الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الطوفي (w. 716 H).

Bagian 9 dari 25 943 halaman

— Bagian 9 · لفصيح، ويكفي الطاعن في فصاحة القرآن بعد عجز العر… —

Bagian 9

لفصيح، ويكفي الطاعن في فصاحة القرآن بعد عجز العرب عن معارضته: أن" الوليد بن المغيرة" حكيم قريش وفيلسوفها «٥» لما سمعه أنصت له ثم استعاده فأعيد عليه.

ثم قال: والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، ولقد سمعنا ذلك كله وما هو بشيء منه، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر، ثم قال له الكفار: فما ترى أن تقول فيه؟ قال: قولوا: إنه ساحر. فأنزل الله- سبحانه- «١»: ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) إلى قوله: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) «٢». قال:" وإن بقي التباس في هذا على مسكين ناقص الفطرة. قلنا له: تعال نفرض أن القرآن فصيح. لا تكرار فيه ولا تناقض، وأنه جار على نظام واحد في معانيه، ونجعل ذلك إعجازا له، أليس من شرط المعجز أن يكون من غير جنس الأفعال المعتادة؟ إذ هو كلام لا يفضل جميع الكلام، وإنما يختلف بالأقل والأكثر، وتقع فيه المماثلة والمفاضلة فهو جنس واحد، وبحسب التفاضل بينه وبين كلام سائر الخطباء والبلغاء من العرب والمجيدين تتوزع النبوة على كل فصيح بليغ بمرتبة من الفصاحة فينال من النبوة ما تستوجبه فصاحته. قلت: الجواب عن هذا: أما أولا: فإنه ناقض في كلامه. لأنه طلب شرط الإعجاز على تقدير ثبوت الإعجاز، والمشروط لا يثبت إلا بعد تكامل شروطه. فمن هذه الحيثية يلزم وجود

ب عن هذا: أما أولا: فإنه ناقض في كلامه. لأنه طلب شرط الإعجاز على تقدير ثبوت الإعجاز، والمشروط لا يثبت إلا بعد تكامل شروطه. فمن هذه الحيثية يلزم وجود

شرطه، ومن حيث طلب شرطه. يلزم/ أن شرطه لم يوجد، وذلك تناقض لا محالة. لكن لا يستبعد مثل هذا ممن يقول: إن الله هو المسيح، وأنه في السماء/ حالة كونه في الأرض. وأما ثانيا: فقوله:" شرط المعجز أن يكون من غير جنس الأفعال المعتادة" فجوابه من وجهين: أحدهما: أنا نقول: من شرط هذا الشرط؟ ومن سلمه لك؟ أنت شرطته وبحثته مع نفسك تقريرا لعنادك وهواك، وفساد دعواك. ونحن قد بينا آنفا وفي مقدمة الكتاب، حيث ذكرت أن الذي اتفق عليه/ المحققون في المعجز: أنه الأمر الممكن الخارق للعادة المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارض. وبينا ما فيه من القيود والاحترازات وبينا أنه موجود في القرآن. الثاني: أن الإعجاز بالمعتاد أبلغ من الإعجاز بغير المعتاد بالضرورة لأنه إذا عجز عما هو من عادته، وهو متدرب فيه عارف بأصوله وقواعده، فهو عمالا أنسة له به أعجز «١»، وذلك كما إذا قيل للنجار: اعمل مثل هذا الباب. فلم يقدر.

فإنا نعلم بالضرورة أنه عن صناعة الزركش «١»، وخياطة الثياب الرفيعة، ونسخ الخط المحرر، إذا لم يكن ذلك من صناعته أعجز، وأعجز. ولهذا لما تحداهم بسورة منه فعجزوا. دل على أنهم عن معارضة سورتين فأكثر أعجز. وأما ثالثا: فقوله:" هو كلام لا يفضل جميع الكلام فهو جنس واحد" قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: لا نسلم أنه لا يفضل جميع الكلام، بل يفضله بخصيصة الإعجاز كما بينا وذلك مدرك بالحس والاستدلال. أما الحس فإن كل من سمعه يحس من نفسه إدراك أنه ليس بكلام «٢» آدمي، وأما الاستدلال فبعجز «٣» العرب عن معارضته.

از كما بينا وذلك مدرك بالحس والاستدلال. أما الحس فإن كل من سمعه يحس من نفسه إدراك أنه ليس بكلام «٢» آدمي، وأما الاستدلال فبعجز «٣» العرب عن معارضته.

الوجه الثاني: إن سلمنا أنه مع الكلام جنس واحد. فكذلك قلب العصا، وإحياء الموتى مع جنس الفعل جنس واحد، وإنما اختصا «١» عليه بخصيصة الإعجاز كذلك القرآن. والله أعلم. وأما رابعا: فقوله:" تتوزع النبوة على كل فصيح بليغ بمرتبته من الفصاحة فينال من النبوة ما يستوجبه". جوابه من وجوه: أحدها: أنا لا نسلم إيجاد الجنس في القرآن وسائر الكلام/ لأن هذا صفة الإله القديم «٢» وذاك صفة المخلوق المحدث،/ وإنما يطلق عليها كلام، وكلام. كما يطلق على الباري- سبحانه- وما سواه «٣» موجود وموجود، وحينئذ لا يلزم التماثل فلا يلزم التوزيع.

الثاني: أن المسيح عندكم إله، أو ابن الإله، وأجمعنا على أن الأنبياء شاركوه «١» في جنس الخارق فلزمكم على «٢» هذا المساق أن توزعوا الإلهية أو البنوة عليه وعليهم فيحصل لكل نبي قسط من الإلهية، أو بنوة الإله في مقابلة قسط من ظهور الخارق على يديه. الثالث: أن آدم شارك المسيح في أنه ليس من بشر ذكر، وسائر بني آدم شاركوه في أنهم من أم. فيجب أن توزع الإلهية أو البنوة بينهم فيحصل لكل من بني آدم منها بحسب ما شاركه فيه. الرابع: أن إعجاز القرآن ليس بمجموع مفهوم الفصاحة، ولا بالقدر المشترك منها بينه وبين سائر الكلام وإنما إعجازه بفصاحته/ الخاصة به، وهي القدر الزائد على نهاية فصاحة البشر، وذلك ليس مشتركا بينه وبين غيره حتى يتجه التوزيع في النبوة بحسبه، وهذا كما تقولون أنتم: إن خصوصية المسيح على سائر الأنبياء هو اتحاد كلمة الله به أو ظهور اللاهوت في ناسوته، وليس ذلك لأحد غيره «٣».

قال:" فإن «١» قلت: إعجازه من جهة أنه لم يعارضه أحد من الناس ولم يأت بسورة من مثله. قلنا: إن محمدا لم يقل للناس في قرآنه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ... (٨٨) «٢» وقوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ... (٢٣) «٣»: إلا بعد أن تأسست رئاسته، وظهر سلطانه فمن كان يقدم على معارضته وأسيافه تقطر دما؟ ولذلك لما شرع النضر بن الحرث في معارضته أنهض إليه علي بن/ أبي طالب فقتله شر قتلة «٤». وأما بعد موته فالحماية عنه بسيوف ملوك المسلمين عظيمة لا يقدم أحد معها

على ذلك، وقد عارضه أبو العلاء المعري «١»، والعنسي «٢» بعد موته عارضه ومن معارضته له:" إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وهاجر، ولا تطع كل كافر وساحر" ولأجل ذلك صلب على العود. وقيل له، وهو/ في الصلب:" إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على العود، وأنا ضامن عنك أن لا تعود" «٣».

اجر، ولا تطع كل كافر وساحر" ولأجل ذلك صلب على العود. وقيل له، وهو/ في الصلب:" إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على العود، وأنا ضامن عنك أن لا تعود" «٣».

قلت: الجواب عن هذا: أما قوله:" إن محمدا لم يتحد الناس بالقرآن إلا بعد تأسيس رئاسته فلم يقدم أحد على معارضته" فهو كذب وافتراء، بل هذه سورة البقرة من أوائل ما نزل من القرآن، وفي أولها «١»: وإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ... (٢٣) إلى قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا ... (٢٤) «٢» وتلا حم السجدة على" عتبة بن ربيعة" «٣» حتى بلغ قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ (١٣) «٤» فقال له «٥»: حسبك يا ابن أخي. نشدتك الله والرحم إلا سكت، ثم رجع إلى أصحابه، وكانوا بعثوه إليه. ليستنزله عما يقول، فقالوا: نقسم بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي فارقكم به، وكان ذلك

انبهارا منه بالقرآن، وخشية أن تأخذه الصاعقة «١». وسمعه الوليد بن المغيرة يقرأ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسانِ «٢» الآية فقال فيه ما قدمنا ذكره «٣». وقال: وما هو قول بشر، وكلهم كانوا يعرفون عجزهم عن مثله. وهو بينهم وحيد مستضعف، حتى إنهم أخرجوه إلى الطائف، ثم عاد فاستجار بالمطعم بن عدي «٤»، حتى بلّغ القرآن، وكان يقول:" من يمنعني/ من قريش. فإنهم قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"؟ «٥».

فلو أمكنهم معارضته لما كان لهم منه مانع. ثم سلمنا أنه لم يتحدّ به إلا بعد ظهور سلطانه فقد كانت طوائف العرب كثيرة، وأكاسرة «١» الفرس وقياصرة الروم «٢» موجودين. فقد كان لمن له قوة المعارضة أن يأوى إلى منعه منهم، ثم يعارضه فإذا أتى بمثله بطل كونه معجزا، ثم كان من تابعه يتخلى عنه، ومن خالفه يشتد عليه حتى يؤول أمره إلى الانحلال والاضمحلال كما آل أمر" مسيلمة الكذاب" و" الأسود العنسي" و" طليحة الأسدي" «٣» والأنبياء الكذبة من بني إسرائيل وما رأينا الأمر كذلك. بل لم يزل الناس يدخلون في دينه حتى طبق المشرق والمغرب.

و" الأسود العنسي" و" طليحة الأسدي" «٣» والأنبياء الكذبة من بني إسرائيل وما رأينا الأمر كذلك. بل لم يزل الناس يدخلون في دينه حتى طبق المشرق والمغرب.

