— Bagian 3 · فصل في عبادات السفر —
Bagian 3
فصل في عبادات السفر أسفار رسول الله ﷺ لم تكن تخلو من أحد أربعة أنواع: إما سفر الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لسفر عمرة، أو سفر حج، أو سفر جهاد، وهذا كان الغالب. وكان إذا عزم على سفر ضرب القرعة بين أمهات المؤمنين (١) فمن ظهرت قرعتها سافر بها. وأما في سفر الحج فإنه سافر بالمجموع، وكان يسافر أول النهار، ويحب أن يسافر في يوم الخميس (٢) وكان إذا جهز جيشا إلى الجهاد، أمرهم بالسير في أول النهار، وأمر جميع المسافرين، إذا كانوا ثلاثة أن يجعلوا أحدهم أميرا (٣). ونهى عن الوحدة دنى السفر، وقال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب" (٤). ولم يرد سفرا إلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهم إليك توجهت وبك اعتصمت، اللهم كفنى ما أهمنى وما أهتم له، اللهم زودنى التقوى، واغفر لي ذنوبى، ووجهنى للخير أينما توجهت". وكان إذا وضع رجله الباركة في الركاب قال. "بسم الله"، وإذا استوى على ظهر المركب. قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (٥)، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك
َّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (٥)، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك
إنى ظلمت نفسي، فاغفر لي ذنوبى، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، وأطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب (١)، وسوء المنظر في الأهل والمال". وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" (٢) "وكان ﷺ وهو وأصحابه إذا علو الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا" (٣). وكان ﷺ إذا أشرف على بلدة، أو قرية، يريد دخولها قال: "اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أظللن، ورب الرياح وماذرين، أسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها". وفي بعض الأحيان كان يقول: "اللهم إنى أسألك من خير هذه القرية، وخير ما جمعت فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر ما جمعت فيها، اللهم أرزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحى أهلها إلينا" (٤). وكان ﷺ الصلاة الرباعية، فما جميع أسفاره، ولم يثبت أنه أتمها في وقت من الأوقات، والحديث المروى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ: "كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر، ويصوم" (٥) لم يبلغ الصحة.
ه، ولم يثبت أنه أتمها في وقت من الأوقات، والحديث المروى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ: "كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر، ويصوم" (٥) لم يبلغ الصحة.
وكان من العادة النبوية، أن يقتصر في السفر على صلاة الفرض، ولم يحفظ أنه في السفر صلى شيئا من السنن، لا قبل الفرض ولا بعده، إلا ركعتى الفجر والوتر، وكان يصلى صلاة التهجد على ظهر المركوب. وعن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يصلى في السفر على راحلته حيث توجهت يومئ إيماء "يعني صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته" (١). وثبت عن رسول الله ﷺ، في حال قصر الصلاة أنه ما كان يدع صلاة الليل، لكن ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلون السنة، كان أصحاب رسول الله ﷺ، يسافرون فيتطوعون، قبل المكتوبة وبعدها. وأما ابن عمر فكان لا يصلى السنة، ولا يترك صلاة الليل، كما كانت عادة النبي ﷺ، فلو صلاها أحد جازت صلاته، وكانت تطوعا مطلقا لا راتبة. ونقل عن البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي ﷺ ثمانية عشر سفرا فلم أره يترك ركعتين عند زيغ الشمس قبل الظهر (٢). قال الترمذي: حديث غريب، وسألت عنه محمدا - يعني البخاري - فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ورآه حسنا. وكان من عادته ﷺ، إذا صلى السنة على راحلته، أن يتوجه حيثما توجهت، وإن توجهت لغير القبلة، وكان يومئ في الركوع والسجود. وثبت في سنن أحمد وسنن أبي داود، "أنه كان يوجه راحلته إلى القبلة حال تكبيرة الافتتاح ثم يتمم إلى حيثما توجهت الراحلة" (٣).
ان يومئ في الركوع والسجود. وثبت في سنن أحمد وسنن أبي داود، "أنه كان يوجه راحلته إلى القبلة حال تكبيرة الافتتاح ثم يتمم إلى حيثما توجهت الراحلة" (٣).
وروى الترمذي في حديث مستقيم الإسناد أنه صلى الفرض مرة، على ظهر مركبه واقتدت به الصحابة ركبانا، ولفظه: "انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم والبلة من أسفلهم فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن، وأقام ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته فصلى بهم، يومئ فجعل السجود أخفض الركوع" (١). وكان من عادته ﷺ إذا وقع الرحيل قبل الزوال، أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فإذا نزل جمع بين الظهر والعصر. وإن دخل وقت الظهر، قبل الرحيل صلى الظهر ثم ركب، وكذا في المغرب والعشاء، وإن كان في وقت المغرب والعشاء سائرا آخر الصلاة إلى وقت العشاء ليصلهما معا، وفي بعض الأوقات جمع بين الظهر والعصر، في وقت الظهر، ثم ركب، وكذا في المغرب والعشاء" (٢). ولم يكن يعتاد الجمع في السفر فيما علمت، لكن إذا كان السير حثيثا جمع، وأما الجمع في حالة النزول، والقرار، فلم يرد ولم يعين للقصر والجمع مسافة، ولم يرد في هذا الباب شيء صحيح بل رخص في مطلق السفر، وكذا التيمم لم يرد فيه سفر محدود.
فصل في عادة الحضرة النبوية ﷺ حال قراءة القرآن واستماعه وكمال خضوعه وخشوعه وبكائه حال سماعه كان له ﷺ في اليوم وظيفة معينة، يتلوها لا يتركها أبدا إلا لضرورة، وكان يقرأ مرتلا، مفسرا، مبينا، حرفا حرفا، ويقف عند آخر كل آية، ويتمم المد في حروف المد، كالمد في الرحمن الرحيم، فإنه كان يتمم المد في كل. وكان يقول في أول القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وفي بعض الأوقات يقول: "اللهم إنى أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه أو نفخه ونفثه" وكان يحب سماع القرآن من الغير" (١). وأمر عبد الله بن مسعود ﵄ أن يقرأ عليه القرآن فلما أخذ في القراءة استمع له ﷺ وأخذ في الخشوع والتضرع والبكاء حتى جرى ماء عينيه" (٢). وكان يقرأ القرآن على كل حال قائما، وقاعدا، ونائما، متوضأ، وغير متوضأ، ولم يكن يمنعه شيء من القراءة غير الجنابة، وكان يتغنى بالقرآن في بعض الأوقات، ويرجع في ذلك كما يفعله من الحفاظ من كان حسن الصوت، وكذا قراءة سورة الفتح في يوم فتح مكة. وكان ﷺ يقول: "زينوا القرآن بالأصوات الحسنة" وقال: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا" (٣) قيل لراوى الحديث: فإن كان شخص لا يحسن ذلك؟ قال: يبذل طاقته فيما استطاع من تحسين القراءة.
وينبغي أن يعلم: أن التطريب، والتغني على نوعين: نوع تقتضيه الطبيعة وتسمح به من غير تكلف، وهو لا يحتاج إلى تمرين وتعليم، بل لو حلى شخص وطبعه لصدر منه ذلك التطريب والتلحين، وهذا النوع جائز بالإجماع، ولو أعانته الطبيعة على زيادة تحسين وتزيين، كما قال أبو موسى الأشعري لسيدنا رسول الله ﷺ "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا" (١) يعني لو كنت أعلم أنك تستمع قراءتى، لأتممت التزيين والتحسين. (النوع الثاني): هو ما يحصل من سماحة الطبع، بل يحتاج فيه إلى التعليم، والتمرين، والتكلف، كأصوات المطربين إدا عمدوا إلى الإيقاع بأنواع الألحان، وقرأوا بأصوات وإيقاعات مخصوصة، وهذا النوع مكروه عند جماعات السلف وقد منعوا من القراءة به.
كلف، كأصوات المطربين إدا عمدوا إلى الإيقاع بأنواع الألحان، وقرأوا بأصوات وإيقاعات مخصوصة، وهذا النوع مكروه عند جماعات السلف وقد منعوا من القراءة به.
فصل في العادات النبوية في تفقد المريض كان ﷺ يعود كل مريض من أصحابه، وكان إذا دخل على المريض قرب منه، وقعد عند رأسه، وسأله عن حاله، وقال: كيف تجدك. وكثيرا ما كان يقول: ما الذي تريد، وما الذي تشتهيه طبيعتك، فإن اشتهى شيئا لم يضره، أمر له به، وكان يجعل يده اليمنى على المريض، ويقول: "اللهم رب الناس أذهب البأس اشف، أنت الشافى، ولا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما، امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء ولا كاشف له إلا أنت" (١). وكان يدعو للمريض ثلاث مرات، ولما عاد سعدا. قال: "اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا" (٢). وكان إذا دخل على مريض يعوده، يقول لا بأس طهور إن شاء الله، وفي بعض الأحيان يقول: كفارة، وطهور، وكان إذا اشتكى الإنسان الشئ منه، أو قرحة، أو جرح وضع النبي ﷺ السبابة على الأرض، ثم رفعها وقال: "بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا" (٣). وقالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ، إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه، ثم نفث فيهما: - يعني جمع نفسه ونفخ - يقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما، ما
لله ﷺ، إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه، ثم نفث فيهما: - يعني جمع نفسه ونفخ - يقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما، ما
استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات" (١) قالت: فلما اشتكى، كان يأمرنى أن أفعل ذلك به، فكنت آخذ بيديه، وأمسح بهما لبركتهما. وفي رواية أخرى: كان النبي ﷺ يقرأ، ويتنفث، وعائشة ﵂ تأخذ بيديه، وتمسح بهما بدنه، كان غاية الضعف، والوجع، كان يمنع من تحريكهما، ولم يجعل للعبادة يوما معيشا بل كان يعود في جميع الأوقات هن الليل والنهار، وقال: "عائد المريض مخرفة الجنة" (٢). وفي رواية أخرى: "لم يزل في خرفة الجنة، وما من مسلم يعود مسلما مريضا، غدوة، إلا صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يمسى، وإن عادة عشية صلى عليه سبعون ألف ملك، حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة" (٣). وكان ﷺ يعود من رمد العين. وكان يخدمه ﷺ شاب من اليهود، فلما مرض (٤) عاده، ولا مرض عمه أبو طالب عاده، مع أنه كان مشركا، وكان عرض عليهما الإسلام فلم يقبل أبو طالب وأسلم اليهودى (٥).
