلا يقول: نزع اسمه منهما". فهكذا نقول. وأما جوابه عن ذلك بأن ظهور محمد: إما أن يكون بخير أو شر، وعلى التقديرين يجب ابقاؤه ولا فائدة في نزعه".

فجوابه:/ أن هذا إنما يصح أن يحتج به من علم منه العدل والإنصاف وطلب الحق وكمال العقل. واليهود والنصارى ليسوا كذلك حتى يصح احتجاجهم بهذا. أما اليهود فإنهم تعدوا على أنبيائهم وبغوا عليهم وقتلوهم وكفروا «١» بالمسيح مع ظهور صدقه والخوارق على يده لكل غافل منصف. فكفرهم بمحمد ككفرهم بالمسيح، وإنكارهم «٢» لاسمه وصفته/ كانكارهم لصفة المسيح المذكورة في التوراة في كلام إسرائيل لما جمع بنيه، وأخبرهم بما يكون منهم على ما سبق بيانه آنفا في الجواب عن صلب المسيح، ولكن اليهود علموا من صفة محمد أنه يظهر بقوة وشوكة، لا يقدرون معها على قتله وصلبه- كما زعمتم وإياهم أنهم فعلوا بالمسيح- فغيروا اسمه وصفته في التوراة لئلا «٣» يتحقق عنادهم بقيام/ الحجة عليهم من كتابهم، ورأوا أن العناد بشبهة أولى منه بلا شبهة. وأما النصارى فلأن الإنجيل الذي صرح فيه بذكر محمد ليس هذا الذي بأيديهم بل هو كتاب نزل على المسيح من السماء كتوراة موسى وقرآن محمد ولكنه عدم فلم يظهر. وأما الأناجيل التي بأيديهم فهي سيرة المسيح وحكاية ما جرى له وفيها شيء

من حكمه ومواعظه، فهو بمثابة ما نقل عن الأنبياء من كلام أنفسهم، كالأخبار المروية عن محمد- ﵇ وغيره من الأنبياء «١». وكذلك التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، على أنا قد بينا أن في فصل البارقليط من بشارة يوحنا ما يكفي في الإشارة إلى ذكر محمد بصفته. وأيضا فإن المسيح كان من آيات الله سبحانه، أظل «٢» بها من شاء من خلقه، فعصمهم الله به مدة مقامه بين أظهرهم، فلما رفع عنهم ووقع في دينهم الدخل والتلبيس من شياطين الجن والإنس، كما بينته في" الفوائد، والتعليق على الإنجيل" «٣» وذكره هنا يطول. وأيضا: انضم إلى ذلك في حق الطائفتين أن محمدا جاءهم بترك المألوف من دينهم وذلك شديد على النفوس لا يثبت له إلا كاملو العدل والعقل وقد بينا عدم العدل في اليهود، وعدم العقل في النصارى حيث اعتقدوا أن الله خالق السموات والأرض خرج من بطن مريم ثم أسلم نفسه للقتل والصلب ليستنقذ الخطاة من بني آدم، وقد كان قادرا على استنقاذهم بدون هذا التعب، وعقول تخيل لأهلها اختراع مثل هذا جديرة بأن تخيل/ لهم الاستمرار عليه حتى يحرفوا لأجله أسماء الأنبياء وينازعوا في الحق ويعاندوه.

قاذهم بدون هذا التعب، وعقول تخيل لأهلها اختراع مثل هذا جديرة بأن تخيل/ لهم الاستمرار عليه حتى يحرفوا لأجله أسماء الأنبياء وينازعوا في الحق ويعاندوه.

وحاصل ما نقوله في جوابه: أن محمدا كان ظهوره بخير عظيم وبركة عميمة ولكنهم/ غيروه حسدا له، واستبقاء للرئاسة فيهم، وغيره عليها أن تخرج منهم وينالها غيرهم. وإذا كان إخوة يوسف هموا بقتل أخيهم يوسف ثم لما رفقوا به باعوه على الكفار ورموه في رق العبودية حتى لقي من مرارة التهم والسجن ما لقي حسدا له على ما ظنوه من تأويل رؤيا يجوز أن تقع وأن لا تقع مع كونهم من صلب نبي معصوم، وهم معاشرون له صباح مساء، فما الظن باليهود والنصارى والبغاة الجهال، وقد مضى منهم الزّبد، وبقي منهم الغثاء والزّبد وسفلة العالم وسقطهم فيما علموه بالوحي الإلهي. وأيضا إذا كانت" سارة" المرأة الصالحة المحفوظة بمعاشرة النبي المعصوم" إبراهيم"- صلوات الله عليه- قالت له: اخرج بابن «١» الأمة- تعني إسماعيل ابن هاجر- عني كي لا يرث مع ابني «٢» إسحاق، كما نص عليه في التوراة؛ غيرة منها أن يشارك ابنها في رئاسة أبيه، فما الظن باليهود والنصارى/ على ما عرف منهم؟ «٣». وأما قوله:" لم لم تنزع أسماء الأنبياء الذين كان يخبر بعضهم ببعض سابقهم بلا حقهم كيحيى بن زكريا، ولم ينزع اسم الشيطان والدجال"؟

فالجواب: أن الفرق بين أولئك الأنبياء ومحمد- ﵈ من وجهين: أحدهما: أن موسى لم يأت بعده نبي إلا بتقرير أمر التوراة ومتابعتها فكانوا في المعنى نواب موسى وخلفاؤه/، كالتلاميذ الاثنى عشر لعيسى. ومحمد- ﵇ جاء بنسخ الشرائع كلها وأحكام التوراة والإنجيل وغيرهما، واستئناف شريعة مبتدأة من عند الله. ولهذا لما جاء المسيح بإبطال السبت وأشياء مما تخالف حكم التوراة تعصبوا عليه وقتلوه،- كما زعمتم وإياهم- «١». الوجه الثاني: أنهم كانوا يعلمون أن أولئك الأنبياء ضعفى لا شوكة لهم فلم تكن لهم حاجة إلى نزع أسمائهم، بل إن رأوا منهم ما يوافقهم وإلا قتلوهم كما فعلوا بيحيى وزكريا والمسيح «٢» وغيرهم من الأنبياء. ومحمد- ﵇ علموا أنهم لا يقدرون عليه كما قدروا على غيره «٣» فنزعوا اسمه ليصير شبهة لهم في خلافه- كما سبق-.

