— Bagian 6 · أمره، كأن يقول: هذا كذب، أو باطل، أو نحوهما من ا… —
Bagian 6
أمره، كأن يقول: هذا كذب، أو باطل، أو نحوهما من الصَّريح في ذلك" (¬١). وقال الخطيب البغداديُّ رحمه الله تعالى: "ومن روى حديثًا موضوعًا على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجُّب منه والتنفير عنه؛ ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جرح الشَّاهد في الحاجة إلى كشفه والإبانة" (¬٢).
موازنة بكتاب "ذخائر العُقْبى في مناقب ذوي القُرْبَى" تأليف: الإمام أبي العبّاس أحمد بن محمد المحبِّ الطَّبريِّ (ت ٦٩٤ هـ) تحقيق: أكرم البوشي يعدُّ كتاب المحبِّ الطَّبريِّ من أشهر كتب أهل السُّنَّة المصنَّفة في فضائل أهل بيت النَّبيِّ ﷺ، وقد أفاد منه الحافظ السَّخَاويُّ في كتابنا هذا: "استجلاب ارتقاء الغُرَف"، كما أشار إليه في مقدِّمته. وقد قسَّمه المحبُّ إلى قسمين: القسم الأول: وذكر فيه ما جاء في ذكر القرابة على وجه العموم والإجمال، وفيه تسعة أبواب. القسم الثاني: وذكر فيه مناقب القرابة على وجه التفصيل، وفيه عدة أبواب، وفي كلِّ باب عدة فصول. وأبرز ما ينتقد به المحبُّ الطَّبريُّ في كتابه أمور: أولها: إيراده لكثير من الأحاديث الموضوعة والواهية والمنكرة، دون التنبيه على ضعفها أو وضعها وقد أشار السَّخَاويُّ في مقدِّمة "الارتقاء" (¬٣) إلى ذلك، وَوَصَفَ المحبَّ بالتَّسامح والتَّساهل في إيراد الأحاديث، وأورد كلام شيخه الحافظ ابن حجر في حقِّ المحبِّ الطَّبريِّ: "إنه كثير الوهم في عزوه للحديث ونقله".
٤ - بَابُ دُعَائِهِ ﷺ بالبَرَكَةِ في هذا النَّسْلِ المُكَرَّمِ ١٨٩ - عن عبد الكريم بنِ سَليط البَصْريِّ، عن ابن بريدة -هو عبد الله-، عن أبيه ﵁: أن نَفَرًا من الأنصار قالوا لعليٍّ ﵁: "لو كانت عندك فاطمة". فدخل ﵁ على النَّبيِّ ﷺ-يعني لِيَخْطِبَهَا-، فسلَّم عليه, فقال: "ما حاجة ابن أبي طالب؟ "، قال: "ذكرتُ فاطمةَ بنت رسولِ الله ﷺ". قال: "مَرْحَبًا وأهْلًا"؛ لم يزده عليها. فخرج إلى الرَّهط من الأنصار ينتظرونه، فقالوا: "ما وراءك"؟ قال: "ما أدري! غيرَ أنه قال لي: مَرْحَبًا وأهْلًا"، قالوا: "يكفيك من رسول الله ﷺ إحداهما، لقد أعطاك الأهلَ، وأعطاك الرَّحبَ". فلمَّا كان بعد ذلك، بعدما زوَّجه قال: "يا عليُّ! إنه لا بُدَّ للعُرسِ مِنْ وَلِيمَةٍ". قال سعد ﵁: "عندي كبْشٌ". وجَمَعَ لَهُ رَهْطٌ [٤٣/ أ] من الأنصار آصُعًا (¬١) من ذُرَةٍ.
وقد سبقه إلى ذلك الحافظُ تقيُّ الدِّين الفاسيُّ المكيُّ في كتابه: "العقد الثَّمين في تاريخ البلد الأمين" (¬١)، في ترجمة المحبِّ الطبريِّ المكيِّ، إذ يقول ما نصُّه: "وله تواليف حسنة في فنون من العلم، إلَّا أنه وقع له في بعض كتبه الحديثية شيء لا يستحسن، وهو أنه ضمّنها أحاديث ضعيفة وموضوعة في فضائل الأعمال، وفضائل الصَّحابة ﵃، من غير تنبيهٍ على ذلك، ولا ذَكَرَ إسنادها ليُعْلم منه حالها، وغاية ما صنع أن يقول: أخرجه فلان، ويُسمِّي الطَّبرانيَّ مثلًا أو غيره من مؤلِّفي الكتب التي أخرج منها الحديث المشار إليه، وكان من حقِّه أن يخرِّج الحديثَ بسنده في الكتاب الذي أخرجه منه، ليسلمَ بذلك من الانتقاد كما سَلِمَ به مؤلفُ الكتاب الذي أخرج منه المحبُّ الطَّبريُّ الحديثَ الذي خرَّجه. "أو يقول: أخرجه الطَّبرانيُّ -مثلًا- بسندٍ ضعيفٍ، كما صَنَعَ غيرُ واحدٍ من المحدِّثين في بيان حكم سند الحديث الذي يريدون إخراجه. أو ذكره بإسنادِ المؤلِّف الذي يخرِّجونه من كتابه". اهـ كلام الفاسي. وممن أشار إلى كثرة إيراد المحبِّ الطَّبريِّ الموضوع والواهي، العلَّامة صديق حسن خان في كتابه "الدِّين الخالص" (¬٢)، فقد ذكر كتاب "ذخائر العقبى"، وكتاب "نزل الأبرار" للبدخشاني، ونبَّه إلى ضرورة تصفيتهما من الرِّوايات الواهية بقوله: " ... فما أحقَّهما بأن يُجرَّدا عن الضِّعاف وما في معناها، ويُقتصر فيهما على الرِّوايات الصَّحيحة اللائقة بالاحتجاج! وهي أيضًا على قدر الكفاية، فأي حاجة معًا إلى ما لا يبلغ مداها ... والصَّباح يُغني عن المصباح، والحقًّ أبلج، والباطل لجلج". وقد أشار الأُستاذ عيسى الحميري كذلك إلى رواية المحبِّ للضِّعاف والمناكير، في الدِّراسة التي أعدَّها عن منهج المحبِّ الطَّبريِّ في مقدّمة تحقيق كتاب "الرِّياض النَّضرة في مناقب العشرة" (¬٣).
١٩٠ - وكذا رواه الرُّويانيُّ في "مسنده" (¬١) من هذا الوجه، ولفظه أيضًا: "وبَارِكْ لهما في نَسْلِهِمَا". ١٩١ - وأخرجه سَمُّوْيَه في "فوائده" (¬٢) من هذا الوجه؛ لكنَّه بلفظ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لهما في شَمْلِهِمَا". ولم يقل: "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِمَا وبَارِكْ عَلَيْهِمَا". ١٩٢ - ورويناه في "الذُّرِّيَّة الطَّاهرة" (¬٣) للدُّولابيِّ، ولفظه: "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِمَا، وبَارِكْ عَلَيْهِمَا، وبَارِكْ لهما في شِبْلِهِمَا". وقال الحافظُ ابنُ ناصر (¬٤) راوي الكتاب: "صَوَابُهُ: (نَسْلِهِمَا) "؛ انتهى (¬٥).
وهذه أمثلة لتلك الأحاديث الموضوعة: ١ - حديث أنس ﵁ قال: كنت عند النَّبيِّ ﷺ فرأى عليًّا مقبلًا فقال: "يا أنس! قلت: لبيك. قال: هذا المقبل حجَّتي على أُمَّتي يوم القيامة". (ص ٣٧٣) وعزاه للنَّقَّاش. وهو حديث موضوع، آفته مطر بن أبي مطر.