فصل في العادة النبوية في أحوال الميت وأداء حقوقه كانت عادته ﷺ مشتملة على الإحسان العظمى إلى الميت، ومعاملته بأمور تنفعه في القبر، وفي القيامة، وعلى الإحسان لأقاربه وأهل بيته، وعلى تعليم الأحياء، ما يؤدون به حق العبودية، في معاملة الميت. وأول الإحسان إلى الميت أنه كان يأمر بتجهيزه نحو آخرته، على أحسن الأحوال، وأفضل الصفات. ثم يقف ﷺ وجميع أصحابه صفا، يستغفرون للميت، ويطلبون له الرحمة، من حضرة ذي العزة، ثم يسيرون معه إلى مدفنه، ويقوم هو وأصحابه على قبره يدعون له، ويسألون له التثبيت والرحمة، عند أشد ما يكون محتاجا إليها، ثم لا يزال يتعهد قبره، ويخصه بالدعاء، الذي يستوجب الروح، والراحة، والمغفرة، والرحمة. وكان يعوده قبل موته، ويذكره بالآخرة، ويأمره بالتوبة، والوصية، ويأمر من حضر مريضا مشرفا أن يلقنه الشهادة، ليكون آخر كلامه كلمة التوحيد.
غفرة، والرحمة. وكان يعوده قبل موته، ويذكره بالآخرة، ويأمره بالتوبة، والوصية، ويأمر من حضر مريضا مشرفا أن يلقنه الشهادة، ليكون آخر كلامه كلمة التوحيد. وكان يمنع من عادات أمم الذين لا يؤمنون بالبعث والنشر بحال، وينهى عن لطم الحدود، وشق الجيوب، وحلق الرأس، وأمثال ذلك، ويردع عليه ردعا بليغا، ويأمر بالحمد، والاسترجاع والرضا، ولا ينهى عن جرى الدمع، وحزن القلب. ومع أنه كان أرضى الخلق لقضاء الحق، وأشكرهم، وأصبرهم، أجرى الدمع، وبكى لما توفى ولده ابراهيم، وعمره سنتان وقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (١).
وكان من كمال عاداته النبوية أن يأمر بتجهيز اليث، وتطهيره، وتنظيفه، ودفنه بسرعة، وأن يكفن في ثياب بيض. وكانت الصحابة مدة إذا احتضر شخص، وأشرف على الموت، دعوا حضرة الرسول فحضر ﷺ هناك إلى أن يتوفى، ويجهزه ويصلى عليه، ويشيعه إلى القبر، فلما رأت الصحابة ما في ذلك من المشقة، اقتصروا على أن يعلموه بعد وفاة الشخص، ليحضر التجهيز والصلاة والدفن، ثم رأوا أن هذا لا يخلو من مشقة، فكانوا يجهزون الميت، ويحملونه إليه ﷺ ليصلى عليه حينا بالمسجد، وحينا خارجه، وكلاهما يجوز. وفي الحديث المروي عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قال: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له (١) " غلط، وصوابه مارواه الخطيب البغدادي. وقال: هو في الأصل في شيء عليه (٢). وقال بعض أئمة الحديث: هذا الحديث ضعيف لأنه من إفراد صالح مولى التوءمة، وقد صلى على أبي بكر، وعمر في المسجد، بحضرة جميع المهاجرين والأنصار، ولم يصدر من أحد إنكار. وكان يأمر أن يغسل الميت ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر، على حسب ما يقتضيه رأى الغاسل، وأن يجعل في الغسلة الآخرة شيئا من الكافور، وكانوا لا يغسلون الشهيد، وينزعوا عنه السلاح، والملبوس، ويستعملون شيئا من الطيب، وإدا قصر الكفن غطوا رأسه، وجعلوا على رجليه شيئا من الأب (٣).
لكافور، وكانوا لا يغسلون الشهيد، وينزعوا عنه السلاح، والملبوس، ويستعملون شيئا من الطيب، وإدا قصر الكفن غطوا رأسه، وجعلوا على رجليه شيئا من الأب (٣).
وكان من العادات إذا أحضروا ميتا، سأل ﷺ هل عليه دين (١)؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه، وإلا أمر أصحابه فصلوا عليه، ولما كثرت الفتوحات وظهرت الغنائم صلى ﷺ على المديون، وقضى دينه، وكان إذا شرع في الصلاة، قرأ الفاتحة بعد التكبيرة الأولى. والمحفوظ من الدعاء، الذي كان يقرأ في الصلاة على الميت. هذا: "اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار" (٢). وحينا كان يقول: "اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، وشاهدنا، وغائبنا، اللهم من أحييت منها، فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده" (٣). وفي بعض الأوقات. كان يقول: "اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبله جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء، والحق، فاغفر له، وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم" (٤). وحينا كان يقول: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، تعلم سرها، وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها" (٥).
). وحينا كان يقول: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، تعلم سرها، وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها" (٥).
وكان يكبر في بعض الأحيان أربعا، وفي بعضها خمسا، وفي بعضها ستا، والذين يمنعون من الزيادة على أربع. يقولون: ثبت أن آخر صلاة صلاها الرسول ﷺ كان أربعا. وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن الملائكة لما صلوا على آدم كبروا أربعا. وقالوا: هذه سنتكم يابنى آدم؟ وكان يخرج من الصلاة بتسليمتين، وقد يقتصر على واحدة. وكان يرفع يديه في كل تكبيرة، وحيثما فاتته صلاة الجنازة على شخص صلى على قبره فصلى مرة على قبر، بعد يوم وليلة، وأخرى بعد ثلاثة أيام، وأخرى بعد شهر، وحديث الصلاة على القبر صح من طرق ستة. وكان يصلى على الطفل الميت، ويقول: "صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم" (١)، وكان لا يصلى على من أهلك نفسه، ولا على من كان يخون في الغنائم، ويصلى على من قتل بحد شرعى. وثبت أنه صلى على الجهنية التي رجمها فقال عمر: تملى على من زنى؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل الدينة لكفتهم" (٢). وأي توبة أفضل، من توبة من وضع نفسه في طريق الحق؟ وكان إذا صلى على الميت، سار معه إلى المدفن ماشيا وقال "عجلوا في الذهاب" (٣). وكان لا يجلس حتى توضع الجنازة عن رقاب الرجال، وقال: "إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع". وكان لا يصلى على كل غائب، لكن صح أنه
ا في الذهاب" (٣). وكان لا يجلس حتى توضع الجنازة عن رقاب الرجال، وقال: "إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع". وكان لا يصلى على كل غائب، لكن صح أنه
صلى على النجاشى وقد توفى بالحبشة، وأمر الصحابة بذلك. وقال: "توفى أخ لكم فصلوا عليه" (١) وصلى على معاوية الليثى، صلاة الغائب. واختلف الفقهاء في هذا. فقال الشافعى وأحمد: الصلاة على الغائب سنة مطلقا، وأبو حنيفة ومالك يمنعان مطلقا، وبعض المحققين يقول: إن كان قد مات في بلد لم يصل عليه صلينا، وإن صلى عليه فقد سقط الفرض فلا حاجة، وكانت العادة أن لا يدفن الميت وقت طلوع الشمس، ولا وقت غروبها، ولا وقت استوائها، وكانوا لا يرفعون القبر، ولا يبنون عليه بآجر، ولا نورة، ولا حجر، ولا لبن، ولا غير ذلك. وكانوا لا يجعلون على هذا القبر، عمارة ولا قبة، وهذا كله بدعة، ومكروه، ومخالف للطريقة النبوية، وبعث رسول الله ﷺ، علي بن أبى طالب أن لا يدع تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه، ونهى أن يتخذ على القبر مسجد أو يشعل عليه سراج، ولعن فاعل ذلك، ونهى عن الصلاة عند المقابر، وعن الصلاة على القبر (٢)، ونهى عن إهانة القبور، وعن أن تداس أو يتكأ عليها، أو يجلس عليها (٣). ومن العادات النبوية زيارة القبور، والدعاء، والاستغفار، ومثل هذه الزيارة تستحب، وقال: "إذا رأيتم المقابر فقولوا: السلام عليكم أهل الديار
من المؤمنين، والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية" (١). وكان يقرأ وقت الزيارة من نوع الدعاء، الذي كان يقرؤه في صلاة الميت، وقد ذكرناه فيما تقدم، وكانت العادة أن يعزى أهل الميت ويأمرهم بالصبر، ولم تكن العادة أن يجتمعوا للميت، ويقرأ له القرآن ويختموه عند قبره، ولا في مكان آخر، وهذا المجموع بدعة ومكروه، ولم يكن من عادة أهل الميت، أن يرسلوا للناس طعاما، بل كان يأمر الناس أن يرسلوا لأهل الميت طعاما لأنهم من المصيبة، في شغل كاف.