وأما قوله:" قتل النضر بن الحرث، حيث شرع في معارضته"/ فليس بصحيح أيضا، بل إنما قتله بعد أن أسره يوم بدر في جملة الكفار «١»، ولا شك أنه كان يرد على الفرس في بلادهم فحفظ شيئا من أخبار رستم «٢» "/ و" اسفنديار" «٣» فكان يقول لقريش أنا أحدثكم كما يحدثكم به محمد «٤»، ويحدثهم بذلك، وهو في عزة ومنعة من أهله بمكة قبل بدر بحين، ومحمد بينهم مستضعف فلو كان ما عنده مما يصلح معارضا لاستفاض واشتهر، وملأ البدو والحضر، ومع هذا فإنه أساء إلى النبي- ﵇ غير ذلك كثيرا «٥»، ثم لما

قتله وسمع ما قالت أخته" قتيلة بنت الحرث" «١» في مرثيته واستعطاف النبي عليه. قال:" لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته" «٢». وأما حماية ملوك المسلمين عنه، فلا تمنع من معارضته المعارضين لجواز أن يعارضوه سرا، ثم يموتوا فتظهر معارضتهم كما ظهرت معارضات/ المعري والمتنبي" «٣» وغيرهم من الزنادقة، بل هذا الخصم بعينه صنف هذا الكتاب في

الطعن على الإسلام مستخفيا، ثم إنه على طول الأيام ظهر ونوقض، وليس عند أحد من رؤساء الإسلام منه خبر حتى الآن. وهذا الكلام يحققه قول المسيح في الإنجيل:" ما من مكتوم إلا سيظهر ولا خفي إلا سيعلن" «١». وأما معارضة المعري وأضرابه من الزنادقة، فهي ركيكة تشبه لحاهم. ولو كانت مساوية للقرآن في صفاته لظهر لها عصابة من المسلمين ينصرونها ثم اختلفت كلمة الإسلام. كما أن مناقب أبي بكر وعلي لما كانا متساويين أو متقاربين اختلفت الأمة فيهما على قولين: أيهما أفضل؟ «٢» وفضائل

مروان بن الحكم «١» ومعاوية «٢» وعمرو بن العاص، بل سلمان «٣»، وعمار «٤»،

بل غالب الصحابة. لما لم تقارب مناقب هذين الرجلين لم تختلف الأمة فيهم «١» فكما أنه ليس كل فضيلة توجب النزاع في صاحبها وغيره. كذلك كل معارض لا يصلح أن يكون معارضا مفرقا للناس. وأيضا: فإن كل من عارض القرآن إنما سرق بعض ألفاظه، وتابع أسلوبه فلم يلحق به لأنه مادته، كما أن التلاميذ لما كانت مادتهم في التأبيد من جهة المسيح لم يفضلهم أحد عليه، ولم يسوهم به. وأما" العنسي" الذي صلب على العود فلا أحقق لفظه لأنه مشتبه الصورة في الكتاب الذي نقلت منه. فإن أراد الأسود العنسي- بعين مهملة ونون وسين مهملة- فذاك قتل غيلة «٢»، ولم/ نعلم أنه صلب، وإن أراد القيسي أو غيره من الألفاظ فلا نعلم من هو إلا أن «٣» يكون مسيلمة الكذاب، ولم نعلم أنه صلب أيضا، ومن قرآنه «٤»:" ضفدع بنت «٥» ضفدعين/. نقي كم «٦» تنقين. أعلاك في الماء

الألفاظ فلا نعلم من هو إلا أن «٣» يكون مسيلمة الكذاب، ولم نعلم أنه صلب أيضا، ومن قرآنه «٤»:" ضفدع بنت «٥» ضفدعين/. نقي كم «٦» تنقين. أعلاك في الماء

وأسفلك في الطين" «١»." والزارعات زرعا، فالحاصدات حصدا، ... فالطاحنات طحنا، فالخابزات خبزا، فالآكلات أكلا، فاللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون" «٢». وهذا مع كونه منسوجا على أسلوب سورة" والمرسلات عرفا" فهو ضحكة مثل قائله. وكذا قول القائل:" إنا أعطيناك الجماهر" وقول بعضهم:" إنا أعطيناك اللقلق، فصل لربك وازعق، إن شانئك هو الأبلق" فإن هذا منسوج على منوال: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١). ولقد عدم أهله من يضحك عليهم، فضحكوا على أنفسهم ولعمري إن قول القائل:" إنا أعطيناك العمود" إلخ خير وأفصح وأرشق من هذا كله وشعر الشعراء المجيدين كجرير «٣»

والفرزدق «١» وذي الرمة «٢»، ومن المحدثين أبو تمام «٣» والبحتري «٤» والمتنبّئ خير من هذه المعارضات/ بما لا يتناهى، وهي دون القرآن بما لا يتناهى، والله أعلم.

قال:" ومن لم يقنع بهذه الأدلة التي أوردناها، وبقي له نزاع أو جدل في شيء من دين محمد مع إيضاح فساده وبيانه وتمسك بعلاقة منازعه فهو كالحية قطع رأسها وبقي ذنبها يتحرك". قلت: قد بينا أن ما أورده شبه صادرة عن سوء فهم، وضيق علم، وأنها كحبل سحرة فرعون، وما تكلمنا به عليها كعصا موسى تلقف ما يأفكون.

سها وبقي ذنبها يتحرك". قلت: قد بينا أن ما أورده شبه صادرة عن سوء فهم، وضيق علم، وأنها كحبل سحرة فرعون، وما تكلمنا به عليها كعصا موسى تلقف ما يأفكون.

قال:" الشرط الرابع: حسن الشريعة والدين، وكمالهما «١» في الخير والفضل والمعدلة، وذلك أن يتضمن دينه حض الأمة على حب الله وتوحيده والعمل الصالح وحسن العبادة وموالاتهما،/ وأن يحب الإنسان لغيره ما يحب لنفسه. فلنختبر دين هذا الرجل هل هو موافق للدين الطبيعي المذكور وشرائع الله التي أرسل بها رسله كموسى وغيره؟ وهل هي جارية على هذا المنزع أم لا؟ ". قلت:/ أما هذه الخصال التي ذكرها فهي منصوص عليها وعلى غيرها من خصال الخير في دين الإسلام، والكتاب والسنة بها مملوءان، ولولا أن ذكر ذلك يستدعى كتبا ويخرجنا عما نحن بصدده من مناقضة هذا الخصم لذكرته. وأما قوله:" حض الأمة على حب الله وتوحيده" فهو تمويه وزور، أين النصراني من التوحيد مع قوله بالتثليث؟، أما اشتماله على مصالح العباد العامة والخاصة، الضروريات وغيرها، فأمر لا شك فيه، على ما أشرنا إليه في القاعدة الأولى من القواعد الفروعية في" القواعد الدمشقية".

[نسخ شريعة محمد- ﷺ لشرائع الأنبياء قبله] وأما شرائع الأنبياء المتقدمين. فأحكامها قسمان: ما ورد شرعنا بنسخه فليس حجة علينا، ولا شرعا لنا. وما لم يرد شرعنا بنسخه، فهل هو شرع لنا أم لا؟ فيه قولان للمسلمين «١».

ومن أصل شرعنا: جواز نسخ الشرائع بعضها ببعض، وأن شريعتنا ناسخة لما قبلها في الجملة. فمن نازعنا في جواز النسخ أو وقوعه أو شيء من أحكامه فقد بينه الأصوليون في كتب الأصول «١».

[تعدد الزوجات، والطلاق بين الإسلام والنصرانية] قال:" فرأيناه قد ذكر في سورة النساء: ... فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ... (٣) إلى قوله: .. أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ... «١» فأجاز نكاح أربع نسوة والتسري بملك اليمين إلى غير عدد محصور: على أي دين كن من الأديان وأن يطلق الرجل ما شاء ويستبدل ما شاء كذلك ما عاش". قلت:/ هذا نقل صحيح عن دين الإسلام. إلا قوله في ملك «٢» اليمين: " على أي دين كن من الأديان" فليس بجيد، بل إنما تباح الكتابية دون الوثنية والمجوسية ونحوهما. وإن كان قد ذهب إلى ذلك أحد من المسلمين فليس معتقدنا «٣».

قال:" ونبين بطلان هذا بحجج كثيرة: أولها: أن الله تعالى لم يعط آدم إلا زوجة واحدة وهي التي خلقها من الضلع ليتبين بذلك تأييد الصحبة والمحبة «١» بينهما كتأبيد المحبة بين أعضاء الجسد، ولهذا «٢» حكي عن آدم في التوراة أنه قال:" هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي سميت امرأة لأنها أخذت من المرء، فلذلك يترك الإنسان أباه وأمه ويلزم زوجته" «٣». وبهذا يتبين أنه بحسب الفطرة تكون واحدة لواحد، إذ لو كان في كثرة الزوجات فضيلة لكان/ آدم أولى بها، لأنه كان واحدا في العالم ليكثر نسله". قلت: أما كون آدم لم تكن له إلا زوجة واحدة،/ فلا يدل ذلك على وجوب الاقتصار على الواحدة. قوله:" لو كان في كثرة النساء فضيلة لكان أولى بها إذ كان مفردا وليكثر نسله". قلنا: أما من نسله، فما كان يجوز له أن ينكح لو عاش «٤» إلى يوم القيامة لأنهن بناته وإن سفلن، ونكاح البنات حرام فيما علمناه، ولم نعلم نبيا وطئ بنته إلا ما حكي في التوراة عن لوط أنه أحبل ابنتيه وهو سكران «٥». فعلى من قال هذا «٦» أو صدقه لعنة الله.

ح البنات حرام فيما علمناه، ولم نعلم نبيا وطئ بنته إلا ما حكي في التوراة عن لوط أنه أحبل ابنتيه وهو سكران «٥». فعلى من قال هذا «٦» أو صدقه لعنة الله.

