الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الطوفي (w. 716 H).

Bagian 8 dari 25 943 halaman

— Bagian 8 · دمشق «١» في عشرين «٢». فإن «٣» العشرة داخلة في ا… —

Bagian 8

دمشق «١» في عشرين «٢». فإن «٣» العشرة داخلة في العشرين. أما ما ذكرته من أن «٤» قول القائل: بنيت بيتا فأسسته في يومين وأقمت حيطانه في أربعة أيام، وسقفته في يومين: يفيد أن الجملة ثمانية أيام. فجوابه أن فرضك لهذه الصورة مع تقدير تقدم النص من القائل بأنه «٥» أقام جملة البيت في ستة أيام، أو مع عدم تقدير ذلك؟. فإن قلت: مع «٦» تقدير تقدم النص المذكور كان كمسألتنا. فلا نسلم استفادة ثمانية أيام من القول المذكور «٧»، بل ستة كالمنصوص. ويكون ذلك النص قرينة في هذا التأويل، أعني حمل الثمانية الظاهرة على الستة المنصوصة. وإن قلت: مع عدم النص فليس ذلك مثل مسئلتنا، إذ لا نص معنا يكون قرينة نحمل بها الظاهر عليه، وحينئذ لا يلزم ما ذكره من كذب إحدى الآيتين ولا يحصل له مطلوب.

[مكان دفن الأنبياء] ومنها: ما رواه مالك «١» في" موطئه" بسنده إلى أبي بكر «٢» في كتاب" الجنائز" قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه» فحفر له فيه «٣». قال:" وهذا افتراء وقول باطل. فإن" يعقوب" توفي بمصر، وحمل إلى «٤» مقبرة أبيه إبراهيم" فدفن فيها «٥»، وكذلك" إبراهيم" و" إسحاق" دفنا هناك ولم يدفنا في مكانيهما من داريهما، وكذلك" داود" و" سليمان"/ إلى غيرهما من الأنبياء ماتوا بأماكنهم، ودفنوا في غيرها. وبالجملة: ما دفن نبي من الأنبياء في مكانه الذي توفي فيه، فضلا أن يكونوا أجمعون دفنوا حيث ماتوا". قلت: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن ما ذكره من دفن يعقوب في غير/ موضع موته، مأثور عن التوراة، والتوراة فيها من التحريف والتهافت والتناقض ما يمنع الوثوق بها- كما سبق-.

ن وجوه: أحدها: أن ما ذكره من دفن يعقوب في غير/ موضع موته، مأثور عن التوراة، والتوراة فيها من التحريف والتهافت والتناقض ما يمنع الوثوق بها- كما سبق-.

الثاني: أنه «١» ذكر في التوراة أن يعقوب بقي بمصر يبكي عليه سبعين يوما «٢». ولو بقي ذلك القدر غير مدفون لأنتن وأراح «٣» إذ هو بشر على كل حال وذلك إهانة للميت. ولهذا جاء في شرعنا: أن من إكرام الميت أن يبادر بدفنه، فدل على أنهم دفنوه حتى انقضت مناحتهم «٤»، ثم استخرجوه فنقلوه إلى آبائه. وحينئذ لا يكون نقله منافيا لدفنه حيث مات. فإن قيل: لعلهم صبروه «٥» حتى مكث تلك المدة ولم يحتج إلى دفن. قلنا: هذا لم ينقل في صورة التوراة ولا غيرها ومجرد احتماله لا يكفي في التصديق به. وما ذكر فيها من تحنيطه لا يدل على تصبيره، إذ كل الموتى يحنطون عند الإمكان «٦».

الثالث: أنك ناف ونحن مثبتون، والإثبات مقدم على النفي، إذا استوى المخبران، فكيف والمخبر بالإثبات ذو ناموس عظيم. وأنت فيلسوف علج. الرابع:- وهو المختار عندي في الجواب- منع صحة الحديث «١»، فإني كشفت عنه في كتاب" الجنائز" من الموطأ فلم أجده «٢»، ولم أعلم أحدا رواه إلا أحمد قال: حدثنا عبد الرزاق «٣» قال: أنا «٤» ابن جريج «٥»، قال: أخبرني أبي «٦»:

أن أصحاب النبي ﷺ لم يدروا أين يقبروه؟ «١» حتى قال أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يقبر نبي إلا حيث يموت» «٢» فأخروا فراشه «٣» وحفروا له تحته» «٤». قلت: وفي هذا الحديث جهالة وإرسال، لأن أبا ابن جريج لا يعلم حاله في الرواية، وقد أرسله عن الصحابة، فلا نعلم هل سمعه منهم أو من غيرهم عنهم؟. وهاتان/ علتان لا يبنى «٥» على ما كانتا فيه من الحديث فرع فضلا عن أن نلتزم تسليمه، والجواب عنه فيما يقدح في أصل الشريعة. ورواه ابن هشام «٦» في السيرة من وجه لا يسكن إليه أيضا. وروى الترمذي من حديث عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه. فقال أبو بكر سمعت من «٧» رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته قال:" ما قبض الله نبيا إلا في

وى الترمذي من حديث عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه. فقال أبو بكر سمعت من «٧» رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته قال:" ما قبض الله نبيا إلا في

الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه/ في موضع فراشه «١»، وهو حديث غريب. وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي «٢» وهو يضعف «٣». كيف وقد روى ابن مكة «٤» في" أماليه" والسهيلي «٥» في" الروض": أن النبي ﷺ لما مات قالوا له: كيف نصلي عليك؟ قال: «إذا وضعتموني على شفير قبري في بيتي فاخرجوا عني، فإن الملائكة تصلي عليّ أولا» «٦». وساق الحديث. فمع هذا النص كيف يكون الخلاف في موضع دفنه؟ فهذا مما يدل على ضعف ذلك الحديث.

[الجزء الثاني]

[علامات الساعة وموقف النصارى منها] قال: ومن هذا القبيل من الأخبار عما يستقبل ما خرّجه مسلم عن أبي سعيد عنه «١» قال:" لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة [اليوم] " «٢» وهذا باطل للعيان، وها نحن على وجه الأرض أكثر من العالم في ذلك الزمان. وقد أتت المائة سنة التي ذكر، وبعدها مئون"/. قلت: هذا جهل بمراد هذا الحديث، وإنما المراد به ما تبين في حديث أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «ما على الأرض نفس منفوسة- يعني اليوم «٣» - تأتي عليها مائة سنة» / رواه مسلم «٤» والترمذي «٥». وعن ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قال: «أرأيتم ليلتكم هذه؟ على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد».

قال ابن عمر: فوهل «١» الناس في ذلك فيما «٢» يتحدثونه من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله- ﷺ «٣»: «لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» يريد أن «٤» ينخرم ذلك القرن". أخرجاه في الصحيحين «٥»، ورواه أبو داود «٦» والنسائي «٧» والترمذي «٨». وقال حديث حسن «٩» صحيح. فحديث أبي سعيد إن لم يكن فيه هذا التقييد فهو محمول عليه بهذين النصين «١٠».

قال العلماء: وفائدة إخبارهم بذلك: أن يبادروا بالعمل ويغتنموا مدة المهل. ولعمري إن هذا النصراني معذور في سوء فهمه لهذا الحديث، إذ كان بعض الصحابة وهم فيه. ثم العجب ممن يفهم من هذا الحديث غير ما ذكرناه مع أنه- ﵇ وعد بأشياء تكون عند اقتراب الساعة كالدجال ويأجوج ونحوها «١» من نفخ الصعق، والقواطع الدالة على بقاء العالم، لكن الوهم لم يسقط عن أحد. والله أعلم. قال/: وفي كتاب" الطلاق" «٢» من البخاري «٣» عن سهل بن سعد الساعدي «٤» قال: قال رسول الله- ﷺ «٥»: «بعثت أنا

الم، لكن الوهم لم يسقط عن أحد. والله أعلم. قال/: وفي كتاب" الطلاق" «٢» من البخاري «٣» عن سهل بن سعد الساعدي «٤» قال: قال رسول الله- ﷺ «٥»: «بعثت أنا

والساعة كهاتين» مشيرا بالسبابة والوسطى «١». ومن باب قرب الساعة من البخاري ومسلم عن عائشة: أن رجالا من الأعراب كانوا يأتون النبي- ﷺ «٢» فيسألونه عن الساعة فكان ينظر إلى أصغرهم/ فيقول: «إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم" «٣». قلت: أما الحديث الأول فصحيح المعنى، إذ معناه أنه بعث قريبا من قيام الساعة، لكن البعد والقرب إضافيان، فقد يكون الشيء قريبا بالنسبة إلى أبعد منه، بعيدا بالنسبة إلى أقرب منه، والتفاوت بين الوسطى والسبابة نحو سبعها تقريبا، ومنذ بعث «٤» آدم إلى حينئذ نحو سبعة آلاف سنة- على خلاف في ذلك- «٥».

ومن عهد النبوة إلى الآن قريب من ألف سنة «١»، فهذا تقريب صحيح. ووقت القدح في هذا الحديث لم يأت بعد. فإن تمادي العالم نحو ألف أو ألفي سنة أخرى قد يتجه «٢» للقادح أن يقدح أو نجيب نحن «٣» بجواب آخر. وأما الحديث فصحيح أيضا، والمراد بقيام ساعتهم فيه موتهم لأن من مات فقد قامت قيامته، لأنه يصير إلى أوائل أوقات القيامة، إذ" القبر أول منازل الآخرة" «٤». ثم هذا معارض بما في آخر الفصل الرابع والعشرين «٥» من إنجيل مرقس. والتاسع والعشرين «٦» من إنجيل لوقا: حيث يقول المسيح:" إن هاهنا قوما من القيام لا يموتون «٧» حتى يعاينوا ملكوت الله" «٨».