- راجع: "الموضوعات" (٢/ ١٦١ - رقم ١٧١)، و"اللآلئ المصنوعة" (١/ ٣٦٦)، و "تنزيه الشريعة" (١/ ٣٦٠)، و "الفوائد المجموعة" (ص ٣٧٣). ٢ - حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: "أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذرِّيَّتي، والقاضي لهم حوائجهم، والسَّاعي في أُمورهم عند اضطرارهم إليه، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه" (ص ٥٠) معزوًا للإمام علي بن موسى الرِّضا. وهو حديث موضوع، آفته عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، وهو كذَّاب. وقد أورده السَّخَاويُّ في هذا الكتاب رقم (٣٢٠)، وقال: "ضعيف جدًّا". مع أنه أورد قبله حديثًا رقم (٢٨٦) فيه الطائي المذكور فقال: "وفيه عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، وهو كذَّاب"، وانظر: "الفوائد المجموعة" (ص ٣٩٧) وحَكَمَ عليه بالوضع. ٣ - حديث أبي هريرة ﵁: "تبعث الأنبياء على الدَّوابِّ، ويحشر صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة على ناقتي العضْباء والقصْواء، وأُحشر أنا على البراق، خطوها عند أقصى طرفها، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنَّة". (ص ٢٣٤) وعزاه للحافظ السِّلَفيّ. وهو حديث موضوع. قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (¬١): "هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ". وقال الذَّهبيُّ في "ترتيبها" رقم (١١٢٠): "إسناده مظلم، ما أدري من وضعه؟ تعلَّق فيه ابن الجوزيِّ على أبي صالح كاتب الليث". ٤ - حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة كنت أنت وولدك على
): "إسناده مظلم، ما أدري من وضعه؟ تعلَّق فيه ابن الجوزيِّ على أبي صالح كاتب الليث". ٤ - حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة كنت أنت وولدك على
خيل بُلْق متوَّجة بالدُّر والياقوت، فيأمر الله بكم إلى الجنَّة والنَّاس ينظرون". (ص ٢٣٤) وعزاه لعليِّ بن موسى الرِّضا. ولم أقف عليه، وآثار الوضع عليه ظاهرة، والله تعالى أعلم. والعجب من المحبِّ الطَّبريِّ أنه حاول الجمع بين الحديثين بقوله: "ولا تضاد بينه وبين حشرهم على العضْباء والقصْواء، إذ يكون الحشر أولًا عليها، ثم ينتقلون إلى الخيل، أو يحمل ولده على غير الحسن والحسين منهم". اهـ. وكان الأجدر أن ينظر في إسناد الحديثين، ويتكلَّم عن رجالهما. ٥ - ذكر المحبُّ عدة روايات موضوعة جاءت في مقتل الحسين ﵁ وما تبع ذلك، منها: (أ) عن أبي محمد الهلالي -وعزاه لمنصور بن عمَّار، والملاء- قال: شَرِكَ منا رجلان في دم الحسين بن علي ﵄، فأمَّا أحدهما فابتُلي بالعطش، فكان لو شرب راويةً ما روي. قال: وأمَّا الآخر فابتُلي بطول ذَكَرِه، فكان إذا ركب الفرس يلويه على عنقه كأنه جبل! (ص ٢٤٧). وعدَّ المحبُّ هذا الخبر من الكرامات والآيات التي ظهرت لمقتل الحسين! (ب) عن نضرة الأزدية قالت: لمَّا قُتل الحسين بن علي أمطرت السَّماء دمًا! فأصبحنا وجِبابُنا وجرارُنا مملوءة دمًا. (ص ٢٤٨). (ج) عن جعفر بن سليمان قال: حدَّثتني خالتي أمُّ سالم قالت: لمَّا قُتل الحسين مُطرنا مطرًا كالدَّم على البيوت والجُدُر! قالت وبلغني أنه كان بخراسان والشام والكوفة! (ص ٢٤٩) وعزاه لابن بنت منيع. قلت: أكثر هذه الرِّوايات والأخبار من وضع الرَّافضة ومبالغاتهم، كما صرَّح به الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (¬١). إذ يقول: "ولقد بالغ الشِّيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبًا فاحشًا، من كون الشَّمس كسفت يومئذ حتى بدت النُّجوم، وما رُفع يومئذ حجرٌ إلَّا وُجِد تحته دم، وأنَّ أرجاء السَّماء احمرّت، وأنَّ الشَّمس كانت تطلع
ًا فاحشًا، من كون الشَّمس كسفت يومئذ حتى بدت النُّجوم، وما رُفع يومئذ حجرٌ إلَّا وُجِد تحته دم، وأنَّ أرجاء السَّماء احمرّت، وأنَّ الشَّمس كانت تطلع
وشعاعها كالدَّم، وصارت السَّماء كأنها عَلَقة، وأنَّ الكواكب ضرب بعضها بعضًا، وأمطرت السَّماء دمًا أحمر، وأنَّ الحُمْرة لم تكن في السماء قبل يومئذٍ، ونحو ذلك" ... إلى أنْ قال ﵀: " ... إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصحّ منها شيء". وقال -أيضًا- في هذا السِّياق مختتمًا كلامه: "وللشِّيعة الرَّافضة في صفة مصرع الحسين كذبٌ كثيرٌ، وأخبار باطلة". اهـ. وهناك أحاديث موضوعة أخرى، لولا خشية الإطالة لذكرتُها، وانظر على سبيل المثال (ص ٣٠، ٤١، ٥٢، ٨٣، ٩٥، ١٦٣، ٣٢٥، ٣٤٢، ٣٤٣). ثانيها: وُجِد من طريقة المحبِّ الطَّبريِّ في نسبة الأحاديث إلى مخرِّجيها مما يُؤخذ عليه، أنه يُوردها منسوبةً إلى غير مظانها، فقد ينسب الحديث إلى "السُّنن"، وهو في "الصَّحيحين" أو أحدهما ... وقد ينسبه إلى "المعاجم"، وهو في "السُّنن الأربعة" أو أحدها ... بل قد ينسبه إلى مصدر لا يعدُّ من المصادر الحديثية، كالكتب المؤلَّفة في الصحابة، مثل "الاستيعاب"، ويكون الحديث مرويًّا في "الصَّحيحين"، و"السُّنن"، و"المسانيد"! ... وهذا عند المحبِّ كثير. وهذه ثلاثة أحاديث على سبيل التمثيل: ١ - أورد (ص ٨٩) حديث: "خير نساء العالمين: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد". وعزاه لابن عبد البر! والحديث أصله في "صحيح البخاري" (٦/ ٤٧٠ - مع الفتح)، رقم (٣٤٣٢)، و"صحيح مسلم" (٤/ ١٨٨٦)، رقم (٢٤٣٠). وهو عند الترمذي (٥/ ٧٠٢)، رقم (٣٨٧٧)، وأحمد (١/ ٨٤، ١١٦، ١٣٢، ١٤٣، ٢٩٣)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٣٩)، رقم (٣٨٣٧) و (٣/ ٢٠٣)، رقم (٤٨٤٧)، وابن حبان في "صحيحه" (١٥/ ٤٠١، ٤٦٤)، رقم (٦٩٥١، ٧٠٠٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٤٠٢)، رقم (١٠٠٤). ٢ - أورد (ص ٩٤) حديث: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: يا أهل الجمع نكِّسوا رؤوسكم، وغضُّوا أبصاركم حتى تمرَّ فاطمة بنت محمد على
٥ - بَابُ بشَارَتِهِم بالجنَّة ورَفْعِ مَنْزِلَتِهِم بالوُقُوفِ عنْد مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ وَسَنَّهُ (¬١) تقدَّمت في الباب الثَّاني عدَّةُ أحاديث في التَّنصيصِ على دخولهم في شفاعته، وغضبه حيثُ قيل إنهم لا ينتفعون بقرابته (¬٢). ١٩٣ - وعن أبي الزِّناد، عن زيد بن عليٍّ في قوله ﷿: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ (¬٣)، قال: "إِنَّ مِنْ رِضَى رسولِ الله ﷺ أنْ يَدْخُلَ أَهْلُ بَيْتِهِ الجنَّة" (¬٤). رواه الجِعَابيُّ (¬٥).
السِّراط". وعزاه بقوله: (خرَّجه الحافظ أبو سعيد محمد بن علي بن عمر النَّقَّاش في "فوائد العراقيين"). والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٦٦)، رقم (٤٧٢٨)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وتعقَّبه الذَّهبيُّ بقوله: "لا والله! بل موضوع". والطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ١٠٨)، رقم (١٨٠) و (٢٢/ ٤٠٠)، رقم (٩٩٩). وهو في "فضائل الصحابة" (٢/ ٧٦٣)، رقم (١٣٤٤)، والعزو لهؤلاء الأئمة أولى. ٣ - عزا في (ص ٢٩٩) حديث: "سيِّد الشُّهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" لابن السَّري! وهو موجود في "مستدرك الحاكم" (٣/ ٢١٥)، رقم (٤٨٨٤)، وكان الأولى العزو إليه.
وإليك موازنة سريعة بين "ذخائر الطَّبريّ" و"ارتقاء السَّخَاويّ" لبابٍ اشتركا في عنوانه، وتميَّز السَّخَاويُّ في إيراد أحاديثه ومسائله. قال المحبُّ الطَّبريُّ رحمه الله تعالى (ص ٥٠): "ذكر ما جاء في الحثِّ على حبِّهم والزَّجر عن بُغْضهم عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "أحبُّوا الله لما يغذوكم به، وأحبُّوني بحبِّ الله، وأحبُّوا أهل بيتي بحبِّي"، أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب. "وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أنَّ رجلًا صفَّ بين الرُّكن والمقام، فصلَّى وصام، ثم لقي الله وهو مبْغضٌ لأهل بيت محمد دخل النَّار". أخرجه ابن السّري. "وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أبغض أهل البيت فهو منافق". أخرجه أحمد في "المناقب". "وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يُحبّنا أهل البيت إلَّا مؤمن تقيّ، ولا يُبغضنا إلَّا مافق شقيّ"، أخرجه الملّاء.