وأما من غير نسله بأن يخلق الله له مثل حواء فلجواز أن حواء كانت تكفيه فلم يحتج إلى غيرها، لأنها خلقت في الجنة. وقد ملأ الله من نسلهما الدنيا مفردين فلو كان له غيرها لما وسعتهم الأرض. فإن قيل: كيف تمنعون آدم من نكاح بناته وقد زوجه الله حواء، وهي/ خلقت من ذاته من ضلعه. قلنا: لأن بناته منه على جهة الولادة، وحواء ليست على جهة الولادة وقد فرقتم أنتم بين آدم وحواء والمسيح بهذا بعينه، فقلتم: المسيح خرج من رحم فكان ابن الله، بخلاف حواء وآدم «١». قوله:" خلقت من ضلعه ليتبين بذلك تأبيد الصحبة «٢» بينهما كتأبيدها بين أعضاء الجسد". قلنا: ليس ذلك لهذه العلة بل لما ذكر في القرآن من قوله تعالى: ومِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً ... (٢١) «٣» وهذا لا يقتضي تأبيد الصحبة، وترك الرجل أباه وأمه، ولزوم زوجته لا يقتضي أيضا ذلك، بل سببه المودة والرحمة بينهما، وذلك مشترك بين المرأة الواحدة والزوجات «٤».

يقتضي تأبيد الصحبة، وترك الرجل أباه وأمه، ولزوم زوجته لا يقتضي أيضا ذلك، بل سببه المودة والرحمة بينهما، وذلك مشترك بين المرأة الواحدة والزوجات «٤».

وأما إنكاره جواز الطلاق حيث شاء «١» الإنسان، فإنما استفادوه مما حكوه عن المسيح في الإنجيل في الفصل الأربعين «٢» من إنجيل متى: أن الفريسين قالوا للمسيح ليجربوه:" هل يحل للإنسان يطلق «٣» امرأته لأجل كل علة؟ فقال لهم: أما قرأتم: أن الذي خلق في البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟. ومن أجل ذلك يترك الإنسان أباه وأمه، ويلصق «٤» بامرأته، ويكونا كلاهما جسدا واحدا؟ وما جمعه الله لا يفرقه الإنسان. قالوا له: لماذا موسى أوصى أن تعطى كتاب طلاق وتخلّى؟ «٥» قال: لأن موسى علم قساوة قلوبكم فأوصاكم «٦» / أن تطلقوا نساءكم، ومن البدء لم يكن هذا، وأقول لكم من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا، ومن تزوج مطلقة فقد زنا" اهـ. لكن الجواب عنه من وجوه: أحدها: الجواب العام، وهو عدم الوثوق بالإنجيل. الثاني: بتقدير الاحتجاج بالإنجيل. لكن هذا الكلام بعينه متهافت/ بين التهافت «٧» فلا تليق نسبته إلى المسيح، وسنبين وجه تهافته.

الثالث: الجواب من حيث التفصيل. أما كونه خلقهما ذكرا وأنثى، وأن الإنسان شديد الألفة بامرأته، فلا يقتضي عدم جواز الطلاق ولا يناسبه، وأما قوله:" ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان" فنقول: أولا: الجمع بين الزوجين ليس حقيقيا كاجتماع بدن الإنسان ونحوه، وإن سلمناه فهو عام مخصوص بصور كثيرة كتفريق أعضاء البدن لمصلحة العقوبة وغيرها، وأما قوله:" لم يكن هذا في البدء" فلا يدل على ذلك أيضا لجواز النسخ. وأما اعتذاره عن تجويز موسى الطلاق بعلمه بقساوة قلوبهم. إلى آخره فالمناقشة عليه من وجوه: أحدها: أن قساوة قلوبهم/ إن كانت مقتضية لجواز الطلاق، فلم لم يجزه المسيح أيضا لذلك، ولعل محمدا- ﵇ أجاز الطلاق توسيعا على قساة «١» القلوب من أمته. فإن قلتم: نسخ ذلك في دين المسيح. قلنا: ونسخ ما في دين المسيح في دين محمد. وإن لم تكن مقتضية لجواز الطلاق لزم أن يكون موسى شرع غير الحق لغير موجب.

الثاني: أن ما جاز أن يكون حقا في دين موسى فما المانع أن يكون حقا في دين محمد؟. الثالث: أن قوله: «من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا" كلام مستدرك بأن ذلك غير لازم من طلاقها. لأنا إذا ألجأناها أن تتزوج بغيره لم يحصل من طلاقه لها الالجاء إلى الزنا، ثم إن مفهومه جواز طلاقها إذا زنت، وعموم قوله:" من تزوج مطلقة فقد زنا" يقتضي أن أحدا لا يتزوج مطلقة سواء طلقت لكونها زنت أو مع عدم الزنا، وذلك يلزم منه إلجاؤها إلى/ الزنا- أعني جواز طلاقها- إذا زنت. والمنع من تزوج المطلقة مطلقا على ظاهر هذا العموم. لأنها حينئذ تبقى مطلقة بطالة فتحملها البطالة على التشاغل بالزنا، كما حكي في التوراة عن كنة «١»." يهوذا" لما مات/ زوجها أحوجتها البطالة إلى أن تعرضت ليهوذا على الطريق حتى زنا بها «٢»، ونحن نتبرأ إلى الله من هذا. وبهذا بان ما في هذا الكلام من التهافت، وعدم التناسب، بحيث يجب تبرئة السيد المسيح عن مثله. والله أعلم «٣». قال:" وأيضا. فإن الطبيعة لا تجمع إلا اثنين في فعل التناسل. فينبغي أن لا يكون للرجل إلا زوجة واحدة".

يجب تبرئة السيد المسيح عن مثله. والله أعلم «٣». قال:" وأيضا. فإن الطبيعة لا تجمع إلا اثنين في فعل التناسل. فينبغي أن لا يكون للرجل إلا زوجة واحدة".

قلت: هذا خلف من الكلام. فإنه إن أراد أنها لا تجمع إلا اثنين في حالة واحدة فهو مسلم. لكن لا يقتضي ذلك الاقتصار على واحدة، وإن أراد في وقتين فصاعدا فممنوع، وحينئذ يجوز أن يطوف الإنسان في ساعة على جماعة من النساء واحدة بعد واحدة. قال:" وأيضا. فإن كثيرا من الحيوانات ليس للذكر منها إلا أنثى واحدة كالأسد والدب وغيرهما من البهائم، وكأكثر الطيور فالإنسان لخصيصة عقله أولى بذلك قمعا للشهوة". قلت: جواب هذا من وجهين: أحدهما: أنه معارض بما يتخذ من الحيوانات عدة إناث، فلم كان التأسي بأحد القبيلين أولى من التأسي بالآخر؟. الثاني: أن اقتصار هذه الحيوانات على أنثى واحدة هل هو على جهة قمع الشهوة، أو على جهة الحيوانية والطبيعة، وعدم الشعور بحقائق الأمور؟ فإن كان الأول لزم أن تكون هذه الحيوانات عقلاء كاملي العقل/ حتى قمعت شهوتها بعقلها، وأن الدب «١» أعقل من" إبراهيم" حيث كان في فراشه" سارة" و" هاجر"، ومن" يعقوب" حيث جمع بين ابنتي خاله" ليا" و" راحيل" وجاريتهما في فراش واحد، فضلا عن أن تكون هذه الحيوانات أعقل من بقية عقلاء الآدميين. وإن كان الثاني لم تصح الأولوية ولا القياس. والتنظير بم يكون؟ قد اجتمعتم أنتم وبعض الحيوان البهيم على رأي. ونحن وبقية العالم على رأي،

عقلاء الآدميين. وإن كان الثاني لم تصح الأولوية ولا القياس. والتنظير بم يكون؟ قد اجتمعتم أنتم وبعض الحيوان البهيم على رأي. ونحن وبقية العالم على رأي،

وموافقة الأكثر أولى من موافقة شرذمة قليلة، تقلد في دينها ودنياها ومعاشها ومعادها حيوانا بهيما، خصوصا السّبع والدّب اللذين هما من أدمغ الحيوانات وأبلده «١». ولعل هذا من جملة الأسباب الموجبة لاطباق الحمى على الأسد، لأن طبيعته في الأصل حارة، وباقتصاره على أنثى واحدة يقل نزوه، فتحتقن الحرارة في بدنه، فيبثها القلب/ إلى سائر نواحيه. وهذه حقيقة الحمى. وقد بينا في أول الكتاب: أن منافع النكاح تخفيف البدن وتنشيطه. فإن قلت: فالأسد في الشجاعة والنشاط على الغاية بخلاف سائر الحيوان/ وما ذكرته يقتضي تثبطه لثقل بدنه. قلت: وما يدريك لعله لو أكثر «٢» من النزو بحسب ما تقتضيه حاله، كان يكون أشجع وأنشط. قال:" وأيضا فإن فائدة آلة التناسل في الزوجين: الذرية لا اللذة ثم اللذة وإن كانت تصحبها تبعا، لا بالقصد الوضعي، لكن استعمال الآلة للذة فقط استعمال سوء «٣» مائل عن الاستعمال المستقيم. ولذلك هو ذنب". قلت: هذا ممنوع، بل المقصود من آلة التناسل الذرية واللذة جميعا بالقصد/ الأول. أما الذرية فبالاتفاق، وأما اللذة فلأن الباري- سبحانه- ابتلى خلقه بتركيب الشهوات فيهم خصوصا هذه الشهوة فإنها أشدها.

لذرية واللذة جميعا بالقصد/ الأول. أما الذرية فبالاتفاق، وأما اللذة فلأن الباري- سبحانه- ابتلى خلقه بتركيب الشهوات فيهم خصوصا هذه الشهوة فإنها أشدها.

فلو لم يجعل إلى قضائها طريقا مباحا للزم منه تكليف ما لا يطاق، إذ كان يكون مثال «١» الشخص في الدنيا «٢» مع كثرة نسائها مثل شخص حبس في دار مملوءة حيات بحيث لا يطأ إلا على جماعة منهن. ثم يقال له: إياك أن تطأ منهن شيئا، واحترس أن يلدغنك. ثم قد أجمع الناس على جواز نكاح العاقر والصغيرة التي لا تلد، ومن ارتفع حيضها ونحوهن، فلو لم تكن اللذة مقصودا أصليا، لما جاز ذلك. وأما «٣» قوله:" إنه ذنب". فجوابه: أن يقال: هو ذنب إذا كان حراما أو مطلقا؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، ولو كان كذلك لم يفعله الأنبياء. وأيضا لو كان استعمال الآلة للذة فقط ذنبا واستعمال سوء، مع أن حصول الذرية منه غير مقطوع به لكان في تجويزه لأجل الذرية إقدام على ذنب محقق «٤» لتحصيل فائدة غير محققة وذلك ينافي «٥» السياسة العقلية. قال:" وأيضا لذة اللحم ليس شأنها اجتلاب فائدة، بل تدفع الفوائد الروحانية وهي في نفسها خسيسة ردية مهلكة، فإنها كالخمر تسكر الذهن الإنساني وتذهب قوته، وكالضباب يصيّر العيون مظلمة".