ومراده بملكوت الرب: القيامة، كما في سائر المواضع من الإنجيل ولا يصح حمل ملكوت الله هاهنا على الآيات والمعجزات، لأنهم كانوا قد عاينوها. قال: وفي تفسير ابن عطية لسورة القمر، قال أنس: خطب رسول الله/ وقد كادت الشمس تغيب فقال: «ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقى من هذا اليوم فيما مضى» «١» وقال: «إني لأرجو أن/ يؤخر الله أمتي نصف يوم» «٢». قلت: هذا حديث له أصل في الرواية لكنا لا نحقق صحته كغيره، لكن قد «٣» رواه النسائي وابن ماجه «٤» والترمذي وحسنه، فلا يلزمنا الجواب عنه، بل

ف يوم» «٢». قلت: هذا حديث له أصل في الرواية لكنا لا نحقق صحته كغيره، لكن قد «٣» رواه النسائي وابن ماجه «٤» والترمذي وحسنه، فلا يلزمنا الجواب عنه، بل

الأحاديث الثابتة في الرواية كأحاديث البخاري ومسلم لا يلزمنا الجواب عنها في هذا المقام، لأنها آحاد، والآحاد غايتها أن تثبت بها أحكام الفروع لا أن تورد نقضا على أصول/ الشرائع «١». ولهذا قال أكثر طوائف المسلمين:" لا تثبت بأخبار الآحاد صفة لله، لأن مسائل الأصول القطعية لا تثبت إلا بقاطع" «٢» وإنما نحن تبرعنا بالجواب عن تفاصيل هذه الأحاديث تبرعا. وهذه قاعدة نافعة في هذا الباب- وقد سبقت في أول الكتاب- ثم إن «٣» تبرعنا بالجواب عن هذا كما تبرعنا به عن غيره «٤». فمعنى قوله:" ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي «٥» من هذا اليوم فيما مضى" هو قريب من قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين». والمعنى الجامع بين الحديثين تقليل «٦» ما بقي من الدنيا بالإضافة إلى ما مضى منها، وهذا صحيح، فإنه- ﵇ أخبر بجملة من أشراط الساعة وقد ظهر

كثير منها، فما عادت تتأخر، ولو عاش هذا الخصم لأبصر. وأما قوله: «إني «١» لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم» فالمراد باليوم من أيام الآخرة «٢» وهو ألف سنة لقوله تعالى: وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) «٣» ولا شك أن علم وقت الساعة من كنوز الغيب الذي استبد «٤» الله بعلمه لقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... (٣٤) «٥» وقوله: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ... (١٨٧) «٦». فالنبي- صلى/ الله عليه وسلم- ما كان يعلم عين وقت الساعة، لأنا لم نعتقده إلها، كما اعتقدتم إلهية المسيح، بل هو رسول كريم يعلم ما أعلمه «٧» الله سبحانه كما قال: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ... (٢٧) «٨» فكان يعلم أمارات الساعة وقد أخبر بها ووقع بعضها ونحن ننتظر الباقي لا عين وقتها، ولذلك قال: «اني لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم» يعني خمسمائة «٩»، وها قد أعطاه الله رجاءه وزيادة فهذا اليوم سبعمائة سنة وسبع سنين". وفي الزمان تراخي.

[منافع الحبة السوداء] قال: وفي كتاب الطب من البخاري «١» عن عائشة قالت: سمعت النبي يقول: «إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» «٢». قلت: هذا الحديث صحيح متفق عليه «٣»، وفي لفظ البخاري عن ابن أبي عتيق «٤» قال: (عليكم بهذه الحبة السوداء، خذوا «٥» منها خمسا أو سبعا فاسحقوها ثم اقطروها في أنفه- يعني المريض- بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب «٦» فإن عائشة حدثتني أنها سمعت النبي ﷺ يقول: ... الحديث «٧».

سبعا فاسحقوها ثم اقطروها في أنفه- يعني المريض- بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب «٦» فإن عائشة حدثتني أنها سمعت النبي ﷺ يقول: ... الحديث «٧».

وعن قتادة قال: حدثت/ أن أبا هريرة قال:" الشونيز «١» دواء من كل داء إلا السام" قال قتادة: يأخذ كل يوم إحدى وعشرين حبة، فيجعلهن في خرقة، فلينقعه، فليستعط به كل يوم في منخره الأيمن قطرتين، وفي الأيسر قطرة، والثاني: في الأيسر قطرتين وفي الأيمن قطرة./ والثالث: في الأيمن قطرتين وفي الأيسر قطرة «٢». قلت: فالظاهر أن هذا عن توقيف فلا ينبغي أن يقدح في هذا الخبر حتى يجرب على هذه الصفة، فإن صح فقد حصل المقصود، وإلا أمكن الجواب من وجوه: أحدها: أن أثر الشيء/ قد يتخلف لمانع، فربما تخلف أثر الشونيز لعدم خلوص نية المستشفي به في تلقي خبر الشارع «٣»، ولا شك أن الشارع لم يبعث طبائعيا «٤» ولا طبيبا، وإنما يصف ما يصف من هذا على جهة التبرك باختياره فيصير كالأدعية التي أمر بها، وقد صح عنه أنه قال:" إذا دعوتم «٥» الله فادعوه وأنتم

موقنون بالإجابة، فإن الله لا يسمع دعاء من قلب غافل لاه" «١» أو لغير ذلك من الموانع. الثاني: حمل الخبر على التقييد بما إذا كان المعالج به النبي ﷺ كرامة له وإعجازا. الثالث: تقييده بما إذا ركب مع أدوية خاصة «٢» تركيبا خاصا أو في زمن خاص أو في مزاج خاص. وليس هذا بأول لفظ قيد من ألفاظ الأنبياء، فإن الاطلاقات في كلامهم كثيرة والعلماء يقيدونها. ثم ماذا ينكر من الخبر. وقد ذكر الأطباء للشونيز منافع كثيرة؟. قال ابن جزلة «٣» في المنهاج «٤»:

«الشونيز حار يابس في الثالثة مقطع للبلغم، جلّاء، محلل للرياح والنفخ ويقطع الثئاليل «١» والخيلان «٢» والبهق «٣» والبرص «٤» والجرب «٥»، وينفع من الزكام البارد، وخصوصا مقلوا مجموعا على «٦» خرقة كتان ويطلى به جبهة من به صداع بارد ويفتح السدد، والسعوط به ينفع ابتداء الماء، وشربه ينفع من انتصاب النفس «٧» ويقتل الديدان، ولو طلي على السرة، وبذر الحيض، والماء والعسل للحصاة، ويحل الحميات البلغمية والسوداوية، ودخانه يطرد «٨» الهوام، وهو ينفع من لسع الرتيلا «٩»، وقدر ما يؤخذ منه إلى درهم «١٠» ".

لحيض، والماء والعسل للحصاة، ويحل الحميات البلغمية والسوداوية، ودخانه يطرد «٨» الهوام، وهو ينفع من لسع الرتيلا «٩»، وقدر ما يؤخذ منه إلى درهم «١٠» ".

وذكر غيره له غير ذلك من المنافع. ثم إنه إذا كان حارا يابسا في الثالثة فاتجاه مضمون الحديث منه معقول. وذلك لأنه متمكن في طبع الحياة/ وهو الحرارة. فهذا أصل يبنى عليه، ثم المرض ينقسم بانقسام العناصر/ الأربعة في كيفياته، وهي معروفة. وتقرر أن العلاج قمع الشيء بضده، فإن كان المرض باردا رطبا، فالشونيز مضاد له فيصلح دواء له. وإن كان باردا يابسا فقد تضادا في الحرارة واشتراكهما في اليبوسة يعدل بالمرطبات، وكذلك إن كان المرض حارا رطبا أو يابسا تضادا في الحرارة. وما اشتركا فيه يعدل على ما شرحته الصناعة. وبهذا التقرير يصح «١» أن فيه دواء من كل داء. بقي أن يقال: فعلى هذا تبطل فائدة التخصيص بالشونيز، لأن هذا متجه في كل حار يابس أو رطب فيقال: يجوز أنه خصه بالذكر لما اختص به من خواص لا يشارك فيها، أو أنه كان «٢» أعم وجودا عندهم أو أن هذا مفهوم لقب «٣» فلا يكون حجة على انتفاء الحكم في غيره «٤».

[طهارة محمد- ﷺ وعلو همته] قال:" وإذ قد فرغنا من امتحان الشرط الأول وهو الصدق. وحصلنا من «١» ذلك على ما اتضح «٢» وظهر. فلندخل إلى امتحان الشرط الثاني وهو: الطهارة فنتأمل ما صح عنه من ذلك". قلت:" قوله: وحصلنا من ذلك على ما اتضح وظهر" يوهم أنه/ حصل على مطلوب. ولم يحصل مع «٣» ما أجبنا به على شيء فليجمع خاطره «٤». قال:" فمن ذلك حديث البخاري عن أنس قال: كان النبي يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة «٥» قيل له «٦»: وكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين «٧» ".

ثم ساق أحاديث عشرة النبي- ﵇ لنسائه واستمتاعه بهن، نحو ماروت عائشة:" أن رسول الله- ﷺ «١» كان يقبلها/ وهو صائم ويمص لسانها «٢» "، وقولها:" خالط ريقي ريقه في آخر أيام الدنيا" «٣»،" وكان يأمرني وأنا حائض فأتزر ويباشرني «٤» " وقصة تزوجه زينب «٥». وقوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها ... (٣٧) «٦».

وقول عائشة حين نزلت: تُرْجِي «١» مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ «٢» ما أرى ربك إلا يسارع في هواك «٣». وما ذكره المسلمون من أن من «٤» خصائصه أنه كان إذا وقع بصره على امرأة ورغب فيها وجب على الزوج طلاقها، وأنه لما رأى زينب حاسرة قال: (سبحان مقلب القلوب) «٥» وأن

صفية «١» صارت لدحية «٢» فوصفت لرسول الله- ﷺ «٣» فبعث إلى دحية فأعطاه ما أراد ثم أخذها فقال لأم «٤» أنس «٥»:" أصلحيها" «٦».

حان مقلب القلوب) «٥» وأن

صفية «١» صارت لدحية «٢» فوصفت لرسول الله- ﷺ «٣» فبعث إلى دحية فأعطاه ما أراد ثم أخذها فقال لأم «٤» أنس «٥»:" أصلحيها" «٦».