١٩٤ - وعن عاصمِ بن أبي النَّجُودِ، عن زرِّ بن حُبيْش، عن ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ فاطمةَ حَصَّنَتَ فَرْجَها فَحَرَّمَ الله ذُرِّيَّتَها على النَّار". أخرجه تمَّام في "فوائده" (¬١)، والبزَّار في "مسنده" (¬٢)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (¬٣) بلفظ: "فحرَّمها الله وذُرِّيَّتَها على النَّار" (¬٤).
"وعن عليٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبَّهم من أمَّتي كهاتين السَّبَّابتين"، أخرجه الملّاء". اهـ من كتاب المحبِّ. واسْتَعْرِضْ معي عرض الحافظ السَّخَاويّ لأحاديث الباب في "ارتقائه" (¬١)، إذ يقول رحمه الله تعالى:
" باب الحثِّ على حبِّهم والقيام بواجب حقِّهم عن محمد بن علي بن عبد الله بن عبَّاس، عن أبيه، عن جدِّه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أحبُّوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبُّوني لحبِّ الله ﷿، وأحبُّوا أهل بيتي لحبّي"، أخرجه الترمذي عن أبي داود "صاحب السُّنن" وقال: إنه حسن غريب، إنما يُعرف من هذا الوجه. وكذا أخرجه البيهقي في "الشُّعب"، ومن قبله الحاكم وقال: صحيح الإِسناد. ومن العجيب ذكر ابن الجوزيِّ لهذا الحديث في "العلل المتناهية". وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن عبدٌ حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وتكون عترتي أحبّ إليه من عترته، ويكون أهل بيتي أحبّ إليه من أهله، وتكون ذاتي أحبّ إليه من ذاته". أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"، وأبو الشَّيخ في "الثَّواب" والدَّيلميّ في "مسنده". وعن عبد الله بن الحارث، عن العبَّاس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت يا رسول الله! إن قريشًا إذا لقي بعضهم بعضًا لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها! قال: فغضب النَّبيُّ ﷺ غضبًا شديدًا، وقال: "والذي نفسي بيده! لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يُحبَّكم لله ولرسوله". أخرجه أحمد، والحاكم في "صحيحه". واستشهد لصحّته بما أخرجه هو، وكذا ابن ماجه من طريق محمد بن كعب القُرظيّ، عن العبَّاس ﵁ قال: كنا نلقى النَّفر من قريش وهم يتحدَّثون فيقطعون حديثهم! فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "ما بال أقوام يتحدَّثون، فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم! والله! لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبَّهم لله ولقرابتي".
١٩٥ - وابنُ شاهين في "مسند الزَّهراء" من حديثه باللفظين (¬١). وكذا هو عنده من وجهٍ آخر عن عاصم، لكنَّه قال: عن زرٍّ، عن حُذَيْفَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ فاطمةَ أحْصَنَتْ فَرْجَها فحرَّمها الله وذرِّيَّتَهَا على النَّار" (¬٢).
وعن عبد الله بن الحارث أيضًا، عن عبد المطلب بن ربيعة ﵁ قال: دخل العبَّاس ﵁ على رسول الله ﷺ فقال: إنَّا لنخرج فنرى قريشًا تحدَّث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله ﷺ ودرَّ عرق بين عينيه، ثم قال: "والله! لا يدخل قلب امرئٍ: مسلم إيمان حتى يُحبَّكم لله ولرسوله". وهو عند محمد بن نصر المروزي بلفظ: "والذي نفسي بيده! لا يدخل قلب أحد الإيمان حتى يحبَّكم لله ولقرابتي ... "، الحديث. وسمَّى الصَّحابيّ المطَّلب بن ربيعة. ورويناه من طريق أبي الضُّحى، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: ... ". إلخ كلام السَّخَاويِّ. وفي الباب أحاديث أخرى لم أذكرها خشية الإِطالة، وما ذُكِرَ يكفي للموازنة.
تسجيل أهم الملاحظات من خلال النَّصَّين السَّابقيْن:
- أولًا: كتاب "ذخائر العُقْبى" للمحبِّ الطَّبريِّ. ١ - يُلاحظ أنَّ المؤلف يُورد الحديث بدون إسناد، وإنَّما يذكر صحابيّه؛ ومعلوم ما للإسناد من الأهمية القصوى عند المحدِّثين. قال سفيان الثَّوري: "الإسناد زين الحديث" (¬١). وقد تقدَّم اعتراض التَّقيّ الفاسي على المحبِّ الطَّبريِّ بأنه لو روى الأحاديث بأسانيده في الكتاب الذي أخرج منه لكان أحسن؛ ليسلم من الانتقاد. أو لو أنه ذكر الحديث بإسنادِ المؤلف الذي أخرج الحديث من كتابه لكان أولى. ٢ - ويُلاحظ -أيضًا- أنَّ المؤلف يُورد الأحاديث دون الكلام أو التعليق عليها صحّةً، أو حسنًا، أو ضعفًا. وهذا الأمر انتقده الفاسي أيضًا -كما تقدَّم-، إذ لو أنَّ المحبَّ قال عقب تخريج الحديث: أخرجه الطَّبرانيُّ -مثلًا- بسندٍ ضعيفٍ، كما صَنَعَ غيرُ واحدٍ من المحدِّثين في بيان حكم سند الحديث الذي يريدون إخراجه؛ لكان ﵀ سالمًا من الاعتراض والانتقاد.
١٩٦ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: شَكَوْتُ إلى رسول الله ﷺ حَسَدَ النَّاسِ، فقال لي: "أمَا ترضى أنْ تكونَ رابعَ أَرْبَعَةٍ، أوَّلُ مَن يَدْخلُ الجَنَّةَ أَنَا، وأنْتَ، والحَسَن، والحُسَيْن ﵃ وأَزْوَاجُنا عن أَيْمَانِنَا وشمائِلنا، وذُرِّيَّتُنا خَلْفَ أزْوَاجِنا". أخرجه الثَّعلبيُّ (¬١) بسندٍ فيه الكُدَيْميُّ، وهو ضعيف (¬٢).
٣ - وجديرٌ بالملاحظة كذلك، أنَّ مصادر المؤلِّف التي ينقل منها الأحاديث غير مشتهرة، وبعضها أجزاء حديثية غير معروفة، وأصحابها ممن قد لا يُعرف عنه كثرة الرِّواية، أو ممن يروي الموضوعات بلا احتياط! وقد رأينا من خلال النَّصِّ السَّابق نقله عن ابن السَّري، والملا في "سيرته". وفي مواطن كثيرة من الكتاب يعزو إلى: الإمام علي بن موسى الرِّضا، والغسَّاني في "معجمه"، وأبي روْق الهِزّاني، وابن المثنى في "معجمه"، وابن الحضرمي، وابن الجرَّاح، وابن الضَّحَّاك، وأبي مسلم البصري، وأبي سعيد النَّقَّاش. الأمر الذي جعل السَّخَاويّ يصفه بالتَّسامح والتَّساهل في إيراد الأحاديث. كما تقدَّم قريبًا.
• ثانيًا: كتاب "استجلاب ارتقاء الغُرَف" للحافظ السَّخَاويّ: ١ - من الملاحظ لأول وهلة اهتمام المؤلف بالإسناد، فهو يذكر الحديث ببعض السَّند ليشير إلى مَنْ يدور عليه الكلام في الِإسناد، كما رأيتَ في حديث ابن عبَّاس. ٢ - أن السَّخَاويّ يتكلَّم على الأحاديث صحةً وضعفًا، ويُناقش من سبقه في الحكم على الأحاديث، وهذا مما يُعطي الكتاب قيمةً علميةً. فقد رأينا قوله عند رواية حديث ابن عبَّاس: "أخرجه الترمذي عن أبي داود صاحب السُّنن، وقال: إنه حسن غريب، إنما يُعرف من هذا الوجه. وكذا أخرجه البيهقي في "الشُّعب"، ومن قبله الحاكم وقال: صحيح الإِسناد. ومن العجيب ذكر ابن الجوزي له في "العلل المتناهية"". ٣ - يُلاحظ كذلك كثرة ما يُورد المؤلف من الشَّواهد والمتابعات؛ فقد ذكر في النَّصِّ السَّابق ستة طرق لحديث العبَّاس بن عبد المطلب، فهو بذلك يجمع طرق الحديث ليتقوَّى بها. بل يذكر في الباب الواحد أحيانًا روايات كثيرة، فيقول: وفي الباب عن فلان، وفلان، وفلان ... ثم يذكرها ومن خرَّجها. وبالله تعالى التوفيق.