يحيى وزكريا والمسيح «٢» وغيرهم من الأنبياء. ومحمد- ﵇ علموا أنهم لا يقدرون عليه كما قدروا على غيره «٣» فنزعوا اسمه ليصير شبهة لهم في خلافه- كما سبق-.

[أصل خلق الإنسان واعتراض النصراني على الآيات المخبرة بذلك] قال:" وفي سورة النور «١»: واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ وفي سورة الفرقان «٢»: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وصِهْراً ... (٥٤) / وفي سورة الروم «٣»: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وفي سورة فاطر «٤»: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ... (١١) وفي سورة الأنبياء «٥»: وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ... (٣٠) وهذا بين التناقض، والكذب لازم في إحدى القضيتين وخلاف هذا في التوراة، حيث يقال: إن الدواب خلقت من التراب والإنسان من الماء، وخلاف ذلك أيضا في الوجود، إذ بعض الأشياء مخلوقة من الأرض وبعضها من الماء. قلت: الجواب: أنه لا تناقض في هذا ولا كذب- بحمد الله- عند من عرف وتبين ذلك ببيان معنى كل آية على انفرداها، ثم بيان الجمع بين الجميع.

وبعضها من الماء. قلت: الجواب: أنه لا تناقض في هذا ولا كذب- بحمد الله- عند من عرف وتبين ذلك ببيان معنى كل آية على انفرداها، ثم بيان الجمع بين الجميع.

أما قوله: واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ «١» فنقول: الدابة في وضع اللغة كل ما دب ودرج. وفي عرف الاستعمال اللغوي: مختص بذوات الأربع كالفرس ونحوه، فإن حمل لفظ الدابة على هذا المعنى العرفي فلا إشكال في أنها من ماء، وهو الماء الذي ينزله الذكر في الأنثى وتنزله هي عند الوقاع «٢». وإن حمل على الوضع اللغوي فالجواب من وجوه: أحدها: أن" من" في قوله مِنْ ماءٍ للسببية. بمعنى أن للماء مدخلا وتأثيرا بحقيقته أو بما هو من طبيعته في وجود كل دابة «٣». وهذا صحيح. فإن كل دابة فهي حيوان، وكل حيوان لا بد فيه من رطوبة مائية بها تتقوم حياته، فيدخل في ذلك العقارب والخنافس ونحوها من الحشرات التي يقال إنها تتولد من التراب، لأنها وإن كانت متولدة من التراب إلا أنها لا تستغني عن رطوبة، هي من طبيعة الماء تقوّم حياتها. الوجه الثاني: أن نقول في الدابة وضعا ما قلناه في الدابة عرفا، وهو أن سائر أشخاصها مخلوقة من" ماء" الوقاع، لأن فيها ذكورا وإناثا قطعا، ولا فائدة للصنفين المذكورين إلا التناسل المعتاد بين سائر أصناف الحيوان، وما يقال: من أن بعض الدواب تخلف من التراب، فلا شك أنه قد قيل، ولكنا لم نشاهده فلا نقلد فيه. ولا عليه دليل قاطع من جهة العقل/، فإن شاهدناه أجبنا حينئذ بحسب ما ينبغي.

والذي رأيته في هذا: ما ذكر في تواريخ الأولين: أن الملك" سنحاريب" «١» رأى في منامه أن عقربا صعدت سريره فلدغته، فوقع عنه. فاستدعى بعض المعبرين فسأله عن رؤياه، فقال له: إنها تدل على أنه يغلب على ملكك/ رجل لا أصل له، لأن/ العقرب لا أصل لها، وإنما تخلق من التراب، فكان تأويله أن غلب فرعون على سنحاريب فأخذ ملكه، ولم يكن لفرعون أصل في الملك وإنما كان أبوه راعي غنم. هكذا قيل. لكن في هذا مناقشات كثيرة لا يعتمد عليها معها. الوجه الثالث: إن ثبت أن بعض الدواب مخلوق من غير الماء كان قوله تعالى: خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ «٢» عاما مخصوصا بذلك أي أنه أطلق العام وأراد الخاص، وهو كثير كقوله: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ... (٦٢) «٣» وخص بالعقل: ذاته وصفاته تعالى. وقوله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ «٤» - يعني الريح العقيم- وخص بالعقل السموات والأرض وغيرهما مما لم تدمره. وقوله: وأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .. (٢٣) «٥»

  • يعني بلقيس- وخص بالعقل: ما لم تؤته من ملك سليمان وغيره.

والتخصيص لازم فيما حكاه الخصم من قوله في التوراة: إن الدواب خلقت من التراب، لأنا نقول: أي الدواب تريد؟ إن أردت مجموع جنسها أولا وآخرا في جميع أزمنة الوجود فهذا يكذبه العيان، لأنا نشاهد الدواب تتكون من ماء الذكر والأنثى. وإن أردت أنواع جنس الدواب الأول التي هي لأنواعها كآدم لنوع «١» البشر، وهو المراد لآن هذا الكلام في سفر الخليفة «٢»، وهو إنما يذكر فيه أوائل الموجودات. وحينئذ يلزم التخصيص إن أريد باللام في" الدواب" الاستغراق. وإن أريد العهد- يعني أوائل أنواع الدواب- لم يكن فيه حجة على مناقضة القرآن إذ يصير تقديره: بعض جنس الدواب من التراب. والقرآن تضمن أن كل دابة خلقت من" ماء" فيخص أحد الكتابين الآخر، إن سلمنا صحة التوراة، وإلا لم/ يلزمنا ما فيها، بناء على ما سبق.