وذكر السبب في قوله تعالى: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ... (١) «١» وأشباه هذا. ولم يذكر في هذا الشرط تشنيعا بناء على ما قدم في أول الكتاب من كلام موسى بن عبيد الله وغيره: أن حاسة/ النكاح عار فهذه مقدمة. ثم أثبت هنا أن محمدا كان مولعا بحاسة النكاح فانتظم له الدليل «٢» فصار في التقدير تقريره هكذا «٣»: محمد كان مولعا بحاسة النكاح، وحاسة النكاح عار، فمحمد كان مولعا بالعار ومن كان مولعا بالعار لا يكون طاهرا. والنبي من شرطه أن يكون طاهرا، فمحمد ليس بطاهر فلا يصلح أن يكون نبيا. والجواب عن هذا قد سبق أول الكتاب تاما كاملا «٤»، لكن نبين هنا وجه بطلان شبهته، وذلك بمنع أن حاسة النكاح عار، بل هو من أحسن الأفعال، وجيد القرب، لأن فيه مصلحتين عظيمتين:/ إحداهما: وجودية، وهي إقامة النوع الإنساني بتكثير العباد والعبادة «٥». والثانية: عدمية، وهي إعدام الزنا بالاكتفاء بالحلال، ولهذا قال النبي ﷺ

لأصحابه: «في فعل كذا صدقة، وفي كذا صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ثم يثاب؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يعاقب؟» قالوا: نعم. قال: (فكذلك) «١». ثم يقال: إن كان هذا عارا فالأنبياء المتقدمون أولى به، فقد كان لسليمان ألف من بين زوجة وسرية وطاف في ليلة واحدة على سبعين امرأة «٢» " وكانت له

امرأة يحبها فعبدت صورة ابنها في داره بغير علمه، فعاقبه الله عن ذلك بأن نزع عنه الملك أربعين يوما «١» ". وكان لداود تسع وتسعون امرأة ثم صعد يوما السطح فرأى امرأة أوريا بن حنان «٢» تغتسل، وكان من فرسانه وقواده فأرسل فشدد عليه في الجهاد حتى قتل ثم تزوج امرأته فكانت هي أم سليمان، وكانت تلك خطيئة «٣». ومحمد- ﵇ إنما أخذ امرأة من زوجها باختياره بإذن الله «٤».

ه فأرسل فشدد عليه في الجهاد حتى قتل ثم تزوج امرأته فكانت هي أم سليمان، وكانت تلك خطيئة «٣». ومحمد- ﵇ إنما أخذ امرأة من زوجها باختياره بإذن الله «٤».

وفي التوراة أن" أبيمالخ" أشرف يوما على" إسحاق"/ وهو يلاعب امرأته" رفقا" «١» وأن لوطا" أسكرته ابنتاه حتى أحبلهما «٢». وأن" روبيل" ابن يعقوب وطئ سرية أبيه ونجس فراشه «٣»، وأن" يهوذا ابن يعقوب" زنا بكنته على الطريق ورهنها عمامته وخاتمه وقضيبه على جدي يعطيها إياه «٤». فأي العارين أشد؟ من ينكح النساء حلالا أم من ينكحهن زنا؟. على أننا لا نصدق هذا في الأنبياء، بل هو عندنا محرف مبدل، لكنه لازم/ لكم لأنه في التوراة، وأنتم تحتجون علينا بها. ثم إنا نقول لهذا النصراني: إن أول من نكح النساء" آدم" ثم تتابع بنوه في النكاح، الأنبياء والأولياء والصالحون والطالحون. فكيف يكون هذا/ عارا في حق بعضهم دون بعض؟ وهل هذا إلا عناد؟. ولأجل هذا السؤال الفاسد أنزل الله على نبيه- ﵇: ولَقَدْ أَرْسَلْنا

رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وذُرِّيَّةً ... (٣٨) «١». ولعلك حيث إن المسيح لم ينكح النساء تلزم العار جميع الأنبياء. وذلك لا يلزم، فإن المسيح- على رأيك- كان هو الله، أو ابن الله، فلا يجوز عليه النكاح. وعلى رأينا: أن «٢» ذلك كان منه زهدا وعزوفا عن الدنيا، ولو تزوج وأولد لكان أكمل له، وعلى رأي بعض الناس: إنه كان حصورا كيحيى بن زكريا، لا يقدر على إتيان النساء «٣». وعلى رأي آخرين أن ذلك كان آية كما كان «٤» وجوده لا من بشر آية. فإلزامك على طريق المسيح ما يعود بالقدح على النوع الإنساني على الإطلاق لا يجوز ولا يسمع.

[معجزات محمد- ﷺ وموقف النصراني منها] قال:" الشرط الثالث" الإعجاز ولم يأت محمد بمعجز، ولا خارق من خوارق العادة. قال: والدليل على ذلك: ما جاء في كتاب «١» السير أن أشراف قريش اجتمعوا عند الكعبة. فقالوا: يا محمد ما أدخل أحد على قومه ما أدخلت علينا لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسببت الآلهة فإن كنت تريد السيادة سودناك، أو المال أغنيناك أو كان بك جنون بذلنا أموالنا وأبرأناك. فقال:" لا شيء من ذلك كله، بل الله أرسلني إليكم بشيرا ونذيرا" قالوا: فإن كنت غير قابل/ ما عرضناه عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا منا، ولا أشد عيشا، فسل ربك- إن كنت نبيا- فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليخرق فيها «٢» أنهارا، كأنهار الشام والعراق «٣»، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن في من مضى منهم «٤»

" قصي بن كلاب" «١» فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا لك منزلتك من الله. وأنك رسوله. فقال لهم:" ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بالذي «٢» بعثني به" قالوا: فسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك فيما تقول، ويراجعنا «٣» عنك، وسله فليجعل لك خياما وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي بالأسواق وتلتمس المعايش «٤» كما نلتمسها. قال:" ما أنا بفاعل. ولا أسأل ربي هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا". قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا. وقالوا كثيرا حتى انتهى مقالهم إلى أن قالوا:/ أما علم ربك أنا سنسألك عما سألناك عنه فعلمك بما تراجعنا به «٥»،

ويخبرك بما هو صانع بنا «١»، إذ لم نقبل منك/ ما جئتنا به «٢». قد بلغنا: أنه إنما يعلمك بهذا رجل باليمامة «٣» يقال له: الرحمن «٤» وإنا- والله- لا نؤمن بالرحمن أبدا. ثم انصرف محمد حزينا إلى أهله «٥». قال:" أفلا ترى كيف سألوه عن جملة معجزات، فلم يأت بواحدة، فظهر أنه إنما كان يعلمه القرآن: الرحمن الذي ذكروه، لا غير".

انصرف محمد حزينا إلى أهله «٥». قال:" أفلا ترى كيف سألوه عن جملة معجزات، فلم يأت بواحدة، فظهر أنه إنما كان يعلمه القرآن: الرحمن الذي ذكروه، لا غير".

قلت:/ أما قوله: إن محمدا لم يأت بمعجز فسنذكر من معجزاته ما يكتفي ببعضه العاقل، وأما ما ذكر من أنه لم يجب قريشا إلى ما سألوه من المعجزات فجوابه من أربعة أوجه: أحدها: أنه علم أنهم معاندون، وأنه لو أتاهم بذلك لم يؤمنوا «١» .. والدليل على ذلك في كلامهم. فإنهم قالوا له: أزل عنا هذه الجبال، وخرق لنا الأنهار في أرضنا، وأوسعها «٢» علينا، وابعث لنا آباءنا مع" قصي «٣» " فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك. فعلقوا تصديقهم له على شريطين: إزالة الجبال ونحوها، وتصديق الموتى [له، ولم يكتفوا بأحد الشرطين. ولا شك أن من له نية في متابعة الحق يكتفي ببعض ذلك. فإن بعد تصديق الموتى] «٤» له في ذلك لا يبقى إلا العناد. فلما علم

عنادهم لم يجبهم إلى ذلك. ولهذا أوحى الله إليه: ولَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ... (١١١) «١». وكذلك كان. فإنه لم يؤمن من قريش إلى يسير أول الأمر. الوجه الثاني: أنه علم باستقراء أحوال الأمم الخالية مع أنبيائهم أنه إن «٢» عاجلهم بإظهار الآيات مع ما علمه منهم من العناد، أنهم يهلكون كما هلك قوم فرعون «٣» بعد إظهار موسى آياته وعاد «٤» وثمود «٥» وغيرهم، وكما مسخ قوم

من قوم المسيح: خنازير، لما لم يؤمنوا بعد نزول المائدة «١»، ونحو ذلك فأراد التمادي بهم رجاء أن يفيئوا إلى الحق. وقد جاء في الحديث أنه- ﵇ قال: «خيرت بين أن يجعل الله لي الصفا/ ذهبا ثم إن لم يؤمنوا هلكوا، وبين أن ينظروا حتى أدعوهم إلى الإسلام فاخترت أن ينظروا» «٢» معنى الحديث هذا، فهو «٣» ﵇ كان

رت بين أن يجعل الله لي الصفا/ ذهبا ثم إن لم يؤمنوا هلكوا، وبين أن ينظروا حتى أدعوهم إلى الإسلام فاخترت أن ينظروا» «٢» معنى الحديث هذا، فهو «٣» ﵇ كان

حريصا على إسلامهم، لا على تعجيل هلاكهم، ولهذا قال الله سبحانه: وما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً (٥٩) «١»./ أي إلا أن كذب بها الأولون فأهلكناهم، وأنت استأنيت «٢» بقومك فأجبناك إلى ذلك. ولهذا- لما أتاهم بعد ذلك بالخوارق كانشقاق القمر «٣». وتسليم الشجر «٤» وعجزوا عن معارضة القرآن، ولم يؤمنوا- جاءهم العذاب فاستؤصلوا بالسيف يوم بدر «٥» وغيره.

الوجه الثالث: أنهم سألوه ما يسقط فائدة التكليف بالإيمان بالغيب وبيانه أنهم سألوه إحياء الموتى. فلو بعثهم لهم لأخبروهم بصحة ما وعدهم وأوعدهم من ثواب وعقاب، وجنة ونار، فكان يحصل لهم بذلك العلم الضروري بما هناك فيصير إيمانهم كإيمان فرعون، لما عاين الملك ليقبض روحه قال:" آمنت «١» " فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا «٢». والمقصود: أنما هو الإيمان الاختيارى، لا الضروري. وما يفضي إلى سقوط فائدة التكليف. لا تجوز الإجابة إليه،/ وكذلك إنزال الملك عليهم يسقط فائدة التكليف. الرابع: المعارضة بما في الفصل الحادي والعشرين من انجيل مرقس «٣»: أنهم سألوا المسيح آية فلم يأت بها. والجواب مشترك. ومما يدل على جهلهم وعنادهم في سؤالهم له: أنهم أنكروا./ عليه فقره، وابتغاءه الرزق بالأسواق. وقالوا: قل لربك يجعل لك خياما «٤» وقصورا وكنوزا من ذهب يغنيك عن ذلك «٥». وهل في ابتغاء الرزق عيب عند أحد من العقلاء؟ وقد كان الأنبياء يبتغونه

برعاية الغنم وغيرها، وهل علم من حال أحد من الأنبياء أن الله جعل له خياما «١» وقصورا وكنوزا من ذهب «٢». إنما فعل ذلك بالفراعنة لطغيهم كقارون «٣» وفرعون وهامان «٤» ونظرائهم. ولذلك عاب الله عليهم قولهم حيث قال: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) الآيات إلى قوله: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (٩٣) «٥» ثم قال «٦»: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ

لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ... (١١) «١» وأما قولهم: أما علم ربك أنا سنسألك عما سألناك فيخبرك بما تراجعنا به، وبما يفعل بنا إذ لم نقبل منك؟ فإنا نقول: تحذيره «٢» الذي راجعهم به، هو الذي أمر به، إذ كان لا ينطق عن الهوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) «٣» وقد كان يتوعدهم بما سيجري لهم كقوله: ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) «٤» وقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) «٥» / ونحو ذلك كثير. وقولهم: وقوله:" إنما يخبره بذلك ويعلمه رحمن اليمامة". الجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه لم يصح لنا عن محمد- ﷺ «٦» أنه دخل اليمامة ليجتمع برحمانها «٧» ولا جالس أحدا من علماء الأولين، ولا الكهان بمكة ولا غيرها. فهذا كذب منهم وافتراء، وإنما هذا منهم كان على جهة الاستهزاء لما قال لهم: «اسجدوا/ للرحمن «٨»» يعني: الله. قالوا: لا رحمن إلا رحمن اليمامة. أنسجد له «٩».