١٩٧ - وعند الطَّبرانيِّ في "الكبير" (¬١) من حديث أبي رافع ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال لعليٍّ ﵁: "إنَّ أوَّلَ أَرْبَعَةٍ يَدْخُلُونَ الجنَّة؛ أَنا، وأَنت، والحَسَنَ، والحُسَيْن، وذَرَارِينَا خَلْفَ ظُهُورنا، وأَزْواجُنا خلفَ ذرارينا، وشِيعتُنا عن أَيْمَاننا وعن شمائلنا". وسندُهُ ضعيفٌ جدًّا (¬٢). ١٩٨ - ولابن السَّرِيِّ (¬٣)، والدَّيلميِّ في "مسنده" (¬٤) من حديثِ أنسِ بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "نحنُ بَنُو عَبْدِ المطَّلبِ ساداتُ أَهْلِ الجنَّةِ؛ أَنا، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وجَعْفَرُ بنُ أَبي طالبٍ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ، والمَهْدِيُّ" (¬٥).
المبحث السابع أثر كتاب "استجلاب ارتقاء الغرف" فى الكتب التي أُلِّفت بعده رغم كثرة مؤلفات الحافظ السَّخَاويِّ، وجودتها، وبراعتها، وانتشارها بين أهل العلم، ووجودها في مكتبات العالم؛ إلَّا أني ألْحَظُ عدم شهرة هذا الكتاب بين العلماء والباحثين، حتى أكاد أرى كثيرًا ممن كتب في هذا الموضوع (مناقب أهل البيت) لا يذكرون الكتاب، لا من قريب، ولا من بعيد. مع أنَّ الكتاب كان مشهورًا متداولًا في حياة المؤلف، بين أيدي أهل العلم وطلبته، في مصر والحجاز، وغيرهما. فإنَّ لدينا نصوصًا في موسوعة المؤلف التاريخية "الضوء اللامع"، تدل على عظيم احتفاء المؤلف بهذا الكتاب والاهتمام به، حيث إنه كان يقوم بإقرائه وتدريسه مع أُمَّهات الكتب، في مدارس القاهرة، وفي الحرم المكي الشَّريف، وفي المدينة النَّبويَّة المباركة، على ساكنها أفضل الصَّلاة وأتم التَّسليم. كذلك كان يكتب لبعض طلابه ومحبِّيه إجازات بجملةٍ من كتبه، منها كتاب: "استجلاب ارتقاء الغُرَف". ومما يشير إلى ذلك: • ما ذكره في ترجمة علي بن محمد بن أبي بكر الحسيني الدِّمشقي، سبط البرهان الباعوني -من علماء وأعيان القرن التاسع-، فقد جاء ما يلي: " ... وطالع من تصانيفي جملةً، "كالجواهر والدُّرر"، و "شرح الألفية"، و "ارتقاء الغُرَف"، و "الذَّيل على دول الإِسلام"، و "مناقب العبَّاس"، وما لا ينحصر". اهـ (¬١).
تصانيفي جملةً، "كالجواهر والدُّرر"، و "شرح الألفية"، و "ارتقاء الغُرَف"، و "الذَّيل على دول الإِسلام"، و "مناقب العبَّاس"، وما لا ينحصر". اهـ (¬١).
• وكان بعض الأعيان من معاصريه يكتب للمؤلف يطلب منه أن يرسل له نسخة من الكتاب، مما يدلُّ على انتشاره بين الناس، كما حصل من إسحاق بن عبد الجبار الحسيني القزويني، فقد أرسل إليه الحافظ السَّخَاويُّ نسخة منه (¬١). • وذكر في ترجمة حسين بن عبد الله الكرماني، المعروف بـ (ابن أصيل الدَّين) (¬٢): " ... وسمع عليَّ "أربعين النووي" وغيرها، بل قرأ عليَّ "مسند الشَّافعي"، و "عدة الحصن الحصين". ومن تصانيفي: "التوجه للرَّبِّ"، و "الابتهاج" وكَتَبَهما، و "استجلاب ارتقاء الغرف". اهـ. • وجاء في ترجمة مرشد بن محمد الحسني المكي الشَّافعي، المعروف بـ (ابن المصري) (¬٣): " ... ولازمني في سنة ستٍّ وثمانين بمكة، حتى قرأ عليَّ "القول البديع"، و "استجلاب ارتقاء الغُرَف" من نُسْخَتَيْه". اهـ. • وهناك ما يُشير إلى اهتمام علماء العصر بالكتاب ومحاولة إفادتهم منه ومن غيره من كتب الحافظ السَّخَاويِّ النافعة، فلقد جاء في ترجمة الشَّريف نور الدِّين السَّمهوديِّ (ت ٩١١ هـ) من كتابه "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشَّريفة" (¬٤)، ما يبرز هذا الجانب: " ... ولا زالت كتبه ترد عليَّ بالسَّلام، وطيب الكلام، بل يُشافه بما هو أعلى -كما كان يسمعه من شيخه المحلي والمناوي-، ويستمدُّ مما لعلَّه يقف عليه من تصانيفي، كـ "القول البديع"، و "ارتقاء الغُرَف"، و"مناقب العبّاس"، و "المقاصد الحسنة"، و "شرح الألفية" ... ". اهـ ولا زال عجبي -من عدم شهرة هذا الكتاب- لا ينقضي! خصوصًا إذا علمتَ أنَّ عصريَّه جلال الدِّين السُّيوطَّي رحمه الله تعالى تكاد كتبه أن تكون مخدومة مطبوعة، إلَّا ما ندر.
١٩٩ - وعن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادةَ، عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "وَعَدَني ربِّي في أَهْلِ بيْتي مَنْ أَقرَّ منهم (¬١) بالتَّوحيدِ، وليَ بالبلاغِ أنْ لا يُعَذِّبَهم". رواه الحاكم (¬٢) وقال: "صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه" (¬٣).
بينما لا زال كثير من مؤلفات الحافظ السَّخَاويِّ حبيس المكتبات في عالم المخطوطات؛ مع أنه "لا يشكُّ باحثٌ منصفٌ أنَّ السَّخَاويَّ أمتن من السُّيوطيِّ في التاريخ والحديث، وأكثر أصالةً في تآليفه" (¬١). ولعلَّ السبب في عدم شهرته؛ كثرة المؤلفات في مناقب الآل، فكأنّ العالم أو الباحث يظنّ أنَّ كتاب السَّخَاويِّ كسائر الكتب المؤلفة في هذا الباب، التي دخلها الواهي والمنكر، دون تمييز أو إشارة إلى ذلك؛ فنتج عن ذلك ضعف همَّة الباحثين لقراءة الكتاب أو مطالعته ... هذا ما بدا لي، ولعلَّ السب غير ذلك، والله أعلم. أمَّا من عاصر المؤلف كابن الدَّيبع الشَّيبانيّ (ت ٩٤٤ هـ)، وهو من تلاميذه، فقد نقل عن الكتاب في موضع واحد، وذلك في كتابه المسمَّى "تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث" (ص ١٤٦). وفي نفس الفترة الزمنية -القرن العاشر الهجري- يأتي الفقيه المحدِّث أحمد بن محمد بن حجر الهيتميّ (ت ٩٧٤ هـ)، فيطَّلع على الكتاب، فيُعجب به وبما احتواه من فوائد؛ فيقوم باختصاره، ويجعله ذيلًا لكتابه: "الصواعق المحرقة". ثم جاء القرن الثاني عشر، وجاء الشيخ إسماعيل العجلونيّ (ت ١١٦٢ هـ) صاحب كتاب "كشف الخفاء ومزيل الإِلباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، فاطَّلع على الكتاب واستفاد منه، ونقل عنه في ثلاثة مواضع من كتابه: (٢/ ١٤٢، ٢٢٥، ٢٨٨). أمَّا ما عدا هؤلاء العلماء، فلم أرَ من صرَّح بالنقل عن الكتاب. وتجدر الإِشارة؛ أني ومن خلال قراءتي لكتاب: "جواهر العقدين في فضل الشَّرفين" للشَّريف السَّمهوديِّ (ت ٩١١ هـ)، وهو من معاصري المؤلف؛ رأيت نقولاتٍ كثيرةً تكاد تكون منقولة بالحرف الواحد، من كتاب الحافظ السَّخَاويِّ، دون إشارة السَّمهوديِّ إلى ذلك!