جنس الدواب من التراب. والقرآن تضمن أن كل دابة خلقت من" ماء" فيخص أحد الكتابين الآخر، إن سلمنا صحة التوراة، وإلا لم/ يلزمنا ما فيها، بناء على ما سبق. وأما قوله: خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً .. «٣» فإن حملنا لفظ (الدابة) على المعنى الوضعي دخل فيه البشر، واتفقت الآيتان. وإن حملناه على العرفي لم يتناول البشر، وكان في هذه الآية مفردا بالذكر على وفق ما ذكر في الدابة من الخلق من الماء، والمراد أنه خلق الإنسان من الماء يعني" مني" الزوجين وهو مشاهد.

وأما قوله: وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ... (٣٠) «١» فجوابه من وجهين: أحدهما: أن" من" فيه للسببية والتقرير ما سبق في الوجه الأول من جواب قوله" خلق كل دابة من ماء". وأيضا: فإن حياة كل حي إما كاملة كحياة الإنسان وغيره من الحيوانات، أو قاصرة كحياة الزرع والنبات،/ وكل ذلك لا بد في تحقق حياته من/ الماء على ما هو مشاهد. الثاني: أن كل حي مخلوق من ماء الوقاع كما سبق في الوجه الثاني من جواب الآية المذكورة. ويمكن أن يحمل على إرادة الخاص بالعام كما سبق في الوجه الثالث هناك على تقدير أن يثبت من الأحياء ما ليس من الماء. وأما قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ... «٢» فالمراد خلق أباكم- يعني آدم- من تراب بناء على ما قص «٣» الله علينا في كتابه، وأجمع عليه المسلمون من أن آدم خلق من تراب، وإنما خاطبنا بذلك لأنا نسل آدم وولده، وحيث كنا كامنين فيه بالقوة كان خلقه من تراب كخلقنا من تراب وإذ تقرر الكلام على الآيات مفردة ظهر وجه الجمع بينها وأن لا تناقض فيها.

نا نسل آدم وولده، وحيث كنا كامنين فيه بالقوة كان خلقه من تراب كخلقنا من تراب وإذ تقرر الكلام على الآيات مفردة ظهر وجه الجمع بينها وأن لا تناقض فيها.

فقوله في سورة الروم وفاطر: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ... يعني أصلكم وأباكم آدم، وقوله في الفرقان: .. خَلَقَ مِنَ الْماءِ .. يعني المني من الذكر والأنثى ... بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وصِهْراً ... (٥٤) «١» وهو لا ينافي الخلق من تراب، لأن المخلوق من الماء غير المخلوق من التراب- على ما بيناه- ويدل عليه ما في سياق آية فاطر حيث يقول: واللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ .. «٢». أي خلق أباكم آدم من تراب ثم خلقكم منه ومن غيره من ذريته من نطفة «٣». وكذلك قوله تعالى: ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ .. يعني آدم .. مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) «٤» أو يكون المراد بالإنسان ذريته خلقوا من سلالة وهي المني المستلّ من الأصلاب لكن أصل تلك السلالة من طين باعتبار آدم ثُمَّ جَعَلْناهُ يعني الإنسان غير آدم" نطفة" وهو المني ... فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) وهو الرحم ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً .. (١٤) «٥» الآية.

[قصة الغرانيق، وتعرض الشياطين للأنبياء] وقوله: خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ «١» وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ... (٣٠) «٢» قد سبق وجه المراد منهما. فحصل من ذلك: أنه لا تناقض في هذه الآيات ولا كذب. وأما قوله:" هذا تناقض والكذب لازم في إحدى القضيتين" فهذا قول من لا يعلم ما التناقض؟ ولا ما الكذب؟ فإن التناقض هو تقابل القضيتين بالسلب والإيجاب مع اتفاقهما في الجزء والكل والقوة والفعل والشرط والزمان والمكان والإضافة، ومتى اختل شيء من ذلك أمكن الجمع ولم يلزم التناقض، وأين اتفاق هذه الآيات كلها في هذه الأمور. والله أعلم. قال:" وفي سورة الحج «٣»: وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢). وذكر ما/ حكاه ابن عطية وغيره «٤» في التفسير من أن النبي- ﵇

كان يتمنى أن يتبعه قومه ويؤثر هدايتهم، فلكثرة تمنيه ذلك ألقى الشيطان على لسانه في تلاوة سورة النجم حين قال:" ومناة الثالثة الأخرى: تلك الغرانيق العلى إن شفاعتهم لترتجى" ففرح المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا بخير فلانوا له وكفوا عن أذاه وأذى أصحابه، فاتصل بمهاجرة الحبشة/- الهجرة الأولى- إن قريشا أسلمت، فجاءوا فوجدوا ما ألقاه الشيطان قد نسخ وعادت قريش إلى غلظها وشقاقها، فعاد الذين جاءوا من الحبشة إليها. وذلك سبب الهجرة الثانية. ولما علم النبي ﷺ أن ما كان قاله من مدح الأصنام من إلقاء الشيطان اغتم لذلك فأنزل الله- سبحانه- تسلية له: وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... (٥٢) «١» الآية. قال: فتضمنت هذه القصة باطلين: أحدهما: الافتراء على الرسل في وصفهم بهذه المثلبة «٢» من أن الشيطان تلبس عليهم في وحي الله- سبحانه- بما يقع به الغواية والإضلال للناس وحاشا الأنبياء من أن يكون للشيطان عليهم سلطان، خصوصا في تخليط الوحي عليهم.