فصل الصلاة أثناء معارك الرسول ﷺ - كان إذا دخل وقت الصلاة في حال القتال، والعدو إلى جانب القبلة، تقدم ﷺ واصطفت الأصحاب عقبه، وشرعوا في الصلاة، وركعوا بجملتهم، ورفعوا الرؤوس من الركوع بجملتهم، ثم أخذوا في السجود بعد هذا، سجد معه أهل الصف الأول، واستقام أهل الصف الثاني، تجاه العدو، حتى إذا فرغ النبي ﷺ وأهل الصف الأول، من الركعة الأولى، وقاموا إلى الركعة الثانية، هناك يسجد أهل الصف الثاني، ثم يقومون، ويتقدمون إلى مكان أهل الصف الثاني، سجدتا الركعة الثانية، ليحصل لكلتا الطائفتين فضيلة الصف الأول، وليحصل لأهل الصف الثاني مع النبي ﷺ كما حصل لأهل الصف الأول (١) - سجدتا الركعة الأولى، فيتساويان في الفضيلة، وذا غاية العدل، فإذا جلس في التشهد، سجد أهل الصف المؤخر، ثم لحقوه في التشهد وسلم المجموع بالاتفاق. وأما إذا لم يكن العدو في جهة القبلة، جعل الناس طائفتين: طائفة تجاه العدو، وطائفة معه، وصلوا مع النبي ﷺ، ثم صاروا إلى مكان تلك الطائفة فأدركوا الركعة الثانية مع الرسول ﷺ، ثم سلم هو وقضى كل من الطائفتين ركعة بعد سلام الرسول ﷺ. وفي بعض الأحيان كان يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، فإذا تشهد خرج المأمون من الصلاة وتوقف الرسول ﷺ في التشهد، إلى أن تأتى الطائفة
عة بعد سلام الرسول ﷺ. وفي بعض الأحيان كان يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، فإذا تشهد خرج المأمون من الصلاة وتوقف الرسول ﷺ في التشهد، إلى أن تأتى الطائفة
الأخرى، فيصلي بهم ركعتين، ويسلموا جميعا، فيكون قد صلى ﷺ أربعا، وهم ركعتين، وحينا كان يصلي بكل طائفة ركعتين مستقبلا ويسلم، وحينا كان يصلى بكل طائفة ركعة. والطائفة الأولى يخرجون من الصلاة بعد تمام ركعة، وتأتى الطائفة الأخرى، فيصلون مع الرسول ﷺ، ويخرجون معه من الصلاة، فتكون طائفة قد صلت ركعة، وصلى الرسول ﷺ ركعتين (١). وهذه الوجوه كلها جائزة، وبعض علماء الحديث روى هذه الصلاة على خمسة عشر وجها، لكن أصح الوجوه هذا الذي بيناه، وبالله التوفيق.
فصل مراعاة النبي ﷺ لأحوال الفقراء في الزكاة كان من العادة النبوية في الزكاة مراعاة الفقراء، مع مراعاة أصحاب الأموال والنظر في مصلحة الجانبين، بأقصى الغاية، وأوجب الزكاة في أصناف أربعة من المال، دورانها بين الخلق أكثر، واحتياج الناس إليها أوفر. الصنف الأول: الزروع والثمار. الصنف الثاني: بهيمة الأنعام من الإبل، والبقر، والغنم (١). الصنف الثالث: الذهب والفضة اللذان بهما قوام معاش العالم. الصنف الرابع: أموال التجارة من أي صنف، وأمر أن تؤدى في السنة مرة، وفي الزرع والثمار يوم حصاده على الفور، وذا غاية العدل، وبحسب سعى الشخص في تحصيل المال، وسهولته، ومشقته تفاوت الواجب، فيما بين ﵌. لا جرم أوجب الخمس، في مال يحصل من غير مشقة، وتكلف، كما إذا وجد كنز، ولم يعتبر السنة في ذلك، بل حال ما يجده عليه إخراج الخمس، وما لا بد في تحصيله من مشقة وكلفة ما أوجب فيه نصف ذلك. كالزروع، والثمار الحاصل من ماء المطر، وأوجب نصف ذلك فيما يحتاج في تحصيله إلى زيادة تكلف من دولاب أو بئر، أو شراء ماء. وأوجب نصف ذلك فيما يحتاج إلى عمل، وتعب دائم، كارتكاب مشقة الأسفار، وركوب البحار، والترقب، والانتظار، وما أشبه ذلك. وأيضا عين في كل نوع من المال نصبا بحسب مصلحة الحال. ففى الفضة مائتا درهم، وفي الذهب عشرون مثقالا، وفي الغلات والثمار ثمانمائة مد
تظار، وما أشبه ذلك. وأيضا عين في كل نوع من المال نصبا بحسب مصلحة الحال. ففى الفضة مائتا درهم، وفي الذهب عشرون مثقالا، وفي الغلات والثمار ثمانمائة مد
شرعى، وذلك وقر خمس من الإبل العراب، وفي الغنم أربعون، وفي البقر ثلاثون، وفي الإبل خمس. ولما لم يحتمل هذا النصاب المواساة من جنسه عين شاة، في كل خمس من الإبل، أما إذا بلغ خمسا وعشرين احتمل أن يؤدى من جنسه، لا جرم يكون مخيرا بين خمس شياه وبعير، ومن علم أنه من أهل الزكاة أعطاه منها، وإن طلب شخص من الزكاة شيئا، ولم يعلم حاله أعطاه. إما إذا علم غناه، أخبره أن لاحظ فيها لغنى، ولا لقوى مكتسب. وكانت العادة أنهم إذا أخذوا الزكاة من مدينة، أو قرية، صرفوها على فقراء ذلك المكان، فإن فضل شيء، أتوا به إلى حضرة الرسول ﷺ، فيصرفه لفقراء المدينة. ولم يكن من العادة النبوية، أخذ الزكاة من الخيل، والرقيق، والبغال، والحمير، والبقول، والبطيخ، والخيار، والعسل، والفواكه، التي لا تدخل المكيال، ولا تصح للادخار، إلا الرطب، والعنب، فإنه كان يأخذ الزكاة منهما، لا يفرق بين الرطب واليابس، ومن أتى بزكاته، إلى حضرة سيدنا، رسول الله ﷺ دعا له وقال: "اللهم بارك فيه وفي إبله" (١). وكان ينهى المتصدق، أن يشترى صدقته، وكان يدوغ إبل الصدقة، بيده المباركة، وفي الغالب كان يدوغ على الأذن، وربما اقترض لمصالح الإسلام، وأحال على مال الصدقة، وفي أوقات الضرورة، كان يطلب زكاة سنتين تقدمة.
فصل في زكاة الفطر كان ﷺ يرسل مناديا، ينادى في الأسواق، والمحلات، والأزقة من مكة: "ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير" (١) مدان من قمح، أو سواه صاعا من طعام". وثبت في سنن النسائى: أنه لما أفضت نوبة الحلافة إلى أمير المؤمنين، علي ﵁. قال: أما إذا وسع الله عليكم فأوسعوا، اجعلوا صاعا من بر وغيره. وفي لفظ أبي داود: فلما قدم على ﵁، رأى رخص السعر. فقال: قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعا من كل شيء. ومن العادة النبوية، أن تؤدى زكاة الفطر، قبل صلاة العيد وكان يقول: "من أداها قبل صلاة الفطر فهى صدقة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات" (٢)، وفي الصحيحين عن ابن عمر، أنه قال: "وأمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة (٣). وظاهر هذه الأحاديث، أنها بعد الصلاة لا تجزى، وكان يخص المساكين بهذه الصدقة، ولا يقسمها على الأصناف الثمانية، ولم يرد بذلك أمر نصا، وبه قال بعض العلماء ويجوز الصرف للأصناف الثمانية.
وأما صدقة التطوع فإنه كان يحبها حبا شديدا، وكان يسر بأدائها، أشد من سرور الفقير بأخذها، وكان لا يستكثر ما يصرفه في طريق الحق، بل يحسبه قليلا وما سأله أحد شيئا حاضرا إلا أجابه، ولم يعده كثيرا قل أو جل. وكان يعطى عطاء من لا يخاف الفقر، ولا يبالى بالعدم، وإذا رأى محتاجا أثره بطعامه وشرابه، وكان يتنوع في العطاء والصدقة، فحينا يهب وحينا يتصدق، وحينا يهدى، وحينا يشترى شيئا، ويدفع ثمنه، ثم يهبه لبائعه، وحينا كان يقترض، ويؤدى أكثر من المبلغ، وحينا كان يشترها شيئا، ويؤدى أكثر من الثمن، وحينا كان يقبل الهدية وينعم بأضعافها، وكان الغرض من إيصال أنواع الإحسان إلى الخلق، مهما أمكن، وكان يأمر الناس بالصدقة، ويحرص عليها، وكان يدعو إلى السماحة والسخاوة بحاله ومقاله، بحيث أن البخيل الشحيح، إذا رآه أثر فيه وتخلق بالكرم، والبذل، وكل من خالطه وصاحبه، لم يكد يملك نفسه، حتى يغلبه الإحسان، والبذل، ولهذا لم يزل منشرح القلب، طيب النفس، منبسط الخاطر ﷺ.
أثر فيه وتخلق بالكرم، والبذل، وكل من خالطه وصاحبه، لم يكد يملك نفسه، حتى يغلبه الإحسان، والبذل، ولهذا لم يزل منشرح القلب، طيب النفس، منبسط الخاطر ﷺ.