٢٠٠ - وعن عبد الرَّحمن بن الغَسيل، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمةَ ﵂: "إنَّ اللهَ غَيْرُ مُعَذِّبِكِ ولا وَلَدِكِ". أخرجه الطبراني في "الكبير" (¬١)، ورجاله ثقات (¬٢). ٢٠١ - وهو عند السَّمَرْقَنْدِيِّ (¬٣) وغيره من هذا الوجه؛ لكن في العبَّاس ﵁؛ ولفظه: "يا عبَّاسُ! إنَّ اللهَ غَيْرُ مُعَذِّبكَ، ولا أَحد مِنْ وَلَدِكَ".
ويغلب على ظني -والعلم عند الله- أن هذه النُّقول مأخوذة من هذا الكتاب، وعندي على ذلك دلائل، منها: ١ - أنَّ الحاظ السَّخَاويَّ أشار -كما مضى قريبًا- في "التحفة اللطيفة" (¬١) في ترجمة السَّمهوديِّ. أنَّ الأخير كان يستمد بعض تصانيفه، وذكر منها كتابه "ارتقاء الغرف". ٢ - أنَّ السَّمهوديَّ فرغ من تأليف كتابه سنة (٨٩٧ هـ)، أي بعد تأليف السَّخَاويِّ لكتابه بعشرين سنة، ومن ثمَّ بعد انتشاره في الآفاق، ووقوف القاصي والدَّاني عليه؛ فقد سبقت الإشارة عند التعريف بالكتاب أنه ألَّفه سنة (٨٧٧ هـ). ٣ - استرعى انتباهي أمرٌ لاحظته في كتاب السَّمهوديِّ، ألا وهو اتفاقه في ترتيب الأحاديث في الباب الواحد! بل واتِّفاقه في ترتيب مصادر التخريج للحديت الواحد، مع ما هو موجود في هذا الكتاب! مما لا يمكن أن يكون مصادفة، إنما بعد اطّلاع مؤلفه على كتاب السَّخَاويِّ ومتابعته في النقل. ويمكنك النظر في أبواب الكتابيْن لترى التشابه العجيب بينهما! • وهذا أُنموذج على ما أقول: بوَّب السَّمهوديُّ (ص ٢٩٩) بقول: (باب دعائه ﵌ بالبركة في نسل البتول والمرتضى ﵄. وهو يشبه تمامًا تبويب السَّخَاويِّ: (بَابُ دُعَائِهِ ﷺ بالبَرَكَةِ في هذا النَّسْلِ المُكَرَّمِ). ثم بدأ السَّمهوديُّ الباب بإيراد الأحاديث: • فذكر حديث عبد الكريم بن سَليط وأورده من طريق النسائي في "عمل اليوم والليلة" ... • ثم ساق رواية الروياني له في "مسنده" ... • ثم أورد طريق سمُّويه في "فوائده" ... • ثم من طريق الدُّولابيِّ في "الذرية الطاهرة" ...
ليوم والليلة" ... • ثم ساق رواية الروياني له في "مسنده" ... • ثم أورد طريق سمُّويه في "فوائده" ... • ثم من طريق الدُّولابيِّ في "الذرية الطاهرة" ...
• ثم ساق كلام ابن ناصر الدِّين -أحد رواة كتاب الدُّولابيِّ- في تصويب كلمةٍ وردت في لفظ الحديث. • ثم أشار أنَّ الرِّواية باللفظين أوردهما في "المختارة". وإيراد الأحاديث بهذا الترتيب، وبتلك الطرق المذكورة، موجود بحروفه في الباب الرابع من هذا الكتاب، بالأرقام (١٨٩، ١٩٠، ١٩١، ١٩٢)، ولا يختلف عما عند السَّمهوديِّ بشيء؛ مما يدلُّ على أنَّ الأمر ليس مجرد توافق في الأفكار، وإنما اقتباسٌ من الكتاب ومتابعةٌ لمؤلفه. ٤ - أني رأيت نصوصًا ليست بالقليلة، اتَّفقت فيها عبارة صاحب "جواهر العقدين" بما هو موجود في هذا الكتاب. وسأورد بعضها، وأقارنها بما هو موجود في "الارتقاء": فمثلًا: • ذكر (ص ٢٥٩) في تخريج حديثٍ أورده: " ... أخرجه مسدَّد، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى في مسانيدهم، والطبراني؛ كلّهم بسند ضعيف". وهو بنصِّه في هذا الكتاب بنفس ترتيب مخرِّجي الحديث! انظر رقم: (٢١٠). • قال في (ص ٢١٥) في تخريج حديثٍ ذكره: " ... أخرجه الحاكم في "مستدركه" وأشار إلى أنه استدركه مع كونه في "الصحيحين" من هذا الوجه؛ لإِفادته أنَّ أهل البيت هم الآل". وهو بنصِّه في كتاب السَّخَاويّ. انظر رقم: (١٧٥). • وقال في (ص ٣٤٥) في تخريج حديثٍ ما نصُّه: " ... أخرجه الطبراني في "الأوسط"، والعقيلي في "الضعفاء" بسند مظلم، والخطيب بآخر فيه كذَّاب، ومن أجله حكم ابن الجوزي بوضعه، وسبقه العقيلي فقال: إنه ليس له أصل". وهذا العزو موجود بنصِّه في "ارتقاء الغرف" وبنفس ترتب المخرِّجين. انظر رقم: (٣٤٠)، إلَّا أنه قال: "ولذلك"، و "بل سبقه"؛ بدل: "ومن أجله"، و "سبقه". ولا يُقال إنَّ هذا توارد في الأفكار والمعلومات فحسب! فإنه وبهذا التوافق العجيب في ترتب مصادر التخريج، والتعليق على الحديث بهذه
٢٠٢ - وأخرجه الطَّبرانيُّ من حديث سَهْل بنِ سَعْد ﵄، أنَّه ﷺ قال: "يا عَمُّ! سَتَرَكَ اللهُ وذُرِّيَّتَكَ مِنْ النَّار" (¬١). ٢٠٣ - وعن عمران بن حُصَيْن ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "سألتُ ربِّي أن لا يُدْخِلَ النَّارَ أَحَدًا من أَهْلِ بيْتي، فأَعْطَانِي ذلك". ذكره المُحِبُّ الطَّبريُّ (¬٢)، ومن قبله الدَّيلميُّ (¬٣)، وولدُهُ معًا بلا إسنادٍ. ٢٠٤ - وكذا عند المُحبِّ -أيضًا (¬٤) - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إنَّهم عِتْرَةُ رَسُولكَ، فَهَبْ مُسيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ (¬٥)، وهَبْهُم لي؛ فَفَعَلَ، وهو فَاعِلٌ". قال: "قلت: ما فعل؟ "، قال: "فَعَلَهُ ربُّكُمْ بِكُمْ، وَيَفْعَلُهُ بمنْ بَعْدَكُمْ". ٢٠٥ - وعن علي بن أبي طالب ﵁، أنَّه ﷺ قال له: "يا عليُّ! إنَّ الله قد غَفَرَ لك، ولِذُرِّيَّتِكَ، وَلِوَلَدِكَ، ولأَهْلِكَ، ولِشِيعَتِكَ، ولِمُحبِّي شِيعَتِكَ؛ فأَبْشِرْ، فإنَّك الأنْزَعُ البَطِين". أخرجه الدَّيلميُّ في "مسنده" (¬٦) من حديث داود بن سليمان بن يوسف، عن علي بن موسى، عن أبيه موسى، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمد، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁؛ ولا يصحُّ (¬٧).
العبارات المشتركة، لا يتأتَّى هكذا بمجرد توارد وتوافق الكلمات؛ وإنما الواقع أنَّ الشَّريف السَّمهوديَّ اطّلع على كتاب السَّخَاويِّ، ولم يرد التَّصريح بذلك. ولا يخفى عليك مسألة المعاصرة بينهما، وحساسيتها في كثير من الأحيان! • وهناك أمثلة كثيرة في الكتاب، مثل: (ص ٢٢٥، ٢٣٢، ٢٦٠، ٢٧٢، ٢٧٩، ٢٩١، ٣٠٠، ٣١٠، ٣٢٦، ٣٣٢، ٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٢، ٣٤٧، ٣٧١، ٣٨٨). وقارنه بالأرقام التالية: (١٨٣، ١٨٤، ١٨٥ - تعقيب حديث ٥٢ - ٢١٣ - ٢٤١ - ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧، ٢١٨ - تعقيب حديث ٢٢٩ - تعقيب حديث ٢٤٢ - تعقيب حديث ٢٠٧ - ١٨٩ - ١٩٠، ١٩١، ١٩٢ - ٢٨١ - ٤١ - ١٢٨، ١٢٩، ١٣٠، ١٣١ - تعقيب ١٥٨ - تعقيب ١٥٩ - ٣٣٨ - تعقيب ٣٥١ - ٣٠٣). ٥ - ومما يشير إلى أخذ السَّمهوديِّ ونقله من "ارتقاء الغرف"، أنه تابع السَّخَاويَّ في بعض ما يؤخذ عليه! ومن ذلك أنه عزا في (ص ٣٧٦) كلام أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁: "والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليَّ من أصل قرابتي"؛ عزاه إلى "صحيح البخاري" وحده! والأثر كما هو معلوم في "الصحيحين" وليس في البخاري فقط؛ ومردُّ ذلك متابعته للسَّخَاويِّ في هذا العزو. انظر رقم: (٢٩٩). ومن خلال هذه النقاط الخمس يمكن القول باطمئنان؛ إنَّ الشَّريف السَّمهوديَّ استفاد من كتاب "ارتقاء الغرف" للحافظ السَّخَاويِّ -وإنْ لم يُشر إلى ذلك ولو مرةً واحدةً-، وأنَّ هذا الكتاب من الكتب التي لها أثر بعد وفاة مؤلفيها.