كذب منهم وافتراء، وإنما هذا منهم كان على جهة الاستهزاء لما قال لهم: «اسجدوا/ للرحمن «٨»» يعني: الله. قالوا: لا رحمن إلا رحمن اليمامة. أنسجد له «٩».

كما أنه لما توعدهم بالزقوم، قال لهم أبو جهل «١»: أتدرون ما الزقوم الذي يتوعدكم به محمد؟ إنما هو الزبد بالعسل. أما والله لئن رأيناه لنتزقمنه تزقما «٢» ولذلك يقول الله له: وكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ .. (١٠٥) «٣» وقال: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) «٤». الثاني: أن محمدا ﷺ كان أميا لا يكتب، يتيما لا أب له مستضعفا بين قريش وجبابرتها، فكيف يختصه رحمن اليمامة بالتعليم دون غيره من أصحاب الكتابة والقوة؟. الثالث: أن الذي نسبه إلى التعليم من رحمن اليمامة إنما هم نفر يسير من قريش، من جبابرتها وجهالها، على ما ظهر من جبروتهم وجهلهم في سؤالهم فكيف اختص هؤلاء بعلم ذلك دون بقية سادات العرب الذين اتبعوه من سائر القبائل كأبي بكر وعمر «٥» وعثمان «٦» وعلي وغيرهم؟، مع أن المسيح يقول في

الإنجيل «١»:" ما من خفي إلا سيظهر ولا مكتوم/ إلا سيعلن" فلو علم بقية العرب ذلك وصح عندهم لما بايعوه ولكانوا «٢» مع الذين خالفوه وهذا مما تتوفر «٣» الدواعي على نقله وظهوره، فاختصاص نفر يسير به دون سائر العرب محال عادة. الرابع: أن علماء العرب وعقلاءهم كانوا يصدقونه في دعواه، كورقة بن نوفل «٤» وأبي طالب «٥» حيث يقول: وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا إلى أن قال: ولقد صدقت وكنت قدم أمينا «٦»

ورأى ابنه عليا يصلي مع رسول الله فقال: يا بني ما هذا؟ قال:/ علمنيه محمد. فقال: يا بنى تابع ابن عمك، فإنه لا يرشدك إلا إلى خير. وإنما منع أبا طالب من الإسلام، ما ذكره في شعره حيث يقول: لولا الملامة أو حذاري سبة «١» لوجدتني سمحا بذاك مبينا/ وكزيد بن عمرو بن نفيل «٢».

ومن الكهان الذين بشروا بنبوته:" سطيح" «١» و" شق «٢» " و" خطر" «٣»

لولا الملامة أو حذاري سبة «١» لوجدتني سمحا بذاك مبينا/ وكزيد بن عمرو بن نفيل «٢».

ومن الكهان الذين بشروا بنبوته:" سطيح" «١» و" شق «٢» " و" خطر" «٣»

كاهن ذكره الديار بكرى «١» في تفسير قوله: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ... (١٨) «٢» وذكر له حكاية عجيبة «٣». ومن الرهبان: بحيرا «٤» وسلمان «٥» وأصحابه وغير هؤلاء كثير. الخامس: أن رحمن اليمامة إن كان قد كان عالما بمثل هذا العلم الغزير كيف لم يدع به النبوة، ويستغني عن واسطة غيره؟ مع أن مثل منصب النبوة مما لا يؤثر به أحد غيره، ويجتهد أن لا يدعه يستقر لغيره، لما علم من حب النفوس للرئاسة.

وقد كان أمية بن أبي الصلت «١» يطمع في النبوة، فلما لم تحصل له مات غيظا وحسدا، ولم يتابع محمدا على أن المعروف أن رحمن اليمامة هو مسيلمة وقد أظهر الله فضيحته يوم الحديقة فقتل، ولما رهقته السيوف قال له أصحابه ما أوحى إليك ربك؟ فقال: قاتلوا عن أحسابكم «٢» وحريمكم، واعترف بالكذب على الله. السادس: أن هذا السؤال ألزم للنصارى «٣» منه للمسلمين، لأن محمدا كان أميا، لا يختلف في ذلك اثنان: فإتيانه بمثل هذا العلم والناموس إن سلمتم أنه لم يستفده من بشر «٤» غيره فهو معجز في نفسه، وإن اتهمتموه بأنه تعلمه «٥» من غيره فالمسيح أولى بالتهمة لأنه تعلم الكتابة صغيرا وجالس العلماء وسمع منهم وكانوا يتعجبون من فرط ذكائه وإدراكه في هيكل أورشليم «٦»،

وغيره، كما ذكر في الإنجيل «١». وحينئذ يتسع/ لقائل أن يقول: إن حكمة المسيح كانت من العلماء والكتب، ومعجزاته كانت شعبذة وتخييلا، كما نسبه إلى ذلك اليهود. فأنتم في الطعن على محمد كاليهود في الطعن على المسيح، فإن صدقوا صدقتم. وأن كذبوا كذبتم، والفرق عليكم متعذر عسير «٢». قال: ومن الأدلة على كونه لم يظهر معجزة: ما قال في سورة الإسراء «٣»: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) إلى قوله سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (٩٣) «٤» وقوله: وما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ... (٥٩) «٥» وحسبك شهادة أنه لم يرسل بالآيات. قلت: لقد أبان هذا السائل في هذا السؤال عن بلادة عظيمة وسوء فهم مع أنه متفلسف، والمعهود من الفلاسفة جودة الذهن وحسن الفهم. أما قوله: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (٩٣) «٦» / فليس فيه ما يدل على أنه/ لم يأت بمعجز، بل فيه اعتراف بالبشرية والرسالة والعبودية بين

يدي ربه- ﷿. ونحن «١» نقول:" إن المعجز يخلقه الله على يدى أنبيائه لا أنهم هم يخلقونه على أيديهم". وقد روى وثيمة في القصص «٢» قال: قال سعيد «٣» عن قتادة عن الحسن «٤»: إن موسى لما غشيه فرعون تقدم إلى البحر فقال له: إن الله أمرني أن أسلك فيك طريقا، وضرب بعصاه البحر من غير أن يوحى إليه، فأنطق الله البحر فقال له يا موسى أنا أعظم منك سلطانا وأشد منك قوة. وأنا أول منك خلقا وكان عليّ عرش ربنا وأنا لا يدرك «٥» قعري ولا أترك أحدا يمر عليّ إلا بإذن/ ربي وأنا عبد مأمور ولم يوح إلي فيك شيء. ولم ينفرق له حتى أوحى الله إليه بذلك «٦».

يّ عرش ربنا وأنا لا يدرك «٥» قعري ولا أترك أحدا يمر عليّ إلا بإذن/ ربي وأنا عبد مأمور ولم يوح إلي فيك شيء. ولم ينفرق له حتى أوحى الله إليه بذلك «٦».

وذكر أيضا قال: قال خارجة بن مصعب «١» عن أبي إلياس «٢» عن وهب: أن موسى كان يضرب الحجر بالعصا فتنفجر الأنهار لبني إسرائيل، فقالوا يوما: لو ضاعت العصا أو الحجر متنا عطشا. فأراد الله أن يريهم قدرته وسوء ظنهم فأوحى إلى موسى فأخبره بذلك وقال: الآن لا تضرب الحجر بالعصا ولكن كلمه واعزم «٣» عليه باسمي فإنه يطيعك، فغضب موسى من كلام بني إسرائيل، ونسي ما قال له ربه، فضرب الحجر بالعصا فلم تنفجر الأنهار على عادتها. فذكر عهد ربه فأقسم على الحجر باسمه فأجاب وقال: أما تستحي يا موسى أن تنسى عهد ربك؟ هلا كان هذا قبل الآن؟ ثم تفجرت منه الأنهار «٤». فالأنبياء بشر وليسوا- كما اعتقدتم في المسيح أنه يفعل الأشياء بنفسه،

فمعنى قوله: ... هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (٩٣) «١» أي: لا آتي بالمعجز إلا أن يأذن فيه ربي «٢»، وأنه لم يأذن له في ذلك الوقت، للوجوه التي بيناها قبل. وهذا أيضا معنى قوله تعالى: وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ... (١٠٩) «٣» أي أن إظهارها متوقف على إرادته. وأما قوله: وما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ... (٥٩) «٤» فليس إخبار بنفي الإرسال في عموم الأوقات، حتى انقضى عهد النبوة، بل ينفيه في وقت خاص وهو في أول الأمر ثم أرسل بها بعد ذلك «٥» بدليل قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) إلى قوله: ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) «٦».

َقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) إلى قوله: ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) «٦».