فصل في أسباب انشراح صدر حضرة سيدنا رسول الله ﷺ الذي أنزلت فيه سورة (ألم نشرح لك صدرك) للإمتنان بتلك النعمة ينبغي أن يعلم أن أجل أسباب انشراح الصدر هو: التوحيد. وبحسب كماله وتمامه، وقوته، وزيادته، يزيد انشراح الصدر. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) وقال الله تعالي: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) فلا جرم أن يكون التوحيد، والهداية، من أعظم أسباب انشراح الصدر، والشرك والضلالة هن أعظم أسباب ضيق الصدر والقلب. ومن جملة أسباب انشراح الصدر، نور يجعله البارى تعالى، في قلب العبد، ضياء وذلك نور الإيمان، فمتى ما وقع في قلب العبد، دخله الفرح، والسرور، والانشراح وسعة القلب، وظهر فيه. وإذا فقد ذلك النور وقع في ضيق القلب، وابتلى بالشدة، والمشقة، وقال ﷺ: "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح" قالوا: وما علامة ذلك
ح وسعة القلب، وظهر فيه. وإذا فقد ذلك النور وقع في ضيق القلب، وابتلى بالشدة، والمشقة، وقال ﷺ: "إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح" قالوا: وما علامة ذلك
يا رسول الله؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله" (١). وينبغي أن يعلم أن نصيب الشخص، من انشراح الصدر، وسعة القلب، بحسب نصيبه من كثرة النور، ومن هذه الجهة للنور المحسوس أيضا من فرح الخاطر، وشرح الصدر، حظ وافر، والظلمة المحسوسة بعكس ذلك. ومن جملة أسباب دلك أيضا العلم، فإن العلم يجعل كل زاوية من روايا القلب، أوسع، وأشرح من السماء والأرض، وكلما زاد علم الشخص، زاد انشراح صدره، وليس المراد من هذا كل علم، بل العلم المورث من الأنبياء. فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا، ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، أشار إلى ذلك العلم. وأهل ذلك أوسع قلبا، وأطيب عيشا، وأحسن خلقا، من سائر الخلق ومن هذا العلم تتولد الإنابة، ومحبة الحق، وللمحبة في شرح الصدر مدخل عظيم، وكلما نمت المحبة، وقويت، زاد شرح الصدر، وكمل، وأعظم أسباب ضيق الصدر وأقوى موجباته الإعراض عن الحق، وتعلق القلب بغير ذلك الجناب، والغفلة عن ذكر الحق، ومحبة غيره. ومن أحب غير الحق عذب به، وحبس معه، ولم يك في العالم أسوأ حظا منه، ولا أمر عيشة ولا أكثرهما، لأن المحبة محبتان: إحداهما: سرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروع، ودواء الهموم، وهي محبة الحق ﷾ بكل قلب.
والأخرى: عذاب الروح، وهم النفس، وحبس القلب، وضيق الصدر، ومادة كل بلاء وهي محبة غير الحق، وأيضا جملة أسباب شرح الصدر: دوام ذكر الحق في حال، وأيضا الإحسان إلى خلق الله، مهما أمكن من جار، ومال، وغير ذلك، وأيضا الشجاعة، وأيضا تطهير القلب، من الصفات المذمومة. والرسول ﷺ كان صاحب الكمال، في مجموع هذه الخصال، ومن جعل اتباعه قصده، يكون أكمل الخلق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
باب صيام النبي ﷺ -
فصل صيام النبي ﷺ - كان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان، وكان يستغرق أوقاته بالذكر والصلاة والاعتكاف، والتلاوة، ويخص هذا الشهر العظيم بأنواع العبادات. وكان يواصل في بعض لياليه، وينهى غيره عن الوصال، فقالوا: أتواصل وتنهانا يا رسول الله؟ قال: "لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي" وفي لفظ: "أظل عند ربي يطعمني ويسقيني" (١). وللعلماء في ذا الطعام أقوال: أحدها: أنه طعام وشراب محسوس، فإن هذا حقيقة اللفظ، وليس في الظاهر ما يوجب العدول عن الحقيقة فتعين الحمل على الحقيقة. الثاني: أن المراد غذاء روحاني، يحصل من المعارف، ولذة المناجاة، وفيضان اللطائف الإلهية الواردة على قلبه الكريم وتوابعها من نعيم الأرواح، ومسرة النفس، والروح والقلب، ونور البصر، ويحصل بذلك من القوة، والمسرة، ما يستغنى به عن الغذاء الجسمانى. لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهها عن الزاد لها بوجهك نور تستضئ به ... ومن حديثك في أعقابها حادى إدا اشتكى من كلال السير واعدها ... روح القدوم فتحيا ضد ميعاد وهذا القول الثاني هو المختار، لأنه يتصور الوصال لو حمل على حقيقة الطعام والشراب بل يبطل الصيام.
ى من كلال السير واعدها ... روح القدوم فتحيا ضد ميعاد وهذا القول الثاني هو المختار، لأنه يتصور الوصال لو حمل على حقيقة الطعام والشراب بل يبطل الصيام.
وكان من العادة أن لا يشرع في صيام رمضان إلا بعد رؤية الهلال على التحقيق، أو بشهادة الواحد العدل كما صام مرة بشهادة ابن عمر، ومرة بشهادة أعرابى، واكتفى بمجرد اختبارهما، ولم يكلفهما لفظ الشهادة، فإن لم ير ولم يشهد به أتم شعبان ثلاثين يوما (١)، ثم صام وأمر الناس أن يصوموا بشهادة شخص واحد، ويفطروا بشهادة شخصين، وكان يعجل الفطر (٢) ويواظب على السحور ويؤخره، وأمر الأمة بالسحور وتأخيره، وأمر أن يفطر الصائم بثلاث رطبات، فإن لم يجد فثلاث تمرات، فإن لم يجد فالماء. وهذا غاية الشفقة على الأمة، لأن الطبيعة أوآن خلو المعدة، تقبل على الطعام أتم إقبال، فإذا كان الحلو أول واصل إلى المعدة ينتفع البدن بقبوله، غاية الانتفاع، على الخصوص القوة الباصرة، فإن انتفاعها بالحلو يكون أزيد من انتفاع سائر القوى، ولما كان التمر حلو الحجاز، وطبائعهم قد نشأت عليه، كان انتفاعهم به أزيد من انتفاعه بغيره من أنواع الحلواء من جهة الطب. وأما وجهة الشرع، وأسرار ذلك، فالحق جل شأنه جعل تمر المدينة ترياقا، ودواءً لكل الهموم، ببركة سيد العالم، صلوات الله عليه وسلامه، ومن ثم قال: "إن في عجوة العالية شفاء من كل داء وأنها ترياق أول البكرة" (٣) وقال في موضع آخر "من تصبح بسبع تمرات مما بين لابتيها لن يضره ذلك اليوم ولا سحر" (٤).
"إن في عجوة العالية شفاء من كل داء وأنها ترياق أول البكرة" (٣) وقال في موضع آخر "من تصبح بسبع تمرات مما بين لابتيها لن يضره ذلك اليوم ولا سحر" (٤).
وليس يظهر للأطباء الرسميين في هذا المقام غير التحير، ودوران الرأس، وسر ذلك يعلمه أطباء القلوب، وفي وقت الإفطار، كان يقول هذا الدعاء: "اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم" (١)، وفي إسناده مقال. وثبت في سنن أبي داود أنه كان يقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" (٢) وجاء في بعض الروايات أنه كان يقول: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر" (٣). وكان ينهى الصائم عن الرفث، وعن الجهل، وقال: "إن قاتله أحد أو شاتمه فليقل إنى صائم" (٤) وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قال بعضهم: السنة أن يقول في جوابه هذا اللفظ بلسانه وذا أظهر الأقوال. قال بعضهم: يقول بقلبه ويذكر نفسه أنه صائم لئلا يشتغل بالجواب. قال بعضهم: إن كان صومه فرضا يقول بلسانه وإن كان سنة يقول بقلبه ليكون أبعد عن الرياء.
فصل إفطار الرسول ﷺ خلال رمضان كان ﷺ إذا سافر في رمضان أفطر في بعض الأحيان وصام في بعضهما، وخيّر الناس في الصوم والإفطار، وكان إذا اقترب من العدو أمر بالإفطار، وإن وقع مثل هذا في الحضر، وإن كان في إفطار العسكر تقوية على العدو حل الإفطار، وكان من العادة النبوية في ليالى رمضان، أنه إن احتاج إلى الغسل، اغتسل في الليل، وفي بعض الليالى كان يؤخر ويغتسل بعد الصبح، وكان يقبل أمهات المؤمنين في أيام رمضان. والحديث الذي رواه ابن ماجه سئل النبي ﷺ عن رجل قبل امرأته وهما صائمان؟ فقال: "قد أفطر" (١) إسناده ليس بثابت، ولم يبلغ درجة الصحة. ومن أكل الطعام أو شرب ناسيا لم يأمره بالقضاء، وكان يقول: "إن الله هو الذي أطعمه وسقاه" وكان يعد هذا الأكل والشرب منزلة أكل النائم وشربه، وكان يحتجم في رمضان ويستاك، وكان لا يبالغ في الضمضة والاستنشاق، ولم يصح في النهي عن السواك والاكتحال حديث، وورد في هذا الباب حديثان: "اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم (٢)، والآخر قال في الكحل: "ليتقه الصائم" (٣) وهذان الحديثان ضعيفان، لا يصلحان للاحتجاج.