اد من كتاب "ارتقاء الغرف" للحافظ السَّخَاويِّ -وإنْ لم يُشر إلى ذلك ولو مرةً واحدةً-، وأنَّ هذا الكتاب من الكتب التي لها أثر بعد وفاة مؤلفيها.
المبحث الثامن المآخذ على الكتاب لا يخلو أي عمل من أعمال بني آدم من وجود بعض النقص والتقصير؛ فإنَّ الله أبى العصمة إلَّا لكتابه وأنبيائه. ومن الطبعي أن يقف الباحث على بعض المآخذ والملاحظات على أي كتاب من كتب أهل العلم قام بدراسته وتحقيقه والعناية به. ومما ينبغي أن يُعلم أنه ليس لمثلي -وأنا قصير الباع في العلم والتَّحصيل- أن ينتقد إمامًا كبيرًا كالحافظ السَّخَاويِّ، وإنما هي مجرد ملاحظات قد أصيب فيها وقد أخطئ -ولعلَّ خطئي أكثر من صوابي-، ورائدي في ذكرها تجلية الصَّواب في تلك القضايا، وهذه المآخذ لا تنتقص من المؤلف ولا المؤلف بحالٍ؛ والله المستعان. وهذه المآخذ تتلخَّص في الآتي: ١ - وَهْمُهُ في عزو بحض الأحاديث: ومن ذلك: (أ) عزا حديث رقم (٢٩٩) أنَّ أبا بكرٍ ﵁ قال لعليٍّ ﵁: "والذي نَفْسِي بيده، لَقَرَابَةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إليَّ أنْ اصِلَ مِنْ قرابتي". عزاه لـ "صحيح البخاري" (٧/ ٤٩٣ - مع الفتح)، رقم (٤٢٤١)، وفي مواطن أخرى فقط، والواقع أن الحديث متَّفق عليه، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣/ ١٣٨٠)، رقم (١٧٥٩). (ب) عزا حديث أبي هريرة ﵁، رقم (٣٦٩) قال: سُئِل رسولُ اللَّهِ ﷺ؛ أيُّ النَّاسِ أكرم؟ فقال: "أَكْرَمُهُمْ عند اللَّهِ أَتقَاهُم ... "، الحديث.
(١٧٥٩). (ب) عزا حديث أبي هريرة ﵁، رقم (٣٦٩) قال: سُئِل رسولُ اللَّهِ ﷺ؛ أيُّ النَّاسِ أكرم؟ فقال: "أَكْرَمُهُمْ عند اللَّهِ أَتقَاهُم ... "، الحديث.
عزاه لـ "صحيح البخاري" فقط (٧/ ٣٦٢ - مع الفتْح)، رقم (٤٦٨٩)، وفي مواضع أخرى. والواقع أنَّ الحديث متفق عليه، فقد أخرجه مسلم في "صحيحه" (٤/ ١٨٤٦)، رقم (٢٣٧٨). (ج) عزا حديث أنس بن مالك ﵁، رقم (٥٣) يرفعه إلى النَّبيِّ ﷺ: "أَلا إنَّ لكلِّ نَبيٍّ تَرِكَةً وضَيْعَةً، وإنَّ تَرِكَتِي وَضَيْعَتِي الأَنصارُ، فاحْفَظُوني فيهم"؛ للطَّبرانيِّ في "المعجم الكبير"، والواقع أنَّ الحديث في "المعجم الأوسط" (٥/ ٤٦٤)، رقم (٥٣٩٨). ٢ - تساهله في الحكم على بعض الأحاديث: مضى الإِشارة فيما سبق أنَّ المؤلف وصف المحبَّ الطبَّريَّ بالتساهل والمسامحة في إيراد الأحاديث ... وهذا الذي عابه المؤلف على المحبِّ وقع في شيء منه. فهناك أحاديث ضعيفة جدًّا حكم عليها بالضَّعف فقط، ومثلها لا ينجبر بغيره ... وهناك أحاديث موضوعة فيها كذَّابون أو متَّهمون بالكذب، حكم على بعضها بأنها ضعيفة جدًّا، وأخرى سكت عنها ... ومثلها أحاديث منكرة سكت عنها المؤلف ولم يحكم عليها بشيء، مع أنه اشرط على نفسه البيان كما سبق في منهجه. • وسأذكر على ذلك ثلاثة أمثلة، وإنْ شئتَ فانظر الأرقام التالية: (١٧٥، ٢٢٤، ٣٢٣، ٣٤٦): (أ) حديث الحسن بن عليٍّ ﵄ برقم (٣٣٨)، أنَّه قال لمعاوية بن حُدَيْج: "يا معاوية! إيَّاك وبُغْضَنَا، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُبْغِضُنَا، ولا يَحْسِدُنا أَحَدٌ إِلَّا ذِيدَ عن الحَوْضِ يَوْمَ القِيامَةِ بِسِيَاط من النَّارِ". قال المؤلف في تخريجه: "أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط" [٣/ ٩٩]؛ وسنده ضعيف". ولي على كلام المؤلف رحمه الله تعالى ملاحظتان: • الأولى: اقتصاره في عزو الحديث على "المعجم الأوسط" فحسب، فإنَّ الحديث أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" أيضًا (٣/ ٨١)، رقم (٢٧٢٦) بإسناده سواء، وفيه قصة؛ فكان الأولى عزوه إلى المعجميْن.
الملاحظة الثانية: قول المؤلف: "وسنده ضعيف"؛ والواقع أنه ضعيف جدًّا، ولقائلٍ أنَّ يقول: هو موضوع؛ فإنَّ فيه كذَّابًا. آفته عبد الله بن عمرو الواقِفيّ، كما وقع في الطبراني -بفتح الواو وكسر القاف والفاء- نسبةً إلى بطن في الأوس من الأنصار، كما في "الأنساب" (٥/ ٥٦٧). وقيل: الواقِعيّ -بعد القاف عين مهملة، كما في "تكملة الإكمال" (٧/ ٣٠٦) - وهو الذي رجَّحه ابن نقطة، وهو بهذه النِّسبة في سائر كتب الرجال التي اطَّلعت عليها. وهو كذَّاب، وهو المتَّهم بوضْعه، وقد انفرد به. قال علي بن المدينيّ، "كان يضع الحديث". وقال الدّارقطنيّ: "بصريّ يكذب". وقال أبو حاتم: "ليس حديثه بشيء، ضعيف الحديث، كان لا يصدق". وقال ابن عدي: "أحاديثه كلُّها مقلوبة، وهو إلى الضَّعف أقرب منه إلى الصِّدق". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ١٧٢): "رواه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ٩٩)، وفيه عبد الله بن عمرو الواقفي، وهو كذَّاب". وأورده في (٤/ ٢٧٨) من طريق الطبراني في "الكبير" وأعاد نفس المقال. انظر: "الجرح والتعديل" (٥/ ١١٩)، و "الضعفاء الكبير" (٢/ ٢٨٤)، و"الكامل" (٤/ ١٥٦٩)، "ضعفاء الدارقطني" (ص ٢٦٤)، و"ضعفاء ابن الجوزي" (٢/ ١٣٤)، و "الكشف الحثيث" (ص ١٥٥)، و "الميزان" (٤/ ١٥٥)، و"اللسان" (٣/ ٣٧٤. قلت: فمن هذه حاله لا يُقال في حقِّه إنه ضعيف! والله تعالى أعلم. (ب) حديث أنس ﵁ رقم (١٩٩) قال: قال رسول الله ﷺ: "وعَدَنِي ربِّي في أَهْلِ بيْتي مَنْ أَقرَّ منهم بالتَّوحيدِ، ولي بالبلاغِ أنْ لا يُعَذِّبَهم". قال المؤلف عقبه: "رواه الحاكم، وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه! "، وسكت! وهذا الحكم على الإِسناد والسكوت عليه، فيه نظر، ومتابعة المؤلف للحاكم ههنا ليست بجيدة؛ فإنه منكر لا يصحُّ، ولذا تعقَّب المذَّهبيُّ الحاكمَ بقوله؛ "بل منكر لم يصحّ". وهو كما قال الحافظ الذَّهبيُّ، فإنَّ مداره على عمر بن سعيد الأبحّ، وهو منكر
وقد سبق في الباب الثَّاني عن أبي رافع، أنَّه ﷺ قال: "يا عليُّ! أنتَ وشيعَتُكَ تَرِدُونَ عليَّ الحوضَ رِوَاء ... "، الحديث (¬١). ٢٠٦ - ولأحمد في "المناقب" (¬٢) عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معشرَ بني هاشم! والذي بَعَثَني بالحقِّ نَبيًّا لو أَخَذْتُ بحَلْقَةِ الجنَّةِ ما بدأتُ إلَّا بِكُمْ" (¬٣).