قال:" ولما أسرف «١» عليهم في طلب اعترافهم له بالنبوة، وألحوا عليه في طلب الآيات، وهو لا يظهر منه غير تلاوة القرآن عليهم، عظم ضجرهم حتى ضجوا منه واستغاثوا، فقالوا في صياحهم: .. اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) «٢». قال: فلم يأتهم بآية ولا لحقهم ضرر، فلما رأى ذلك اعتذر بأن تلى عليهم: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ ... (٣٣) «٣» الآية. قلت: وهم في هذه الحكاية،/ وهي حجة عليه. والصواب فيها: أن قريشا والنبي ﷺ لما التقوا يوم بدر استفتح عليه المشركون: أبو جهل والنضر بن الحرث «٤» وغيرهما. فقالوا: اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه. وقال أبو جهل: اللهم انصر أحب الطائفتين إليك اللهم أقطعنا للرحم، وأفسدنا للجماعة فاحنه «٥» اليوم. فقتل أبو جهل

والنضر في السبعين قتيلا، وأسر مثل ذلك في ذلك اليوم، فكان استفتاحهم عليهم «١». ثم لو سلمنا من أنهم قالوا ذلك لضجرهم منه، لكن قد أتاهم العذاب الأليم يوم بدر وغيره، وأي عذاب يكون أشد من أن يقتل الشخص ذليلا حقيرا، ثم يصير إلى العذاب الأليم؟ «٢». وأما قوله: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ ... (٣٣) «٣» قال الكلبي «٤»: " معناه لو أراد أن يعذبهم أخرجك من بينهم" «٥». قلت: لأن الأنبياء رحمة، لا عذاب. فلا يعذب من هم فيه. ألا ترى أن لوطا لم يعذب قومه، حتى خرج عنهم، وصالح ونوح وموسى وغيرهم من الأنبياء كذلك. فهكذا. محمد لم يعذب أهل/ مكة حتى خرج منها.

وقوله: ... وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) «١» فيه قولان: أحدهما: وفي أصلابهم من سبق في علم الله، أنه سيوجد فيكون من المؤمنين المستغفرين. والثاني: وبين أظهرهم مؤمنون مستخفون يستغفرون، فلما خرجوا من بينهم عذبوا بفتح مكة، وقيل: بيوم بدر «٢». قال:" فإذا كان أعداؤه المكذبون لا يعذبهم وهو فيهم. فكيف عذب أصحابه يوم" أحد" وهزموا. وقتل منهم جماعة". والجواب: أن ما جرى لهم يوم أحد ليس عذابا، بل شهادة. بدليل قوله تعالى: ... وتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) «٣» وقوله: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) «٤» وهي في شهداء أحد «٥»، ولئن كان قتل المؤمنين في سبيل الله عذابا فليكن قتل يحيى وزكريا «٦» وصلب المسيح عذابا، ونعم الله- سبحانه- على خلقه تارة تكون بأسباب سهلة كالأكل والشرب والنكاح. وتارة

تكون بأسباب شاقة كالشهادة والعبادات والرياضات. كما أن صحة البدن تارة تكون بتناول الأغذية والأشربة المستلذة وتارة بتناول الأدوية المستكرهة كالصّبر «١» ونحوه. قال:" وجاء في السير «٢» ": أن زينب بنت الحرث «٣» أهدت لمحمد شاة

مصلية وأكثرت من السم في الذراع، لأنه كان يحبها، فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور «١» فأساغ «٢» منها لقمة فهلك. ولفظ محمد لقمته. وقال:" إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم" وساق القصة. قال:" وقد كان/ هذا الموضع أحق المواضع بالمعجز، وأن يعلم بالحال فيجتنب الأكل ويخبر صاحبه. قال" وأما قوله: إن هذا العظم ليخبرني بأنه مسموم" فليس بصحيح لأنه إما أن يكون أخبره قبل أن يسيغ بشر لقمته أو بعد ذلك فإن كان الأول/ فلم لم يخبر بشرا حتى مات بأكلته. وإن كان الثاني فالمخبر له موت بشر في الحال وانزعاج روحه هو حين لاك اللقمة المسمومة وكانت سبب موته بدليل قوله: " ما زالت أكلة خيبر تعادني «٣» حتى كان هذا أوان قطعت أبهرى" «٤».

موت بشر في الحال وانزعاج روحه هو حين لاك اللقمة المسمومة وكانت سبب موته بدليل قوله: " ما زالت أكلة خيبر تعادني «٣» حتى كان هذا أوان قطعت أبهرى" «٤».

قلت: أما هذه القصة فصحيحة. وأما قوله هذا الوقت كان أحق بإظهار المعجز فقد بينا أن المعجز وجوده إلى الله لا إلى الأنبياء والله بالغ أمره بأسبابه، ثم هذا يرد عليكم في المسيح، حيث صلبه اليهود فإنكم زعمتم أنه كان إلها وأنه كان يزجر الريح فتسكن والبحر فيركد وكان يحيي الموتى ويستخفي عن أعين الناس إذا أراد، فلما صار في الخشبة صاح صيحة عظيمة وسلم الروح" وقد كان هذا الوقت أحق بإظهار المعجز. فإن قلتم كان ذلك باختياره. قلنا: هذا كذب، ومحال، فإن في الإنجيل «١» أنه جمع التلاميذ وصعد بهم إلى الجبل وقال: اسهروا معي الليلة لأسأل أبي أن يغير عني هذه الكأس. وسأل ذلك فلم يجب وجاء أعداؤه فأخذوه من هناك إلى حكم الموت. وأما إخبار العظم للنبي- ﵇ بأنه «٢» مسموم فهو حق كما أخبر، وماذا يستبعد منه وقد سبح في يديه الحصى «٣»، وحن إليه/ الجذع «٤»،/ وسلم

عليه الحجر «١»، وأطاعه الشجر «٢». قوله:" إما أن يكون أخبره قبل اساغة بشر لقمته أو بعدها". فجوابه من وجوه: أحدها: أن هذه قسمة غير حاصرة لجواز أنه أخبره بعد اساغة بشر لقمته، وقبل تغيره فإن السم بالغا ما بلغ ليس صاعقة تحرق بمجرد ملابستها «٣» الجسم بل لا بدّ من نفوذه إلى الروح ثم سريانه إلى القلب. الثاني: أنه من الجائز أن بشرا سبق بلقمته فابتلعها، ثم صبر على ما وجده من ألمها ظنا أن ذلك لعارض «٤» يزول «٥»، أو أن «٦» لقمته كانت من الموضع الذي سمه قليل، فإن في القصة أنها أكثرت السم في الذراع وسمت سائر الشاة فلم يحس به سريعا، وأن النبي- ﵇ اشتغل يأكل ولم يميز إلى بشر لما عرف من أدبه على الأكل أنه لا ينظر إلى جليسه فأخبره الذراع حينئذ، ثم ظهر بعد ذلك تأثير السم في بشر.

يعا، وأن النبي- ﵇ اشتغل يأكل ولم يميز إلى بشر لما عرف من أدبه على الأكل أنه لا ينظر إلى جليسه فأخبره الذراع حينئذ، ثم ظهر بعد ذلك تأثير السم في بشر.

الثالث: لو حملنا أخبار الذراع هاهنا على مجازه وهو الاستدلال بانزعاج الروح بالسم كما يقال:" أخبرني السيف بما لقي من الوقائع" استدلالا بفلول مضاربه على ذلك. و" أخبرني المنزل برحيل أهله منذ حين" لدروس رسمه، ونسخ الرياح آثاره- لما كان فيه محذور. فإن لمحمد- ﵇ من المعجزات المحققة ما يغنينا عن المنازعة في هذه. وحينئذ يكون الإخبار صحيحا بلا نزاع. قال:" فها نحن قد بينا لك بنص القرآن على طريق الاختصار أنه لم يأت بمعجزة وتبين ذلك من الحديث الصحيح عندهم" وذكر حديث مسلم: «ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي/ من الآيات ما آمن على مثله البشر/ وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحى الله إلى وأرجوا أن أكون «١» أكثرهم تابعا يوم القيامة «٢» ". قال:" فمن حاول التعصب له، ورام الانتصار بشهوة نفسه بالتمسك بنقل الآحاد للمعجزات المردودة عند علماء المسلمين فقال: إنه فعل وصنع شيئا من المعجزات، فهو مكذب لقرآنه، وحديثه الصحيح.

قال:" وقوله في الحديث:" إني لأرجو «١» أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" مسلم له. فإن جميع أهل الباطل والكذب متبعوه إلى جهنم يوم القيامة. وأهل الحق الذين هم قليلون بالنسبة إلى هؤلاء يتبعون سيدنا المسيح إلى الحياة الدائمة"./ قلت: قوله:؛ قد بينا بنص القرآن أنه لم يأت بمعجز" قد بينا لمن أنصف أنه لم يبين شيئا من ذلك. وإنما مادة كلامه أمران: هوى وقصر باع في العلم وسوء فهم. وأما قوله في حديث مسلم:" وإنما كان الذي أوتيته وحيا" فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن هذا الحديث قاله في أول الإسلام قبل تكامل معجزاته. الثاني: أن الأصوليين اختلفوا في" إنما" هل تقتضي الحصر أم لا؟. بل الإثبات المؤكد وهو الذي يدل عليه الدليل، وحينئذ لا يفيد هذا الحديث انحصار معجزه في القرآن «٢» على أنه لو أفاد

لكان فيه كفاية «١»، كما سنبين «٢». فتقدير الكلام إذن: وأن الذي أوتيته كان وحيا، وإنما خصه بالذكر لأنه أول ما ظهر على يديه ورأى بسببه الملائكة، وهو قديم على أصل أهل السنة «٣» وسائر معجزات الأنبياء مخلوقة، وهو المتواتر اللفظي، فلهذه الخصائص خصه بالذكر.