فصل في صيام النافلة كان رسول الله ﷺ يصوم نافلة، حتى يظنوا أنه لا يفطر، ويفطر حتى يظنوا أنه لا يصوم نافلة بعدها، وكان لا يدع شهرا خاليا من الصيام، وما يفعله العوام من صيام الأشهر الثلاثة لم يرد فيه شيء. ونهى عن صيام رجب، وقال في سنة شوال: "ومن صام رمضان واتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر" (١)، وكان يصوم عاشوراء البتة. ولصيام عاشوراء ثلاث مراتب: أفضلها وأكملها أن يصوم ثلاثة أيام، العاشر، ويوم قبله، ويوم بعده. المرتبة الثانية: أن يصوم التاسع، والعاشر. المرتبة الثالثة: أن يصوم العاشر على انفراده، وأما صوم التاسع على انفراده، فإنه لا يجزى عن السنة، وأما يوم عرفة، فإن كان في الحج أفطر، ليتقوى على الدعاء والاجتهاد، ولأن الإفطار في السفر أفضل. وأيضا فإنه كان يوم الجمعة، وإفراد صوم الجمعة مكروه، وأيضا فإن يوم عرفة لأهل الموقف عيد، فإنهم كانوا يجتمعون فيه، كما يجتمع غيرهم من مواطن الأعياد. وورد في الحديث النبوي "ويوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل (٢) الإسلام" وكان في بعض الأوقات يصوم يوم السبت والأحد، وغرضه مخالفة اليهود والنصارى.
وفي حديث أم سلمة حيث قالوا: أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثرنا صياما؟ قالت: يوم السبت والأحد. ويقول: "إنهما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم" (١) ولم يكن من العادة النبوية، دوام الصيام بل نهى عن صوم الدهر، قال في حق الصائم: "ولا صام ولا أفطر" (٢). كان في غالب الأيام، إذا دخل بيته، سأل: "هل عندكم ما يؤكل؟ " فإن قالوا: لا، قال: "فإني صائم"، ونوى الصيام، وكان في بعض الأوقات ينوى صوم التطوع ولا يتم الصيام، بل يفطر، وقال: "من نزل على قوم، فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم" لكن طعنوا في إسناد هذا الحديث، وكان يكره تخصيص يوم الجمعة بصوم، ويقول: "إنه يوم عيد فلا تصوموه إلَّا أن يتقدمه يوم أو يعقبه يوم" (٣) فلا يكره إذا وقد بين سر هذا في باب الجمعة.
يث، وكان يكره تخصيص يوم الجمعة بصوم، ويقول: "إنه يوم عيد فلا تصوموه إلَّا أن يتقدمه يوم أو يعقبه يوم" (٣) فلا يكره إذا وقد بين سر هذا في باب الجمعة.
فصل اعتكاف النبي ﷺ - لما كان الاعتكاف سبب جمعية الخاطر والانقطاع عن الغير إلى الحق، والإقبال على العبادات، وموجب البعد عن الخلق، وواسطة لزوال التفرقة، والهموم المغايرة، وهذه القاصدة في حالة الصيام أكمل وأفضل. لا جرم أنه ﷺ بين للأنام، تشريع الاعتكاف، في أفضل أيام الصيام، وهي العشر الأواخر، من شهر رمضان، ولم يرد أنه اعتكف بغير صيام أبدا،
وكانت عائشة ﵂ تقول: لا اعتكاف إلا بصوم، واعتكف في جميع الرمضانات في العشر الأواخر (١)، ولم يفته إلا رمضان واحد قضى اعتكافه في شوال، واعتكف مرة في العشر الأول، ومرة في العشر الأوسط، ومرة في العشر الأخير. ولما علم أن ليلة القدر في ذا العشر، واظب اعتكافه، إلى آخر الحال، وكان إِذا قصد الاعتكاف، صلى الصبح ودخل معتكفه، وهو خيمة كانت تنصب له في المسجد ليختلى فيها، وكان لا يأتى إلا لقضاء الحاجة (٢). وكان في بعض الأحيان يخرج رأسه من المسجد إلى حجرة عائشة ﵂ لترجل له رأسه (٣) وتغسله. ومن أراد من أمهات المؤمنين زيارته ﷺ في حال الاعتكاف جاءت إليه وعند قيامها للرجوع كان يقوم معها، ويعانقها ويقبلها. وهذا المجموع كان في الليل، وكان لا يباشر في مدة الاعتكاف، وكان إذا أراد الاعتكاف يوضع له سرير في معتكفه. ويفرش له عليه. وكان إذا دخل منزله لقضاء الحاجة، لا يشتغل بأحد، وكان يمر في بعض الأحيان على المريض من أهل بيته، فلا يقف عنده ولا يسأل عن حاله، وكان يعتكف في كل عام عشر أيام، وفي العام الأخير اعتكف عشرين يوما (٤). وكان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وفي العام الأخير عرضه مرتين. وبالله تعالى التوفيق.
باب حج النبي ﷺ -
في العام الأخير اعتكف عشرين يوما (٤). وكان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وفي العام الأخير عرضه مرتين. وبالله تعالى التوفيق.
باب حج النبي ﷺ -
فصل حج النبي ﷺ - أجمعت جماهير العلماء على أنه حج بعد الهجرة حجة، وتلك حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت في السنة العاشرة من الهجرة، وأما قبل الهجرة، فثبت في جامع الترمذي: أنه حج حجتين، ونقل صاحب المحلى أنه زاد على ثلاث وأربع، لكن لم يحفظ العدد. ولما فرض الحج في العام التاسع، اشتغل بتجهيز أسباب السفر في الفور، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (١) الآية فإنها نزلت في اليوم السادس، وهذا لا يدل على فريضة الحج والعمرة بل هو أمر بإتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيه.
فصل في سياق حج الرسول ﷺ - لما عزم ﷺ على الحج أعلم أصحابه بذلك، فاستعدوا للسفر بأجمعهم، ووصل الخبر إلى القرى، والضياع القريبة من المدينة، فتجهز المسلمون بأجمعهم نحو المدينة، وفي حال السير إلى مكة تلاحق الناس من كل الأطراف، حتى تجاوزوا الحصر والعد، وسافر في يوم الخميس أو السبت، الرابع والعشرين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر في مسجد المدينة. وكان خطب قبل ذلك وعلّم الناس شرائط الحج وأركانه وآدابه، وكان ذلك في يوم الجمعة، وذا يؤيد أن السفر كان يوم السبت. لكن ورد في الحديث الصحيح: "أنه كان يحب إنشاء السفر في يوم الخميس". وثبت في
صحيح البخاري: "ما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إذا خرج إلا في يوم الخميس" (١). وبعد أن صلى الظهر رجّل رأسه ودهنه، وشد إزاره، وسار بين الصلاتين حتى نزل بذي الخليفة. وقصر صلاة العصر هناك. وبات بها. وصلى المغرب والعشاء والصبح والظهر. فتم بها خمس صلوات، واستصحب معه أمهات المؤمنين كلهن، وطاف عليهم في تلك الليلة، واغتسل لصلاة الصبح، ثم اغتسل بعد الظهر أيضا للإحرام، واستعمل الخطمى (٢) والأشنان (٣). وقدمت إليه عائشة ﵂، طيبا مركبا من أجزاء طيبة الرائحة، وفيه مسلك فطيب منه بدنه، ورأسه، حتى كان يرى وبيض المسك في مفرقه المبارك ولحيته الشريفة بعد الإحرام (٤). ثم بعد ذلك لبس رداء إحرامه، وصلى الظهر قصرا، وأحرم في المكان الذي صلى فيه، ولم ينقل أنه صلى قبل الإحرام صلاة خاصة لأجل الإحرام، غير صلاة فرض الظهر وقبل الإحرام قلد البدنة بنعلين، وشق سنامها من الجانب الأيمن، ومسح الدم.
واختلف في إحرامه وكيفية تلبيته، فأكثر الأحاديث الصحيحة مصرحة: بأنه أحرم بحج وعمرة، وقال: "أتاني آت من ربي ﷿، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة" (١) والأحاديث الصريحة في هذا المعنى تزيد على عشرين. وأيضا وردت أحاديث كثيرة، شهدت بأن إحرامه كان بإفراد الحج، وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ أهل بحج مفردا، وثبت في الصحيحين: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج" (٢). وعند مسلم عن ابن عمرة "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردا" (٣) وورد في التمتع أحاديث صحيحة، وطريق التوفيق بين تلك الأحاديث، هو أن الإحرام كان بالحج أولا، ثم أدخل العمرة في الحج فصار قارنا، وقال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة (٤). والذي قال بالتمتع اللغوي: وهو الانتفاع، والالتذاذ، ولا شك أن الانتفاع، والالتذاذ حاصل في القرآن، لأنه يكتفى عن نسكين بنسك واحد، ولا يحتاج إلى إفراد عمل لكل واحد من الحج والعمرة. وأما أصحابه ﵃ فقد كانوا على ثلاثة أقسام: قسم أحرموا بالحج والعمرة أو بمجرد الحج، ومعهم هدى، وبقوا على إحرامهم.
لى إفراد عمل لكل واحد من الحج والعمرة. وأما أصحابه ﵃ فقد كانوا على ثلاثة أقسام: قسم أحرموا بالحج والعمرة أو بمجرد الحج، ومعهم هدى، وبقوا على إحرامهم. وقسم ثان لم يكن معهم هدي، وأحرموا بالحج، فأمر الرسول ﷺ بأن يجعلوا الحج عمرة، يعني يقلبون الإحرام بالحج، إلى الإحرام بالعمرة. ويتممون أفعال العمرة، قبل يوم عرفة. ثم يحرمون بالحج من مكة ويمضون إلى عرفة. وقسم ثالث هم جماعة لم يكن معهم هدي وأحرموا بالحج، فأمرهم الرسول ﷺ أن يقلبوا الإحرام إلى العمرة، وهذا هو فسخ الحج والعمرة.