الحديث. قال البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ١٤٣): "منكر الحديث ". وقال ابن عدي في "الكامل": "في بعض ما يرويه عن سعيد بن أبي عَروبة إنكار". انظر: "مختصر الكامل" (ص ٥١٩)، وراجع "الضعفاء الكبير" (٣/ ١٦٦)، والميزان (٥/ ٢٤٠)، و "المغني" (٢/ ١١٧)، و "ضعفاء ابن الجوزي" (٢/ ٢١٠). • كما أنَّ في الحديث علةً أُخرى: وهي اختلاط سعيد بن أبي عَروبة، فقد اختلط في آخر عمره، وطالت مدة اختلاطه، فقيل: خمس سنين، وقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة. وقد صرَّح الأئمة يحيى بن معين، وأبو أحمد ابن عدي بأنه خلَّط، وأنَّ من سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، كسماع يزيد بن زُريع، ومن سمع منه بعد اختلاطه فليس بشيء ولا يُعتمد (¬١). وعمر بن سعيد الأبحّ مع نكارة حديثه فقد سمع من سعيد بن أبي عَروبة قبل وفاته بسبعة أيام لا غير، فيكون حديثه ليس بشيء كما قال ابن معين. قال الحاكم (٣/ ١٦٣) عقب رواية الحديث: "قال عمر بن سعيد الأبحّ: ومات سعيد بن أبي عَروبة يوم الخميس، وكان حدَّث بهذا الحديث يوم الجمعة مات بعده بسبعة أيام في المسجد؛ فقال قوم: لا جزاك الله خيرًا، صاحب رفض وبلاء. وقال قوم: جزاك الله خيرًا، صاحب سنَّة وجماعة، أدَّيت ما سمعتَ". اهـ. (ج) حديث علي بن أبي طالب ﵁ (رقم ١٩٦) يرفعه إلى النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "أمَا ترضى أَنْ تكونَ رابعَ أرْبَعَةٍ، أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَنَا، وأَنْتَ، والحَسَن والحُسَيْن ﵃، وأزوَاُجنا عن أيْمَانِنا وشمائِلنا، وذُرِّيَّتُنا خَلْفَ أَزوَاجِنا". قال المؤلف عقبه: "أخرجه الثَّعلبيُّ بنسدٍ فيه الكُدَيْمِيُّ، وهو ضعيف". وهذا الحكم على الحديث فيه نظر، وذلك أنَّ قوله في حقِّ الكُدَيْمِيُّ، (وهو محمد بن يونس بن موسى) ضعيف، فيه شيء من التساهل! وهو في ذلك تَابَع شيخه الحافظ ابن حجر كما في "التقريب" (ص ٩١٢)؛ والذي عليه أكثر الأئمة اتِّهام الكُدَيْميّ وترك روايته.
٢٠٧ - وعن سفيان بن اللَّيل، عن الحسن بن علي، عن أبيه علي ابن أبي طالب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَوَّلُ من يَرِدُ عليَّ حَوْضِي أَهْلُ بَيْتِي، ومَنْ أَحبَّني مِنْ أُمَّتي". أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوائل" (¬١)، ومن طريقه الدَّيلميُّ في "مسنده" (¬٢) من طريق السَّرِيِّ بنِ إسماعيل أحدِ الهَلْكى، وسفيان هذا كان غاليًا في الرَّفض (¬٣). ومع هذا فقد جمع الطَّبرانيُّ بينه وبين حديث: "أوَّلُ النَّاسِ يَرِدُ عليَّ الحَوْضَ
قال الذهبي في "الميزان": "أحد المتروكين". وقال في "التذكرة": "هو واهٍ". وقال ابن عدي: "قد اتُّهم بالوضع، وادَّعى الرِّواية عمن لم يرهم، ترك عامةُ شيوخنا الرِّواية عنه". وقال ابن حبان: "لعلّه وضع أكثر من ألف حديث! "، وقال الحاكم: "ذاهب الحديث، تركه ابن صاعد، وابن عُقْدة، وسمع منه ابن خزيمة ولم يُحدِّث عنه". وقال الإِمام أحمد: "حسن المعرفة ما وُجِدَ عليه إلَّا لصحبته للشاذكوني". وقال موسى بن هارون وهو متعلِّق بأستار الكعبة: "اللَّهُمَّ إني أشهد أنَّ الكُدَيميّ كذَّابٌ يضع الحديث". وقال قاسم المطرز: "أنا أجاثي الكُدَيميّ بين يدي الله وأقول: يكذب على نبيِّك! ". واتَّهمه الدَّارقطنيُّ بالوضع. وقال الحافظ ابن حجر كما مضى: "ضعيف". وأما إسماعيل الخطبيّ فقال: "ثقة! ما رأيت جمعًا أكثر من مجلسه"؛ فخالف جميع مَنْ سبق!
- انظر: "الميزان" (٦/ ٣٧٨)، و"التهذيب" (٩/ ٥٣٩)، و"تذكرة الحفاظ" (٢/ ٦١٨)، و"التقريب" (ص ٩١٢). ثم إنَّ الإسناد مسلسل بالضُّعفاء، فقد فات المؤلف النظر في حال رجلين من رجال الإسناد، أحدهما أضعف من الآخر، وهما: • الأول: إسماعيل بن عمرو البَجَليّ. ضعَّفه أبو حاتم والدَّارقطنيُّ. وقال ابن عدي: "حدَّث بأحاديث لا يُتابع عليها". وذكره ابن حبان في "ثقاته"! وأثنى عليه إبراهيم بن أروْمة. انظر: "الثقات" (٨/ ١٠٠)، و"الميزان" (١/ ٣٩٩). • الثاني: هو عمر بن موسى بن وجيه الوجيهيّ الحمصيّ. قال أبو حاتم: "متروك الحديث، ذاهب الحديث، كان يضع الحديث ويروي المناكير". وقال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك الحديث". وقال ابن معين: "ليس بثقة". وقال الدَّارقطنيّ: "متروك". وقال ابن عدي: "هو بيِّن الأمر في الضعفاء، وهو في عداد من يضع الحديث متنًا وسندًا". انظر: "الميزان" (٥/ ٢٧١)، و"مختصر الكامل" (ص ٥١١)، و "الإِكمال فيمن له رواية في المسند" (ص ٣٠٨).
المذكورة في الحديث الأوَّل، مع صحَّة هذا وضَعْفِ ذاك. وكذا وَرَدَ في أوَّل ما يَرِدُ عليه الحوضَ غير هذين، وهم "المتحابُّون في الله" (¬١)، وأصحُّها حديث الفقراء. ٢٠٨ - وعن ليث بن أبي سُلَيْم، عن مجاهد, عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "أوَّلُ مَنْ أَشفعُ له مِنْ أُمَّتِي أَهْلُ بيْتي، ثم الأَقربُ فالأَقربُ مِنْ قريش، ثم الأَنصارُ، ثم مَنْ آمَنَ بي واتَّبَعَني من اليمن، ثم مِنْ (¬٢) سَائر العربِ, ثم الأعاجمُ، وأوَّلُ مَنْ أَشْفَعُ له أوَّلًا أفضل". أخرجه أبو طاهر المُخلِّص (¬٣) في السَّادس من حديثه (¬٤)، والطَّبرانيُّ (¬٥)، وغيرهما، كالدَّارقطنيِّ (¬٦) في أوَّل الرَّابع من "أفراده" (¬٧).