وقوله:/" فمن حاول التعصب له بالتمسك بنقل الآحاد للمعجزات المردودة عند علماء المسلمين [فقال: إنه فعل وصنع فهو مكذب لقرآنه «١» وحديثه الصحيح. فجوابه: أنا قد بينا أن القرآن والحديث الصحيح لا يد لان على أنه لم يأت بمعجز. وأما قوله:" نقل الآحاد المردودة «٢» عند علماء المسلمين"] «٣» فهذا عدم علم بأصول المسلمين واصطلاحهم في دينهم، فيحتاج أن «٤» نشرح ذلك بيّنا، ليعرفه من وقف عليه ممن لم يعرفه. فنقول: اعلم أن الخبر إما متواتر أو آحاد والمتواتر لفظي «٥» أو معنوي. فالمتواتر هو: الخبر الّذي ينقله عدد لا يتواطأ مثلهم على الكذب لكثرتهم عن مثلهم عن مثلهم إلى محل صدوره، يستوي طرفاه وواسطته في ذلك، ويستند في أصله إلى حس، لا إلى نظر، واللفظي منه: ما كان الاتفاق فيه على قضية واحدة معينة" يخبر بها هؤلاء القوم بالشرط المذكور، كطوفان نوح، وإغراق «٦» فرعون. وقلب «٧» عصا موسى حية، وإحياء المسيح الموتى «٨». وقول محمد: إني

قضية واحدة معينة" يخبر بها هؤلاء القوم بالشرط المذكور، كطوفان نوح، وإغراق «٦» فرعون. وقلب «٧» عصا موسى حية، وإحياء المسيح الموتى «٨». وقول محمد: إني

رسول الله، وتحديه العرب بالقرآن، ونحو ذلك. والمعنوي: ما كان إخبار المخبرين فيه عن عدة «١» قضايا جزئية تشترك في كلي واحد، كسخاء حاتم «٢»، وشجاعة علي. فإن التواتر لم يوجد في قضية واحدة/ من مكارم حاتم، ولا من شجاعة علي. بل نقل قوم: أن حاتما وهب يوما فرسا ويوما قطعة إبل، ويوما قطيع غنم، ويوما باع نفسه ببعيرين نحرهما لضيفه. في قضايا كثيرة/ حصل التواتر بمجموعها لا بواحدة منها. وكذلك في شجاعة" علي": صح عنه أنه كان يوم بدر أول مبارز «٣». ويوم أحد أول مقاتل «٤»، ويوم الخندق بارز

عمرا «١»، وقد نكل عنه الناس، ويوم خيبر/ خصه النبي- ﷺ «٢» بالراية، بعد رجوع الشيخين بها «٣» لم يفتح عليهما، فقتل مرحبا «٤» في

جماعة، من اليهود «١»، وكان الفتح على يده «٢»: وفي يوم حنين قتل ذا الخمار برازا «٣». وفر الناس عن النبي- ﵇ فلم يبق معه إلا هو «٤» سابع سبعة «٥»، وأنه لم يرجع عن مقبل، ولا تبع مدبرا ونحو ذلك مما حصل بمجموعه العلم بشجاعته. وإن شئت فسم الأول تواترا منفردا «٦» والثاني تواترا مركبا، أعني من

مجموع قضايا. وإن شئت سم الأول كليا، والثاني جزئيا لا حجر في شيء من ذلك «١». وأما الآحاد: فما رواه العدل الضابط عن مثله عن مثله «٢» إلى محل صدوره، ثم ينقسم إلى مستفيض وغيره، فالمستفيض أعلى من الآحادي، ودون التواتر «٣».

فإذا عرفت هذا فمعجزات النبي ﷺ متواترة «١». لكن القرآن تواتره لفظي: وما عداه منها تواتره معنوي، على ما بينا وسنبين، بضرب المثال وحينئذ يتبين أن قوله:" إن «٢» ما عدا القرآن من معجزاته آحاد مردودة، عند علماء المسلمين" كلام شخص غير محصل وإنما المردود عندهم هو إخبار الواحد عن الواحد أو الاثنين «٣» في قضية واحدة فهذا يوجب العمل، ولا يفيد العلم، ولا يثبت به أصل من أصول الشريعة ولا يرد به عليها «٤» قدح «٥».

و إخبار الواحد عن الواحد أو الاثنين «٣» في قضية واحدة فهذا يوجب العمل، ولا يفيد العلم، ولا يثبت به أصل من أصول الشريعة ولا يرد به عليها «٤» قدح «٥».

وقد بينا- فيما سبق «١» - أن جميع ما أورده هذا الخصم من أخبار «٢» الآحاد التي زعمها قادحة في الشريعة لا ترد علينا ولا يلزمنا الجواب عنها، وإنما أجبنا عنها في أماكنها تبرعا. إذا عرفت هذا. فالقرآن معجز ثابت بالتواتر اللفظي، كما سنبين، وباقي المعجزات بالتواتر المعنوي. وقد صنف الناس فيها كتبا ضخمة كالشفاء للقاضي/ عياض، والوفاء بفضائل المصطفى، لأبي الفرج ابن الجوزي «٣»، ودلائل النبوة، للبيهقي «٤»، والبشر بخير البشر، لابن ظفر «٥». ورأيت لبعض المغاربة: دلائل النبوة ومعجزاتها عشر مجلدات، وغير ذلك مما لم أقف عليه كثير. وإنما أذكر منها هنا جملة منبهة على غيرها: فمنها: ما أخرجاه/ في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين حتى نظروا إليه فقال رسول الله ﷺ «٦»: اشهدوا. والروايات بانشقاق القمر في الصحيح عن ابن عمر، وابن عباس وأنس «٧».

ومنها: ما روى جابر بن سمرة «١». قال: قال رسول الله ﷺ: إن بمكة حجرا كان يسلم عليّ ليالي بعثت إني لأعرفه الآن. رواه مسلم «٢» والترمذي «٣» وقال: حسن غريب. ومنها: ما روى علي بن أبي طالب قال:" كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله" رواه الترمذي «٤». وقال: حديث غريب. ومنها: ما روى أنس/ أن رسول الله ﷺ خطب إلى لزق «٥» جذع، واتخذوا له منبرا، فخطب عليه، فحن الجذع حنين الناقة، فنزل النبي ﷺ فمسكه «٦»

فسكن". رواه الترمذي «١» وقال:" حسن صحيح"، ورواه أحمد «٢» والبخاري بألفاظ متعددة «٣». ومنها: ما روى ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بم «٤» أعرف أنك نبي؟ قال: «إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله؟ فدعاه «٥» رسول الله- ﷺ «٦» فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ، ثم قال له:" ارجع، فعاد. فأسلم الأعرابي. رواه/ الترمذي «٧» وقال:" حسن صحيح «٨» " والعذق: شمراخ النخل الذي فيه الرطب «٩».

ومنها ما روى يعلى بن مرة «١» قال: خرجت مع النبي- ﷺ «٢» ذات يوم إلى الجبانة «٣»، حتى إذا أبرزنا «٤»، قال: انظر ويحك «٥» هل ترى من شيء يواريني «٦» "؟ قلت: ما أرى شيئا يواريك «٧» إلا شجرة، ما أراها

تواريك قال:؛ فما قربها «١»؟ " قلت: شجرة مثلها أو قريب منها. قال: فاذهب إليهما فقل: إن رسول الله- ﷺ «٢» يأمركما أن تجتمعا بإذن الله" قال: فاجتمعنا، فبرز لحاجته ثم رجع فقال:" اذهب إليهما فقل لهما" إن رسول الله يأمركما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها فرجعت «٣». قال: وكنت معه ذات يوم جالسا إذ جاء جمل يخب حتى برك بين يديه ثم ذرفت «٤» عيناه فقال:" ويحك انظر لمن هذا الجمل إن له لشأنا"/ قال: فسألت فوجدته «٥» لرجل من الأنصار، فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا؟ قال: لا أدري، عملنا «٦» عليه ونضحنا عليه «٧» حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه قال:" فلا تفعل هبة لي، أو بعنيه" قال «٨»: بل هو لك يا

ا أدري، عملنا «٦» عليه ونضحنا عليه «٧» حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه قال:" فلا تفعل هبة لي، أو بعنيه" قال «٨»: بل هو لك يا

رسول الله. قال: فوسمه بسمة الصدقة «١» ثم بعث به «٢». ومنها: أنه صح أن قتادة بن النعمان قلعت عينه في حرب فقال: يا رسول الله إن لي امرأة وأنا أحبها وأخاف أن تبغضني لعوري أو كما قال «٣»، وكانت قد سالت على خده. فأعادها النبي ﷺ إلى مكانها فكانت أحسن عينيه بعد «٤». وروى البكري «٥» في سيرته: أن جابر بن عبد الله الأنصاري دعا النبي ﷺ إلى بيته في حفر «٦» الخندق" وقد ذبح له شاة وطبخها وكان له ابنان صغيران،/

فقال أحدهما للآخر: قم حتى أفعل بك، كما فعل أبونا بالشاة، فذبحه ثم جاء «١» ليجعله في التنور، وهو مسجور، فوقع الآخر على رأسه فيه فاحترق، فوقع الصائح في دار جابر. فأخبر النبي بذلك فدعا بهما، فشملهما بكساء أو نحوه، ثم توضأ وصلى ودعا الله، فقاما حيين «٢». إلا أن هذا لم يثبت ثبوت غيره من الخوارق «٣». ومنها: أنه- ﵇ يوم حنين لما ولى أصحابه نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال:" شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله. وقسم رسول الله غنائمهم «٤» بين المسلمين" رواه مسلم «٥»./

وفي بعض الروايات أنه قال لبغلته: الصقي بالأرض فلصقت، فأخذ ترابا ثم قامت. وهذا لا ينافي قوله في رواية مسلم: نزل عن البغلة، لأنها لما لصقت بالأرض صار كالنازل عنها بالأرض، فشبه على الراوي فظنه نزولا حقيقيا خصوصا في ذلك الوقت الذي تشتبه الحقائق فيه على الإنسان لاشتغاله بالحرب والقتال «١». ومنها: قوله لأصحابه:" إني لأراكم من وراء ظهري «٢» ". ومنها: ما تواتر عنه من نبع «٣» الماء من بين أصابعه كالعيون في مرات كثيرة يطول- عليّ- ذكرها «٤». ومنها: ما أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال: كنا مع

ما تواتر عنه من نبع «٣» الماء من بين أصابعه كالعيون في مرات كثيرة يطول- عليّ- ذكرها «٤». ومنها: ما أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال: كنا مع

النبي ﷺ في «١» مسير،/ فنفدت أزواد القوم، حتى هموا بنحر بعض جمالهم. فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها ففعل. قال: فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره، فدعا عليها/ حتى ملأ القوم أزودتهم. فقال عند ذلك:" أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما «٢» إلا دخل الجنة" «٣». وفي أفراده أيضا: من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله في غزاة فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمر نبي الله فجمعنا تزوادنا «٤» فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم «٥» فإذا هو كربضة العنز ونحن أربع

عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا .. «١» ". قلت: وهاتان قضيتان لوجهين: أحدهما: أن الحديث الأول كان بإشارة عمر، وهذا كان ابتداء من النبي- ﷺ «٢» على ظاهر الحديث. الثاني: أنه تبين في غير هذا الطريق أن إشارة عمر كانت «٣» في غزوة تبوك وكان عسكرهم فيها فوق ثلاثين ألفا «٤»، وهذا الحديث أخبر أنهم كانوا أربع عشرة مائة. إلى قضايا كثيرة غير «٥» هذه، حصل لنا من مجموعها العلم الجازم

بظهور الخارق المطلق على يديه، وإن لم يحصل العلم بوجود كل واحدة واحدة من هذه القضايا الجزئية بعينها، فهذا هو التواتر المعنوي. وهذا المذكور في إطعام الخلق الكثير من زاد قليل، أعظم مما حكاه النصارى في الإنجيل عن المسيح أنه أطعم أربعة آلاف رجل وامرأة من خمس خبزات وحوتين، وفضل اثنتا «١» عشرة سلة «٢»، لأن العسكر كان في تبوك فوق ثلاثين ألفا. فإن قيل: هذا إنما تواتر عند المسلمين، ولم يتواتر عندنا. قلنا: لا يخلوا إما أن تشترطوا في التواتر ما اشترطه اليهود من أن المخبرين به لا يجمعهم دين واحد أولا تشترطوا ذلك،/ فإن اشترطتموه لئلا يلزمكم تواتر هذه الخوارق لمحمد، لزمكم مثله لليهود فإنهم يقولون: ما تواترت عندنا خوارق المسيح. والنصارى متهمون. وإن لم تشترطوه فهذه خوارق قد تواترت عند المسلمين في شرق الأرض وغربها، فيلزمكم التصديق بها. ثم نفرض الكلام معكم في هذا الخارق الخاص: وهو إطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير. فنقول: كما لم يتواتر ذلك/ عندكم عن محمد، كذلك/ لم يتواتر عندنا عن المسيح، بل إنجيلكم رأيناه، فإن سلمتم سلمنا، وإن منعتم منعنا. فإن قلتم: نمنع وتمنعون، ثم نرجع إلى ما سلمتموه من إحياء الموتى ونحوه فأنتم إلى ماذا ترجعون؟.