الشيطان تلبس عليهم في وحي الله- سبحانه- بما يقع به الغواية والإضلال للناس وحاشا الأنبياء من أن يكون للشيطان عليهم سلطان، خصوصا في تخليط الوحي عليهم. والثاني: إخباره بأن للأصنام شفاعة، ومدحها بذلك ثم ذكر حديثا زعم أن البخاري ذكره في باب العيدين ولم أجده فيه- فلعله قلد في نقله غيره، لكن

الحديث صحيح في الشريعة. عن أبي هريرة «١» عن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان عرض لي في الصلاة ليقطعها عليّ، فأمكنني/ الله منه، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه». فذكرت قول سليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ... (٣٥) «٢» قال:" فمن له هذا السلطان على الشيطان، كيف يتسلط عليه الشيطان فيعبث به هذا العبث، ويخلط عليه الوحي؟ " قال:" وقد تضمن هذا الحديث أن الشيطان متجسم. لقوله:" هممت أن أربطه إلى سارية" وهذا باطل لأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة كالملائكة والنفوس. وهذا قول الأنبياء والفلاسفة". هذا ما ذكره في هذا السؤال.

والجواب عنه: أما قصة إلقاء الشيطان على لسانه. ما ذكر في سورة النجم فقد استفاض نقلها بين الأمة، ورواها الثقات «١» ويدل على صحتها ما رواه

البخاري «١» والترمذي وصححه «٢» عن عكرمة عن ابن عباس قال:" سجد رسول الله ﷺ في سورة النجم فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس". قلت: فسجود المشركين كان السبب المذكور «٣» / لأنهم ظنوا أنه قد وافقهم بمدحه آلهتهم وصار الدين واحدا، أو أنهم سجدوا لآلهتهم إعظاما لما سمعوا من مدحها. وأما الجن فلعلهم جاءوا يستمعون القرآن كما حكى عنهم فيه. ولا محذور في هذه القضية بوجه من الوجوه لأن الأنبياء في الحقيقة بشر

يجري عليهم الخطأ والنسيان ويتطرق عليهم الشيطان «١». وقد اختلف العلماء «٢» في أنهم معصومون من المعاصي مطلقا أو من الكبائر فقط أو منها عمدا أو من الصغائر كذلك؟ وجوز بعض الناس عليهم الكفر بناء على أن مطلق المعصية جائز عليهم/ وهو كفر في خلاف كبير «٣»، لكن اتفقوا على أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الوحي بحيث لا يلحقهم فيه خطأ،

كفر بناء على أن مطلق المعصية جائز عليهم/ وهو كفر في خلاف كبير «٣»، لكن اتفقوا على أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الوحي بحيث لا يلحقهم فيه خطأ،

وإن لحقهم فيه خطأ بسهو منهم أو تلبيس من شيطان إنسي أو جني نبهوا عليه، ولم يقروا عليه، وهكذا جرى في هذه القصة وأخبر الله أنه يحكم آياته وينسخ ما يلقي الشيطان «١». وأما تشنيعه/ بقوله:" حاشى لله ومعاذ الله أن يتسلط الشيطان على الأنبياء بمثل هذا" فلعمري أن هذا ليس غيرة منه على الأنبياء ولا تعظيما لهم. فإن اضطرابه في هذا الكتاب بين الفلسفة والشرع يدل على أنه محلول الرابطة بالكلية أو مذبذب لا إلى هذا ولا إلى هذا. ولكن عنادا للإسلام كما قيل: وما من حبه يحنو عليه ولكن بغض قوم آخرينا «٢» ولعمري إن منصب الأنبياء محفوظ، ولكن هذا أمر جائز عليهم عقلا وشرعا، ولسنا نعطيهم ما ليس لهم ولا هم يرضون بذلك.

ولهذا قال نبينا ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم» «١» يعني حيث اتخذوه إلها، ولكل أحد رتبة لا يتجاوزها فرفعه عنها إفراط ووضعه عنها تفريط. أما جواز ذلك عليهم عقلا فلأنه لا يلزم منه محال لذاته ولا لغيره. وأما جوازه شرعا فثبت في شرعنا: أن إبليس سلط على آدم فأخرجه من الجنة «٢» وما ذكر في التوراة من أن الحية أغوته لا ينافي ذلك. لأن إبليس دخل في فم الحية إلى الجنة فأغواه «٣». وورد في الآثار: أن موسى لما ذهب لمناجاة ربه على الجبل كان إبليس يدور حوله، فقال/ له بعض ملائكة الرب: ويحك يا إبليس بم تطمع من موسى وهو في هذا المقام؟ قال بما طمعت به من أبيه حين أخرجته من الجنة «٤».

وسلط على أيوب حتى أتلف جسده وماله امتحانا من الله له بالصبر «١» وسلط بعض الشياطين على سليمان فأخذ خاتمه وألقاه في البحر بعد أن ألقى عليه شبه/ سليمان فجلس على كرسيه أياما «٢». وذلك تأويل قوله تعالى: ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) «٣» وكان سليمان مسلطا على أصناف العالم. وبهذا يحصل الجواب عما ذكره في سياق حديث البخاري. وقوله فيما سيأتي من كلامه:" هذا من الخرافات التي جاء بها القرآن" دعوى مجردة، غاية مستنده فيها سكوت التوراة وكتب الأوائل عنها، وذلك في الحقيقة استدلال على نفي العلم الوجودي بالجهل العدمي، وهو قلة معرفة بالمناظرة.

" دعوى مجردة، غاية مستنده فيها سكوت التوراة وكتب الأوائل عنها، وذلك في الحقيقة استدلال على نفي العلم الوجودي بالجهل العدمي، وهو قلة معرفة بالمناظرة.