قلت: قد بينا فوائد هذه الحاسة أول الكتاب «١»، ونص عليها الأطباء وعلى مضار تركها. ولو صح ما قاله من دفعها الفوائد الروحانية،/ لوجب أن تكون مخاييس النصارى وغيرهم الذين لم ينكحوا قط، أفضل من الأنبياء كإبراهيم وموسى وهارون/ ويوشع بن نون، والأنبياء الاثني عشر، وأشعياء ودانيال، وأكثر «٢» روحانية منهم. ولقد حيرني هذا العلج في أمري بتلونه، فإنه تارة نصراني مثلث أو غيره وتارة فيلسوف معطل، وتارة عامي جلف، فنعود بالله من التلون. قوله:" هي في نفسها خسيسة ردية مهلكة" إن «٣» أراد بخستها قبح صورتها طبعا، ورد عليه حالة البول والتغوط، بل حالة الأكل لأنها سببها. لا يقال هذه الأحوال ضرورية طبعا، لأنا نقول مثله هناك، إذ النكاح ضروري من حيث الطبيعة والشهوة، يتأذى بتركه الدين والبدن كما سبق. وقوله:" مهلكة «٤» " إن أراد هلاك «٥» الدين بالتتابع فيها فذاك إنما هو في الحرام والحلال وإن أراد هلاك البدن بإضعافه فذلك يتقدر بحسب اختلاف المروءات والعقول «٦» والمحمود منه: القدر المتوسط، الذي لا ينهك البدن بكثرته ولا يفضي إلى إنهاك الدين بالإقلال منه.

ويحكى:" أن أبا مسلم الخراساني «١» كان لا يأتي النساء في/ السنة أكثر من مرة. ويقول: هذا جنون. فأكثر من مرة لا يكون «٢» ". قلت: ويغلب على ظني أنه قد كان به علة مانعة، أو فكرة شاغلة. فإن قيل: فمحمد كان أولى بهذا التماسك من أبي مسلم لفضيلة منصب النبوة وفكرته في الجهاد، وإقامة الدين، وكمال معرفته بأحكام الآخرة. قلنا: كذلك كان، ولهذا قالت عائشة: كان أملككم لإربه «٣» " لكنه لو بالغ في التماسك عن هذه الشهوة لشق على أمته التأسي به. فإنه كان يطيق ما لا يطيقون

ة. قلنا: كذلك كان، ولهذا قالت عائشة: كان أملككم لإربه «٣» " لكنه لو بالغ في التماسك عن هذه الشهوة لشق على أمته التأسي به. فإنه كان يطيق ما لا يطيقون

فكان يلزمهم الحرج وذلك ينافي نصوص الشريعة برفع الحرج فأكثر منه رفعا/ للحرج عن أمته، وأيضا فإنه كان مشرعا معلما كما قال:" إنما بعثت معلما «١» " وعلم أن في صورة هذا الفعل ما تحتشمه النفوس وتنجبه منه فجرأهم عليه بإكثاره منه فعلا وقولا لئلا يتقاصروا عنه حياء «٢» أو يقدموا عليه على وهم وانحاش «٣» فيحرجوا بذلك، فأراد أن يوسع عليهم المجال في الحلال ويخالف أهل الزور والمحال والنصارى الضّلال./. قوله:" إنها كالخمر تسكر الذهن الإنساني وتذهب قوته". قلنا: إن صح هذا فهو الإكثار «٤» منها لا مطلقها، على أن الإنسان إذا داوم تركه بعد اعتياده يجد لذلك ثقل بدن وكرب وانقباض يورثه بلادة ووسواسا ويحصل له بفعله انشراح وانبساط، ولذلك هو أكبر دواء العشاق كما ذكره الأطباء.

قال:" ولأنها مضادة لأنواع السرور الروحانية العلية، فهي تصرف النفس بالكلية عنها، إذ يفسد ذوق القلب، فلا يستطيب شيئا من الخير، كما في العكس، وهو أن الذين يستطيبون الأمور الروحانية الأزلية لا يستطيبون اللذات الجسدانية بل يكرهونها ويهربون عنها". قلت: أما قوله:" إنها مضادة للروحانيات" فباطل بالأنبياء، إذ هم أعظم البشر روحانية، وكانوا يستعملون هذه اللذة، وكل ما ذكره في هذا الفصل باطل والحق خلافه، بل هذه اللذة إذا استعملت على الوجه الحلال قصدا لا إفراط «١» ولا تفريط، وقصد بها اعفاف الدين وتحصين الدّين والفرج والتفرغ من قلق الشبق، لطاعة الباري في النهار والغسق «٢»، كانت أفضل من عبادات كثيرة. ولهذا قال بعض علماء المسلمين:" إن التشاغل" بالنكاح أفضل من التخلي/ لنوافل العبادة، حسما لمادة فساد الدين بالزنا ونحوه «٣» ". وأما ترجيح الروحانيات عند أصحابها، فلأنهم لا يحصلونها إلا بعد قهر

بالنكاح أفضل من التخلي/ لنوافل العبادة، حسما لمادة فساد الدين بالزنا ونحوه «٣» ". وأما ترجيح الروحانيات عند أصحابها، فلأنهم لا يحصلونها إلا بعد قهر

الطبيعة برياضة البدن وكسر شرته «١»، وإضعاف قوته بصيام الهواجر «٢»، وقيام الدياجر «٣»، حتى تقوى قوى النفس على البدن، وحينئذ يصير تركهم له «٤» لضعفهم عنه لا لما أراد. ولو كان ما ذكر صحيحا لوجب حين استعلن «٥» الله لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وتجلى لموسى وناجاه، أن كانوا يطلقون نساءهم، ثم لا يجتمعون بهن أبدا. قال:" فقد بان بأن اللذة اللحمية ينبغى أن تبقى بحسب استطاعة الطبيعة وإذا كان الواجب أن تبقى، فأولى أن لا تعمل شيئا لاجتلابها،/ فينبغى أن تعدل وتقمع حيث لا يستطاع أن تبقى على كل حال". قلت: المسلم له من هذا وجوب إبقاء الحرام، وما ينهك البدن أما غيره فلا،

وهذا كلام في الريح. قال:" فينبغي أن لا يكثر الزوجات والجواري، بل يقتصر على واحدة ويكون قصده تحصيل/ الروحانيات". قلت: هذا حاصل ما ذكره بعد ما سبق في كلام مخبط متهافت. واعلم: أن النكاح بالغا ما بلغ منه الإنسان لا يشغل عن الروحانيات لمن له نية صادقة، ونفس صافية وهمة عالية. قال:" ويقال أيضا: الشهوة اللحمية إما أن يقال: ينبغي أن تقمع، أو لا يقال؟ فإن قيل لا ينبغي أن تقمع، لزم أن تبقى الطبيعة الإنسانية ذاهبة في كل نجاسة ولواط وبهيمية. وإن قيل: ينبغي أن تقمع لكن لاستعمال النساء والجواري الكثيرة كما قال محمد، فهو مردود بوجوه: الأول: أن الشهوة مشتركة بين القبيلين، فينبغي أن يكون للمرأة أزواج/ كما للرجل زوجات، ولم يقل به أحد. الثاني: أن المرأة إلى الزنا أقرب إلى الرجل لوفور شهوتها ونقصان عقلها فمن احتاط للرجل بكثرة النساء بحيث إن كانت واحدة مريضة أو عاقرا لا تحمل، وجد الأخرى صحيحة تحمل، لزمه أن يجعل للمرأة أزواجا بحيث إن كان أحدهم مريضا أو غائبا وجدت الآخر يصونها عن الزنا. الثالث: أن في الباب الثاني «١» من كتاب أيوب:" سل البهائم تعلمك وطيور السماء تريك".

قال:" والبهائم وطيور السماء تتبع عادة آباءها، فينبغى لنا أن نتبع عادة أبينا ولم يكن له إلا زوجة واحدة". الرابع: أن تكثير الزوجات والجواري موجب لتحاسدهن، وتشتيت قلوبهن «١»، والغضب والقطيعة وذلك شر، والله خير محض، فلا يفعل الشر، ولا يأمر به". قلت: الجواب عن هذا بأنا نقول: يجب قمع هذه الشهوة بالطريق الشرعي وهو النكاح والتسري أو الصوم لمن لا يقدر على ذلك. قوله:" الشهوة مشتركة بين القبيلين" قلنا: نعم. قوله:" ينبغى أن يكون للمرأة أزواج كما للرجل زوجات". قلنا: هذا قد كان مقتضى العدل، لكن منع منه مانع أقوى منه وهو اختلاط المياه واشتباه الأنساب، ونحن شرعنا مبني على مراعاة المصالح والمفاسد، فإذا تحررت «٢» المصلحة حصلناها، أو المفسدة نفيناها. وإن تعارضتا فإن ترجحت المصلحة حصلت، أو المفسدة نفيت. وإن تساوتا تخيرنا وهاهنا تعارضت مصلحة العدل في النساء بتسويتهن بالرجال في تعدد الأزواج ومفسدة/ اختلاط الأنساب/ لكن ترجحت هذه المفسدة فنفاها الشرع وحفظ المرأة. وتحصينها من الزنا يحصل باحتجابها في البيت على حسب الإمكان على

أنها لو كان لها أزواج لما تركت الزنا بالكلية، كما أن الرجل على ما هو مشاهد- وإن كان له زوجات لا يتركه بالكلية، بل يطمح إلى غيرها من ذكر وأنثى لواطا وزنا. لكن غاية ما يقال على تقدير «١» كثرة أزواجها كأن يكون داعيها إلى الزنا أضعف فيكون وقوعه منها أقل لكن يعارضه مفسدة اختلاط النسب وتغاير الرجال الذين نفوسهم أقوى، وهممهم أعلى من همم النساء، ثم أنتم لم تقولوا بذلك في جانب الرجل «٢».؟ وهذا سؤال قد أحكمت الجواب عنه في أوائل" الفوائد" وما ظننت أن أحدا أورده. لكن فرضته/ وأجبت عنه. وبهذا حصل الجواب عن سؤاله الثاني. أما الثالث: فقوله في كتاب أيوب على تقدير الوثوق بصحته، فليس المراد به: أن الطيور تعلمه أمر دينه والأحكام الشرعية.