ح، بل إنجيلكم رأيناه، فإن سلمتم سلمنا، وإن منعتم منعنا. فإن قلتم: نمنع وتمنعون، ثم نرجع إلى ما سلمتموه من إحياء الموتى ونحوه فأنتم إلى ماذا ترجعون؟.

قلنا: أما أولا «١»: فنحن ما سلمنا معجزات المسيح المطلق الذي تعتقدونه أنتم إلها أو ابن إله. وتعتقده اليهود: ابن يوسف النجار، أو لبغيّة «٢»، وإنما سلمنا معجزات المسيح، الذي بشر بمحمد وشهد له بالرسالة، وأمر من أدركه منكم باتباعه. أما مسيحكم «٣» الذي تعنونه فلا نسلم أنه كان له وجود فضلا عن أنه أتى بمعجز أو غيره «٤». ولو سلمنا ذلك لكم للزمنا أن نعتقد إلهيته كما اعتقدتم. وذلك خروج عن دين الإسلام والسلام. وأما ثانيا: فإنا نرجع إلى القرآن، وسنبين وجه كونه معجزا. وقوله:" إن أهل الباطل والكذب متبعوه إلى جهنم يوم القيامة".

قلنا: هذا سوء أدب لا يليق على عامة الناس، بل أشرافهم، فضلا عن الأنبياء أرباب الأديان العامة والنواميس المشهورة. ولكن هذا النصراني قد يعذر طبعا في هذا السفه، فإنه قد عاش في أرض الإسلام عمره ذليلا مهانا عليه الجزية، ملتزما أحكام الملة،/ لم يقدر على شفاء غيظ، ولا إراقة فيض، فشفى غيظه بالسفه خفية، كما قال بعضهم: " أوسعتهم سبا، وراحوا بالإبل «١» " وكما قالت العامة في المثل: ألستم في الهوى، والصفع في القفا؟ «٢» قوله:" وأهل الحق القليلون بالنسبة إلى هؤلاء يتبعون سيدنا المسيح إلى الحياة الدائمة". قلنا: هذا مستدرك من وجهين: أحدهما: قولك: إنكم قليلون بالنسبة إلى المسلمين. إن عنيت في دار

بالنسبة إلى هؤلاء يتبعون سيدنا المسيح إلى الحياة الدائمة". قلنا: هذا مستدرك من وجهين: أحدهما: قولك: إنكم قليلون بالنسبة إلى المسلمين. إن عنيت في دار

الإسلام فهو صحيح. لكن مرادك خلافه بمقتضى كلامك: يتبعون سيدنا المسيح، فإن هذا يعم- بزعمك- كل نصراني ينتحل دين المسيح، فيكون التهافت على هذا التقدير بين لفظك ومرادك. وإن عنيت مطلقا، فالنصارى أكثر الأمم فإنهم استقلوا بالبلاد الشامية «١»، وأطراف السواحل، وهم أهل الحبشة وملاكها، وبهم وبيأجوج ومأجوج «٢» تمتلئ جهنم إن شاء الله. الوجه الثاني: قولك:" سيدنا المسيح". من سيدك المسيح؟ لعمري إن مع التحقيق سيدك المسيح ضاع. لأن المسلمين قالوا: ما قتل ولا صلب، بل رفعه الله إليه. وأنتم تقولون: قتل وصلب ودفن وقام «٣» بعد ثلاث من الأموات، واليهود وافقوكم على صلبه، وخالفوكم في قيامه. فعلى قولهم سيدكم المسيح قد صار رميما، ثم إذا كان يوم القيامة كان لكم أشد

الناس خصما لكذبكم وافترائكم عليه واتخاذه إلها،/ ومخالفتكم لوصاياه من بعده. ثم يلزمه من هذا الكلام تناقض آخر: وهو أنه قد سبق منه انكار النعيم الحسي في الآخرة من الأكل والشرب والنكاح «١». ثم قد/ أثبت هاهنا جهنم، وذكرت في الإنجيل في مواضع كثيرة، تارة بلفظها وتارة بمعناها، فيقول:" هنالك تكون الظلمة، وصرير الأسنان «٢» " وهذا عذاب حسي. فالحكمة تقتضي اتحاد جنس الثواب والعذاب. فإما أن يكونا حسيين، وهو نقض لما سبق منه من إنكار النعيم الحسي، وإما عقليين، كما احتج عليه في طرف «٣» النعيم بقول" ابن سينا" في" الإشارات" فيلزمه أن يكون العذاب عقليا، كما قرره الفلاسفة. وفي ذلك ترك ما صرح به الإنجيل من العذاب الحسي.

[المعجزة الخالدة، والرد على النصراني في إنكاره إعجاز القرآن وبلاغته] قال:" وإذ فرغنا من الكلام في أنه لم يتحل بمعجزة قدمها بين يدي دعواه/ ولا أظهرها بعد ذلك، فلا متمسك لمنازع إلا أن يقول: القرآن معجزة لفصاحته". قال:" ولا حجة في ذلك، لأن الفصاحة هي التقرب من البغية، والتباعد من حشو الكلام. وقيل: دلالة اللفظ على المعنى بشرط إيضاح وجه المعنى «٤» ونظامه،

وقلة «١» الألفاظ واختصارها، وإذا تأملت جميع القرآن وجدت أكثر عباراته لا توضح وجه المعنى، ولا تتأتى معانيه على نظام مناسب «٢» والدليل على ذلك: أن المفسرين مع كثرة عددهم يفنون أعمارهم في الاختلاف في تأويله ويصنفون فيه التصانيف الطويلة، ويقع بينهم الشر والمخالفات، ولا ينفصلون عن معارك النزاع والتضاد في تفسيره، ويتفرقون فرقا ملقبة كالعلوية «٣» والبكرية «٤»،

والمعتزلة «١»، والأشعرية «٢»، وغيرهم من طوائف عديدة، يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا ويقبح قوم مذهب قوم ولا يقعون على تفسير يتفق أهل الملة بجملتهم عليه ولا شطرها ويكفيك في ذلك شهادة القرآن لما قلناه./ حيث يقول:" وما يعلم تأويله إلا الله «٣» ". قلت: قد بينا: أن محمدا ﷺ تحلى بالمعجزات. وأما القرآن فهو معجز عظيم لفصاحته، واشتماله على الأخبار بالغيوب، وإفحامه العرب العاربة «٤»: أهل الفصاحة. وأما ما ذكره من حد الفصاحة أولا، فهو جيد، وهو موجود في القرآن فإن معانيه إلى الفهم تسبق ألفاظه إلى السمع. وأما ما ذكره ثانيا ففاسد. لأنه لا خلاف عند أحد من العالم أن العرب كانوا فصحاء في نثرهم ونظامهم./ مع أن في كلامهم الفصيح ما هو مجمل لا يتضح فيه وجه المعنى.

ثم إنك أنت نصراني علج، أقلف اللسان، ما لك وللفصاحة، والبلاغة «١» لها قوم تكلموا فيها. فقالوا: الفصاحة: خلوص اللفظ من التعقيد، الموجب لقرب فهمه، ولذاذة «٢» استماعه. وذلك باشتماله على صفات ذكرت في مواضعها «٣»، والبلاغة: كون الكلام الفصيح موصلا للمتكلم إلى أقصى مراده «٤»، وقال أمير المؤمنين علي- ﵇: البلاغة: ما رضيته الخاصة، وفهمته العامة" «٥». وقال في لفظ آخر: البلاغة: أن تقول فلا تبطىء، وتصيب فلا تخطئ «٦» وهذا «٧» كله موجود في القرآن. وقوله:" عبارة القرآن لا توضح وجه المعنى، ولا تأتي على نظام مناسب. سوء فهم وقصور في النظر «٨»، ويكفي في بطلان قوله أن عامة الناس وخاصتهم يفهمونه إذا سمعوه «٩».

ارة القرآن لا توضح وجه المعنى، ولا تأتي على نظام مناسب. سوء فهم وقصور في النظر «٨»، ويكفي في بطلان قوله أن عامة الناس وخاصتهم يفهمونه إذا سمعوه «٩».

وأما اختلاف المفسرين في بعضه فليس لما «١» ذكر، بل تارة للخلاف في أسبابه، وتارة لاختلاف مذاهبهم، فيطلبون تأويله عليها، وتارة لإجمال في ألفاظه/ وذلك من وجوه إعجازه حيث كان فصيحا، بالنسبة إلى كل قوم يفهمون منه ما يدعونه، وليس من شرط الفصاحة النصوصية على المراد ألا ترى إلى شعر امرئ القيس «٢» ونحوه من الشعراء الجاهلين، لا خلاف في فصاحته مع كثرة احتمالاته واجمالاته «٣». وأما تكفير بعض الطوائف بعضا «٤» فليس سببه اشتباه القرآن، بل ذلك لمواد عقلية وفلسفية دخيلة على الإسلام، كما عرف من مذهب المعتزلة ونحوهم. وأما قوله:" لم يتفقوا على تفسير شيء منه" فباطل. بل قد اتفقوا على كثير منه، والخلاف فيما اختلفوا فيه منه، ليس لأمر عائد إلى لفظه ولا بدّ بل وإلى أمور خارجة.