وقد صح عندكم في الإنجيل: أن المسيح لما اعتمد من يوحنا المعمداني سلط عليه الشيطان امتحانا له. فقال له:" إن كنت محفوظا فألق نفسك من أعلى هذا الهيكل. فقال له: مكتوب لا تمتحن ربك. وقال له: اسجد لي وأعطيك ممالك العالم كلها- وكانت قد رفعت له- فقال له يسوع: مكتوب اعبد ربك وحده" «١». معنى القصة هذا. وإذا جاز أن يتعرض الشيطان للأنبياء ويسلمون منه فما المانع من «٢» أن يتعرض لهم، وينال «٣» منهم. بل هذا ألزم عليكم. لأن المسيح عندكم هو الله أو ابن الله، وقد عارضه الشيطان حتى لقي منه شدة على ما أشار إليه الإنجيل، أو صرح به فالأنبياء لا يبعد أن ينال/ منهم ثم يتداركهم الله بعصمته. وقد سحر نبينا محمدا ﷺ بعض شياطين اليهود «٤» حتى أثر ذلك في أفعاله، ثم شفاه الله تعالى «٥» من ذلك «٦»، وأنزل عليه

المعوذات «١». وبالجملة. الأنبياء بشر، والبشر عرضة لهذه الآفات وغيرها. ثم يتدارك الله بعصمته من شاء./ وإذا كان إلهكم المسيح سلط عليه شياطين اليهود، الذين كيدهم دون كيد الشيطان الحقيقي بكثير فصلبوه وأهانوه ودفن ثم بعث ثلاثة أيام- على زعمكم- فكيف لا يتطرق على الأنبياء- الذين هم دون رتبة الإلهية بكثير- شيطان الجن الذي هو أقوى كيدا من شياطين الإنس بكثير؟ «٢» هذا مما لا يحيله عاقل ولا عادل.

فكيف لا يتطرق على الأنبياء- الذين هم دون رتبة الإلهية بكثير- شيطان الجن الذي هو أقوى كيدا من شياطين الإنس بكثير؟ «٢» هذا مما لا يحيله عاقل ولا عادل.

ثم نقول لهذا الخصم: ما نرى مثلك في تنزيهك للأنبياء عما ذكرت إلا ما حكي عن بعض النساء الخفرات «١» أنها «٢» مرت على رجال فاستحيت منهم فكشفت ثوبها عن استها حتى غطت وجهها، وكرجل قال لرسوله: إذا وصلت إلى فلان فسلم لي عليه وصك لي قفاه. فإنك تنزه الأنبياء عن أن يتعرض لهم الشيطان تعرضا مأمون العاقبة متداركا بالعصمة الإلهية. ثم إنك تصدق ما في التوراة من أن روبيل «٣» بن يعقوب وطئ سرية أبيه، ونجس فراشه «٤». وأن يهوذا وجد كنته- زوجة ابنه- على الطريق في صورة زانية فزنى بها بجدي ثم رهنها به «٥» خاتمه وعمامته وقضيبا كان في يده، ثم إنه لما ظهر حملها أمر برجمها «٦» فلما عرّفته أن الحمل منه وأرته العلامة أمر بتركها «٧».

وأن عظيم ساليم قرية سجيم «١» زنا ببنت يعقوب ثم خطبها، وأن ذلك أغضب إخوتها حتى خدعوهم باقتراح الختان/ عليهم، ثم دخلوا وهم مرضى من ألم الختان فقتلوهم، وأخذوا أموالهم «٢». وأن لوطا لما نجا من عذاب قومه أسقته ابنتاه الخمر، ثم ضاجعتاه فوطئهما فأحبلهما «٣». وهذا منصوص مصرح به في التوراة التي بأيديكم وأنتم مع ذلك تحتجون علينا بما فيها. وهذه حكايات- والله- يتنزه سوقة «٤» الناس ورعاعهم وأراذلهم عنها. بل عما هو دونها. وأنتم تنسبونها إلى الأنبياء فلعن الله من قال ذلك، ومن يصدقه، فما أسرع ما نسيتم العدل والإنصاف الذي أمركم به المسيح في الإنجيل. لقد أطعتموه في ذلك كما أطاعته اليهود حيث فعلوا به ما فعلوه من الإهانة والصلب «٥» فعليكم جميعا من الله ما تستحقونه. فإن صدّقت بما في التوراة من هذا الهذيان فيكفيك ذلك جهلا وحمقا وقلة

هود حيث فعلوا به ما فعلوه من الإهانة والصلب «٥» فعليكم جميعا من الله ما تستحقونه. فإن صدّقت بما في التوراة من هذا الهذيان فيكفيك ذلك جهلا وحمقا وقلة

عقل، وسخافة رأي وزندقة؛ حيث تنسبون الأنبياء المعصومين المعظمين إلى المكر والخداع والزنا بالأجانب وبالبنات وسراري الآباء، وإن لم تصدقوه فكيف تحتجون علينا بكتب فيها مثل هذا الفشار؟ «١». قوله:" تضمنت هذه القصة باطلين. أحدهما: نسبة الرسل إلى هذه المثلبة والافتراء عليهم بذلك". قلنا قد بينا أن هذا لا غضاضة عليهم فيه، وليس هذا افتراء عليهم لأنه نبي معصوم مثلهم. وقد أخبر عنهم بما أوحي إليه. وأما الباطل الثاني وهو إخباره بأن للأصنام شفاعة فليس ذلك من إخباره، وإنما الشيطان أخبر به على لسانه. وقد بينا أن لا محذور في ذلك ثم نسخه الله. وإنما كان يتجه القدح أن لو لم ينسخ واستمر لكنه لم يستمر بحمد الله./ وفسر بعض العلماء إلقاء الشيطان في أمنيته وعلى لسانه بأنه/ نطق بما نطق به مقارنا لنطقه فاشتبه صوته بصوته «٢». وهو أولى ما يقال. وبهذا يلتغي «٣» المحذور بالأصالة جدا، ثم ننبه هاهنا لدقيقة وهي أن قوله تعالى: وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... (٥٢) «٤» لا يقتضي

أن «١» كل رسول ونبي تمنى وألقى الشيطان في أمنيته،/ بل يقتضي أن من وجد منه التمني كما وجد منك" ألقى الشيطان في أمنيته" كما ألقى في أمنيتك وذلك لأن الإلقاء وقع في جواب إذا الشرطية التي ينتفي مشروطها لانتفاء شرطه، فحينئذ نقول: قد يوجد التمني من بعض الأنبياء فيوجد الإلقاء من الشيطان وقد لا يوجد التمني فلا يوجد الإلقاء. هذا مقتضى الآية لفظا «٢». أما عقلا فيقتضي أن كلهم تمنوا وكلهم ألقي في أمنيته لأن الله سبحانه بعثهم رحمة للخلق، فمن المحال عادة أن نبيا يبعث إلى أمة، ولا يتمنى رشادها «٣» وهداها واتباع ما جاء به من الحق، وترك هواها. وأما قوله في حديث البخاري:" من له هذا السلطان على الشيطان؟ كيف يعبث به الشيطان هذا العبث؟ " فقد سبق جوابه عند ذكر عبث الشيطان بسليمان،