وبهذا حصل الجواب عن سؤاله الثاني. أما الثالث: فقوله في كتاب أيوب على تقدير الوثوق بصحته، فليس المراد به: أن الطيور تعلمه أمر دينه والأحكام الشرعية.

ثم هو مطلق لا عموم له. فلم قلت: إن سؤالها يتعين أن يكون عين «١» هذا الحكم؟ بل لعله التوكل من حيث أنها لصدق توكلها" تغدو «٢» خماصا، وتروح بطانا «٣» فيأمره أن يكون في التوكل مثلها أو غير ذلك. فقد قال الله تعالى في القرآن: وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ... (٣٨) «٤». وأما قوله:" ينبغى أن نتبع عادة أبينا في الاقتصار على واحدة" فجوابه من وجهين: أحدهما: أن نقول له: هات لنا مثل حواء حتى نقتصر عليها. الثاني: أن شرعنا أمرنا بمتابعة/ الحق بالحجة، ونهانا عن تقليد الآباء بقوله ... قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ... (٢١) «٥» في آيات كثيرة. وأما السؤال الرابع: فإن تكثير النساء وإن كان موجبا للتغاير بينهن وتقاطعهن. لكن هذه مفسدة عارضتها مصلحة أرجح منها، وهو تحصين فروج

الرجال وأديانهم، ولم يعارض هذه المصلحة مانع اختلاط النسب كما عارضها «١» في حق النساء، فحصلت هذه المصلحة الراجحة لما قررناه من مراعاة شرعنا للمصالح. وأعلم أننا بحمد الله أهل صدق وعدل وانصاف، وعلى ذلك تأسيس دين الإسلام، ولا شك/ أنا نرى غالب الناس من المسلمين وغيرهم مع إباحة التزوج والتسري لهم قد استحوذ عليهم الشيطان، حتى يترك أحدهم ما يحل له من ذلك وإن كثر ويعدل إلى الزنا بالنسوان، واللواط بالغلمان. فلو حصروا في واحدة كما أشار به هذا الخصم، لعمري لقد كانوا يدبون على الشيوخ والكهول والشباب والبهائم في البر والحيتان في البحر، فكان فيما جاء به دين الإسلام من تكثير مجال النكاح عليهم تقليل لهذه المفسدة. ولعل هذا النصراني غره احتباس رهبانه في البيع «٢» والديارات «٣» فيظن أن ذلك يمنعهم عن الفجور، ولو علم أنهم يدبون على

الشماسة «١» وكل صبي وشيخ يدخل إليهم. لأجاز لهم التزوج بعشرين، ولولا ما هم فيه من الرياضة ونحوها لدبوا على أطعمة المذبح.

جور، ولو علم أنهم يدبون على

الشماسة «١» وكل صبي وشيخ يدخل إليهم. لأجاز لهم التزوج بعشرين، ولولا ما هم فيه من الرياضة ونحوها لدبوا على أطعمة المذبح.

[الرد على النصراني في ادعائه أن الإسلام أجاز إتيان المرأة في دبرها] قال:" وفي سورة البقرة: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ... (٢٢٣) «٢» قال في التفسير: يعني من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة" قال: وهذا تعليم تستنكف «٣» / منه البهائم، فضلا عن أن الله يعلمه خلقه". قلت: هذا غباوة أو عناد. فإن لهذه الآية أسبابا تقتضي ما تضمنته من الحكم: منها: أن اليهود كانت تقول: إذا جامع الرجل زوجته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فبين الله تعالى بهذه الآية أن لا أثر لذلك، بل للرجل أن يأتي امرأته مقبلة ومدبرة بشرط أن يكون في القبل «٤».

الثاني: أن المهاجرين كانوا يجبون نساءهم، يعني يأتونهن «١» مدبرات في القبل فلما جاءوا المدينة جعلوا يفعلون ذلك بأزواجهم من الأنصار. ولم يكن لهن به عادة فأخبرن بذلك النبي- ﵇ ووقع فيه الكلام فبين الله حكمه «٢». الثالث: ما روى ابن عباس قال: جاء عمر، فقال يا رسول الله هلكت، قال:" ما أهلكك"؟ قال: حولت رحلي الليلة فأنزل «٣» الله هذه الآية: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة. رواه الترمذي «٤» والنسائي «٥». وحينئذ نقول: ما المحذور في أن الله- سبحانه- بين له في كيفية الوطء ما ينبغي مما لا ينبغي؟ وإنما استقبح/ هذا الخصم هذا بناء على رأيه الفاسد في أن اللذة ليست مقصودة لذاتها من الجماع، وقد تقدم منعه، وما جعل النساء إلا للمتعة./

على أن النسائي قد روى في سننه الكثير عن ابن عمر: أن رجلا أتى امرأته في دبرها على عهد النبي ﷺ فوجد النبي- ﷺ «١» - وجدا شديدا. فأنزل الله- سبحانه-: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ «٢». ويحتج بهذا من أجاز وطء المرأة في دبرها، ويعزى إلى مذهب مالك وأهل الحجاز «٣»، وهذا أشد وأغلظ على النصارى «٤».

[كراهة الطلاق وإباحته لمصلحة الزوجين] قال:/" وفي هذه السورة «١»: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ... (٢٢٩) إلى قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ... (٢٣٠) «٢» وذكر حديث امرأة رفاعة القرظي «٣»: (لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) «٤» وكأن حاصل ما ذكره: انكار فراق المرأة بالطلاق أو المرض أو العيب ونحوه. قال:" ولو جاز ترك المرأة لأجل شيء من العيوب، لجاز للمرأة ترك الرجل لذلك. لأنها أحوج إلى الرفق بها لضعفها".

ق المرأة بالطلاق أو المرض أو العيب ونحوه. قال:" ولو جاز ترك المرأة لأجل شيء من العيوب، لجاز للمرأة ترك الرجل لذلك. لأنها أحوج إلى الرفق بها لضعفها".

قال: بل ينبغي أن تمان «١» المرأة ذات العيب لأجل الضرورة ولا تفارق لأن أحد المتعاهدين إذا فارق صاحبه حال المرض والضرورة عدّ قاسيا خائنا". قلت: أما الطلاق فجائز بإجماع المسلمين، وقد تقدم البحث معه فيه «٢»، وأن النكاح عقد معاوضة في الحقيقة فجاز فسخه كالبيع، نعم جاء في الحديث عن النبي ﷺ «أبغض المباح إلى الله الطلاق» «٣» وعليه اشكال، وهو أن البغضة تقتضي الكراهة والإباحة تقتضي التسوية، فالجمع بينهما متعذر. وأجيب: بأن المباح قد يراد به تساوى الطرفين وقد يراد به القدر المشترك بين المتساوي الطرفين وراجح الترك وراجح من غير جزم وبهذا يستقيم معنى الحديث، لأنه يصير تقديره: أبغض ما للإنسان فعله: الطلاق. وهو أعم من المتساوي وغيره «٤».

قوله:" لو جاز ترك المرأة لعيب ونحوه، لجاز لها ترك الرجل". قلنا: هكذا نقول على تفصيل فيه. تقريره مختصرا: إن العيب في أحد الزوجين: إما أن لا يخل بمقصود النكاح أو كماله، فلا يثبت به الفسخ، أو يخل بذلك فيثبت به إقامة/ للعدل وإزالة للمكروه عن المكلف. ثم العيوب الموجبة للفسخ: إما خاص «١» بالرجل كالجب «٢» والعنة «٣»، أو بالمرأة كالقرن «٤» / والرتق «٥». أو مشترك بينهما كالجنون والجذام والبرص، ولكل من الزوجين فسخ نكاح صاحبه، لما يخل بمقصود «٦» نكاحه من ذلك.

نة «٣»، أو بالمرأة كالقرن «٤» / والرتق «٥». أو مشترك بينهما كالجنون والجذام والبرص، ولكل من الزوجين فسخ نكاح صاحبه، لما يخل بمقصود «٦» نكاحه من ذلك.

قوله:؛ تمان المرأة للضرورة ولا تفارق". قلنا: فيه إلزام للرجل مكروها، له عنه مندوحة، وذلك ينافي العدل. قوله:" أحد المتعاهدين إذا فارق صاحبه حال الضرورة عدّ قاسيا خائنا". قلنا: النكاح من باب العقود العوضية «١»، لا من باب العهود. والعقود العوضية «٢» يجوز فسخها بعيب وإقالة، فكذلك النكاح يفسخ بالعيوب والخلع، وهو نظير الإقالة في البيع ونحوه، والفرق بين العقد والعهد أن العقد «٣» يتضمن عوضا، والعهد لا يتضمن عوضا، وقد أمر الله بالوفاء بالأمرين ومن الوفاء بالعقد، الفسخ عند قيام المقتضى له، ولو كان اجتماع الزوجين على جهة العهد على ما ذكرنا لكان زنا حراما بإجماع المسلمين. وحينئذ نقول: فسخ العقد لا قسوة فيه ولا جناية، بل إنما ذلك في العهد. فأما قوله تعالى: وأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً «٤» فقال المفسرون/ عقدا مؤكدا. وهي كلمة الله التي أخذها «٥» للنساء على الرجال، وهي الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، قال قتادة:" وكان ذلك يؤخذ عند عقدة النكاح «٦» ".