وبالجملة فإن توقف الأمر معك على ثبوت فصاحة القرآن، استرحنا لأن الفصاحة يرجع فيها إلى أهلها. وقد اتفقوا على فصاحته./ وقوله:" وما يعلم تأويله إلا الله" ليس في جميع القرآن. كيف؟ وقد ادعى أن الناس صنفوا في تأويله التصانيف الكثيرة. وهل يصنف أحد فيما لا يعلمه؟ وإنما ذلك في ما تشابه منه حيث قال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ... (٧) «١». يعنى تأويل المتشابه «٢». اتفق العلماء على أن هذا مراده.

ثم إن ما ذكره في القرآن والمسلمين لازم عليه في الإنجيل والنصارى. فإن في الإنجيل إجمالات كثيرة تتوجه إليها الاحتمالات،/ ولذلك اختلفت النصارى حتى كانوا يعقوبية «١»، وملكانية «٢» ونسطورية «٣»، وغير ذلك، يكفر بعضهم بعضا.

في الإنجيل إجمالات كثيرة تتوجه إليها الاحتمالات،/ ولذلك اختلفت النصارى حتى كانوا يعقوبية «١»، وملكانية «٢» ونسطورية «٣»، وغير ذلك، يكفر بعضهم بعضا.

قال:" ووجدت أيضا ألفاظه قليلة الاختصار، كثيرة التكرار في إيراده القصص وغير ذلك كسورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١)، وسورة الرَّحْمنُ فإنك تجد فيها ما يعنيك وتقمع به معاديك". قلت: هذا كلام من لا يعلم، وهو جدير أن يتعلم ثم يتكلم «١». أما تكرار القصص فله فائدتان: إحداهما: أن القرآن كان ينزل شيئا فشيئا «٢»، ويحتاج أن يحمل إلى أقطار الأرض لينتفع الناس بما فيه من أمر ونهي، ووعد ووعيد، ووعظ وأخبار ونحوه وكان المهم دعاءهم إلى الإسلام، وذلك بترهيبهم مما جرى لمخالفين من الأمم قبلهم وترغيبهم فيما فاز به المؤمنون، فكررت القصص وكانت مختلفة الألفاظ ليتفرق في البلاد كذلك، فيسمعها الناس في الأقطار وتكون باختلاف ألفاظها ادعى إلى القبول، لأن النفوس مشغوفة بمعاداة المعادات، كما قد أنكرت أنت التكرار.

الفائدة الثانية: أن إعادة القصة الطويلة في مواضع مع اتحاد معناها، واختلاف لفظها طولا وقصرا، أدل على الإعجاز وقدرة المتكلم على الكلام. وأما ما ذكر من التكرار في بقية السور، فالقول المفصل فيه قد ذكرته في" الاكسير" مستوفى «١»، وذكره الناس كثيرا، فلا يخف علي ذكره «٢» هنا. ولكن أذكر فيه قولا مجملا، وهو أن التكرار كما يستغنى عنه في بعض المواطن قد يحتاج إليه في بعضها للتأكيد والتقرير والتنبيه على الاهتمام بالأمر،/ فيكون تركه، حيث ينبغي كذكره حيث لا ينبغي. والله أعلم. قال:" ونجده أيضا غير خارج على نظام متناسب كقوله في سورة النساء: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ... (٣) «٣». قال:" ولا مناسبة بين العدل في اليتامى «٤»، وبين نكاح النساء، ولهذا وغيره يتبين أنه كلام منثور، لا نظام له، ولا تأليف".

قلت: هذا الخصم معذور في استشكاله هذا الكلام، لأنه من/ المشكلات التي تخفى على كثير من علماء الإسلام، لكنه ملوم في إيراده طعنا على القرآن قبل أن يبحث هل له محمل على الصواب أم لا؟ ولا شك أن العلماء ذكروا لارتباط بعض هذا الكلام ببعض وجوها صحيحة مناسبة: أحدها: ما روي عن عائشة أنها قالت: نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها فينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن حتى يقسطوا في الصداق، وأمروا أن ينكحوا من شاءوا من النساء غيرهن" «١». الثاني: ما روي عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية/ يتزوج العشر من النساء فما زاد، فإذا أعدم مال على مال اليتيم فأنفقه، فأمروا بالاقتصار على العدد الخاص لئلا يحتاجوا إلى الميل على مال اليتيم «٢». الثالث: ما روي عن سعيد بن جبير «٣» أنه قال: كانوا يخافون ألا يقسطوا

في اليتامى، ويتحرجون من ذلك، فنزلت الآية ومعناها: خافوا من عدم القسط في/ النساء ما خفتم منه في اليتامى «١». قلت: هو من باب قوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله «٢» ... ... ...

من ذلك، فنزلت الآية ومعناها: خافوا من عدم القسط في/ النساء ما خفتم منه في اليتامى «١». قلت: هو من باب قوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله «٢» ... ... ...

أي لا تتحرجوا من الجور على اليتامى، وتجورون على النساء، فهو كما تقول لصاحبك: إن كنت تخشى الله في ظلم زيد، فلا تظلم عمرا. وإن تحرجت من أخذ أموال الناس، فلا تأخذ أعراضهم. كذلك هذا. الرابع: ما ذكره الحسن البصري، وهو أن معنى الكلام: إن تحرجتم من الميل على اليتامى فتحرجوا من الزنا بنكاح ما أحل الله لكم من امرأة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع، لتقمعوا داعية الزنا الحرام بالنكاح الحلال «١». قلت: والمعنى، لا تتحرجوا عن معصية، وتواقعوا أخرى، فتكونوا كالذي تسامح في الزنا، وتحرج من العزل، أو ترك الغسل. فهذه أربعة أوجه محتملة احتمالا ظاهرا مناسبة «٢» مناسبة صحيحة معقولة فالمبادهة بإنكار ما له هذا التوجيه، قبل استيفاء النظر فيه إما جهل أو عناد، والله أعلم. وقد استقريت الأناجيل الأربعة، وأوردت عليها من الأسئلة ما لا أظن أن على وجه الأرض نصرانيا يقدر على أن يجيب عن شيء منها بمثل هذه

الأجوبة «١» عن آية النساء، فضلا عن أوضح منها. فإن لزم بذلك الطعن على القرآن فهو على الإنجيل ألزم. قال:" ثم هو متناقض. ينقض بعضه بعضا، ولكن مع وقوفك على هذا الإلماع «٢» تقول:/ أي جهل أعظم من جهل من ادعى أن إعجاز هذا الكتاب في إثبات النبوة كانقلاب الجماد حيوانا «٣»، والبحر يبسا «٤»، والحجر الصلد عينا لموسى «٥» وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص للمسيح «٦». إن هذا لجاهل مائق". قلت:/ أما دعواه التناقض في القرآن، فوهم، وقد أورد الزنادقة صورا كثيرة ظنوها تناقضا، فأجيبوا عنها.

راء الأكمه والأبرص للمسيح «٦». إن هذا لجاهل مائق". قلت:/ أما دعواه التناقض في القرآن، فوهم، وقد أورد الزنادقة صورا كثيرة ظنوها تناقضا، فأجيبوا عنها.

صنف في ذلك الإمام أحمد وغيره «١»، فمن جملتها: قوله «٢»: ... إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) «٣» مع قوله: وأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) «٤». قالوا: هذا تناقض، وذلك جهل منهم لأنه يقال في لغة العرب: أقسط فهو مقسط إذا عدل، وقسط فهو قاسط إذا جار، وهذا يكفي في السخرية بهم «٥». وأما هذا الخصم فما أورد شيئا من التناقض حتى نجيبه عليه. وأما قوله:" إن إعجاز هذا الكتاب لا يساوي إعجاز بقية المعجزات لموسى وعيسى". فنقول له: قد بينا لك أول الكتاب: أن المعجز هو الأمر الممكن الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارضة «٦»، والقرآن يشارك جميع

المعجزات في هذا، لأنه كما عجز فرعون عن قلب عصا حية حتى عدل إلى تجييش الجيوش وإيقاد الحرب، كذلك العرب عجزت عن معارضة القرآن بعد أن تحداهم بمثله «١»، ثم خفف عنهم فتحداهم بعشر سور مثله «٢»، ثم خفف عنهم فقال بسورة من مثله «٣» وينزل معهم هذا التنزيل، فعدلت إلى الحرب، والتحام الطعن، والضرب، وزاد القرآن على ما ذكرتم/ من المعجزات بوجهين: أحدهما: أنه صفة قديمة من صفات الله تعالى «٤»، وتلك المعجزات محدثة بلا خلاف ولو لم يكن إلا وقوع الخلاف في قدم القرآن وحدوثه بين المسلمين لكان له مزية على سائر المعجزات.

الثاني: أنه كلام بريء من «١» أن ينسب إلى أنه سحر، لأنا لم نعلم أن السحر كلام قط. نعم يكون بالكلام،/ فلا يلتبس عليك، وإنما عرفنا السحر أفعالا محسوسة، فتطرق نسبة السحر إلى ما أتى به موسى وعيسى أقرب من تطرقها إلى ما أتى به محمد، ولهذا قال فرعون:" إن هذا لساحر عليم" «٢» وفي موضع: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «٣» وفي موضع: قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا ... (٤٨) «٤» يعني موسى وهارون «٥» وقالوا للسحرة حين اعترفوا بالغلبة: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ «٦» وكان أكثر السحرة من بني إسرائيل فنسبوهم/ إلى مواطأته،

لكونه منهم، وإنما يظهر الفرق بين القرآن وغيره من المعجزات «١» من حيث أنه مسموع وهي مبصرة على حسب «٢» التفاوت بين المسموعات والمبصرات، وذلك لا تأثير له في حقيقة الإعجاز «٣». والسبب الموجب لهذا التفاوت: هو أن الله- سبحانه- أرسل كلا من رسله، بما كان غالبا على قومه تحقيقا لإعجازهم، فبعث موسى إلى قوم مهروا في السحر، فأعجزهم بالعصا ونحوها، والمسيح إلى قوم أهل كهانة وطب وحكمة فأعجزهم بما أيده به، وصالحا إلى قوم أهل إبل فأعجزهم بناقة خرجت من جبل «٤». فكذلك لما أرسل محمدا إلى قوم أهل فصاحة يعدون الفصاحة والخطابة من أكبر مآثرهم، ويتنافسون فيها، وكانت الفصاحة بعيدة عن نسبة السحر، بعثه بالقرآن الفصيح، ويكفي الطاعن في فصاحة القرآن بعد عجز العرب عن معارضته: أن" الوليد بن المغيرة" حكيم قريش وفيلسوفها «٥» لما سمعه أنصت له ثم استعاده فأعيد عليه.

Bagian 8 dari 25