ونزيد هاهنا بأن نقول: هو وإن كان له على الشيطان هذا السلطان لكن يجوز أن يسلط عليه الشيطان بإذن الله لحكمة. وقد بين الله سبحانه الحكمة في ذلك حيث يقول: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... (٥٣) «١» يعني الكفار والمنافقين كانوا قد أيسوا من محمد أن يعبد آلهتهم،/ أو يسكت عن ذمها، وقد ضجر بعضهم وهمّ أن يدخل في الإسلام فألقى الشيطان على لسانه «٢» مدح الأصنام ليظنوا أنهم منها على شيء فيتمسكوا بعبادتها، وأن لها قدرا عند محمد، فيطمعون في إجابته إلى عبادتها أو الكف «٣» عنها، فأمسك من كان أراد الدخول في الإسلام عنه بهذا السبب حتى مات كافرا، وظنوا أن رجوع محمد عن مدحها بعد إلقائه على لسانه عناد لها ورجوع عن الحق في أمرها «٤». وهذه الآية من أكبر الأدلة على إثبات القدر. وسيأتي عند ذكر هذا الخصم له.

رجوع محمد عن مدحها بعد إلقائه على لسانه عناد لها ورجوع عن الحق في أمرها «٤». وهذه الآية من أكبر الأدلة على إثبات القدر. وسيأتي عند ذكر هذا الخصم له.

[تجسم الشياطين وإنكار النصراني ذلك] وأما قوله:" تضمن هذا الحديث أن الشيطان متجسم": قلنا: نعم. قوله: هذا باطل: لأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة. قلنا: عن المادة العنصرية الكثيفة التي هي كمواد الآدميين؟ أو عن المادة مطلقا؟. الثاني: ممنوع. والأول: مسلم فإن لهم مادة لطيفة، وكذا الملائكة فإن الشياطين خلقوا من نار، والملائكة من نور، كما صح في السنة النبوية «١». ثم كيف تصح دعوى تجردهم عن المادة مطلقا. وقد ذكر في الأناجيل في نحو عشرين موضعا. منها: أن المسيح كان يخرج الشياطين من الناس/ وأن بعض الشياطين استغاث منه وقال:" ما لنا ولك يا مسيح ابن الله" «٢» وأنه أخرج الشياطين في بعض المرات/ إلى قطيع خنازير فأخذوها حتى رموها في البحر فغرقت «٣»، وأنه أخرج من" مريم المجدلية" سبع شياطين، ولذلك لازمت خدمته حتى مات، وكانت أول من رآه بعد قيامه من

الأموات، وبشرت «١» به التلاميذ «٢». فهل يصح عند عاقل/ أن يدخل في الحيوان ويخرج منه ويستغيث ويصوت إلا جسم؟. وأما قوله: إن هذا هو قول الأنبياء والفلاسفة. فهو كذب وافتراء على الطائفتين، أما على الأنبياء فلأن إبراهيم وإسحاق ويعقوب كانوا يرون الملائكة أجساما «٣». وقد صرح في التوراة أن" يعقوب" لما عاد من" حوران" إلى" كنعان" عرض له عند قرية" بالق" «٤» رجل فصارعه إلى أن أسفر الصبح وقال له في آخر القصة:" أنت إسرائيل لأنك قاومت الملك والرجل" «٥». فنقول: هذا: إما ملك أو شيطان، وأيهما كان بطلت دعوى هذا في أن ما ذكره مذهب الأنبياء. لكن رأيت بعض النصارى قد تدمّغ «٦» وزعم أن المصارع ليعقوب هنا كان هو الله وهذا رأي المجانين، وهو نظير قولهم إن المسيح هو الله، وبذلك استدل على هذا.

يعني: أن الله سبحانه «١» لا يظهر للناس حتى يتأنس بهم ويظهر في مظاهرهم. وأما على الفلاسفة فلأنهم يزعمون: أن الملائكة قوى الأفلاك، والشياطين قوى النفوس الأمارة «٢». والله أعلم.

ا يظهر للناس حتى يتأنس بهم ويظهر في مظاهرهم. وأما على الفلاسفة فلأنهم يزعمون: أن الملائكة قوى الأفلاك، والشياطين قوى النفوس الأمارة «٢». والله أعلم.

[بين القرآن والنصارى فيما أوتي سليمان ﵇] قال:" ولقد قال «٣» في إخباره عن ملك سليمان خرافات. أفصح بها القرآن من ذلك في سورة النمل: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ إلى قوله: ... وأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤) «٤» وذكر كلاما يتعلق بتفسير ذلك عن ابن عطية حكاه عن ابن سلام وابن عباس وغيرهما. ثم قال:" فانظر بعقلك أيها المسترشد إلى هذه الحكاية، وما تحتوي عليه من الأمور التي لو كانت لسليمان أو بعضها لسبق ذكر ذلك في المصاحف لأنها من العجائب التي تتوفر الدواعي على نقلها. فعلم أن تلك خرافات/ موسوسة".