نعم: إن شرط في العقد ألا يفسخ أحد من الزوجين بعيب ظهر بصاحبه. فإن قلنا: لا فسخ بالعيب الحادث، كان هذا الشرط مؤكدا للحكم وإن قلنا يثبت به الفسخ احتمل/ أن يلزمهما بموجب الشرط لقوله ﵇: «المسلمون على شروطهم «١»» واحتمل أن يبطل النكاح من أصله، بناء على الشروط الفاسدة في العقود. وأحكام الأنكحة الفاسدة معلومة. ثم ما ذكره ينتقض بالتلاميذ «٢» مع المسيح، حيث آمنوا به وبايعوه على دينه، ثم لما قبض اليهود عليه فروا عنه، خصوصا بطرس التلاميذ الكبير «٣» الذي قال له:" لو أنكرك كل واحد «٤» لما أنكرتك" ثم أنكره قبل صياح الديك ثلاث مرات «٥» ". فهذا هو ترك العهد لا طلاق الزوجة. فإن قيل: إن تفرقهم عنه كان بإذنه.

قلنا: وطلاق الزوجة وفراق الزوج بإذن الشارع الذي هو إله المسيح والزوجين وغيرهما من العالم. فإن منعوا أن ذلك بإذن الله/، عدنا إلى النزاع في تصديق الرسول، وخرجنا عن مسألة إنكار الطلاق. قال:" ثم إن جاز أن تترك المرأة بلا سبب أو بسبب ضعيف، كما في ملة المسلمين أفضى ذلك بسبب الهجرة والغضب إلى تبديل الزوجات الكثيرة وتنجيسهن واحدة بعد أخرى، وافتضاض الأبكار وتركهن. وذلك يورث البغض بين النساء وأزواجهن وأقربائهن، وذلك خلاف الدين الطبيعي والصيانة والمروءة". قلت: أما إفضاء ذلك إلى تبديل النساء فلا محذور فيه، بناء على ما ذكرنا من أن النكاح عقد، والمرأة معقود عليه، كالفرس والشاة، لا فرق بينهما إلا أن هذه من الجنس بخلاف الفرس. وأما تنجيسهن فالجماع لا نجاسة فيه، وإنما هذه لفظة استفادتها النصارى من قول" يعقوب" لابنه/ روبيل:" وطئت سريتي ونجست فراشي «١» " وهذه حكاية باطلة، ثم لو صحت لكان التنجيس هنا مجازا عن انتهاك حرمة فراشه وإلحاق العار به بذلك، والعلاقة المجوزة فيه تأذي الإنسان بلحوق العار، كما يتأذى بلحوق النجاسة، وإن تفاوت «٢» الأديان أو يكون أراد نجاسة الفعل يعني قبحه، لاشتراك النجاسة والفعل القبيح في القبح.

تأذي الإنسان بلحوق العار، كما يتأذى بلحوق النجاسة، وإن تفاوت «٢» الأديان أو يكون أراد نجاسة الفعل يعني قبحه، لاشتراك النجاسة والفعل القبيح في القبح.

وأما افتضاض الأبكار وتركهن فتلك متعة أمتع الله بها خلقه، فالمانع منها متحجر فضولي. والدليل على ذلك صريح العقل، فإن الخلق كلهم ذكرهم وأنثاهم عباد الله وإماؤه، فإذا سمح لعبيده بوطء إمائه على وجه مخصوص جاز، كما أن الواحد «١» من الخلق يجوز أن يهب لعبده ألف جارية له، يقول افعل بهن ما شئت، فإنه يجوز أن يتصرف فيهن بسائر التصرفات من بيع وعتق ووطء للبعض دون البعض أو للكل. والانتقال من واحدة إلى واحدة وغير ذلك، فإن نازعتمونا في أن الله سبحانه أذن لنا في ذلك خرجنا عن المسألة «٢» كما سبق. وأما قوله:" ذلك يورث البغض بين الرجال ونسائهم وأزواجهن" «٣» فممنوع. بيانه: هو أن الشرائع قوانين متبعة لا يخرج عنها من هو من أهلها، فإذا علم الناس من شرعهم جواز التزوج والطلاق، وافتضاض الأبكار وتركهن، وجب عليهم أن لا/ يتباغضوا لذلك ولا يتحاقدوا، كما يجب عليهم أن لا يتباغضوا/ لتأدية الحقوق المالية، كالديون ونحوها، وإن كان أداؤها على خلاف الطبع.

هن، وجب عليهم أن لا/ يتباغضوا لذلك ولا يتحاقدوا، كما يجب عليهم أن لا يتباغضوا/ لتأدية الحقوق المالية، كالديون ونحوها، وإن كان أداؤها على خلاف الطبع.

وما فائدة الشرع إلا كف الطباع عن الشر الذي جبلت عليه- وهذا منه- فإن غلبتهم النفوس/ على البغضاء والحقد بالطبع كان ذلك مراغمة للشرع فيعصي فاعله ولا يكون بفعله اعتبار، كما أنه لما حرم أخذ المال بغير حق كان فعل قطاع الطريق ونحوهم إثما عليهم يستحقون به العقوبة، وهو ساقط الاعتبار، لا يفيد ملكا ولا يجيز تصرفا، وتصرفات الطبائع لا يلزم موافقتها للشرائع، فما وافق الشرع منها كان حقا كالنكاح، وما خالفه كان باطلا كالسفاح ثم هذا معارض بأن الطلاق إن كان يفضي إلى التباغض فلزوم النكاح أبدا والحبس على زوجة واحدة يفضي إلى تكره كل منهما بالآخر وتبرمه به، وتضجره منه، وقل أن يطيب مع ذلك عيش لبهيمتين، فضلا عن إنسانين فتدوم المفسدة، وربما انتفى لذلك مقصود النكاح، وربما أفضى إلى مفارقة الدين. كما حكي أن بعض النصارى تزوج امرأة فلما دخلت عليه رآها عوراء فقال: عورتا، قالت: بلستا «١». قال:" محمد بن عبد الله" على الباب، ثم خرج فأسلم. فحجز الدين ما بينهما «٢»، فلو كان في دين النصارى فسحة في الطلاق

عوراء فقال: عورتا، قالت: بلستا «١». قال:" محمد بن عبد الله" على الباب، ثم خرج فأسلم. فحجز الدين ما بينهما «٢»، فلو كان في دين النصارى فسحة في الطلاق

لقال عوض كلمة الإسلام: أنت طالق، ثم استراح منها، ولم يحتج إلى فراق دين يعتقدونه حقا إلى دين يعتقدونه باطلا. مع أن فراق كل من في الدنيا أهون من فراق الدين. فإن قلت: نحن مع قولنا بلزوم النكاح أبدا، وارتباط الرجل على زوجته يوجب على كل منهما احتمال صاحبه وعشرته بالمعروف، وأن لا يتبرم به، ولا يتضجر منه، فإن خالف ذلك كان فعله خلاف الشرع «١»، وهو غير معتبر. قلنا: فقل في الطرف الآخر هكذا، وهو أنا/ إذا اخترنا الطلاق والفراق أوجبنا على الرجال والنساء أن لا يغضبوا، ولا يحقد بعضهم على بعض فإن خالفوا ذلك كان فعلهم على خلاف الشرع، وهو غير معتبر. ثم يترجح ما قلناه بوجهين: أحدهما: أنه إذا لم يكن بد من البغضة الطبيعية، فتباغض الزوجين بعد أن يصيرا أجنبيين أسهل من تباغضهما في عصمة النكاح مجتمعين لافضاء ذلك إلى تكدر عيشهما باجتماعهما، وربما/ غلبت المرأة لوفور شهوتها وقلة دينها وعقلها على أن تقتل زوجها بسم أو غيره لتستريح منه وتصير إلى غيره، وكم قد وقع مثل هذا، وذلك مأمون بعد الفراق. الثاني: أن الفرقة عذاب، والعذاب مؤدب. فإذا افترقا ربما استقام أحدهما للآخر، فعادا بعد نكاح جديد أو قبله بخلاف ما إذا داما مجتمعين فإنه لا يرجى لهما استقامة، بل كلما جاءا في سآمة وملل وتضجر وتبرم- والله أعلم-.

قال:" وأيضا ما أشد ما يكون ظلم النساء بوقوع الطلاق عليهن بلا ذنب". قلت: هذه غفلة عن الصواب. فإن الطلاق فسخ عقد معاملة لا إيقاع معاقبة، وإنما يكون ظلما إيقاع العقوبة بلا ذنب، ولو كان الطلاق عقوبة/ لوجب أنها إذا زنت ونجست فراشه تكون استدامة نكاحها أفضل في حقه، للإجماع من عقلاء العالم، على «١» أن الحلم عن الذنب أفضل من العقوبة عليه، وهذا لا يقول به عاقل، اللهم إلا أن تكون رياضة النفوس قد بلغت بالنصارى إلى رتبة القيادة، والصبر على الدياثة «٢». فقد قال بعض الحكماء: إن أربعا من الأمم أكثروا «٣» من أكل أربع، فأورثتهم أربعا: فالترك/ أكثروا من لحم الخيل فأورثهم القوة والقسوة، والعرب أكثروا من لحم الإبل فأورثهم الحقد والكرم، والحبشة أكثروا من لحم القردة فأورثهم الرفض «٤»، والنصارى أكثروا من لحم الخنزير فأورثهم الدياثة وعدم الغيرة «٥».