فصل صفة حج الرسول ﷺ - وقع السهو لخمس من الطوائف في صفة حج رسول الله ﷺ: الطائفة الأولى: هم القائلون بأنه حج مفردا، ولم يعتمر إذ ذاك (١). الطائفة الثانية: هم القائلون بأنه تمتع بالعمرة، ثم أحل ثم أحرم بالحج. الطائفة الثالثة: هم القائلون بأنه تمتع ولم يحل من إحرامه لأنه ساق الهدي. الطائفة الرابعة: هم القائلون بأنه كان قارنا قرانا جمع فيه بين طوافين وسعيين. الطائفة الخامسة: هم القائلون بأنه كان مفردا، ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة من التنعيم. وأما إحرام الرسول ﷺ فوقف في سهو، لخمس طوائف أيضا: الطائفة الأولى: هم القائلون بأنه لبى بعمرة مجردة واستمر على ذلك. الطائفة الثانية: هم القائلون بأنه لبى بالحج مفردا واستمر عليه. الطائفة الثالثة: هم القائلون بأنه لبى بعمرة ثم أدخل عليها الحج. الطائفة الرابعة: هم القائلون بأنه لبى بالحج مفردا ثم بعد ذلك أدخل عليه العمرة وهذا من خصائصه. الطائفة الخامسة: هم القائلون بأن إحرامه كان مطلقا، ولم يعين نسكا ثم بعد ذلك جاء الوحي بالتعيين. ولما صلى الظهر أحرم، ولبى، ثم ركب ناقته، ولما انبعثت ناقته (٢) لبى أيضا ثم لما صعد على طرق البيداء لبى أيضا، وكان حينا يقول لبيك بحجة وعمرة، وحينا يقول لبيك بحجة.
أحرم، ولبى، ثم ركب ناقته، ولما انبعثت ناقته (٢) لبى أيضا ثم لما صعد على طرق البيداء لبى أيضا، وكان حينا يقول لبيك بحجة وعمرة، وحينا يقول لبيك بحجة.
وكان يقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وكان يرفع صوته ليسمع جميع الصحابة ويقول: ارفعوا أصواتكم" (١). وكان راكبا على بعير، عليه رجل وليس عليه شقدف، ولا محارة، ولا محمل، ولا هودج، ولا محفة، وداوم يلبي على هذه القاعدة، والصحابة يزيدون، وينقصون في التلبية، ولم ينكر عليهم الرسول ﷺ، وجمع شعر رأسه ﷺ في مدة الإحرام، ولبده بالخطمى، والغسل - بكسر الغين المعجمة - وهو عبارة عن دواء يجتمع به الشعر (٢). ولا وصل إلى منزل الروحاء رأى حمار وحش مجروحا فقال "دعوة فسيأتي الذي جرحه عن قريب، فأتى على الفور وقال: يا رسول الله إفعلوا بصيدي ما شئتم، فأمر أبا بكر فقسمه على الرفاق، ثم وصل الى منزل اثابة - وهو منزل بين الروية والعرج - رأى ظبيا نائما في ظل شجرة فأمر شخصا أن يكون بالقرب منه، لئلا يتعرض له أحد من المحرمين، ولا بلغ العرج تخلف غلام لأبي بكر معه جمل، هو زاملة الرسول وأبي بكر، فانتظروه زمانا، ولا وصل لم يروا الجمل معه، فقال أبو بكر: أين البعير؟ قال: فقدته، فقام إليه أبو بكر وضربه على سبيل التأديب، وهو يقول: جعلناك على بعير واحد فضيعته، والرسول ﷺ يبتسم ويقول: انظر إلى هذا المحرم ما يصنع. ولم يزد
على هذا، ولما بلغ الأبواء جاء إليه صعب بن جثامة بحمار وحش هدية، فلم يقبله منه (١). ولما رأى الكراهية في وجهه قال: لم نرد هديتك، لكنا محرمون، ولما بلغ وادي عفان قال: يا أبا بكر أتعلم أي وادي هذا؟ فقال: وادي عفان، قال: لقد مر بهذا الوادي هود، وصالح، ﵉. على جملين أحمرين خطامهما من ليف، وعليهما أزاران من صوف، ورداءان من صوف هما عباءتان، وهما يلبيان بالحج. ولما بلغ "سرف" حاضت عائشة فحزنت وبكت فقال: لما تبكين؟ لعلك حضت. قالت: نعم. قال: لا تهتمين هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، وليس حجك نقص، اعملي كل ما يعمله الحاج لكن لا تطوفي بالبيت، وكانت عائشة قد أحرمت بالعمرة فقط، فقال رسول الله ﷺ: اغتسلي وأحرمي بالحج ففعلت. ولما رأت الطهر طافت وسعت. فقال رسول الله ﷺ: قد أحللت من الحج والعمرة؟ فقالت: إني لأجد في نفسي دغدغة، لأني ما طفت العمرة إلا بعد الوقوف، فأمر أخاها عبد الرحمن أن يمضى بها لتحرم من التنعيم وتأتى بعمرة (٢) وللعلماء في هذه العمرة أقوال: قال بعضهم: هي عمرة زيادة أمر بها لتطييب خاطر عائشة ﵂، وجبر قلبها، وإلا فطوافها وسعيها كاف عن حمجها وعمرتها، وهي كانت متمتعة، وأدخلت الحج على العمرة. فصارت قارنة، وذا أصح الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره.
ر قلبها، وإلا فطوافها وسعيها كاف عن حمجها وعمرتها، وهي كانت متمتعة، وأدخلت الحج على العمرة. فصارت قارنة، وذا أصح الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره.
وقال بعض العلماء: لما حاضت أمرها برفض العمرة الأولى، التي كانت أحرمت بها وهذا قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه، ولما وصل الرسول ﷺ "سرف" (١) قال: من لم يسق الهدي، وأراد أن يجعل نسكه عمرة، فليفعل، ومن ساق الهدي فليمض على نسكه، ولما وصل مكة قال على طريق الجزم والوجوب: "من لم يسق الهدي فليجعل نسكه عمرة وليحل من إحرامه ومن ساق الهدي فليقم على إحرامه، وقال: لولا أني سقت الهدي لأحللت. ولما وصل إلى ذي طوى قبل دخوله مكة، نزل ثم بات ليلة الأحد الخامس (٢) من ذي الحجة، وصلى الصبح هناك، واغتسل، ودخل مكة بعد طلوع الشمس بهنيئة من طريق الحجوان (٣)، ولما وصل إلى باب بني شيبة، وشاهد الكعبة أخذ يدعو بهذا الدعاء "اللهم زد بيتك هذا تشريفا، وتكريما، ومهابة". وفي بعض الروايات: أنه لما نظر إلى الكعبة، ورفع يديه، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، الله زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة، وزد من حجه، واعتمره تكريما، وتشريفا، وتعظيما، وبرا. ولما دخل المسجد قصد نحو الكعبة، ولم يصل تحية المسجد، ولما حازى الحجر الأسود استلمه، ولم يرفع يديه، ولم يكبر كما يفعله الجهال، ثم أخذ في الطواف وجعل الكعبة، على جانبه الأيسر ولم يرد شيء من الأدعية في مكان بعينه، بإسناد صحيح، إلا الدعاء بين الركن اليمانى، والحجر الأسود، فإنه قال هناك: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (٤) ورمل في ثلاثة أشواط.
حيح، إلا الدعاء بين الركن اليمانى، والحجر الأسود، فإنه قال هناك: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (٤) ورمل في ثلاثة أشواط.