قلت: أما ما ذكره ابن عطية وغيره من المفسرين فلسنا بصدد الجواب عنه، لأنا لسنا على يقين من صحته، وهم ليسوا معصومين. وإنما نحن بصدد الجواب عن القرآن الكريم، الصادر عن المعصوم «١» على لسان المعصوم بواسطة المعصوم «٢». والجواب: أن ما ذكر في سورة النمل وغيرها من سور القرآن من الحكايات «٣» / والقصص والعجائب ممكن أخبر به الصادق. وكل ممكن أخبر به

الصادق فهو حق واقع. فما ذكر في سورة النمل وغيرها حق واقع. أما إمكانه فلا نزاع فيه عند من سمعه من العقلاء. إذ الممكن ما لا يلزم من فرض وقوعه محال. وأما/ كون الذي أخبر به صادقا فلوجوه: أحدها: ظهور المعجزات الخوارق على يديه. وسنذكرها، وبرهان إثباتها فيما بعد عند قدحك في القرآن في شرط المعجز. الثاني: ما اشتهر من أن قريشا ما كانت تسميه منذ كان صبيا حتى ادعى النبوة إلا الأمين «١» وإنما كذبوه فيما بعد ذلك، لكونه أخبرهم بحقائق إلهية لم تدركها عقولهم. وذلك جهل منهم بأحكام الشرائع. وأنت قد قدمت عند بيان ضرورة النبوة: أن العقل لا يستقل بمعرفة الحقائق الإلهية بدون تأييد إلهي وكتكذيب اليهود للمسيح، وكان صادقا. الثالث: الطريق التي استدل بها" هرقل" «٢» ملك الروم على صحة نبوته. وأنا أسردها بكمالها تكميلا لفائدتها: قال البخاري: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع «٣»، قال: أخبرنا

شعيب «١» عن الزهري «٢» قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود «٣» أن عبد الله بن/ عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب «٤» أخبره: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان

عتبة بن مسعود «٣» أن عبد الله بن/ عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب «٤» أخبره: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان

رسول الله ﷺ مادّ «١» فيها «٢» أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء «٣» فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت: أنا. قال: ادنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل «٤» لهم إني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبا لكذبت عنه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشرف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة «٥» لدينه بعد أن يدخل فيه «٦»؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في/ مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكّني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت:

منه في/ مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكّني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت:

الحرب بيننا وبينه سجال «١»، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب/ وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك؟ هل أحد منكم قال هذا القول؟ فذكرت أن لا. فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي «٢» بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من «٣» ملك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألت: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله./ وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطه لدينه، بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب «٤». وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا

حين يخالط بشاشة القلوب «٤». وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا

وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت «١» لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدمه" «٢». قلت: فهذا حديث صحيح ثابت بإجماع المسلمين، ويستحيل عادة اختلاق مثله. ثم لو سلم أنه مختلق، لكن هذه القضايا التي فيه مشهورة مثل أنه لم يكن في قومه/ نبي «٣» ولا ملك، وأنه غير كاذب ولا غادر ونحوها. ووجه الاستدلال منها ظاهر جدا، فلو وفق النصارى كلهم لما وفق له هذا الملك «٤»، لأفلحوا كل الفلاح، ثم مقصودنا منه: استدلاله على صدقه بقوله: " لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله"./ وهكذا النجاشي ملك الحبشة لما سمع ما أنزل على محمد في سورة مريم من صفة المسيح حيث يقول: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) «٥»

الآيات. قال:" ما عدا المسيح ما قال هذه" يعني عوده في يده «١»، وبكى في حديث طويل، وهو حديث أم سلمة «٢» عند هجرتهم إلى الحبشة، وفيه وفي أصحابه أنزل الله سبحانه «٣»: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ... إلى قوله: وإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ... (٨٣) «٤».

فهؤلاء ملوك النصارى يعترفون بالحق، ويصيرون إليه، فلا عبرة بقدح حثالتهم ورعاعهم. وإنما قلنا: إن كل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع لوجهين: أحدهما: أنه لو لم يكن كذلك لم يكن لأحد وثوق بإخبارات الله ورسله وليس كذلك. الثاني: لو لم يكن كذلك لم يكن المخبر صادقا. لكنا فرضناه صادقا. هذا خلف. وأما قوله:" لو كانت هذه الأمور لسليمان لسبق «١» ذكرها في المصاحف" فجوابه سبق في غير موضع. وهو أن هذا استدلال «٢» على الوجود المحض بالعدم المحض وهو جهالة. وكم من واقعة عظيمة وغيرها قد وقعت/ في ملك الله لم تذكر في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن. وقد قال الله سبحانه لمحمد- ﵇ في القرآن: ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) «٣» وقال لليهود لما سألوه عن الروح: ... قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) «٤».

سى تَكْلِيماً (١٦٤) «٣» وقال لليهود لما سألوه عن الروح: ... قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) «٤».

[الرد علي النصراني في انكار الجن وتجسم الشياطين] قال:" وفي سورة الأحقاف «١»: وإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ... (٢٩) وفي سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) الآيات. وذكر «٢» ما ذكره ابن عطية وغيره في تفسير هذا من رمي مسترقي السمع لمبعثه ﷺ وأنهم تفرقوا ينظرون ما السبب؟ فوجدوا النبي- ﵇ يقرأ فعلموا أنه سبب منعهم «٣»، وذكر حديث مسلم من رواية ابن مسعود قال: فقدنا النبي ﷺ ذات ليلة فقلنا: اغتيل «٤»، أو

استطير «١»، فلما كان وجه الصبح إذا هو يجيء من قبل حراء، فقال: إنه" أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. قال/ الشعبي: سألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال:" كل عظم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" قال:" فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" «٢» ورواه أحمد «٣». قال:" وقد تقدم العلم بأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة فكيف تصطلي بالنار وتركب الدواب، وتغتذي بنخر العظام؟ إن «٤» وافقك عقلك على أن هذا حق فتزحزح عن الآدميين والحق بالبهائم". قلت: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنا قد بينا فيما تقدم أن الشياطين/ ليست مجردة عن المادة مطلقا بل إن صح أن لها تجردا عن المادة فعن الكيفية. وحينئذ يجوز «٥» أن يرد عليها هذه

: أحدها: أنا قد بينا فيما تقدم أن الشياطين/ ليست مجردة عن المادة مطلقا بل إن صح أن لها تجردا عن المادة فعن الكيفية. وحينئذ يجوز «٥» أن يرد عليها هذه