ونقل القرطبي في تفسيره «١» عن محمد بن سيرين «٢» أنه قال:" ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار". فلعل النصارى ورثوا من أكل لحم الخنزير اللواط بصبيانهم، حتى اكتفوا بالواحدة من نسائهم، وعدم الغيرة حتى صبروا معهن على القيادة. قال:" وأيضا فإن هذا يفضي إلى انقطاع النسل الذي هو أعظم خير في الزواج إذ يجوز لكل واحد منهم في اليوم أن يتزوج أربعا ويطلقهن، ويأخذ أربعا غيرهن كذلك في جميع زمانه، وهذه ليست سنة العقلاء والأعفاء بل سنة الفجار والعواهر، بل سنة الكلاب والحمير". قلت: هذا جهل منه بحكم دين الإسلام. فإن الرجل لو تزوج أربعا وطلقهن في يوم واحد جاز ذلك له، والنسب محفوظ بوجوب العدة/ إذ به يتبين

سنة الكلاب والحمير". قلت: هذا جهل منه بحكم دين الإسلام. فإن الرجل لو تزوج أربعا وطلقهن في يوم واحد جاز ذلك له، والنسب محفوظ بوجوب العدة/ إذ به يتبين

الحمل فيلحق بأبيه، وإن لم يكن حمل فلا محذور، وحينئذ يكون فهمه: هو فهم الكلاب والحمير، لا سنة المسلمين «١». قال:" وأيضا. ما أقبح وأشنع توقف رجوع المرأة بعد طلاقها إلى زوجها على نكاح غيره، إذ تأبى ذلك نفس الرجل والمرأة، وذلك خلاف الطبيعة بالنسبة إلى الناس بل إلى كثير من الدواب والطيور كالأسد والدب، فإن كل واحد من أشخاص هذه الأنواع لا يتعدى إلى أنثى الآخر". قلت: لو عقل هذا العلج لكفاه هذا الحكم في الدلالة/ على حكمة شريعة الإسلام وصحتها ولكن: لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي «٢»

وبيان ذلك: أن الشارع لما علم من طبيعة البشر كراهة ذلك، والنفور منه جعله شرطا في جواز ارتجاع الرجل زوجته، ليكون ذلك مانعا له من المبادرة بطلاقها، وحاملا لكل من الزوجين على عشرة الآخر بالمعروف، واحتمال بوادره وسوء أخلاقه. فكان اشتراط نكاح المرأة زوجا غير مطلقها مفضيا إلى نفيه وتقليله جدا، حتى أن هذا إنما يقع في النادر بالنسبة إلى كثرة الأنكحة وللطلاق «١»، ونظيره القتل بالقصاص ناف للقتل بالعدوان ومقلل له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا ... (١٧٩) «٢» وتقول العرب:" القتل أنفى للقتل «٣» " ويقول الشاعر: بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما وبالقتل تنجو كل نفس من القتل «٤» وأما الأسد والدب ونحوهما فليسوا مكلفين،/ حتى يشرع في حقهم ما يمنعهم من المبادرة إلى الطلاق، وإنما كان ذلك فيهم طبيعة.

[نكاح المتعة وموقف الإسلام منه] قال:" وفي كتاب المناسك من مسلم. قال: سئل ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها «١»، وفي كتاب النكاح منه «٢» عن أبي الزبير «٣» عن جابر، قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر «٤» والدقيق، على عهد رسول الله «٥» " وذكر حديث الربيع بن سبرة الجهني «٦»، وحديث عمران بن

عن أبي الزبير «٣» عن جابر، قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر «٤» والدقيق، على عهد رسول الله «٥» " وذكر حديث الربيع بن سبرة الجهني «٦»، وحديث عمران بن

حصين «١» قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات «٢» " قال:" فهل فاحشة أو نجاسة أقذر من هذا الفعل في الكلاب؟ / دع الإنسان يعطى المرأة ما ترضى به فيزنى بها. هذا منزع

الزنا لا غير، هذا أمر الشيطان لا أمر الله. وهذا هو المتعة. والعقلاء من المسلمين/ يستنكفون «١» من ذلك، وكثير من أهل الحجاز «٢» ومكة باقون عليها إلى الآن". قلت: هذا غلط منه على الشريعة حيث جعل المتعتين واحدة. وإنما المتعة في حديث ابن عباس: هي نسك من أنساك الحج وهو قرينة الإفراد والقران. وصورتها: أن يعتمر أولا ثم يحل ثم يحرم بالحج. وأما المتعة في الأحاديث الأخر، فلا شك أنها ثبتت في أول الإسلام لضرورة، وهو غربتهم عن أوطانهم في الجهاد وحاجتهم إلى النساء، فرخص لهم فيها بشبهة عقد وصورته فكان ذلك خيرا مما يفعلونه زنا محضا. ثم نسخ ذلك في عهد النبوة، وليس عليه اليوم من المسلمين إلا شرذمة قليلة، وأكثر من يقول به الرافضة «٣».

وأما حديث عمران بن حصين:" ولم ينه عنها حتى مات «١» " فلأنه لم يبلغه النهي عنها وقد بلغ غيره فنقله على أن القياس شرعا وعقلا: جواز المتعة وإنما منع الشرع منها تعبدا. أما شرعا: فلأن الله إنما حرم الزنا، والمتعة ليست زنا لأن الحد فيها ساقط والنسب لاحق، والزنا ليس كذلك، وأما عقلا فلأنها منفعة من منافعها، فجاز معاوضتها عليها مطلقا كالخدمة، بل الزنا ليس قبيحا عقلا إذ ليس فيه إلا انتفاع كل من بشرين بآخر وإنما قبح شرعا، ثم تلقت العقول قبحه من الشرع ونفرة الطبع.

وأما تشنيعه بالمتعة فقد بينا في غير موضع أن في التوراة أن يهوذا بن يعقوب/ لقي كنته- زوجة ابنه- على الطريق في «١» صورة زانية فوطئها على أن يعطيها «٢» جديا من الغنم ثم رهنها عليه عمامته وقضيبا معه «٣» " وهذه صورة المتعة بل صورة الزنا. والجواب مشترك. وأيضا المتعة أحسن حالا من وطء روبيل بن يعقوب جارية أبيه لأنه زنا محض «٤». قال:" وفي كتاب العتق من البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي- ﷺ «٥»: (إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به صدورها، ما لم تعمل به أو تكلم) «٦».

قلت: لا أعلم ما وجه إيراده لهذا الحديث، إلا أن يكون انكارا لوسوسة الشياطين أو للعفو عنها، بناء على أنه لم يذكر في كتبهم. فأما الشياطين ووساوسهم «١» فثابتان وأما عدم ذكر ذلك في كتبهم فاحتجاج بالعدم./ وقد سبق في غير موضع: أنه اعتماد على الجهل. وذكر أحاديث العزل عن النساء «٢».

[العزل وإباحته في غير معارضة القدر] قال:" وهو أن يجامع الرجل ثم يعزل ذكره عن فرجها، فيلقى المني خارجا"، قال:" وهو قبيح/ رذل عار على فاعله". قلت: المأخذ في مشروعية النكاح في دين الإسلام هو تحصين الدين والفرج والعفاف عن الزنا، وذلك حاصل مع العزل وعدمه، «٣» وعندهم مأخذه تحصيل الذرية، فلعلهم لذلك قبحوه، ولا شك أن هذه المسألة من فروع الشريعة وفيها خلاف: فقيل: يجوز مطلقا «٤»، وقيل: لا يجوز مطلقا «٥». وقيل: يجوز بإذن

ذه تحصيل الذرية، فلعلهم لذلك قبحوه، ولا شك أن هذه المسألة من فروع الشريعة وفيها خلاف: فقيل: يجوز مطلقا «٤»، وقيل: لا يجوز مطلقا «٥». وقيل: يجوز بإذن

الزوجة وإذن سيد الأمة «١»، ومسئلة فيها هذا الخلاف في الحكم والدليل، لا ترد هادمة لشريعة. ثم إذا حاققناهم: فإما أن نمنع قبح العزل وتحريمه ونطالبهم بالدليل على ذلك فلا يستطيعونه،/ وليس فيه إلا وهم الاحتشام الطبيعي. ولو كان ذلك موجبا للعار لوجب أن يكون نفس الجماع عارا، وقد بينا بطلانه «٢» وإما أن نسلم تحريمه ونحتج عليه بما روى أبو سعيد قال:" ذكر العزل عند رسول الله ﷺ فقال: «لم يفعل أحدكم؟ فإنها ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها» أخرجاه في الصحيحين «٣»، ورواه أبو داود «٤» والنسائي «٥» والترمذي وصححه «٦».

فقوله:" لم يفعل؟ " استفهام انكار، وذلك يوجب المنع «١»، ولأن فيه فرارا من القدر وهو حرام «٢»، ونوع عبث إذ لا فائدة له إذا كان لا مانع لما أراد الله خلقه، ثم نجعل هذا ناسخا لأحاديث إباحته «٣»، فلا يمكنهم النزاع في ذلك «٤». والله أعلم.

[حد الزنا ... وحرص الإسلام على الستر والإغضاء] قال:" وفي سورة النساء: واللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ... (١٥) إلى قوله: والَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما ... (١٦) «١» وذكر ما قاله «٢» المفسرون في الأذى: أنه التعيير «٣» والتوبيخ، أو السب والجفاء أو النيل «٤» باللسان واليد، والضرب بالنعال، ونحوه «٥». قال:" وفي هذا تكثير للزنا لطمع الزانيين بتعذر اجتماع أربعة شهود غالبا، حتى يقضيا وطرهما، ولضعف هذه العقوبة إذ لا يزجر «٦» مثلها عن هذا الفعل وشرعية الزنا وقوعه في الخلق أمر مغضب للرب، وموجب حلول نقمته وسخطه فينبغي أن يحسم تشديد العقاب، حتى لا يقع «٧» إلا نادرا". قلت: قد تبين بهذا السؤال أن هذا الشخص قد كان يأخذ ما يورده على الشريعة من كتب التفسير والحديث من غير أن ينظر في كتب/ الفقهاء، إذ لو نظر فيها لعرف أحكام/ الشرع، ولم «٨» يورد هذا الزور والمحال، ولعمري أن الكتاب

لى الشريعة من كتب التفسير والحديث من غير أن ينظر في كتب/ الفقهاء، إذ لو نظر فيها لعرف أحكام/ الشرع، ولم «٨» يورد هذا الزور والمحال، ولعمري أن الكتاب

والسنة، وإن كانا أصل الشريعة ومادتها لكن اقتناص الأحكام منها يحتاج إلى تصرف في التركيب، كما أن مفردات الدواء مادته، ولا بدّ في الانتفاع بها من تصرف في التركيب، وكذلك مقدمات الدليل مادته ولا ينتفع بها في إثبات الحكم إلا بمعرفة تركيب الدليل منها، وكذا الكلام في مفردات كل مركب. وإذا عرفت هذا فحكم دين الإسلام في الزاني إن كان محصنا الرجم حتى يموت، وهل يجلد قبله مائة جلدة؟ على قولين «١». وإن كان بكرا

جلد مائة وتغريب عام «١» إلى مسافة القصر «٢» لأن قوله تعالى: فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) «٣» السبيل

هاهنا: مجمل تبينه السنة فيما روى عبادة بن الصامت «١» قال:" قال رسول الله ﷺ: «خذوا عني. قد «٢» جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم،/ والبكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة» رواه مسلم «٣» وأبو داود «٤» والنسائي «٥» وابن ماجه «٦» والترمذي، وقال: حسن صحيح «٧». وفيه أحاديث غير هذا. وبهذا يتبين: أن ما ذكر في تفسير الأذى ضعيف لا يثبت، أو منسوخ بهذا الحديث «٨»، أو محمول على البكر، أو على أنه يفعل بالزانيين ولا يقتصر لهما عليه، بل يقام عليهما من الحد ما أتت به السنة في بيان السبيل.