٣ - وَهْمُهُ في سياق قصةٍ لأبي جعفر المنصور مع الأوزاعي رحمهما الله: فقد أورد (ص ٢٩٥) خبرًا مفاده أنَّ الرَّشيد سأل الأوزاعيَّ عن لُبْسِ السَّواد، فقال: "إني لا أحَرِّمُهُ؛ ولكن أكرهه". قال: "ولِمَ؟ ". قال: "لأنه لا تُحلَّى فيه عروسٌ، ولا يُلبِّي فيه مُحْرِمٌ، ولا يُكفَّن فيه ميِّتٌ ... " إلخ القصة (¬١). ويظهر أنَّ المؤلف وَهِمَ في عزو هذا الخبر لهارون الرَّشيد؛ فإن القصة المذكورة وقعت بين الخليفة أبي جعفر المنصور والإمام الأوزاعيِّ، وليس بين الرَّشيد والثاني، وذلك لأمور: الأول: أنَّ الإِمام الأوزاعيَّ لم يدرك خلافة هارون الرَّشيد قطعًا؛ فإنَّ وفاته كانت سنة (١٥٧ هـ) في خلافة المنصور (¬٢)، والرَّشيد لم يبايَع بالخلافة إلَّا سنة (١٧٠ هـ)، فكيف يكون ذلك اللقاء؟ ! الثاني: أنَّ ولادة هارون الرَّشيد كانت سنة (١٤٩ هـ) في خلافة المنصور (¬٣)، فعلى هذا يكون اللقاء قد حصل بينهما وعمر الخليفة الرَّشيد آنذاك ثمان سنين؛ وهذا مستبعد جدًّا! الثالث: أنَّ الحافطين الذهبي وابنَ كثيرٍ ذكرا هذه القصة، وأنها وقعت للأوزاعي مع أبي جعفر المنصور، فقد دخل على المنصور ووعظه، فأحبَّه المنصور وعظَّمه، ولما أراد الانصراف استعفى من لُبْس السَّواد، فأجابه المنصور وأذِنَ له. فلما خرج، قال المنصور للرَّبيع: الحقه فاسأله لِمَ كره السَّواد؟ ولا تُعلِمُهُ أني قلتُ لك. فسأله الرَّبيع فقال: لأني لم أرَ مُحْرِمًا أحرم فيه، ولا ميتًا كُفِّن فيه، ولا عروسًا جُلِّيتْ فيه؛ فلهذا أكرهه. والله تعالى أعلم.
٢٠٩ - وعند الطَّبرانيِّ (¬١)، والبزَّار (¬٢)، وابنِ شاهين (¬٣)،
٤ - أنَّ المؤلف عقد بابًا كاملًا على أساس أحاديث ضعيفة أو موضوعة! فمثلًا الباب التاسع: (باب مكافأة الرَّسول ﵇ لمن أحسن إليهم في يوم القيامة)، فمجموع أحاديث هذا الباب أربعة. ثلاثة موضوعات، وواحد ضعيف. فلو أنه ترك ذلك لكان أولى في نظري، إلَّا أنَّ يُقال -ما سبق الإِشارة إليه- إنَّ مراده معرفة جميع ما ورد في هذا الباب.
٥ - إيراده بعض الحكايات الغريبة في الترغيب في إكرام أهل البيت: فلقد أورد عدة حكايات فيها شيء من النكارة، وأكثرها رؤى منامية، لا تقدِّم ولا تؤخِّر. ولذا فإني علَّقت على كل حكاية وما فيها من الملاحظات -خاصة المتعلقة بالعقيدة- بما يناسبها في موضعها. وقد يُعتذر للمؤلف بأنَّ جميع ما ذكره من تلك الحكايات إنما نقله عن المقريزي وعزاه إليه، وهو -أعني المقريزي- ممن عُرِفَ بميله الشَّديد لآل البيت، حتى إنه اتَّهمه البعض بالتَّشيُّع (¬١)؛ فكون الحافظ السَّخَاويِّ يحيل إليه؛ فإنه يجعل العهدة عليه.
٦ - بَابُ الأَمَانِ بِبَقَائِهِم وَالنَّجَاةِ في اقْتِفَائِهِمْ ٢١٠ - عن إياس بنِ سَلَمَة بن الأكوعَ، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "النُّجُومُ أمَانٌ لأهْلِ السَّماءِ، وأهْلُ بيتِي أمَانٌ لأُمَّتِي". أخرجه مُسَدَّدٌ (¬١)، وابنُ أبي شيبة (¬٢)، وأبو يعلى (¬٣)، في "مسانيدهم"، والطَّبرانيُّ (¬٤)، كلُّهم بسندٍ ضعيفٍ (¬٥). ٢١١ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "النُّجُومُ أمَانٌ لأهْلِ السَّمَاءِ, فإذا ذَهَبَ النُّجُومُ ذَهَبَ أهْلُ السَّمَاءَ، وأَهْلُ بَيْتِي أَمَانٌ لأهْلِ الأرض، فإذا ذَهَبَ أهْلُ بَيْتِي ذَهَبَ أهْلُ الأرض". أخرجه أحمد في
وقد نبَّه المؤلف في ترجمته من "الضوء" (¬١)، و "التبر" (¬٢) أنه كان يُكْثر الاعتماد على مَنْ لا يُوثق به من غير عزو! قلتُ: وأكثر تلك الحكايات لم يَعْزُها المقريزي لأحد ... وما جاء في أبواب الكتاب من الأحاديث والآثار يُغني عن كلِّ ذلك، وفي الصَّحيح غُنْية عن الضَّعيف كما هو مقرَّر. • وعلى كلٍّ فكما قال الأول: وَمَن ذَا الذي تُرْضَى سجاياه كلّها ... كفى المرء نبلًا أن تعدَّ معايبُه وبالله تعالى التوفيق، وعليه وحده التكلان، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله.
اسْتجلابُ ارتَقَاءِ الغُرَفِ بِحُبِّ أَقْرِبَاءِ الرَّسُولِ ﷺ وَذَوِي اِلشَّرَفِ تَألِيفُ الحَافِظِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحمنِ السَّخَاوِيِّ (٨٣١ - ٩٠٢ هـ) تحقِيق وَدَراسَة خالد بنْ أحمد الصُّمِّي بابطينْ الجُزءُ الأوّلُ (الجزء المحقق)
"المناقب" (¬١)، وذكره الدَّيلميُّ (¬٢) وابنه معًا بلا إسناد (¬٣). ٢١٢ - وعن قتادة، عن عطاء، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "النُّجُومُ أَمَانٌ لأهْلِ الأرضِ مِنَ الغَرَقِ، وأَهْلُ بيتي أَمَانٌ لأُمَّتي من الاختلافِ، فإذا خَالفتْها قَبِيْلَةٌ مِنَ العَرَب اخْتَلَفوا فَصَاروا حِزْبَ إبْلِيس". أخرجه الحاكم (¬٤) وقال: "صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه" (¬٥).
﷽ وصلَّى الله على سيِّدِنا محمَّدٍ (¬١) وآله وسلَّم (¬٢) الحمد لله الذي فضَّل أهْلَ البَيْتِ النَّبويِّ بالشَّرف (¬٣)، وجَعَلَ المعوَّل على اقتفاءِ مَنْهَلِهِم السَّويِّ المجانب للتَّقتير والسَّرف. وأكْرَمَ بالوقوفِ على مَرْتَبَتِهِم مَنْ اختاره، وألْهَمَ إلى العُكُوف على محبَّتهم من صيَّرها شِعَارَهُ ودِثَارَهُ (¬٤). وزَانَ قومًا بالسَّعي في مصالحهم فَهَانَ بما ألفوه لهم (¬٥) من الرعيْ قدرُ مكافحهم لتضمُّنِ ذلك الإِجلال لنبيِّنا المطَّلبيِّ الهاشميِّ القرشيِّ. وتحصَّن كلٌّ منهم بالامتثال في صنيعه من الرَّاشي والمرتشي، خصوصًا إنْ انضمَّ إليه الإحسانُ باللَّحظ للعلماء، لا سيَّما المحدِّثين (¬٦) الذين صاروا أقلَّ من القليل بيقين.
٢١٣ - وعن أبي إسحاق السَّبيعي، عن حَنَشِ بنِ المعْتمر الصَّنعانيِّ، عن أبي ذرٍّ ﵁، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَثَلُ أَهْلٍ بَيْتِي فيكم مَثَل سَفِينَة نُوحٍ في قَومِهِ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، ومَنْ تَخَلَّفَ عنها غَرِقَ، ومثل حطَّة لبني إسرائيل". أخرجه الحاكم من وجهين عن أبي إسحاق، هذا لفظ أحدهما (¬١). ٢١٤ - ولفظ الآخر: "أَلا إنَّ مَثَل أَهْلِ بيْتي فيكم مَثَلُ سَفِينة نُوح". وذكره