الأفعال بحسب مادتها. ودلالة الإنجيل قاطعة في نحو عشرين موضعا منه على عدم تجردها. كما سبق. الثاني: أن الباري- ﷾ إن قلتم ليس مجردا عن المادة فقد جعلتم الملائكة والشياطين أكمل منه. وإن جردتموه عن المادة فقد جوزتم تأنسه بالإنس حتى يمازجهم ويظهر في مظاهرهم كظهوره في ناسوت المسيح حتى صار يأكل ويشرب ويتغوط ويقتل ويصلب ويركب «١» الحمار ويشرب الخمر ويحي العظام النخرة فيجعلها أوفر ما كانت لحما ويصلي ويتعبد، فجواز ذلك على الجن الذين هم بعض خلق الله- سبحانه- بقدرته عليهم، وتصرفه فيهم أولى، وحينئذ لا يمتنع أن الجن إذا أرادوا الطعام خلق الله لهم على ما وجدوه من العظام لحما يأكلونه «٢»، وإن كنا نحن لا نرى ذلك، إذ لا حاجة بنا إليه فلا يوجد اللحم عليها حين نراها. فإن قيل: المسيح كان يفعل ما ذكرتم من الأفعال بناسوته لا لاهوته. قلنا: هذا باطل. فإنكم صرحتم بأن المسيح هو مجموع اللاهوت والناسوت وأن المسيح هو الله، وأنه إنما ظهر ذلك المظهر بطريق التأنس بالإنس والانتقال من حال إلى حال.

كذا قرره" ابن الأمثل" «١» مطران «٢» " حمص" «٣» منكم بنحو عشرين حجة من التوراة والإنجيل. منها أن الله- سبحانه- ظهر ليعقوب حين قدومه من عند خاله فصارعه إلى الصبح «٤». وهذه من جملة الحجج عليكم. الثالث: أن هذا وأمثاله من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل/ بدركها فيجب علينا تسلمها عن الشرائع. وإنما ينكر هذا فيلسوف لم ترض «٥» نفسه في

علوم الشرائع. على أني أراك أيها الخصم مذبذبا./ تارة فيلسوفا صلفا «١». وتارة مشرعا جلفا «٢» فأراك كما قال بعضهم لامرأته:/ إني رأيتك في الهوى ذواقة لا تصبرين على طعام واحد «٣» قال:" وانظر أيضا إلى قوله في سورة الرحمن يصف نساء الجنة، الحور العين: ... لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ (٥٦) «٤» قال ابن عطية في التفسير: " قال مجاهد «٥»: الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذا لم يذكر الزوج،

" الله تعالى" «١» فنفى في هذه الآية جميع المجامعات. قال ضمرة بن حبيب «٢»: " الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف «٣» " يعني النساء من الجن، فنفى في هذه الآية الافتضاض في البشريات والجنيات". قلت: هكذا وجدت كلامه، وهو مخبط لا يظهر منه وجه الإشكال لكنا نقول: أما قول مجاهد وضمرة بن حبيب فلسنا منه في شيء ولا يرد علينا لو عارض غيره، وأما معنى الآية فهو: أن لمن خاف مقام ربه في الجنة نساء أبكارا لم يفضضهن قبلهم أحد، إنسي ولا جني ثم تلك النساء يجوز أن يكن نساءهم في الدنيا، يعدن أبكارا كما قال تعالى: ... كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ... (١٠٤) «٤» ويجوز أن يكن منشآت من الجنة.

وذكر حديث: «إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط» الحديث «١». وحديث: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب «٢» فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله «٣» ". قال:" هذا كله تصريح باغتذاء/ الشياطين وجماعها". قلت: هذا كله إشكال يورده بناء على ما قرره من أن الشياطين بسائط مجردة عن المادة، لا يتأتى منها ذلك.

. قال:" هذا كله تصريح باغتذاء/ الشياطين وجماعها". قلت: هذا كله إشكال يورده بناء على ما قرره من أن الشياطين بسائط مجردة عن المادة، لا يتأتى منها ذلك.

قلت: وكأنه يورد تناقضا آخر بين قوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ (٥٦) «١» وبين قول مجاهد:" الجن تجامع نساء البشر" وقول ضمرة بن حبيب" الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف". قلت: وجوابه من وجهين: أحدهما: منع التناقض بما بيناه من أن المراد بالآية أن كلا من أهل الجنة له زوجات أبكار لم يطمثهن قبله غيره. وهذا لا ينفي أن الجن يجامعون نساءهم أو نساء غيرهم في الدنيا أو في الآخرة. الثاني: أن التناقض بين قول الله سبحانه وأقوال المفسرين لا يلزمنا. لأن الخلاف بينهم كثير. فإن التزمنا ذلك طال علينا. ولأنهم ليسوا معصومين فيجوز أن يخطئوا. قال:" وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي- ﷺ «٢» قال:" إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليستنثر ثلاثا. فإن الشيطان يبيت على خيشومه" «٣» وفيه:" لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس وغروبها، فإنها

تطلع/ بين قرني شيطان" «١». قلت: وجه سؤاله من هذا ما قدمه من أن الشيطان بسيط مجرد عن المادة فكيف يبيت على خيشوم الآدمي؟ وذلك يستدعي أن يكون جسما. وكيف يكون له قرنان؟ وأيضا: الشمس مثل الأرض مرارا كثيرة فكيف تطلع بين قرني شيطان؟. والجواب: قد تكلمنا قبل على بساطة الشيطان وتجرده عن المادة ومنعناه مطلقا. بل هو تجرد مقيد- كما سبق-. وحينئذ يقع «٢» منه المبيت على خيشوم الآدمي وأم رأسه/، ليزين له النوم «٣» ويثقله فيه، كي لا يستيقظ بالليل فيصلي. كما ذكر في حديث آخر: " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد، فكلما أراد أن يستيقظ قال له: نم «٤». عليك ليل طويل،. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. وإن توضأ/

Bagian 6 dari 25