والرمل أن يسرع في مشيته ويقارب بين خطواته، كما يفعله المصارعون، وأخرج رداءه من تحت إبطه الأيمن وجعله على كتفه الأيسر، وسار في بقية الطواف على هيئة، وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه بمحجن كان في يده، ثم قبل رأس ذلك المحجن. والمحجن عصا قصيرة في رأسها اعوجاج، وكان إذا حاذى الركن اليماني، أشار إليه بالاستلام، ولم يثبت أنه إذ ذاك قبل يده أو قبل المحجن. وأما الحجر الأسود فإنه قبله، ووضع وجهه المبارك عليه، وفي بعض الأحيان كان يضع يده عليه ثم يقبلها، وكان يقول في حال الاستلام: "بسم الله والله أكبر" وكلما حاذى الحجر الأسود قال: "الله أكبر وكان في بعض الأحيان يضع جبهته عليه ساجدا، ثم يقبله، كل هذا ثابت في الصحيح (١) وكان إذا فرغ من الطواف قام خلف المقام وتلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) ثم صلى ركعتى الطواف، والمقام إذ ذاك كان موضوعا قريبا من الكعبة، وقرأ في الركعة الأولى: الفاتحة. وقل يا أيها الكافرون. وفي الثانية الفاتحة، وقل هو الله أحد. ثم بعد الصلاة توجه إلى الحجر الأسود، وجاء فاستلمه، ثم خرج من أوسط أبواب الصفا، وهي خمسة، ثم قصد الصعود، ولما قرب منه تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) ثم قال: "ابدأ بما بدأ الله به". وفي رواية النسائي "ابدئوا" على صيغة الأمر، ثم صعد على الصفا، قدر ما يتمكن معه من مشاهدة الكعبة، ثم استقبلها وكبر الله أكبر، وقال "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
ثم دعا وقال: "اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل برد، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا كربا إلا كشفته، ولا حاجة إلا قضيتها" ثم هلل ثلاثا ثم دعا بما أحب ثم هبط (١). وروت صفية بنت شيبة: أنه كان يقول بين الصفا والمروة: "رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم" (٢)، وكان يسعى ماشيا يسير من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا. فلما اشتد الزحام ركب ناقته وتمم سعيه، راكبا، وأما طواف القدوم، فإنه كان فيه ماشيا - كما ذكرنا - لما روى جابر أنه رمل في الأشواط الثلاثة، الأول، وذا لا يتصور للراكب، وأما طواف الركن فإنه أتى به راكبا لعذر، وكان يختم السعى بالمروة. وكلما وصل إليها، قرأ الأذكار، والدعوات، التي قرأها على الصفا، ولما تمم السعى، قال للصحابة: "ألا من لم يسق الهدى فليجعلها عمرة" وفرض عليهم التحلل التام من وطء، وطيب، ولبس مخيط، ثم أفاءوا على ذلك إلى يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وقال ﷺ: "لولا أنى سقت الهدى لأحللت" (٣). وأما ما ورد في بعض الروايات من أنه ﷺ أحل، فإنه لم يثبت بل هو غلط، وهنا دعا فقال: "اللهم ارحم المحلقين" ثلاث مرات، "والمقصرين" فالها مرة (٤)، وسأل سراقة بن مالك رسول الله ﷺ عن الفسخ، والإحلال، أخاص هو في هذا العام، أم حكم دائم؟ فقال: "بل حكم دائم إلى الأبد" (٥)،
"والمقصرين" فالها مرة (٤)، وسأل سراقة بن مالك رسول الله ﷺ عن الفسخ، والإحلال، أخاص هو في هذا العام، أم حكم دائم؟ فقال: "بل حكم دائم إلى الأبد" (٥)،
وأبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، لم يحلوا من إحرامهم لما ساقوه من الهدي، وأمهات المؤمنين أحللن، وكذا فاطمة ﵂ فإنها لم يكن معها هدى، وفي هذه المدة حيث أقام قصر الصلاة، بمنزله ظاهر مكة، ولما مضت أربعة أيام: الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء. وتضحى النهار من يوم الخميس، توجه بجميع الناس إلى منى، وأحرم إذ ذاك بالحج، من كان قد أحرم كل واحد من منزله. ولما وصل ﷺ إلى منى نزل وصلى الظهر، والعصر، وبات بمنى، وكانت ليلة الجمعة. ولما ارتفعت الشمس، سار من منى على طريق ضب إلى عرفة، وكان بعض الصحابة يكبر، وبعضهم يلبى، ولم ينكر ﷺ على أحد ولما بلغ إلى ثمرة - وهو موضع في قريب من عرفات - وجد قبته قد ضربت هناك، فنزل، وأقام، حتى زالت الشمس، ثم أمرهم بشد رحل ناقته، وركبها، وخطب خطبة بين فيها قواعد الإسلام بأسرها اقتلع أساس الشرك والجاهلية بالكلية" (١). وذكر ما كان محرما في جميع الملل، وجعل أوضاع الجاهلية بأسرها، وكل ربا كان فيها تحت قدمه، ووصى أمته، بملاطفة النساء، وأمرهم بالتمسك بكتاب الله، وأخبرهم أنهم لن يضلوا ما داموا به متمسكين. ثم سألهم ماذا تقولون، وبماذا تشهدون؟ قالوا نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فرفع ﷺ أصبعه نحو السماء. وقال: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد" (٢). ثم قال: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب" ثم نزل وأمر بلال بالأذان والإقامة، وصلى الظهر والعصر جمعا وقصرا، وصلى معه أهل مكة كما صلى.
اللهم اشهد" (٢). ثم قال: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب" ثم نزل وأمر بلال بالأذان والإقامة، وصلى الظهر والعصر جمعا وقصرا، وصلى معه أهل مكة كما صلى.
ثم بعد ذلك ركب وسار الى عرفات، ولما قرب من الصخرات الكبار استقبل القبلة ووقف على راحلته وأخذ في الدعاء، والتضرع، والابتهال إلى أن غربت الشمس، ثم سار وقال: "عرفات كلها موقف لا يخص مكان دون مكان"، وكان في حالة الدعاء قد رفع يديه، نحو صدره كالسائل المسكين. ومن جملة ما حفظ عنه من دعوات ذلك الموقف "اللهم لك الحمد الذي نقول، وخير مما نقول، اللهم لك صلاتى، ونسكى، ومحياى، ومماتى، وإليك مآبى، ولك رب تراثى، اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما تجئ به الريح، اللهم إنك تسمع كلامى، وتعلم سرى، وعلانيتى ولا يخفى عليك شيء من أمرى، أنا البائس الفقير، المستغيث، المستجير، الوجل، المشفق المقر، المعترف بذنوبى. أسألك مسألة المسكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسده ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلنى بدعائك رب شقيا، وكن بى رؤوفا، رحيما، يا خير المسئولين، ويا نصير المعطين" هذا الدعاء ثابت في معجم الطبراني (١). وروى الإمام أحمد في مسنده، أن أكثر دعاء النبي ﷺ في يوم عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير" (٢). وفي سنن البيهقي أن النبي ﷺ قال: "أكثر دعائى، ودعاء الأنبياء في يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم اجعل في قلبى نورا، وفي سمعى نورا، وفي بصرى نورا، اللهم اشرح لي صدرى، ويسر لي أمرى، أعوذ بك من وسواس الصدر،
وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح. ومن شر بوائق الدهر" (١). ونزل في الآيات في عرفات ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، وفي ذلك اليوم سقط رجل عن راحلته بعرفات، فأمرَ النبي ﷺ أن يَغسل بالماء والسدر، وأن يدرج في ثوبى إحرامه، وأن لا يطيب، ولا يغطى رأسه، ولا وجهه وقال: "إنه يبعث ملبيا" (٣). ولما أفاض بعد تمام الغروب، كان أسامة بن زيد رديفه وكان ﷺ يجذب زمام الراحلة، بحيث أنه كان رأسها يحك الرجل وكان يقول: "أيها الناس اتئدوا مهلا مهلا، ليس الخير في السوق، ولا التقوى في العجلة". وكان يرجع في طريق المأزمين، يقصد ما قصده في الخروج، إلى مصلى العيد من طريق، والرجوع من أخرى. وفي أثناء ذلك ربما أرخى زمام راحلته، ليكون السير بين السريع والبطئ. وإذا وصل إلى مكان وسيع حركها بسرعة، وإذا بلغ نشرا من الأرض أرخى لها لتسير الهوينا. وكان يلبي في طريقه، وما إلى بعض الشعاب، ونقض وضوءه، ثم توضأ، وضوءا خفيفا، فقال أسامة: الصلاة يا رسول الله. فقال ﷺ أمامك ثم ركب حتى أتى "المزدلفة" فتوضأ وضوءا كاملا، ثم أمر بالأذان، والإقامة، وصلى المغرب قبل أن تحل الرحال، بل قبل أن تناخ الجمال، ولم حلوا رحالهم، أقيمت الصلاة، وصلى العشاء بغير أذان، لم يصل بين هذين الفرضين، صلاة أصلا ثم بات بالمزدلفة إلى أن تنفس الصبح" (٤).
بل أن تناخ الجمال، ولم حلوا رحالهم، أقيمت الصلاة، وصلى العشاء بغير أذان، لم يصل بين هذين الفرضين، صلاة أصلا ثم بات بالمزدلفة إلى أن تنفس الصبح" (٤).
ولم يحيي تلك الليلة، ولم يصح شيء من الأحاديث في إحياء ليلة العيد، ورخص لضعفاء قومه، أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، ولا يرمون إلا بعد الطلوع. وأما قول عائشة: أن رسول الله ﵌، أرسل أم سلمة في ليلة النحر، فرمت الجمار قبل الفجر، ثم مضت فطافت طواف الركن، ثم رجعت إلى منى. ففي إسناده مقالات وأنكره الأساطين من المحدثين. وأرسل جمعا من النساء فرموا الجمر في الليل، لخوف الزحام (١)، وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقاويل: يجوز عند الشافعى وأحمد، رمى جمرة العقبة بعد نصف الليل لكل. وأبو حنيفة يقول: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، وقال جماعة: لا يجوز للقادر إلا بعد طلوع الشمس بخلاف المعذور فإنه يجوز له ذلك. ولما طلع الفجر صلى الصبح لأول وقتها لا قبل الوقت، كما يظنه البعض، ثم ركب وجاء إلى المشعر الحرام، وهو تل في وسط المزدلفة، عليه عمارة محدثة. وأما قول بعض مشايخ الحديث والفقهاء: هو جبل صغير على يسار الحاج، وهذا المقام المشهور ليس بالشعر، فسهوا منهم. والصحيح أن المشعر الحرام هذا المعروف المعمور, ثم وقف ﷺ في المشعر الحرام, واستقبل القبلة، واشتغل بالدعاء، والتضرع، والابتهال والتكبير، والتهليل، إلى قريب طلوع الشمس، ثم دفع وقد أردف الفضل بن العباس، وأسامة يمشى بين قريش.
, واستقبل القبلة، واشتغل بالدعاء، والتضرع، والابتهال والتكبير، والتهليل، إلى قريب طلوع الشمس، ثم دفع وقد أردف الفضل بن العباس، وأسامة يمشى بين قريش.