وأما قوله: في اعتبار الأربعة تكثير الزنا للطمع في تعذرهم. فجوابه: أنا قد بينا أن بناء شرعنا على مراعاة المصالح والمفاسد،/ وترجيح بعضها على بعض، ولا شك أن اعتبار الأربعة في الزنا، وإن كان مفضيا إلى تكثيره بما ذكرت لكن الزنا يتبعه مفاسد عظيمة: منها: ضياع النسب. ومنها: لحوق العار بالزانيين وأهلهما «١». ومنها: وجوب القتل عليهما أو الجلد الذي يفضي إلى القتل. ومنها: سلب العدالة فيترتب عليه رد الشهادة وسلب أهلية الولايات الدينية والدنيوية. وهذه المفاسد كلها راجعة إلى حقوق الآدميين، فكان في تقليل ثبوت الزنا بتكثير الشهود، تقليل لهذه المفاسد في الحكم. وأما معصية الزنا الواقع في نفس الأمر، فالعقوبة عليها/ حق الله، والدنيا ليست دار جزاء، إنما هي دار تكليف، فيتأخر حق الله إلى حين المصير إليه، فيعاقب أو يعفو. ولهذا غالب المعاصي لم يشرع فيها عقوبة في الدنيا إلا فيما كان فيه إفساد لنظام العالم فشرع فيه العقوبة لذلك، وأخر حقوقه في سائر المعاصي إلى الدار الآخرة، دار الجزاء، ولهذا لا يوجد في كلام المسيح ترتيب عقوبة دنيوية على شيء من المعاصي، بل إنما يتوعد بجهنم وبالظلمة وصرير الأسنان على ما تضمنه الإنجيل.

رة، دار الجزاء، ولهذا لا يوجد في كلام المسيح ترتيب عقوبة دنيوية على شيء من المعاصي، بل إنما يتوعد بجهنم وبالظلمة وصرير الأسنان على ما تضمنه الإنجيل.

وما تضمنه دين النصارى من العقوبات «١» الدنيوية فهو إما متناول من التوراة أو من جهة علمائهم على جهة السياسة، بناء على قول المسيح: " ما حللتموه في الأرض فهو محلول في السماء، وما ربطتموه في الأرض فهو مربوط في السماء «٢» ". مع أن دين الإسلام مبني على إيثار الستر والإغضاء «٣» ومكارم الأخلاق، لطفا من الله بخلقه، ولولا ما في المعاصي ذوات الحدود من المفاسد الدنيوية لما شرع فيها حد «٤»./ والجواب عن هذا السؤال ذكرته مبسوطا في القواعد الدمشقية وإنما أشرت إليه هنا إشارة.

[الاستمتاع بالحائض في زمن الحيض] قال:" وفي الموطأ عن زيد بن أسلم «١» أن رجلا سأل رسول الله فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال رسول الله: لتشد إزارها ثم شأنك بأعلاها «٢» ". قلت: كأنه يستعظم مقاربة الحائض. قلت: وهذا لا محذور فيه، لأنا أجمعنا على جواز وطء المرأة إذا كانت طاهرا. والحيض إنما اختص بالفرج. وقضية العقل: أن المانع يختص تأثيره بمحله، بما لم يقم دليل على تعدي حكمه. وذلك يقتضي اختصاص الفرج فقط بالاجتناب

في زمن الحيض، وبقية البدن يجوز الاستمتاع به «١». وكذلك نص القرآن: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ «٢» يعني: موضع الحيض «٣»، وهو الفرج. وفي حديث صحيح:" اصنعوا كل شيء ما خلا النكاح «٤» " وفي/ حديث

عمر:" اتق الحيضة والدبر «١» " اللهم إلا أن تنكر هذا، لكون غير الفرج ليس محلا لزرع الولد فيضع الماء ويصير بمثابة العزل، بناء على أن مقصود النكاح الأصلي إنما هو الولد، لكن هذا شيء قد منعناه، وسبق الجواب عنه «٢». قال:" وفي كتاب الرجم «٣» من مسلم: أن سعد بن عبادة «٤» قال لرسول الله: أرأيت لو أني وجدت مع امرأتي رجلا. أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال له رسول الله:" نعم «٥» ". قلت:/ وقد قدم هو وجه السؤال من هذا، وهو تكثير الزنا، وقدمنا جوابه.

ني وجدت مع امرأتي رجلا. أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال له رسول الله:" نعم «٥» ". قلت:/ وقد قدم هو وجه السؤال من هذا، وهو تكثير الزنا، وقدمنا جوابه.

[حكم الحنث فى اليمين وجمعة بين تعظيم الله ورفع الحرج عن المكلفين] قال: وفي حديث أبي موسى «١» حيث جاء يستحمله «٢» فقال:" والله لا أحملكم" ثم حملهم. فسألوه فقال:/ ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، وأنا والله- إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها أحسن منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير «٣» ". قلت: وجه سؤاله من هذا: أن الحنث في اليمين استخفاف بحق الله، وتهوين بعظمته، بناء على ما عندهم في الإنجيل عن المسيح أنه قال:" سمعتم ما قيل للأولين: لا تحنث في يمينك، وأوف الرب قسمك «٤» وأنا أقول لكم: لا تحلفوا البتة لا بالسماء فإنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه ولا

ببروشليم «١» فإنها مدينة الملك العظيم، ولا برأسك تحلف ولتكن كلمتكم: نعم. نعم. ولا. لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير «٢» ". والجواب: أن دين الإسلام مبني على رفع الحرج والضيق بناء على أن الغرض من تكليف الخلق تعظيم الله والانقياد له، لا لحوق «٣» المشقة لهم بذلك فمتى أمكن الجمع بين تعظيمه تعالى ورفع الحرج عن المكلفين كان ذلك حسنا جائزا، وتعظيم الله سبحانه في باب الأيمان يحصل إما بالتزام العقد معه بأن لا يحنث فيها، مثل أن يحلف أن يفعل فيفعل أو لا يفعل فلا يفعل، أو بالتكفير إن خالف ما حلف «٤» عليه «٥»، لأن في التزام التكفير بجزء من المال المحبوب طبعا، أو بالتعبد بإلحاق المشقة بالصوم للبدن تعظيما لله سبحانه ولا بدّ، وقد نص عليه

القرآن «١»، ولعل التعظيم بذلك أشد من التعظيم بالتزام ما حلف عليه، إذ قد يحلف أن لا يأكل هذه اللقمة فتركها عليه يسير غالبا، فإذا أكلها لمصلحة دينية وأعتق عوض ذلك رقبة «٢» أو أطعم أو كسى عشرة مساكين أو صام ثلاثة أيام متتابعة «٣» / كان ذلك لا شك أبلغ في تعظيم الله- ﷻ وتبارك اسمه-. وأما ما ذكروه عن المسيح من قوله:" لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله" فكلام متهافت لا تليق نسبته إلى المسيح. وبيان تهافته: أنه فاسد الاعتبار، إذ النهي عن الحلف بالسماء يقتضي عدم تعظيمها، وكونها كرسي الله يقتضي تعظيمها، وجواز الحلف بها، ثم إن هذا الكلام في الفصل الخامس من إنجيل متى، وهو

[متى يباح الكذب وتنزيه الأنبياء منه] مناقض لما في الفصل السادس والخمسين «١» منه حيث يقول:" من حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله والجالس عليه" فإنه يقتضي صحة الحلف بالسماء/ وجوازه «٢»، وأن الحالف بها حالف بالله سبحانه. فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء الذين يقدحون في دين الإسلام بهذا الكلام المتناقض المتهافت. وذكر حديث قتل كعب بن الأشرف «٣»، وأن محمد بن مسلمة «٤» خدعه

. فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء الذين يقدحون في دين الإسلام بهذا الكلام المتناقض المتهافت. وذكر حديث قتل كعب بن الأشرف «٣»، وأن محمد بن مسلمة «٤» خدعه

حتى استمكن منه فقتله، وذلك بإذن النبي- ﵇ «١». قلت: ووجه السؤال منه: أنهم خدعوه بإذن محمد حتى أمن وسلم نفسه إليهم ثم قتلوه وهذا غدر. قلت: وجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذا من باب الخديعة في الحرب، وهو جائز في دين الإسلام وقد قال النبي- ﵇ (الحرب خدعة) «٢» وغاية ما في الباب: أنه كذب.

لكن الكذب ليس قبيحا لذاته عندنا بل «١» لما فيه من المفسدة. فإذا تضمن مصلحة راجحة على مفسدته تعينت. وكان من قبيل اعتبار المصالح. ولا شك أن قتل كعب ابن الأشرف تضمن مصلحة دينية، وهو أنه كان يهجو النبي- ﵇ والمسلمين ويقذف نساءهم في شعره، ويأخذ أعراضهم، وهو يهودى ملعون من أعداء المسيح وقتلته/- على زعمك «٢» - وبعض هذا يوجب قتله وقتل كل يهودي على وجه الأرض. وأجمع «٣» العقلاء على أن الكذب واجب على من رأى ظالما يتبع نبينا أو وليا أو مظلوما بالجملة ليقتله. إذا سأله فليصده عنه «٤» بالكذب، ولو صدق حتى قتل ذلك المظلوم لأثم بالصدق. قال العلماء: الكذب: واجب، ومندوب، ومباح، وحرام. فالواجب: كالصورة المذكورة آنفا. والمندوب: الكذب للإصلاح «٥» بين

المؤمنين. وفي الحديث الصحيح: (ليس بالكاذب من أصلح بين اثنين فقال خيرا، أو نمى «١» خيرا «٢» والمباح: كذب الرجل لامرأته في الوعد والتأميل «٣»، ليكف شرها عنه أو لا تكدر «٤» عليه. والحرام: ما سوى ذلك وهو كل كذب لم يتضمن مصلحة راجحة على مفسدته «٥».

Bagian 9 dari 25