وفي هذا الطريق أمر الفضل بن العباس، أن يلقط له حصى الجمار، فالتقط سبعا، أخذها ﷺ، على كفه المبارك، وجلا (١) عنها الغبار. وقال: "أمثال هؤلاء فارموا (٢) وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين". وفي هذه الطريق اعترضته امرأة جميلة من هثعم، وقالت: إن أبي شيخ كبير، لا يستمسك على البعير، فأمرها بالحج عنه، فلاحظها رديفه الفضل بن العباس، فجعل رسول الله ﷺ يده وقاية، لئلا يتلاحظا. واعترضته أيضا امرأة وأخبرت أن أمها في غاية العجز، وأنها إن ربطت على البعير فربما هلكت، فقال رسول الله ﷺ: "لو كان على أمك دين كنت تقضيه عنها أم لا؟ " فقالت: نعم كنت أقضيه. قال: "فدين الله أولى بالقضاء" ولما بلغ بطن محسر - وهو واد في أول منى - ساق راحلته سوقا شديدا وأسرع الخروج منه (٣). وهكذا جرت العادة النبوية، في جميع المواطن، التي أنزل الله فيها البلاء، على أعدائه، وفي بطن محسر جرى على أصحاب الفيل، ما هو في القرآن. وسمى محسرا لأن الفيل حسر فيه عن الحركة، وعجز عن السير نحو مكة، وبطن محسر برزخ بين منى والمزدلفة، وليس منهما كما أن عرنة ونمرة، برزخ بين عرفة والمشعر الحرام. وكذلك لم يزل يحرك رحلته, في الطريق الوسطى، إلى أن هبط في الوادي الذي تجاه جمرة العقبة، فقام - والكعبة على يساره، ومنى على يمينه، ورمى الجمار سبعا - وهو راكب، واحدة بعد واحدة, في مجل الجمرات،
إلى أن هبط في الوادي الذي تجاه جمرة العقبة، فقام - والكعبة على يساره، ومنى على يمينه، ورمى الجمار سبعا - وهو راكب، واحدة بعد واحدة, في مجل الجمرات،
يكبر مع كل واحدة، وبعد رمى الجمار، قطع التلبية، وفي ركابه أسامة بن زيد، وبلال، أحدهما أخذ بزمام الراحلة، والآخر يظله بمظلة، ليقيه حر الشمس. ثم رجع إلى منزله، بالقرب من مسجد الخيف، وخطب خطبة بليغة، بلغ صوته إلى جميع أهل الخيام في خيامهم، وهذا من جملة المعجزات النبوية، أعلم فيها بحرمة يوم النحر، وفضله عند الله ﷾، وأمرهم بتعلم مناسك الحج، وقال لعليّ: "لا أحج بعد عامي هذا" وأمر بالسمع والطاعة، للأمراء الداعين إلى كتاب الله، وأنزل الأنصار والمهاجرين منازلهم، وقال: "اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم" وودع الناس وقال: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (١). ثم سار إلى المنحر - وهو موضع مشهور في وسط سوق منى - ونحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وهن قيام معقولات، وهذا عدد سنى عمره المبارك، وأمر أمير المؤمنين عليا بنحر تمام المائة، فنحر سبعا وثلاثين، وأمره أن يتصدق بجلالها (٢) وجلودها وأن لا يعطى أجرة الجزار منها، بل من ماله ﷺ. وأما حديث أنس "أنه نحر سبعا" فتوهم بعضهم أنه معارض لهذا الحديث، وجوابه أن إنسانا شاهد سبعا، ثم غاب، وجابر شاهد تمام ثلاث وستين، وقال بعضهم: نحر سبعا بيده المباركة، إلى تمام ثلاث وستين، كان طرف الحربة بيد النبي ﷺ وطرفها الآخر بيد عليّ، وبعد ثلاث وستين، نحر
أمير المؤمنين سبعا وثلاثين على انفراده، ولما فرغ من النحر أعلم أن منى كلها منحر (١)، وأن فجاج مكة كلها سبل. وأن المنحر، والنحر، لا يختص ببعض الأماكن، وأمر بطلب الحلاق فحلق رأسه، ولما وقف الحلاق - وهو معمر بن عبد الله بن نضلة على رأس رسول الله ﷺ وأخذ الموسى بيده - قال له: "يا معمر أمكنك رسول الله ﷺ من شحمة أذنيه، وفي يدك الموسى؟ " فقال معمر: ندم وإن ذلك لمن نعم الله على ومنه. قال: أجل. ثم أشار إلى الحلاق أن يبدأ بالجانب الأيمن، فلما فرغ منه قسم الشعر على من حضر في ذلك الجانب. ثم أشار إلى أن يحلق الجانب الأيسر، فأعطى جميع ذلك لأبى طلحة، وكان قد أخذ نصيبا من الجانب الأيمن قبل كل أحد، ولما فرغ من الحلق (٢) - وكان قد أصاب كل أحد شعرة أو شعرتين - قلم أظافره، وقسم ذلك أيضا على الناس، وحلق أكثر الصحابة وقصر أقلهم. ثم بعد ذلك سار إلى مكة قبل الزوال، فطاف. وهذا الطواف يسمى طواف الإفاضة وطواف الزيارة، وطواف الصدر (٣). وما ورد في بعض الأحاديث، من أنه ﷺ أخر طواف الزيارة إلى الليل، فمشايخ الحديث، يقولون: هو غلط، ولا فرغ من الطواف جاء إلى بئر زمزم فوجدهم ينزعون الماء، فقال: "لولا أنى أخشى أنكم تغلبون لنزعت معكم، وأعنتكم على السقاية" فعرضوا عليه دلوا، فتناولها منهم، وشرب قائما، وشربه قائما إما لبيان جواز ذلك، وإما للضرورة والحاجة.
أخشى أنكم تغلبون لنزعت معكم، وأعنتكم على السقاية" فعرضوا عليه دلوا، فتناولها منهم، وشرب قائما، وشربه قائما إما لبيان جواز ذلك، وإما للضرورة والحاجة.
وقد كان نبي الله في هذا الطواف راكبا راحلته، وسبب الركوب قال بعضهم: كثرة الازدحام، أو ليكون مشرفا على الناس ليراه الحاضرون، فيتعلموا الطواف وآدابه. وقال بعضهم: كان في رجله المباركة عارض يؤذيه، فركب ضرورة، ورجع من حينه إلى منى، وصلى الظهر بها كذا في الصحيحين. وفي صحيح مسلم أنه صلى الظهر بمكة، وأكثر العلماء يرجحون أنه صلى الظهر بمكة، لأن هذا الحديث رواه صحابيان جابر وعائشة، وذاك رواه ابن عمر. الثاني: أن عائشة أخص وأعلم بأحواله، وبعضهم يرجح حديث ابن عمر لأنه متفق عليه، وليس فيه اضطراب، ورجال إسناده أعظم وأجل. ولما رجع إلى منى بات بها، وأقام في اليوم الثاني إلى أن زالت الشمس، فسار على قدميه، قبل أداء صلاة الظهر نحو الجمرة الأولى، وهي التي تلى مسجد الخيف، ورمى سبعا يكبر مع كل، ولما فرغ من الرمى، تقدم قليلا إلى السهل، واستقبل القبلة، ودعا قدر سورة البقرة. ولما فرغ من الدعاء أتى الجمرة الوسطى، ورمى كما فعل الأولى، وأخذ على الطريق اليسرى، ومشى خطوات، نحو وسط الوادي، ودعا قدر ما دعا في الأولى، وسار نحو جمرة العقبة واستقبلها، وجعل الكعبة على يساره، ومنى على يمينه، ورمى ورجع من حينه، ولم يشتغل بالدعاء، ولهذا وجهان: إحداهما: أنه كان زحام عظيم ولم يتيسر الوقوف. الثاني: أن دعاء هذه العبادة، كان قد أتى به في صلب العبادات، والدعاء في صلب العبادة، أفضل منه في غير العبادة، وكذا دعاء الصلاة غالبا كان في آخر التشهد قبل السلام، ولم يتعجل في النفر بل أقام ثلاثا، وبعد الرابع السبت، والأحد، والاثنين، وبعد الزوال من يوم الثلاثاء رمى، وسار إلى المحصب - وهو موضع خارج مكة يقال له الأبطح أيضا - فنزل به،
أقام ثلاثا، وبعد الرابع السبت، والأحد، والاثنين، وبعد الزوال من يوم الثلاثاء رمى، وسار إلى المحصب - وهو موضع خارج مكة يقال له الأبطح أيضا - فنزل به،
حيث كان أبو رافع المقدم على أحماله قد نزل ثمة، وضرب الخيمة بحسب الاتفاق لا عن أمر، فنزل ﷺ وصلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء هناك، ونام قليلا. فلما استيقظ ركب وسار إلى مكة وطاف للوداع (١). ولم يرمل، وفي هذه الليلة رغبت عائشة في العمرة فأجازها ليلا، وأرسل معها عبد الرحمن إلى التنعيم - وهو خارج عن الحرم - فأحرمت وجاءت إلى مكة، وتممت عمرتها قبل مضي الليل، ورجعت إلى المحصب، فقال رسول الله ﷺ: فرغتم؟ فقالوا: نعم: فأمر بالرحيل، فرحلوا بأجمعهم. وطاف رسول الله ﷺ طواف الوداع (٢)، ثم توجه الى المدينة، واختلف العلماء في التحصيب (٣). قال بعضهم: أمر اتفاقي، ولم يكن من السنن، ولا من الآداب. قال بعضهم: هو من سنن الحج، وتمام المناسك، لأن النبي ﷺ قال: "إنا نازلون غدا بخيف بنى كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" والمراد بخيف بنى كنانة المحصب، لأن قريشا وبنى كنانة، تعاهدوا، وتحالفوا، هناك على أن لا يخالطوا بنى هاشم ولا يناكحوهم ولا يواصلوهم، حتى يسلموا لهم رسول الله ﷺ، فقصد ﷺ أن يظهر شعائر الإسلام حيث أظهروا شعائر الكفر، والله أعلم.



